شرح المفصل لابن يعيشفصل [تقدُّم التمييز علي عامله]

فصل [تقدُّم التمييز علي عامله]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: " ولقد أبى سيبويه 1 تقدم المميز على عامله.
وفرق أبو العباس بين النوعين فأجاز نفساً طاب زيد، ولم يجز لي سمناً منوان, وزعم أنه رأي المازني, وأنشد قول الشاعر: 293 - [أتهجر ليلي بالفراق حبيبها]... وما كان نفساً بالفراق تطيب" 2

قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه لا يرى تقدُّمَ المميَّزِ على عامله فعلًا كان العاملُ، أو معنًى، لا يُجَوّز أن تقول: "عَرَقًا تَصبّبَ زيدٌ"، ولا "نفسًا طِبْتُ"، وكذلك لا يُجوِّز "سمنًا عندي منوان"، ولا "بُرًّا عندي قفيزان" على تقديرِ: عندي منوان سمنًا، وقفيزان برًّا.
أمّا إذا كان العاملُ معنى غيرَ فعل، فأمرُ امتناع تقديمِ معموله عليه ظاهرٌ، لضُعْفِ عامله، وكذلك يمتنع تقديمُ الحال على العامل المعنوَىِّ، فلا تقول: "قائمًا في الدار زيدٌ" على إرادةِ: في الدار زيدٌ قائمًا.
وأما إذا كان العاملُ فعلاً متصرِّفًا، فقَضِيَّةُ الدليل جوازُ تقديم منصوبه عليه لتصرفِ عامله، إلَّا أنّه منع من ذلك مانعٌ، وهو كونُ المنصوب فيه مرفوعًا في المعنى من حيث كان الفعلُ مسنَدًا إليه في المعنى والحقيقة، ألا ترى أنّ التصبّب في قولك: "تصبّب زيدٌ عرقًا، وتفقّأ شحمًا" في الحقيقة للعرق والتفقّؤ للشحم، والتقديرُ: تصبّب عرقُ زيدٍ، وتفقّأ شحمُه، فلو قدّمناهما، لأوْقعناهما موقعًا لا يقع فيه الفاعلُ, لأنّ الفاعل إذا قدّمناه، خرج عن أن يكون فاعلاً، وكذلك إذا قدّمناه، لا يصحّ أن يكون في تقدير فاعلٍ، نُقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعًا لا يقع فيه الفاعلُ.
فإن قيل: فأنت إذا قلت: "جاء زيدٌ راكبًا" نصبتَ "راكبًا" على الحال، وجاز لك تقديمُه، فتقول: "راكبًا جاء زيدٌ"، والمنصوبُ هنا هو المرفوعُ في المعنى، فما الفرقُ بينهما؟ قيل: نحن إذا قلنا: "جاء زيدٌ راكبًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا ومعنًى، وبقي المنصوب فضلةً، فجاز تقديمُه، وأمّا إذا قلنا: "طاب زيدٌ نفسًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا, ولم يستوفِه من جهة المعنى، فلذلك لم يجز تقديمُ المنصوب، كما لم يجز تقديمُ المرفوع.
وقد ذهب أبو عثمان المازني، وأبو العبّاس المبرّدُ، وجماعةٌ من الكوفيين 1 إلى جوازه، واحتجّوا لذلك ببيتٍ أنشدوه، وهو [من الطويل]: أَتَهْجُرُ سَلْمَى بالفِراق حَبِيبَها... وماكَادَ نفسا بالفِراق تَطِيبُ = ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
"وما": الواو: حاليّة، و"ما": نافية.
"كاد": فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير الشأن.
"نفسًا": تمييز منصوب.
"بالفراق": جار ومجرور متعلّقان بـ "تطيب".
" تطيب": فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
وجملة "أتهجر... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "وما كاد... ": في محلّ نصب حال.
وجملة "تطيب": في محلّ نصب خبر "كاد".
والشاهد فيه قوله: "نفسًا" حيث وردت تمييزًا متقدمًّا على عامله "تطيب"، والأصل: "تطيب نفسًا".
وقد جوّزه بعضهم، واعتبره بعضهم الآخر ضرورة.

أراد: وما كاد تطيب نفسًا بالفراق، ولا حجّةَ في ذلك لقلَّته، وشُذوذِه مع أنّ الرواية: وما كاد نفسي بالفراق تطيب، هكذا قال أبو إسحاق الزجّاجُ.

[أصل التمييز]

قال صاحب الكتاب: "واعلم أن هذه المميزات عن آخرها أشياء مزالةٌ عن أصلها, ألا تراها, إذا رجعت إلى المعنى, متصفةً بما هي منتصبة عنه, ومنادية على أن الأصل: عندي زيت رطل، وسمن منوان، ودراهم عشرون، وعسل ملء الإناء، وزبد مثل التمرة، وسحاب موضع كف.
وكذلك الأصل وصف النفس بالطيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالإشتعال، وأن يقال: طابت نفسه، وتصبب عرقه، واشتعل شيب رأسي لأن الفعل في الحقيقة وصف في الفاعل.
السبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد".

قال الشارح: اعلم أنّك إذا أردت أنّ تُخبِر أنّ عندك جنسًا من الأجناس، وله مقدارٌ معلومٌ: إما كَيْلٌ، وإِمّا وزنٌ، وِإمّا غيرُهما من المقادير، جعلتَ المقدار وصفًا لذلك الجنس لتُوضِحه، وتُبيَّن كَمَّيَّتَه, لأنّ الأوصاف تُوضِح الموصوفين، وتُزِيل إبهامَها، فتقول: "عندي خَلٌّ راقودٌ"، و"ثوبٌ ذِراعٌ"، و"دَراهِمُ عشرون"، ومن ذلك قولُ العرب: "أَخَذَ بنو فلانٍ من بني فلان إبلا مائة".
قال الأعشى [من الطويل]: 1 - لَئِنْ كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامَة... ورُقِّيتَ أَسْبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ

وساغ ذلك, لأنّ المقادير إذا انفردتْ، كانت نَعْتًا لِما قبلها لِما تَضمّنَ لَفْظُها من الطُّول والقَصْرِ، والقِلّةِ والكثرةِ، فإذا قال: "رأيت ثوبًا ذِراعًا"، فكأنّه قال: "قصيرًا"، وإذا قال: "رأيتُ ثوبًا خمسين ذراعًا"، فكأنّه قال: "طويلًا".
وإذا قال: "مررتُ بإبلٍ مائةٍ"، فكأنّه قال: "كثيرةٍ".
وكذلك تقول: "مررتُ ببُرٍّ قَفيزٍ"، و"بعَسَل رَطْلٍ"، فيكون جميعُ ما مررتَ به من البرّ قفيزًا واحدًا، وجميعُ ما مررت به من العسل رطلًا واحدًا، إلَّا انّهم قد يُقدِّمون الوصفَ الذي هو المقدارُ لضربٍ من المبالغة وتأكيدِ العِناية به، فيقولون: "عندي راقودٌ خلاًّ، ورطلٌ عسلًا"، ولم يحسن أنّ يُجعل وصفًا لِما قبله من المقدار، إذ كان جَوْهرًا ليس فيه معنى فعلٍ، وكانت إضافةُ الأوّل إليه سائغةً، إذ كان منه، فتقول: "راقودُ خلٍّ، ورطلُ عسلٍ"، والمعنى: مِن خلٍّ، ومِن عسل، كما تقول: "ثوبُ خزٍّ، وخاتمُ ذهبٍ"، والمرادُ: ثوبٌ من خزّ، وخاتمٌ من ذهب.
وإن شئت نوّنت، ونصبت على التمييز على ما تقدّم، وإذا قلت: "عندي عسل رطلٌ، وخلٌّ راقودٌ"، فقد أتيتَ به على الأصل، وإذا قدّمتَ، وقلت: "عندي رطلٌ عسلًا، وراقودٌ خلّا"، فقد غيّرتَهما عن أصلهما لِما ذكرناه من إرادةِ المبالغة والتأكيدِ في الإخبار عن مقدارِ ذلك النوع، فهذا المرادُ من قوله: ألا تراها إذا رجعتَ إلى المعنى متّصفة بما هي منتصبةٌ عنه، يريد أنّها منتصبةٌ بالمقادير التي قبلها, لشَبَهها بأسماء الفاعلين على ما تقدّم، وهذه المقاديرُ الناصبةُ لها أوصافٌ في الحقيقة على ما بيّنّا أنّ الأصل في قولك: "عندي راقودٌ خلًا ورطلٌ زيتًا": عندي خلٌّ راقودٌ، وزيتٌ رطلٌ.
وقوله: "ومناديةٌ على أنّ الأصل كذا"، يريد أنّه مفهومٌ منها معنى الوصفيّة، وإن لم يكن اللفظُ على ذلك، وكذلك القولُ في قولك: "طاب زيدٌ نفسًا"، و"تصبّب عرقًا، وتفقّأ شحمًا" المعنى على وصف النفس بالطّيب، والعَرَقِ بالتصبّب، والشحمِ بالتفقؤ، والشَّيبِ بالاشتعال، فإذا قلت: "طاب زيدٌ نفسًا"، فتقديرهُ: طابتْ نفسُ زيد، وإذا قلت: "تصبّب عرقًا"، فتقديرُه: تصبّب عرقُه، وإذا قلت: "تفقّأ شحمًا زيدٌ"، فتقديرُه: تفقّأ شحمُ زيد، وإنّما غُيرت بأن يُنقَل الفعل عن الثاني إلى الأوّل، فارتفع بالفعل المنقول إليه، وصار فاعلاً في اللفظ، واستغنى الفعلُ به، فانتصب ما كان فاعلاً على التشبيه بالمفعول، إذ كان له به تعلُّقٌ، والفعلُ ينصِب كلَّ ما تَعلّق به بعد رفع الفاعل.
وقوله: "لأنّ الفعل في الحقيقة وصفٌ في الفاعل"، يريد الفعلَ الحقيقىَّ، وهو الحَدَثُ، وذلك وصفٌ في الفاعل، فإذا أخبرتَ عن فاعلٍ بفعل لا يصح منه، كان = في جب": جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب، وفي محل جزم بـ "إنْ" عند بعضهم.
وجملة "رقيت": معطوفة على جملة "كنت".
والشاهد فيه قوله: "جب ثمانين قامةً" حيث وصف "جُبّ" بـ"ثمانين"؛ لأنها تنوب مناب طويل أو عميق.

مُحالًا، نحوَ قولك: "تكلّم الحجر"، و"طار الفرسُ"، فالحجرُ لا يوصَف بالكلام، ولا الفرسُ بالطيَران إلَّا أن تريد المَجَاز.
كذلك قولُك: "طاب زيدٌ، وتصبّب، وتفقّأ"، لا يوصَف زيدٌ بالطّيب، والتصبّبِ، والتفقّؤ، فعُلم بذلك أنّ المراد المجازُ، وذلك أنّه في الحقيقة لشيء من سَبَبه، وإنّما أُسند إليه مبالغةً وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أنّ الفعل كان مسندًا إلى جُزْءٍ منه، فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغُ في المعنى.
والتأكيد أنّه لمّا كان يُفهَم منه الإسناد إلى ما هو منتصِبٌ به، ثمّ أُسند في اللفظ إلى زيد، تمكَّن المعنى، ثمّ لمّا احتمل أشياء كثيرةً، وهو أنّ تَطِيب نفسُه بأن تنبسِط، ولا تنقبِضَ، وأن يطيب لسانُه بأن يَعْذُب كلامُه، وأن يطيب قَلْبُه بأن يَصْفُوَ انجلاؤُه، تَبيّنَ المرادُ من ذلك بالنكرة التي هي فاعلٌ في المعنى، فقيل: "طاب زيدٌ نفسًا"، وكذلك الباقي، فهذا معنى قوله: "والسببُ في هذه الإزالة قَصْدُهم إلى ضربٍ من المبالغة والتأكيد"، فاعرفه.

جارٍ التحميل