شرح المفصل لابن يعيشفصل [تعدادها]

فصل [تعدادها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "الذي" للمذكر, ومن العرب من يشدد ياءه.
و"اللذان" لمثناه, ومنهم من يشدد نونه و"اللذين"- وفي بعض اللغات- "اللذون" لجمعه.
و"الأولى" و"اللاؤون" في الرفع, و"اللائين" في الجر والنصب.
و"التي" لمؤنثه, و"اللتان" لمثناه, و"اللاتي" و"اللات" و"اللائي", و"اللاء" و"اللاي", و"اللواتي" لجمعه.

قال الشارح: معنى الموصول أن لا يتِم بنفسه، ويفتقِر إلى كلام بعده، تصلُه به ليَتِم اسمًا، فإذا تَم بما بعده، كان حكمُه حكمَ سائر الأسماء التامّة، يجوز أن يقع فاعلًا، ومفعولاً، ومضافًا إليه، ومبتدأ، وخبرًا.
فتقول: "قام الذي عندك"، فموضعُ "الذِي" رفعٌ بأنه فاعلٌ.
وتقول: "ضربتُ الذي قام أبوه" فموضعُه نصب بأنه مفعول.
وتقول: "جاءني غلامُ الذي في الدار"، فيكون موضعُ "الَّذي" خفضًا بإضافةِ الغلام إليه، وتقول: "الذي في الدار زيدٌ"، فيكون موضعُ "الذي" رفعًا بأنه مبتدأ.
وتقول: "زيدٌ الذي أبوه قائمٌ"، فموضعُ "الَّذي" رفع بأنه خبر المبتدأ.
ولهذا المعنى من احتياجه في تَمامه اسمًا إلى جمله بعده تُوضِحه، وجب بناؤُه؛ لأنه صار كبعضِ الكلمة، وبعضُ الكلمة لا يستحِقّ الإعرابَ، أو لأنّه أشبهَ الحرف من حيث إنه لا يُفيد بنفسه، ولا بدّ من كلام بعده، فصار كالحرف الذي لا يدل على معنى في نفسه، إنما معناه في غيره، ولذلك يقول بعضُهم: إن الموصول وحدَه لا موضعَ له من الإعراب، وإنما يكون له موضعَ من الإعراب إذا تم بصلته.
والصوابُ عندي أن الإعراب للاسم الأول الموصولِ، ومجرَى الصلة من الموصول مجرَى الصفة من الموصوف، فكما لا يتوقف إعرابُ الموصوف على تمامه بالصفة، كذلك لا يتوقف إعرابُ الموصول على تمامه بالصلة.
ويُوضِح ذلك لك أتى المُعْرَب من الموصولات يظهر الإعرابُ فيه، نحوَ: "أي"، ألا تراك تقول: "جاءني أيُّهُمْ أبوه قائمٌ"، ولارأيت أيَّهم أبوه قائمٌ"، و"مررت بأيَّهم أبوه قائم"، فكما أن الإعراب هنا ظاهر في "أي"، كذلك ينبغي أن

يكون في "الذي" وأخواتِها، إلا أن الفرق بين الصلة والصفة، أنّ الجملة إذا كانت صفة كان لها موضعٌ من الإعراب؛ لأنها واقعةٌ موقعَ المفرد، إذ كانت الصفةُ تكون بالمفرد، والصلةُ لا موضعَ لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقعَ المفرد؛ لأنّ الصلة لا تكون مفردًا.
واعلمْ أن الموصولاتِ ضربٌ من المُبْهَمات، وإنما كانت مبهمةٌ لوقوعها على كل شيء من حَيَوان وجَماد وغيرِهما، كوقُوعِ "هذَا"، و"هؤُلاءِ" ونحوِهما من أسماء الإشارة على كل شيء.
وجملةُ الأمر أن الموصولات تسعةٌ، وهي "الذِي"، و"التِي"، وتثنيتُهما وجمعُهما، و"مَنْ"، و"مَا" بمعناهما، واللام بمعنَى "الذي"، و"أيٌّ"، و"ذُو" في لغةِ طَيِّئٍ، و"ذَا" إذا كان معها "مَا"، وَ"الألى" في معنَى "الذينَ".
فأمّا "الذِي"، فيقع على كل مذكر من العُقلاء وغيرهم، تقول: "جاءني زيدٌ الذي قام أبوه"، و"رأيت الثوْب الذي تعرفُه"، قال الله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ 1، وقال تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ 2. وفيها أربعُ لغات.
قالوا: "الذِي" بياء ساكنة، وهو الأصل فيها.
و"اللَّذ"، بكسر الذال من غيرِ ياء، كأنّهم حذفوا الياء تخفيفًا، إذ كانت الكسرةُ قبلها تدلُّ عليها، فعلوا ذلك كما قالوا: "ياغُلامِ"، و"يا صاحبِ"، بالكسرة اجتزاء بها عن الياء.
الثالثُ: "اللَّذْ"، بسكون الذال، ومُجازُه أنهم لما حذفوا الياء اجتزاء بالكسرة منها، أسكنوا الذال للوقف، ثمّ أجروا الوصل مُجرى الوقف، كما قالوا [من الرجز]: مِثْل الحَرِيق صادَفَ القَصَبَّا 3 وهو من قبيل الضرورة، وعند الكوفيين قياسٌ لكثرته.
الرابعُ: "الذِيُ"، بتشديد الياء للمبالغة في الصفة، كما قالوا: "أحْمَرِيٌّ"، و"أضفَرِيٌّ"، وكما قال [من الرجز]: والدَّهْرُ بالإنْسانِ دوارِيُّ 4 وليس منسوبًا.
وأصلُ "الَّذي": "لَذ"، كـ "عَم" و"شَج"، فاللامُ فاءٌ الكلمة، والذال عينها، والياء لامها.
هذا مذهبُ البصريين، وقال الكوفيون 5: الأصل في "الَّذي" الذال وحدَها، وما

عداها زائدٌ، فأصلُ "الَّذِي" كأصلِ "هذَا".
و"هذا" عندهم أصلُه الذال وحدها، فجَوْهَرُهما واحدٌ، وإنما يفترقان بحسبِ ما يلحَقهما من الزيادات المختلفة لاختلافِ معنيَيْهما.
واحتجّوا لذلك بأن قالوا: رأينا الياء تسقُط في التثنية، نحوِ قولك: "اللذانِ"، و"اللذيْن"، وقالوا في إحدى لغاتِها: "اللذْ"، بسكون الذال، قال الشاعر [من الرجز]: 1 - [فَظَلْتُ في شَرٍّ مِنَ اللذْ كيدا]... كاللذْ تَزَبى زُبْيَة فاصطِيدا وهو فاسدٌ, لأنه لا يجوز أن يكون اسمٌ في كلام العرب على حرف واحد، إلَّا أن يكون مضمرًا متصلًا.
ولو كان الأصل الذالَ وحدَها لَما جاز تصغيرَها.
والتصغيرُ ممّا يرُد الأشياءَ إلى أُصولها, ولا يدخل إلَّا على اسم ثُلاثي.
وقد قالوا في التصغير: "اللذَيا"، فالياءُ الأوُلى للتصغير، والألفُ كالعِوَض من ضمِّ أوله، والموجودُ بعد ذلك ثلاثةُ أحرف: اللام، والذال، والياء.
ولا يدُفَع المسموع وما عليه اللفظُ إلَّا بدليل، إذ الأصلُ عدمُ الزيادة.
وأمّا احتجاجُهم بحذفِ الياء في التثنية، نحو قولهم: "اللذانِ"، فإنما كان لالتقاء الساكنين، كما قلنا في "هذانِ"، ولم تثبت الياءُ وتتحركَ، فيقالَ: "اللذِيَانِ"، كما قالوا:

"العَمِيانِ"، لنقصِ تمكُنها وخروجِها إلى شَبَهِ الحروف.
والحروفُ جامدة لا تصرُّفَ لها كتصرَّفِ المتمكنة، وأما حذفُ الياء وإسكانُها؛ فلضرب من التخفيف كحَذفهم لها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ 1 في قراءةِ كثيرِ فن القُرّاءِ.
ومثلُه [من الكامل]: 488 - كَنَواحِ رِيشِ حَمامَة نَجْدِيَّةٍ... ومَسَحْتِ باللثَتَيْنِ عَصْفَ الإثْمِدِ وأمّا الألف واللام في "الذي" و"الَّتي"، وتثنيتِهما وجمعِهما، فذهب قومٌ إلى أنها زائدة للتعريف على حدّها في "الرجل"، و"الغلام"؛ لأنها معارفُ، والألف واللام مُعرِّفان، فكان إفادةُ التعريف بهما.
والذي عليه المحققون أنهما زائدتان، والمرادَ بهما لفظُ التعريف لا معناه، والذي يدل أنهما ليستا لمعنى التعريف أمران: أحدهما: أن الألف واللام في الموصولات زيادةٌ لازمةٌ، ولامُ التعريف لا نعرفُها جاءت لازمة، بل يجوز إِسقاطها، نحوُ: "الرجلُ" و"الغلامُ"، و"رجلٌ"، و"غلامٌ".
ولم نجدْهم قالوا: "لَذ"، كما قالوا: "غُلامٌ"، فلمّا خالفتْ ما عليه نظائرُها؛ دل على أنها زائدة لغيرِ معنى التعريف، كما يُزاد غيرُها من الحروف.
والأمرُ الثاني: أنا نجد كثيرًا من الأسماء الموصولة مُعَراة من الألف واللام، وهي مع ذلك مُعرَّفةٌ، وهي "مَن"، و"مَا"، و"أيٌّ"، نحوُ قولك: "ضربتُ مَنْ عندك"، و"أخذتُ ما أعطيتَني"، و"لأُكْرِمَن أيهُمْ في الدار".
فهذه الأشياءُ كلُها معارفُ، ولا ألفَ ولامٌ فيها كما كانتا في "الذي" و"الَّتي".
وإنما تعرُّفُها بما بعدها من صلاتها، وإذا ثبت أن الصلة مُعَرِّفةٌ، لم يكن الألفُ واللام فيما دخلا فيه من الموصولات مُعرَّفة أيضًا؛ لأن2

الاسم لا يَتعرَّف من جهتَيْن مختلفتَيْن.
وإذا ثبت أن الألف واللام لا يفيدان هنا التعريف؛ كان زيادتُهما لضرب من إصلاحِ اللفظ.
وذلك أن "الذي" وأخواته ممّا فيه لامٌ إنّما دخل توصُّلاً إلى وصفِ المَعَارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكراتٌ.
ألا ترى أنها تجري أوصافًا على النكرات، نحوَ قولك: "مررتُ برجلٍ أبوه زيد"، و"نظرتُ إلى غلام قام أخوه".
وصفةُ النكرة نكرةٌ.
ولولا أن الجمل نكراتٌ، لم يكن للمخاطب فيها فائدة؛ لأن ما تَعرَّف لا يُستفاد، فلمّا كانت تجرى أوصافًا على النكرات لتنكرها؛ أرادوا أن يكون في المعارف مثلُ ذلك، فليم يَسُغ أن تقول: "مررت بزيدٍ أبوه كريمٌ"، وأنت تريد النعت لـ "زَيد"؛ لأنه قد ثبت أن الجمل نكراتٌ، والنكرةُ لا تكون وصفًا للمعرفة.
ولم يمكن إدخالُ لام التعريف على الجملة؛ لأن هذه اللام من خَواصِّ الأسماء، والجملةُ لا تختص بالأسماء، بل تكون جملة اسمية، وفعليّة فجاؤوا حينئذ بـ "الذِي" متوصِّلين بها إلى وصف المعارف بالجمل، فجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صفة لـ "الذي"، وهو الصفة في اللفظ، والغرضُ الجملة، كما جاؤوا بـ "أيٍّ" متوصلين بها إلى نداءِ ما فيه الألف واللام، فقالوا: "يا أيُّها الرجلُ"، والمقصود نداءُ الرجل، و"أيٌّ" وُصلةٌ، وكما جاؤوا بـ "ذِي" التي بمعنَى "صاحب"، متوصّلين إلى وصف الأسماء بالأجناس، إلَّا أن لفَظَ "الذي" قبل دخولِ الألف وَاللام، لم يكن على لفظِ أوصافِ المعارف، فزادوا في أوّلها الألفَ واللام، ليحصُل لهم بذلك لفظُ المعرفة الذي قصدوه، فيتطابقَ اللفظُ والمعنى.
فإذا ثنيتَ "الَّذي"، قلت في الرفع: "اللَّذانِ"، وفي النصب والجرّ: "اللَّذَيْنِ".
واعلمْ أن جميعَ هذه الأسماء المُبهَمة، نحو: "الَّذي"، و"التي"، وأسماءِ الإشارة، ونحوِها ممَّا لا يُفارِقه التعريفُ لا يصح تثنيتُه.
فالتثنية فيه إنما هي صيغة موضوعةٌ للتثنية.
لأن التثنية إنما تكون في النكرات، نحوِ قولك: "رجل"، و"رجلان"، و"فرسٌ" و"فرسان".
فأمّا "زيدٌ"، و"عمرٌو"، و"زيدان"، و"عمران"، فإنك لم تُثَنه إلَّا بعد سَلْبه ما كان فيه من تعريفِ العَلَمية، حتى صار شائعًا كـ"رجلٍ" و"فرسٍ".
وإنما كان كذلك من قِبَل أن المعرفة لا يصح تثنيتُها؛ لأن حد المعرفة ما خص الواحدَ من جنسه، ولم يَشِع في أُمته.
وإذا ثُنّي، فقد شُورِكَ في اسمه، وخرج عن أن يكون معرفة.
وإذا ثبت أن المعرفة لا تصح تثنيتُها مع بَقاءِ تعريفها، فما لا يصح تنكيرُه، لا تصح تثنيتُه.
ولما كانت هذه الأسماءُ ممّا لا يصح اعتقادُ التنكير فيها, لم تكن تثنيتها تثنية حقيقية، وإنما هي صيغةٌ موضوعة للدلالة على التثنية، إلَّا أنها جرت على منهاجِ التثنية الحقيقية في الإعراب، لقُربها من الأسماء المتمكنة.
وممّا يؤيِّد أنها وَضْعيةٌ حذفُ الياء في التثنية.
ولو كانت تثنية صِناعيّة، لَثبت فيها الياءُ، كما تثبت في "عَمِ"، و"عَمِيانِ".
ومجرى النون فيها مجراها في "هذانِ".
وكانت مكسورة؛ لأنها جرت على منهاج التثنية الحقيقية، تقول:"رجلان"، و"فرسان"، بكسر النون، كذلك ههنا.
ومنهم من

يقول: دخلت النونُ في "اللذانِ"، و"اللَّتانِ" عوضًا من الياء المحذوفة، كما كانت في "هذانِ" كذلك.
ومنهم من لا يجعلها عوضًا من شيء؛ لأنها صيغةٌ موضوعة للتثنية على ما تقدم.
ومنهم من يُشدِّد النون، فيقول: "اللَّذان"، وقد قرأ ابن كَثِير: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ 1 بتشديد النون.
فمن خفف النونَ، فقد جرى على منهاج التثنية على حد نونِ "رَجُلانِ"، و"فَرَسانِ".
ومن شدّدها، فإنه جعل التشديد فَرْقًا بين ما يُضاف من المثنى، وتسقُط نونُه للإضافة، نحو: "غلاما زيدٍ"، و"صاحبا عمرٍو"، وبين ما لا يُضاف، نحو: "الذي"، و"التي"، وسائرِ المبهمات.
ومنهم من يقول: التشديدُ فرقٌ بين النون الداخلة عوضًا من الحركة والتنوينِ، وبين النون الداخلة عوضًا من حرف ساقط من نفس الكلمة، كأنّهم جعلوا لِما هو عوض من أصل الكلمة مَزِيَّة على ما هو عوضٌ من شيء زائد ليس من الكلمة.
وتقول في الجمع: "الذينَ"، بالياء في الرفع والنصب والجرّ لا يختلف، لأنّه مبنىٌّ كالواحد، ومنهم من يقول: "اللَّذُونَ" في الرفعِ، و"الذينَ" في النصب والخفض يجعلُه كالتثنية، إذ كان على منهاجها في الصحَّة، والأول أكثرُ.
وأمّا "الألى" بمعنَى "الّذين" فهو جمعُ "الَّذي" من غير لفظه، كـ "رَجُل" و"نَفَر"، و"امرَأة" و"نِسوَة"، وهو بوزنِ "الحُطَم" و "اللُّبَد".
وأمّا "اللَّاءُ"، فهو بمعنَى "الذي"، نحوِ: "جاءني اللَّاءُ فَعَلَ كذا"، أي: الَّذِي فعل، فهو بوزنِ "رجلٌ مالٌ"، إذا كثُر مالُه، و"كَبشٌ صافٌ" إذا كثر صُوفُه، و "يَوْمٌ راحٌ"، إذا كثرتُ فيه الرِيح.
ويُجمع "اللاءُ" جمعَ السلامة كما فعلوا ذلك بـ "الذِي"، فقالوا: "اللَّاؤونَ" في الرفع، و"اللَّائِينَ" في النصب والجرّ.
وأمّا "الَّتِي"، فهي عبارة عن كل مؤنّث من حَيَوان وغيره، تقول: "جاءتَني المرأةُ التي تعرفُها"، و"رأيتُ الناقة التي عندك"، و"غُنِيتُ بالشجرة التَي حَمْلُها طيّبٌ"، والكلامُ فيها كما الكلامُ في "الذِي".
والألفُ واللام فيها زائدة كما كانت في "الذِي" لإصلاحِ لفظها لوصفِ المعارف.
وهي ثُلاثيهٌ، الاسمُ: اللامُ والتاء والياء, لأنه الموجود، والذي عليه اللفظُ، وقال الكوفيون: هي منقولة من "تَا" في الإشارة، وأصلُ "تَا" عندهم التاءُ وحدَها، والكلامُ عليها كالكلام في "الذي".
وفيها أربعُ لغات كلغاتِ "الَّذي".
يقولون: "الَّتِي" بإسكان الياء، واللّتِ بالكسر، واللَّتْ بالسكون، واللَّتِيُّ بالتشديد.
والكلامُ عليها كالكلام على "الذِي"، وقد تقدم ما فيه مَقْنَعٌ.

وتُثنِي "التِي"، فتقول: "اللتانِ" في الرفع، و"اللَّتَيْنِ" في النصب والجرّ، وهو معربٌ, لأن مِنهاجَ التثنية لا يختلف، ولا تكون إلَّا من لفظِ الواحد، وليس كذلك الجمع، فإنّه يختلف، فيكون جمعٌ أكثرَ من جمع، ولا تكون تثنيةٌ أكثرَ من تثنية، ويكون الجمعُ من غير لفظِ واحده، كالنفَر، والنسْوَة، والإبِل، فلذلك حافظوا على التثنية، وأجروها في الإعراب على منهاج واحد، وتركوا الجمع على حاله من البناء كواحده.
ويقولون في جمع "التِي": "اللَّاتِي"، على وزنِ "القاضِي"، و"اللّائِي"، و"اللَّاءِ" بغير ياء، كما قالوا في "الذِي": "الألى"، فأتوا به على غير لفظ الواحد.
قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 1. وربما قالوا: "اللوَائِي"، و"اللوَاءِ" بغيرِ ياء، كما قالوا: "اللوَاتِي"، و"اللوَاتِ"، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: واللام بمعنى "الذي" في قولهم: "الضارب أباه زيدٌ" أي: الذي ضرب أباه, و"ما", "من" في قولك: "عرفت ما عرفته ومن عرفته", و"أيهم" في قولك: "أضرب أيهم في الدار", و"ذو" الطائية الكائنة بمعنى "الذي" في نحو قول عارق [من الطويل]: 489 - [لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم]... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه "وذا" في قولك: "ماذا صنعت", بمعنى: "أي شيء الذي صنعته.
2

قال الشارح: قد ذكرنا عدةَ الأسماء الموصولة، وقد تقدم الكلام على "الذِي"، و"التي"، وتثنيتهما، وجمعهما.
فأمّا الألفُ واللام، فتكون موصولة بمعنَى "الذي" في الصفة نحوِ اسم الفاعل، واسم المفعول، تقول: "هذا الضاربُ زيدًا"، والمراد: الَّذي ضرب زيدًا، و"هذا المضروبُ" والمراد الذي ضُرب، أو يُضرَب.
وذلك أنهم أرادوا وصفَ المعرفة بالجملة من الفعل، فلمّا لم يُمكِن ذلك لتَنافِيهما في التعريف والتنكير، توصلوا إلى ذلك بالألف واللام، وجعلوها بمعنَى "الَّذي"، بأن نَوَوْا فيها ذلك، ووصلوها بالجملة، كما وصلوا "الذي" بها، إلا أنه لما كان من شأنها أن لا تدخل إلا على اسم، حوَّلوا لفظَ الفعل إلى لفظ الفاعل، أو المفعول، وهم يريدون الفعل.
فإذا قلت: "الضاربُ"، فالألفُ واللام اسم في صورة الحرف، واسمُ الفاعل فعل في صورة الاسم.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: "هْذا ضاربٌ زيدًا أمسِ"، فتُعمِلَه فيما بعده بل تُضيفه ألبتةَ؟ ويجوز أن تقول: "هذا الضاربُ زيدًا أمس"، فتُعمِلُه، لأنّك تنوي بـ "الضارب" الذي ضَرَبَ.
ومتى لم تَنوِ بالألف واللام "الذي"، لم يحسن أن يعمل ما دخلا عليه، وصار كسائرِ الأسماء، ويؤيد ما ذكرناه أن الشاعر قد يُضطرَّ، فيُدخِل الألف واللام على لفظ الفعل من غيرِ أن ينقُله إلى اسم الفاعل، وما أقَلَّه! قال الشاعر [من الطويل]: فيُستَخْرَجُ اليَربُوعُ من نافِقائه... ومن جُحرِهِ ذِي الشيخَةِ اليَتَقَصَّعُ 1 وقال الآخر [من الطويل]: 490 - يقول الخَنَا وأبْغَضُ العُجْمِ ناطِقًا... إلى رَبهِ صَوْتُ الحَمارِ اليُجَدَّعُ2 = "أنتحين": لا محل لها من الإعراب لأنها جواب القسم، وجملة جواب الشرط محذوفة لدلالة جواب القسم عليه.
وجملة "أنا عارقه": صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه: مجيء "ذو" بمعنى "الذي" في لغة طيئ.

والمراد: الذي يتقصعُ، والذي يُجدَّع.
وقد اختُلف في هذه اللام، فذهب قومٌ إلى أنّها حرف وليست اسمًا، وإن نُوي بها مذهبُ الاسمية، ولذلك أُعرب الاسم الواقع بعدها بإعرابِ "الذي" بغيرِ صلة.
ولو كانت اسمًا، لكان الإعرابُ لها، وحُكِم على موضعها بالإعراب الذي يستحِقه "الذي".
وذهب قومٌ إلى أنها اسم، واحتجوا لذلك بعَوْدِ الضمير من الصفة بعدها إليها، كما يعود إلى "الذي" من صلتها.
والصوابُ الأول أنها حرف، إذ لو كانت اسمًا، لكان لها موضعٌ من الإعراب.
ولا خلافَ أنه لا موضعَ لها من الإعراب، ألا ترى أنها لو كان لها موضع من الإعراب، لكنت إذا قلت: "جاءني الضاربُ"، يكون موضعُها رفعًا بأنها فاعلٌ، فكان يؤدي إلى أن يكون للفعل الواحد فاعلان من غيرِ تثنية، أو عطفٍ: الألفُ واللام، واسمُ الفاعل.
وإذا قلت: "ضربتُ الكاتبَ"، يكون للفعل مفعولان، وذلك لا يجوز, لأن هذا الفعل لا يكون له أكثرُ من مفعول واحد.
وإذا قلت: "مررت بالضارب"، يكون لحرفِ الجرّ مجروران، وذلك مُحال.
وأما قولهم: إنه يعود إليها الضميرُ من الصفة، فلا تقول إن الضمير يعود إلى نفس الألف واللام، بل تقول إِنّه يعود إلى الموصوف المحذوف لأنك إذا قلت: "مررت بالضارب"، فتقديرُه: "مررت بالرجل الضارب"، فالضميرُ يعود إلى الرجل الموصوف المحذوف؛ لأنه في حكمِ المنطوق به، وتارة تقول: إِنه يعود إلى مدلولِ الألف واللام، وهو"الذِي"، فاعرفه.
وأمّا "مَنْ"، فإنّها تكون بمعنَى "الذي"، وتحتاج من الصلة إلى مثلِ ما احتاجت إليه "الذي"، إلَّا أنّها لا تكون إلَّا لذَواتِ مَن يعقِل، وهي اسم بدليلِ أنّها تكون فاعلة، نحوَ قولك: "جاءني من قام"، فموضعُ "مَنْ" رفعٌ بأنه فاعل، ومفعولة، نحوَ: "رأيت مَن عندك"، فيكون موضعُها نصبًا بأنه مفعول به كما تكون الأسماءُ كذلك.
ولا بد لها من ضمير يعود إليها، وذلك من خصائص الأسماء.
ويدخل عليها حروفُ الجرّ، نحوَ قولك: "مررت بِمَنْ عندك".
قال الله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1، وهي مبنية كما كانت "الَذِي" كذلك, لأنّ ما بعدها من الصلة من = مضاف.
"العجم": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ناطقًا": تمييز منصوب بالفتحة.
"إلى ربه": جار ومجرور متعلقان بـ "أبغض"."صوت": خبر مرفوع بالضمّة وهو مضاف.
"الحمار": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"اليجدع": "ال": اسم موصول بمعنى "الذي"، مبني على السكون في محل جر صفة لـ"الحمار"، يجدّع: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة، ونائب الفاعل: ضمير مستتر تقديره هو.
وجملة "يقول الخنا": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أبغض العجم... صوت": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يجدع": صلة الموصول لا محل لها الإعراب.
والشاهد فيه قوله:"اليجدع" حيث دخلت "ال" الموصولة بمعنى "الذي" على الفعل المضارع.

تمامها، فهي بمنزلةِ بعض الاسم، وبعضُ الاسم مبنى لا يستحِق الإعرابَ، وذلك نحوُ قولك: "جاءني مَن عندك"، أي: الذي عندك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ 1، إلَّا أنها تُفارِق "الذي" في أنها لا توصف كما توصف "الذي"، ولا يوصَف بها كما يوصف بـ "الذي".
ألا تراك تقول: "جاءني زيد الذي قام"، و"جاءني الذي قام الظريف"، فتصف "الذي"، وتصف بها, ولا تفعل ذلك في "مَن"؛ لخروجها عن شَبَهِ الأسماء المتمكِّنة، وشَبَهِها بالمضمرات بنَقْصِ لفظها.
ألا ترى أنّها على حرفَيْن، والأسماءُ الظاهرة لا تكون على أقل من ثلاثةِ أحرف.
فلمّا بعُدتْ من الظاهر، لم توصَف، ولم يوصَف بها.
وليس كذلك "الذي" فإِنها على ثلاثة أحرف، إذ أصلُها "لَذِ"، مثلُ: "عَم" و"شَج".
فإن قيل: إذا زعمتَ أنها لا تقع إلا على ذواتِ مَن يعقِل، فما تصنع بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ 2، والذي يمشي على بطنه، والذي يمشي على أربع ليسوا من العُقلاء؛ لأنّ الذي يمشي على بطنه من جنسِ الحَيات، والذي يمشي على أربع من جنسِ الأنعام والخيل؟ فالجوابُ أنّه لما خلط ما يعقل وما لا يعقل، غَفبَ جانبَ من يعقل، وذلك أنه قال: "فَمِنهُمْ"، فجمع كنايةَ من يعقل وما لا يعقل بلفظِ ما يعقل، فلمّا كان كنايةُ الجمع الذي فيه ما يعقل وما لا يعقل مثلَ كناية الجمع الذي ليس فيه ما لا يعقل، كان تفصيلُه كذلك، ولِـ "مَن"، مواضعُ غيرُ ذلك تُذكَر فيما بعدُ.
وأمّا "مَا"، فتكون موصولة بمعنى "الذِي"، تحتاج من الصلة إلى مثلِ ما تحتاج وهي مبنيةٌ لِما ذكرناه في "مَنْ"، من أنها هي وما بعدها اسمٌ واحدٌ، فكانت كبعضِ الاسم.
وهي تقع على ذواتِ ما لا يعقل وعلى صفاتِ من يعقل.
قال الله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)﴾ 3، أي: يُذاب ما في بطونهم وجلودُهم وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ 4، فأوقع "مَا" على ما كانوا يعبدون من الأصنام.
وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 5. وقد ذهب بعضهم إلى أنها تقع لِما يعقل بمعنَى "مَنْ"، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ 6، وبقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5)﴾ 7. وحكى أبو زيد من قول الِعرَب: "سبْحَانَ مَا سَخرَكُن لنا"، فأجرى "مَا" على القديم سبحانه، وهذاَ ونحوُه محمول عَندنا على الصفة، وقد ذكرنا أنّها تقع على صفاتِ من يعقل، فقولُه: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، بمعنَى:

الطَيب منهن.
وقولُه: ﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، بمعنَى: البانِي لها في أحدِ القولَين، والقولُ الآخر أن يكون بمعنى المصدر، أي: وبِنائِها.
وقولُهم: "سبحانَ ما سخركن لنا" بمعنَى المُسخر، ومهما جاء من ذلك، فمتأوَّلٌ على ما يَرجِعه إلى ما أصّلنا, ولها مواضعُ تُذكر أقسامُها فيها فيما بعدُ، إن شاء الله.
وأما "أَيٌّ"، فإنّها تكون موصولة أيضًا تحتاج إلى كلام بعدها، تتِمّ به اسمًا كاحتياجِ "الذِي" و"مَنْ"، و"مَا"، إذا كانا بمعنَى "الذي".
ويعمل فيها ما قبلها من العوامل كما تعمل في "الذي"، فتقول: لأضرِبَن أيَّهُمْ في الدار"، والمعنى "الذي في الدار" منهم، فـ "أيٌّ" بمنزلةِ "الذي"، إلَّا أنها تُفيد تبعيضَ ما أُضيفت إليه، ولذلك لزمتْها الإضافةُ.
ألا ترى أنك إذا قلت: "لأضربن الذي في الدار"، لم يكن في اللفظ دلالةٌ على أنّه واحدٌ من جماعة، كما تُفيد "أيٌّ" ذلك؟ وقد تُفرَد ومعناها الإضافة، نحوُ قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 1، والمعنى: أيَّ الاسمَين دعوتَ الله به، فله الأسماء الحسنى.
ولا بدّ من عائد في الجملة التي هي صلةٌ له.
ألا تراك تقول: "جاءني ايُّهُم قام أبوه"، والعائدُ الهاء في "أبوه"، وتقول:"لأضربَن أيَّهُم قام غلامُه، وأيَّهُم هو أحسنُ"؟ فإن حذفتَ العائد المرفوع الذي لا يحسُن حذفُه في "الذِي"، بُني على الضم، نحوَ قولك: "لأضربَن أيهُم أحسنُ".
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)﴾ 2، والمعنى أيَّهُم هو أشدُ.
وإنما بُنيت, لأن القياس فيها أن تكون مبنية على حد نظيرَيْها، وهما "مَنْ"، و"مَا"؛ لأنها إذا كانت استفهامًا، فقد تضمنتْ معنَى همزة الاستفهام؛ وإذا كانت جزاء، فقد تضمنت معنى حرف الجزاء، وهو" إنْ"؛ وإذا كانت خبرًا بمعنَى "الذي" فهي كبعضِ الاسم على ما أصلنا.
وإنما أُعربت لتمكنها بلزوم الإضافة لها حَمْلًا لها على نقيضها ونظيرها، وهو "بَعضٌ" و"كُلٌّ"، فلمّا حُذف العائد المرفوع الذي لا يحسن حذفُه مع "الذي"، دخلها نقصٌ بإزالتها عن ترتيبها، فعادت إلى أصلها.
ومقتضَى القياس فيها من البناء كما أنا "مَا" الحِجازيةَ إذا قدُّم خبرُها، أو دخلها الاستثناءُ الناقضُ لمعنَى الجَحْد، رُدّت إلى قياسِ نظيرها في الابتداء، نحوِ: "هَلْ"، و"إنَّمَا" ونحوِهما مما يكون بعده المبتدأ والخبر، وإنما بُني على الضم على التشبيه بـ "قَبْلُ" و"بَعْدُ"، و"يَا زيدُ"؛ لأنّه يكون مُعرَبًا في حال، ومبنيًّا في حال، كما تقول: "جئتُ من قَبْلِ ومن بَعْدٍ"، و"يَا رجلًا"، ثم تقول: "جئت من قبلُ

ومن بعدُ"، إذا أردت المعرفة، و"يَا زيدُ".
هذا مذهبُ سيبويه، والكوفيون يُخالِفونه في هذا الأصل 1، وينصبون "أيًّا" إذا وقع عليها فعلٌ، سواء حذفوا العائد من الصلة، أو لم يحذفوه، ولا فرقَ عندهم بين قولهم: "لأضربَن أيهم هو أفضلُ"، وبين "لأضربَن أيهم أفضلُ" ولا يضمّون "أيهُم" إلَّا في موضعُ رفع، فأمّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ 2، فإنهم يقرؤونها بالنصب، حكاه هارونُ القارئ عنهم، وقرأ بها أيضًا، وتأوّلوا الضم على وجوه: أحدُها: أنه معربٌ، وأنّه رفعٌ بأنه مبتدأ، و"أشَدُّ" الخبرُ، ويكون "أيٌّ" هنا استفهامًا، كأنه اكتفى بالجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾، كما يُقال: "لأقْتُلَن من كل قَبِيلٍ"، و"لآكُلَنّ من كل طَعام"، ثُم ابتدأ ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، وهو رأيُ الكسائي والفراء، وعلى هذا، لا يكون للجملة التي هي "أيُّهُم أشد" موضعٌ من الإعراب.
والوجهُ الثاني: أن يكون "أيُّهُم" أيضًا استفهامًا على ما ذكرنا، وهو رفعٌ بأنه مبتدأ، وما بعده الخبرُ، والجملةُ في موضع المفعول لقوله: ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾، والنزعُ بمعنى التبيين، فهو قريب من العِلم، فلذلك جاز تعليقُه عن العمل.
والوجه الثالث: أن يكون رفعًا على الحكاية، والمعنى: ثُم لننزعن من كل فَرِيق تَشايَعُوا الذي يُقال فيه: أيُّهم أشدُّ على الرّحمن عتيّا، وهو رأيُ الخليل 3، وشبّهه بقول الأخْطَل [من الكامل]: 491 - [ولَقَد أبيتُ من الفتاة بمنزلٍ]... فأبِيت لا حَرِجٌ ولا محرومُ4

وهذا بابُه الشعر، وفي حال الاختيار عنه مندوحة.
ويونسُ 1 يجعله من قبيلِ "أشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ" في تعليق الفعل عن العمل سواء كان من أفعال القلب، أو لا يكون، ويُجيز "لأضربن أيَّهُم هو أفضلُ"، ويُعلق الضرب.
وهذا ضعيف؛ لأن التعليق ضربٌ من الإلغاء.
ولا يجوز أن يُعلَّق من الأفعال عن العمل إلَّا ما يجوز إلغاؤه، والذي يجوز إلغاؤه أفعالُ القلب، نحوُ: "ظننتُ"، و"علمتُ"، والكوفيون لا يروون "لأضربنّ أيهُم قائمٌ" بالضم، ولا يقولونه إلَّا منصوبًا.
ويعضُد ما قالوا ما حكاه الجَرْمي، قال: من حينِ خرجتُ من الخَنْدَق، يعني خندقَ البصرة، حتّى صرتُ إلى مكةَ، لم أسمع أحدًا يقول: "اضرب أيهُم أفضلُ"، أي: كلهم ينصب.
وهذه الحكايةُ لا تمنع أن يكون غيرُه سمع خلافَ ما رواه، ويكونَ ما سمعه لغة لبعض العرب.
وذلك أنّ سيبويه سمع ذلك وحكاه.
ويدل على ذلك قولُه 2: وسألتُ الخليل عن قولهم: "اضرب أيّهم أفضلُ"، يعني العربَ، وقال: القياسُ هو النصب.
وتأوُّلُ الرفع على الحكاية، وأنشد أبو عمرو [من المتقارب]: 492 - إذا ما أتَيْتَ بَنِي مالك... فَسَلمْ على أيهُمْ أفْضَلُ3 = بالضمة.
"ولا": الواو: عاطفة، "لا": زادة لتوكيد النفي.
"محروم": اسم معطوف مرفوع بالضمة.
وجملة "أبيت": بحسب ما قبلها، (أو جواب قسم محذوف).
وجملة "أبيت" الثانية: معطوفة على الأولى.
وجملة "هو لاحرج": ني محل نصب مفعول به مقول قول محذوف، والتقدير: "أبيت مقولًا لي: هذا لا حرج ولا محروم".
والشاهد فيه قوله: "لا حرج ولا محروم" على الحكاية، وعند الخليل: حرج: خبر لمبتدأ محذوف ليس ضمير المتكلم.
وجملة المبتدأ المحذوف وخبره في محل نصب على الحكاية بقول محذوف أيضًا، وتقدير الكلام على هذا: فأبيت مقولًا في شأني: هو لا حرج ولا محروم.

وهذا نَصٌّ في محل النزاع، ولـ "أيِّ" و"ما" و"مَنْ" أقسامْ تُذكر فيما بعدُ إن شاء الله.
وأما "ذُو" فإنّ طَيِّئا تقول: "هذَا ذُو قال ذاك"، يريدون: الذِي قال ذاك.
وهي "ذُو" التي بمعنَى "صاحِب"، نقلوها إلى معنَى "الذِي"، ووصلوها بالجملة من الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر التي توصَل بها "الذي"، وبنوها لاحتياجها إلى ما بعدها كما كانت "الذي" مبنية، فقالوا: "هذا زيدٌ ذُو قام"، و"رأيت زيدًا ذو قام"، و"مررت بزيدِ ذو قام أبوه"، فيكون في حال الرفع والنصب والجرّ بالواو.
وهذه الواوُ عينُ الكلمة، وليست علامةَ الرفع.
وتقول "مررت بالمرأة ذو قامت، وبالرجلَيْن ذو قاما، وبالرجال ذو قاموا"، فيستوي فيه التثنيةُ والجمع والمؤنث.
قال الشاعر [من الوافر]: 1 - فإن الماءَ ماءُ أبِي وجَدي... وبِئْرِي ذُوحَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ = بـ "سلم".
"أفضل": خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هو أفضل".
وجملة "إذا ما أتيت... فسلم" الشرطية: ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أتيت... ": في محل جرّ بالإضافة.
وجملة "سلم": جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
وجملة "هو أفضل": صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "على أيَّهم" حيث جاء "أي" اسمًا موصولًا مضافًا وصلته محذوفة، والتقدير: "أيهم هو أفضل".
ولهذا بُني على الضم.
ويروى: "أيِّهم" معربة.

وصف البئر بـ "ذُو" وهي مؤنثة، ومن أبياتِ الحَماسة لمَنْظُور بن سحُيَمْ [من الطويل]: 1 - فإمَّا كِرامٌ مُوسِرُون أتَيْتُهُمْ... فحَسْبِيَ من ذُو عِنْدَهُمْ ماكَفانِيَا أي: مِن الذي عندهم، ووَصَلَه بالظرف كما تَصِل "الذِي" به في قولك: "جاءني الذي عندهم"، فأمَّا قوله [من الطويل]: لَئِنْ لم تُغَيرْ بعضَ ما قد صَنَعْتُمُ... لأنْتَحِيَنْ للعَظْمِ ذُو أنا عَارِقُهْ (2) = جملة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "حفرت": لا محلّ لها من الإعراب لأنّها صلة الموصول.
وجملة "ذو طويت": معطوفة على جملة لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "ذو حفرت وذو طويت" حيث استعمل "ذو" اسمًا موصولًا بمعنى "التي"، وأجراه على غير العاقل, لأنّ المقصود بها "البئر" وهي مؤنثة.

وقبلَه: حَلَفْتُ بِهَدي مُشْعَر بَكَراتُهُ... تَخُبُّ بصَحراءِ الغَبِيطِ دَرادِقُهْ فالبيت لعَارِق الطائي، وعارقٌ لقبٌ غلب عليه، لُقِّب بذلك لقوله في آخِرِ البيت: "ذُو أنا عارِقُهْ".
واسمُه قَيْس بن جِرْوَةَ بن سَيْف بن مالِك بن عمرو بن أبان.
ويُروى: "لَئن لم يُغيرْ"، ويروى: "لأنْتَحِيَن العَظْمَ".
والشاهد فيه جعلُ "ذُو" بمعنَى "الذِي" ووصلُها بالمبتدأ والخبر.
وقولُه: "لَئِنْ" فيما بين القَسَم والمُقسَم عليه تَوْطئةٌ للقسم، وجوابُ القسم "لأنتحين للعظم".
يقول: آلَيْتُ إن لم تُغير بعضَ صَنِيعك، لأقصِدن في مُقابَلته كَسرَ العَظم الذي صرتُ أعْرُقُه، أي: أنتزعُ اللحمَ منه.
جعل شَكْواه كالعَرْق، وجعل ما بعده إن لم يُغير مُعامَلتَه تأثيرًا في العَظم نفسِه.
وهذا وَعِيدٌ.
وذهب بعضهم إلى أنك تقول في المؤنث: "ذاتُ قالت ذاك"، وفي التثنية، والجمع، ويكون مضمومًا في كل حال.
وحُكي أنّه يجوز أن تقول في جماعةِ المؤنث: "ذَواتُ قلن"، وفي ذلك دلالةُ أنه منقول من "ذِي" التي بمعنَى "صاحب".
والفرق بين "ذُو" التي بمعنَى "الذِي" على لغةِ طيِّئ وبين "ذُو" التي بمعنَى صاحب من وجوه: منها أن "ذُو" في لغةِ طيىء توصَل بالفعل، ولا يجوز ذلك في "ذُو" التي بمعنى "صاحب".
ومنها أن "ذُو" في مذهبِ طيىء لا يوصَف بها إلَّا المعرفةُ، والتي بمعنَى "صاحب" يوصف بها المعرفة والنكرة.
إن أضفتَها إلى نكرة، وصفت بها النكرة، وإن أضفتها إلى معرفة، صارت معرفة، ووصفت بها المعرفة، وليست "ذُو" التي بمعنَى "الذِي" كذلك؛ لأنها مُعرَّفةٌ بالصلة على حد تعريفِ "مَن"، و"مَا".
ومنها أن التي في لغةِ طيىء لا يجوز فيها "ذَا" ولا "ذِي"، ولا تكون إلَّا بالواو، تقول: "مررت بالرجل ذُو قال"، أي: "الذي قال"، و"رأيت الرجلَ ذُو قال"، وليس كذلك التي بمعنَى "صاحب"، فاعرفه.
فأمّا "ذَا" من قولك: "مَاذَا صنعتَ" فهي على وجهَينَ: أحدُهما: أن تكون "مَا" استفهامًا، وهي اسم تام مرفوعُ الموضع بالابتداء، و"ذَا" خبرُه، وهي بمعنَى "الذي"، وما بعده من الفعل والفاعل صلتُه، والعائدُ محذوف، والتقديرُ: صنعتَهُ.
والوجه الثاني: أن تجعل "مَا"، و"ذَا" جميعًا بمنزلةِ "مَا" وحدَها، وتكون قد ركّبت من كلمتَين كلمة واحدةَ، نحوَ: "إنمَا"، و"حَيْثُمَا" ونحوِهما من المركبة، وتكون "مَا" مع "ذَا" في موضعِ نصب بـ "صَنَعْتَ"، ويكون جوابُ الأول مرفوعًا، وجواب الثاني منصوبًا؛ لأن الجواب بدلٌ من السؤال.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ 1، قرئ

برفعِ "العفو" ونصبِه 1، فالرفعُ على أن يكون "ذَا" بمعنَى "الذي"، والمعنى: مَا الذي ينفقونه.
قال الشاعر [من الطويل]: 495 - ألَا تَسْألانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ... أنَحْب فيُقضَى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ؟! والنصب على تركيبِ "مَا"، و"ذَا"، وجعلِهما معا كلمةَ واحدةَ في موضع منصوب بالفعل بعدهما، قال الله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ 3. فإن قيل: فهلَّا كانت "ذَا" في قولك "مَاذَا صنعتَ؟ " زائدة مُلغاةَ.
قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه لو كانت "ذَا" زائدة، لقلتَ في الجواب: "عَم ذَا تسألُ؟ " بحذفِ ألفِ "مَا"، كما تقول "عَمِّ تسألُ؟ " لأن "مَا" إذا كانت استفهامًا، ودخل عليها حرفُ الجرّ، حُذفت ألُفها، نحوَ قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ 4 و ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ 5، فلمّا ثبتت2

الألف، وقلتَ: "عَمّا ذَا تسأل؟ "؛ دل على أنهما رُكّبا تركيبَ "إنَّمَا"، وصارت الألفُ حَشْوًا.
والثاني: لو كانت مُلغاة، لكان التقديرُ في "مَاذَا تصنعُ؟ ": ما تصنعُ؟ وتكون في موضعِ نصب.
فلمّا قال [من الطويل]: أنَحب فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ فأبدل المرفوعَ من "مَا" دل أنّها مرفوعة بالابتداء، والخبرُ "ذَا"، والفعلُ صلة على ما ذُكر.

جارٍ التحميل