شرح المفصل لابن يعيشفصل [تعدادهما]

فصل [تعدادهما]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وهما "ما", و"أن" في قولك: "أعجبني ما صنعت, وما تصنع", أي: صنيعك, وقال الله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ 1, أي: برحبها, وقد فسر به قوله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ 2. وقال الشاعر [من الوافر]: يسر المرء ما ذهب الليالي... وكان ذهابهن له ذهابا 3 وتقول: "بلغني أن جاء عمرو"، و"أُريد أن تفعل"، و"إنه أهل أن يفعل".وقال الله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ 4.

قال الشارح: ومن الحروف حرفان يكون كل واحد منهما وما بعده مصدرًا يُحْكَم على محلّه بالإعراب، ويقع فاعلاً ومفعولًا ومجرورًا، وهما "ما"، و"أنْ".
فأمّا "ما" إذا كانت والفعلَ مصدرًا؛ ففيها خلافٌ بين أصحابنا.
فسيبويه كان يقول 5: إنّها حرفٌ كـ"أنْ"، إلَّا أنّها لا تعمل عملَها، فيقول في "أعجبني ما صنعتَ": إِنّه بمنزلةِ "أعجبني أن قمتَ"، ويلزمه على هذا أن يقول: "أعجبني ما ضربتَ زيدًا"، كما تقول: "أن ضربتَ زيدًا".
قال المبرد: وكان يقوله.
والأخفش كان يرى أنها في هذه المواضع لا تكون إلَّا اسمًا، فإن كانت معرفة؛ فهي بمنزلةِ "الَّذِي" عنده، والفعل في صلتها كما يكون في صلةِ " الَّذِي"، ويرتفع كما يرتفع الفعل إذا كان في صلةِ "الذي".
وتكون نكرة في تقديرِ "شَيْء"، ويكون الفعل بعدها صفةً لها، وفي كِلا الحالين لا بد من عائدٍ يعود عنده إليها، فيُجيز: "أعجبني ما صنعتَ"، والمعنى: صنعتَهُ, لأنّ الفعل متعدٍّ، فجاز أن تُقدِّر ضميرًا يكون مفعولًا، ولا

يجوز عنده: "أعجبنى ما قمتَ"؛ لأنّ الفعل غيرُ متعدّ، فلا يصح تقديرُ ضمير فيه، ولذلك لا يجوز عنده: "أعجبني ما ضربتَ زيدًا"؛ لأن الفعل قد استوفى مفعولَه.
ولا يصح فيه تقديرُ ضميرِ مفعول آخرَ.
وممّا يؤيد مذهبَ سيبويه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ 1، فلو كانت "ما" هنا اسمًا، للَزم أن يكون في الجملة بعدها ضميرٌ، ولا ضميرَ فيها، ولا يصح تقديرُ ضمير؛ لأنّ الفعل قد استوفى مفعولَه.
فإن قيل: فأنت تقول: "أعجبني ما صنعت"، و"سرّني ما لبِستَ"، ويكون ثَمّ عائدٌ على معنى "صنعتَهُ"، و"لبستَةُ"، ولا يعود الضمير إلَّا إلى اسم، قيل: متى اعتقدتَ عودَ الضمير إلى "ما" كانت اسمًا لا محالةَ، ومتى لم تعتقد ذلك؛ فهي حرفٌ.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ 2 ففيه أيضًا دلالةٌ على أنّ "ما" حرفٌ، وليست اسمًا؛ لأنّه ليس في صلتها عائدٌ، والفعلُ لازمٌ ولا يتعدّى، ولا يصحّ تقديرُ إلحاق الضمير به.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ 3، ففيه قولان: أحدهما: أن "ما" فيه بمعنَى "مَنْ"، والمراد: والسماءِ ومَن بناها.
والقولُ الثاني: أنّ "ما" مع الفعل بمعنى المصدر، والمراد: وبنائها، فالقَسَمُ إذا بالسماء وبنائها، أقسم الله تعالى بهما تفخيمًا لأمرهما.
وعليه أكثرُ المفسّرين.
ومثلُه قول الشاعر [من الوافر]: يسرّ المرء... إلخ فالشاهد فيه قوله:"ما ذهب الليالي".
وذلك أنّه جعل "ما" مع ما بعدها من الفعل في موضع المصدر المرفوع بأنّه فاعلٌ، ولا عائدَ في اللفظ، ولا مقدَّرٌ، لأنّ الفعل لازمٌ، والمراد: يسرّ المرءَ ذَهابُ الليالي إمّا ليتناول وظيفتَه، وإذا رَجاءَ تبدّلِ حال، وهو في الحقيقة من عُمْره يُحْسَب.
وأمّا "أنْ"، فهي حرف بلا خلاف، وهي تدخل على الفعل الماضي والمضارع.
فإذا وقع بعدها المضارعُ، خلّصته للاستقبال كالسين و"سَوف"، وتصير "أنْ" في تأويلِ مصدر لا يقع في الحال، إنما تكون لِما لم يقع كما كان المضارع بعدها كذلك، والماضي إن وقعت على ماض.
والفرق بينها وبين "ما" أنّ "ما" تدخل على الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، و"أنْ" مختصّةٌ بالفعل، ولذلك كانت عاملة فيه، ولعدمِ اختصاصِ "ما" لم تعمل شيئًا، وذلك

قولك في الفعل: "يُعجِبني ما تصنع"، أي: صنيعُك، ودخولُها على الاسم قولك: "يعجبني ما أنت صانعٌ"، أي: صنيعُك.
وتقول: "بلغني أن جاء زيدٌ"، أي: مجيئُه، فيكون المصدر بمعنى الماضي, لأنّ "أنْ" دخلت على فعل ماض.
وتقول: "أُريد أن تفعل" أي: فعْلَك، فيكون المصدر لِما لم يقع؛ لأن "أنْ" دخلت على فعل مستقبل.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (1)، يُرْوَى برفع الجواب ونصبِه.
فمَن رفعه.
كان الخبر "أنْ" والعْعلَ، على تقديرِ: فما كان جوابُ قومه إلَّا قولَهم.
ومَن نصبه، كان خبرًا مقدمًا، و"أن قالوا" في موضع الاسم.

جارٍ التحميل