شرح المفصل لابن يعيشفصل

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "ثم إنك ترى النصب مختاراً ولازماً.
فالمختار في موضعين: أحدهما أن تعطف هذه الجملة على جملةٍ فعلية, كقولك: "لقيت القوم حتى عبد الله لقيته"، و"رأيت عبد الله وزيداً مررت به".
وفي التنزيل: ﴿يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً﴾ 2. ومثله: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة﴾ 3 ".

قال الشارح: يريد أنّ المسائل التي تقدّمت، وهي "زيدٌ ضربته"، و"عمرٌو مررت به"، و"زيدٌ ضربت أخاه"، المختارُ فيها الرفعُ، ثم يعرِض في هذا الباب أمورٌ يصير النصبُ بها مختارًا ولازمًا لا يجوز غيره.
قال: فالمختار في موضعين: أحدهما أن تعطف هذه الجملة على جملة فعليّة الخ، وذلك لأن العرب تختار مطابَقةَ الألفاظ ما لم تُفْسِد عليهم المعاني، فإذا جئت بجملةٍ صدّرتَها بفعل، ثمّ جئت بجملة أُخرى معطوفةٍ على الجملة الأولى، وفيها فعلٌ، كان الاختيارُ تقدير الفعل في الجملة الثانية، وبناءَ الاسم عليه، سواءَ ذكرتَ في الجملة الأولى منصوبًا أو لم تذكره، نحو: "قام زيدٌ وعمرًا كلَّمتُه"، إذ الغرضُ توافُق الجُمَل وتطابُقُها لا تختلف، وليس الغرضُ أن يكون فيها منصوبٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ 4، فرفع "القمر" ها هنا؛ لأن قبلة {وَآيَةٌ1

لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} 1، وهو مرفوع بالابتداء، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ 2، فنصب "كلاَّ", لأنّ قبله فعلاً وهو ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ 3، وأضمر له فعلاً نَصَبَه به، ثمّ عطفها على الأولى لتشاكُلهما في الفعلية.
وإذا كان النصبُ من غير تقدُّم فعلٍ جائزًا، كان مع تقدُّمه مختارًا، إذ فيه تشاكُلُ الجملتَيْن من غير نقضٍ للمعنى.
قال الله تعالى ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 4. لمّا كان قد تقدّم ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ 5. نصب "الظالمين" بإضمار "يُعذِّب الظالمين" أو "يُهِين".
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ 6. نصب "فريقًا"، لأنّ قبله "فريقًا هدى".
ونظائرُه في القرآن كثيرة.
ويجوز الرفع في الجملة الثانية، وإن كان قبلها جملةٌ فعليّةٌ، فتكون الجملةُ الثانيةُ كجملةٍ مبتدأةٍ، وليس قبلها فعلٌ، وذلك قولك: "لقيتُ زيدًا، ومحمّدٌ أكرمتُه" لم تحتفِل بتقدُّم الفعل الذي هو"لقيت زيدًا" إذ كانت جملة قائمة بنفسها، فصار كأنك قلت: "محمَّد أكرمته" ابتداءً، فعطفت جملة على جملة، كقولك: "قام زيدٌ، ومحمّدٌ أفضلُ منه"، فهذا لا يجوز فيه إلّا الرفعُ.

قال صاحب الكتاب: "فأما إذا قلت: "زيدٌ لقيت أباه, وعمرًا مررت به", فذهب التفاضل بين رفع "عمرو" ونصبه, لأن الجملة الأولى ذات وجهين".

قال الشارح: قد تقدّم من قولنا أنّه إذا كان الكلام مبتدأً وخبرًا، وعطفتَ عليه جملةً، في أوّلها اسمٌ، وبعده فعل واقعٌ على ضميره، كان الاختيارُ رفعَ الاسم الثاني بالابتداء، نحوَ قولك: "زيدٌ أخوك، وعمرٌو كلّمتُه"، لأنّه لم يتقدّم الجملةَ الثانيةَ ما يصرفه إلى النصب، فجرى كحاله لو لم تتقدّمه جملةٌ أصلًا.
فأمّا إذا كان الكلام مصدَّرًا بفعلٍ، كان الاختيارُ في الاسم الذي في الجملة الثانية النصبَ على إضمار فعل على ما أصّلناه.
فإذا قلت: "زيدٌ لقيتُه"، ففيه جملتان: إحداهما اسميّةٌ، وهي الجملة الكبْرَى التي هي المبتدأ والخبر، وهي "زيدٌ لقيته" بكمالها.
والثانيةُ فعليّةٌ، وهي الخبر الذي هو "لقيته" وهي الجملة الصُّغْرَى.
فالجملةُ الأوُلى لا موضع لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد.
والجملة الثانية لها موضع من الإعراب لأنها وقعت موقع المفرد الذي هو الخبر في "زيدٌ قائمٌ" وشِبْهِه.
وإذ قد تقرَّر ذلك، فأنت إذا

قلت: "زيدٌ لقيتُه، وعمرٌو كلّمتُه"، كنتَ في "عمرو" بالخِيار، إن شئت رفعتَه، وإن شئت نصبتَه، لأنّه قد تقدّمه جملتان: إحداهما اسميةٌ، وهي قولك: "زيد لقيته".
بكمالها، والثانيةُ قولك: "لقيته".
فإن عطفتَ على الجملة الاسمية، رفعتَ "عمرًا", لأنّ صَدْرَ الجملة اسمٌ، وإن عطفت على الجملة التي هي "لقيته"، نصبتَ لأنّ صدرَ الجملة فعلٌ.
وليس إحداهما أَوْلى من الأخرى.
فهذا معنى قوله: "ذهب التفاضُل بين رفعِ عمرو ونصبه"، يعني ليس النصب أَوْلى من الرفع، ولا الرفعُ أولى من النصب.
قال: "لأن الجملة الأولى ذاتُ وجهَيْن" يعني أنّها مشتمِلةٌ على جملة اسمية وجملة فعلية، فهي ذات وجهين لذلك.
وهذا فيه إشكالٌ، وذلك أنّك إذا قلت: "زيد لقيته، وعمرو كلّمته"، لم يجز حَمْلُ "عمرو كلّمته" على "لقيته"، وذلك، لأنّ "لقيته" جملةٌ لها موضعٌ من الإعراب، ألا ترى أنك تقول: "زيد قائمٌ"، فيقع موقعها اسمٌ واحدٌ، وهو خبرُ "زيد"، فكلُّ شيء عُطف عليها صار في حكمها خبرًا لـ "زيد".
وأنت لو جعلت "عمرًا ضربته" خبرًا عن "زيد"، لم يجز لخُلُوّه من العائد إلى "زيد"، إذ الهاء في "ضربته" إنّما تعود إلى "عمرو".
فإن جئت بعائد فيها فقلت: "زيدٌ عمرًا ضربتُه عنده"، جازت المسألةُ، فالهاءُ في "ضربته" تعود إلى "عمرو"، والهاءُ في "عنده" تعود إلى "زيد"، ولا شك أنه إنّما لم يذكر ذلك لأنّه معلوم، فلم يحتج إلى التعرّض له، فأجاز الوجهين بشرطِ وُجودِ شرائطه من الضمير وغيرِه، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "فإن اعترض بعد الواوما يصرف الكلام إلى الإبتداء, كقولك: "لقيت زيدًا, وأما عمرٌو فقد مررت به"، و"لقيت زيدًا, وإذا عبد الله يضربه عمرٌو"، وعادت الحال الأولى جذعة.
وفي التنزيل: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ 1. وقرئ بالنصب 2 ".

قال الشارح: يعني بعد وجودِ ما يُختار معه النصب نحو تقدُّم جملة فعليّة، أو غيرِ ذلك، إذا وُجد في الجملة المعطوفة ما يصرف الكلامَ إلى الابتداء، صار الاختيار فيه الرفعَ، ويصير المعترِضُ من قبيل المانع.
وذلك قولك: "لقيت زيدًا، وأمّا عمرو فقد مررت به"، و"رأيتُ زيدًا، وإذَا عبدُ الله يشتِمه عمرٌو".
فالرفعُ ها هنا هو الوجه المختار، وإن كان قد تقدّمت جملة فعليةٌ، لأنّ "أمَّا"، و"إذَا" ليسا من حروف العطف كالفاء والواو فتحمِلَ بهما

الثاني على الأوّل، وإنّما هما حرفا ابتداءٍ يقطعان ما بعدهما عمّا قبلهما، فيكون ما بعدهما بمنزلة جملةٍ ليس قبلها شيءٌ، فكما أنّك إذا قلت: "زيدٌ ضربتُه" ابتداءً، وليس قبله كلامٌ، كان المختارُ الرفع.
فكذلك بعد "أما"، و"إذَا" التي للمفاجأة؛ لأنّهما بمنزلةِ كلام مبتدإ.
ومن قال: "زيدًا ضربتُه"، وإن لم يتقدّمه كلامٌ، فينصِب، وإن كان المختار الرفع، قال ها هنا: "لقيتُ زيدًا، وأمّا عمرًا فأكرمتُه" فينصب، وليس بالاختيار.
وهذا معنى قوله: "عادت الحال الأولى جذعة"، أي: شابَّةً طَرِيّة، كأن لم يتقدّمها كلامٌ.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ 1، فالقراءة بالرفع على الابتداء وإن كان قبله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ 2 لِما ذكرناه من حالِ "إِمَّا".
وقد قرأ بعضُهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ 3 بالنصب.
وليس ذلك على حدِّ "زيدًا ضربته", لأن ذلك ليس بالمختار، والكتابُ العزيزُ يُختار له.
والذي حسّنه عند هذا القارئ ما في "أَمَّا" من معنى الشرط، والشرطُ يقتضي الفعلَ، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "والثاني أن يقع موقعًا هو بالفعل أولى, وذلك أن يقع بعد حرف الإستفهام, كقولك: "أعبد الله ضربته"، ومثله: "السوط ضرب به زيدٌ؟ "، و"الخوان أُكل عليه اللحم؟ " و"أزيدًا أنت محبوس عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ "، و"أزيدًا سميت به؟ "".

قال الشارح: والموضع الآخر الذي يختار فيه النصب وليس الاسم فيه معطوفًا على فعل، وذلك إذا وَلِيَ الاسمُ حرفًا 4 هو بالفعل أَوْلى، وجاء بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، فالاختيارُ نصبُ الاسم بإضمار فعلٍ.
وذلك إذا وقع بعد حرف الاستفهام، نحو قولك: "أعبدَ الله ضربتَه؟ "، و"أعمرًا مررتَ به؟ "، و"أزيدًا ضربتَ أخاه؟ "، النصبُ في ذلك كلّه هو الوجه المختار، والرفعُ جائزٌ.
فالنصبُ بإضمار فعل يكون الظاهرُ تفسيره، وتقديرُه: أضربتَ عبدَ الله ضربتَه، وألقَيتَ زيدًا مررتَ به، وأَهَنْتَ زيدًا ضربتَ أخاه، فالنصبُ مع الاستفهام بالعامل الذي يقدَّر بعد الاستفهام، وهو في الاستفهام مختارٌ كما كان الرفع مع الابتداء مختارًا.
وأمّا الرفع مع الاستفهام، فجائرٌ بالابتداء، وما بعده الخبرُ، إلّا أنّه مرجوحٌ.
وإنّما كان النصبُ هو المختارَ من قِبَل أن الاستفهام في الحقيقة إنّما هو عن الفعل لا عن

الاسم.
لأنّ السؤال إنّما يكون عمّا وقع الشكُّ فيه، وأنتَ إنّما تشُكّ في الفعل لا في الاسم، ألا ترى أنّك إذا قلت: "أزيدًا ضربتَه"، فإنّما تشكّك في الضرب الواقع بزِيد، ولستَ تشك في ذاته، فلمّا كان حرفُ الاستفهام إنّما دخل الفعلَ لا الاسمَ، كان الأوْلى أن يَلِيه الفعلُ الذي دخل من أجله.
وإنّما دخل على الاسم، ورُفع الاسم بعده بالابتداء، لأنّ المبتدأ والخبر قبل دخول الاستفهام يُوجِب فائدةً، فإذا استفهمتَ، فإنّما تستفهِم عن تلك الفائدة، فاعرفه.
وأمّا "السوطَ ضُرب به زيدٌ؟ "، و"الخِوانَ أُكل عليه اللحمُ؟ "، و"أزيدًا سُمّيت به؟ "، فإنّ الاختيار في "السوط" و"الخوان" و"أزيدًا" النصبُ، وذلك أنّك إذا قلت: "ضُرب زيد بالسوط"، و"أكل اللحم على الخِوان"، و"سُمّيت بزيدٍ"، فهذه الحروفُ الجارّةُ مع ما يَلِيها من المجرورات في موضع نصب.
وذلك أنّك أقمتَ الاسم مقامَ الفاعل، فصار الجارُّ والمجرور في موضع نصب، وحلَّ محلّ قولك: "مَرَّ زيدٌ بعمرٍو"، و"نزل زيدٌ على خالدٍ".
فلمّا اتّصلت حروفُ الجرّ بكناياتِ هذه الأسماء، وقد تقدّمتِ الأسماءُ، وجب أن تنصبها، لأن الحروف التي اتّصلت بكناياتها في موضع نصب، فصار بمنزلةِ "أزيدًا مررتَ به".
والذي يدلّ على أن موضع هذه الحروف نصبٌ أنّك لو حذفتها، وكان الفعلُ ممّا يتعدّى بنفسه، لم تكن الأسماءُ الأوُلى إلّا منصوبةً، وذلك نحو"السوطَ ضُرب؟ "، و"الخوانَ أُكل؟ "، و"أزيدًا سُمّيتَ؟ " لو كان يُتكلّم به، لم يكن إلّا كذلك؛ لأنّ الفعل الواحد لا يرفع اسمَين، فإذا رفعتَ أحدَهما، فلا بدّ من نصب الآخر.
وأمّا قولهم: "أزيدًا أنتَ محبوسٌ عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ " فيختار فيهما النصب لمكانِ همزة الاستفهام.
وذلك لمّا كان اسمُ الفاعل واسمُ المفعول يجريان مجرى الفعل في عَمَله، فقولُك: "أزيدًا أنت ضاربُه؟ " بمنزلة قولك: "أزيدًا أنت تضربه؟ "، و"أزيدًا أنت مضروبٌ به؟ " بمنزلةِ "أزيدًا أنت تُضْرَب به؟ "، فكما تفسِّر قولك: "أزيدًا أنت تضربه؟ " بالفعل الناصب، فكذلك تفسّر باسم الفاعل في قولك: "أزيدًا أنت ضاربُه؟ ", لأنه في معناه.
والنيّةُ التنوين والانفصال، فالضميرُ، وإن كان مجرورًا في اللفظ، فهو منصوب في الحكم كما كان "أزيدًا مررت به؟ ". كذلك "كيف" وأبو الحسن يذهب إلى أن الضمير في موضع منصوب ألبتّة.
وكذلك إذا قلت: "أزيدًا أنت محبوسٌ عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ "، فـ "محبوسٌ"، و"مكابرٌ" من أسماء المفعولين الجارية مجرى الفعل.
فـ "محبوسٌ" في معنى "تُحْبَس"، و"مكابرٌ" في معنى "تُكابَر"، فلذلك جاز نصبُ "زيد" فيهما بفعلٍ يفسِّره "محبوس"، و"مكابر".
كأنّك قلت: " أتنتظِر زيدًا أنت محبوسٌ عليه؟ "، و"أشَكَيْتَ زيدًا

أنت مكابَرٌ عليه؟ ". واختير النصبُ لمكانِ حرف الاستفهام، وفي كلّ واحد من "محبوس"، و"مكابر" ضميرٌ مستترٌ يرجع إلى "أنتَ"، يقوم مقامَ الفاعل، إذ كان في معنَى "تكابَر"، و"تُحبَس".
فإن لم يَجْرِ الفاعل واسمُ المفعول مجرى الفعل، كانا كـ "غُلام" و"أخَ"، ووجب رفعُ الاسم نحو"أزيدٌ أنت ضارِبُه؟ "، و"أزيدٌ أنت محبوسٌ به؟ " و"أزيدٌ أنت مكابَرٌ عليه؟ " كأنّك قلت: "أزيدٌ أخوه، أو غلامُه" وما أشبههما من الأسماء.

قال صاحب الكتاب: "ومنه أزيدًا ضربت عمرًا وأخاه؟ "، و"أزيدًا ضربت رجلاً يحبه؟ ", لأن الآخر ملتبسٌ بالأول بالعطف, أو بالصفة".

قال الشارح: ومن ذلك: "أزيدًا ضربتَ عمرًا وأخاه؟ "، و"أزيدًا ضربتَ رجلًا يحبّه؟ "، فيختار فيه النصبُ أيضًا، لأنّ الفعل واقعٌ على ما هو من سَبَبه، وقد وَلِيَه حرفُ الاستفهام، فكان كقولك: "أزيدًا ضربتَ أخاه؟ " وذلك أنّ الجملة، إذا كان فيها ضميرُ اسم قد تقدّم ذكرُه، فهي من سبب ذلك الاسم، وإن كان في الجملة اسمٌ ليس فيه ضميرٌ، ولا تُبالِي في أيِّ موقع من الجملة وقع ذلك الضميرُ.
فإذا قلت: "أزيدًا ضربتَ عمرًا وأخاه؟ " فـ "عمرٌو" و"الأخُ" منصوبان متّصِلان به داخلان في الجملة، فصار بمنزلةِ "أزيدًا ضرب أخاه" لاتحادِ المعطوف والمعطوف عليه.
وكذلك لو قلت: "أعمرًا ضربتَ زيدًا في داره؟ "، لكان الوجه أيضًا النصبَ، لأنّ قولك: "في داره" ظرفٌ وقع فيه الضربُ، فهو من جملةِ "ضربتَ".
وكذلك لو قلت: "أزيدًا ضربتَ رجلًا يُحبه؟ " فـ "يُحِبّه" نَعْتٌ لـ "رجل"، والنعتُ والمنعوتُ يتسلّط عليهما العاملُ تسلُّطًا واحدًا، فكان "يحبّه" من جملةِ "ضربت"، فصار الاسمُ المنصوبُ بـ "ضربت" من سببِ الاسم الأوّل، إذ كان في جملته عائدٌ إليه.
ولو كان الذي يَلِي الاسم جملةً ليس فيها ذكرٌ، ثم جئتَ بجملة أخرى، فعطفتَها على الجملة الأولى، وفيها ذكر للاسم، لم يجز، وذلك قولك: "أزيدًا ضربتَ عمرًا، وضربتَ أباه؟ " لأنّ قولك: "وضربت أباه" جملةٌ أخرى قائمةٌ بنفسها، والجملةُ الأولى قد مضت بلا ذكرٍ، فلم تلتبِس بها.

قال صاحب الكتاب: "فإن قلت: "أزيدٌ ذهب به" فليس إلا بالرفع".

قال الشارح: وأمّا قوله: "أزيدٌ ذُهب به فليس فيه إلّا الرفع", لأنّك إذا قلت:

"ذُهب يزيد"، فالباءُ وما عمِلت فيه في موضع رفع اسم ما لم يُسمَّ فاعله, لأنّه لا بدّ للفعل من فاعل، أو ما يقوم مقامَ الفاعل، وليس معك ما يقوم مقامَ الفاعل إلّا الباءُ وما اتّصلت به، فأُقيمت مُقامَ الفاعل، فكانت في موضع رفع لذلك، فوجب أن يكون الاسم مرفوعًا، لأنّ الذي اتّصلت به كنايتُه مرفوعٌ، وصار بمنزلةِ "أزيدٌ ذهب أخوه" لأنّ كنايته قد اتّصلت بمرفوع، وهو الأخ.
وارتفاعُ "زيد" في قولك "أزيدٌ ذُهب به" على وجهَيْن: أحدُهما بالابتداء، والآخرُ بأنّه فاعلُ فعلٍ محذوفٍ.
وإن أسندتَ الفعل في قولك: "أزيدٌ ذُهب به" إلى مصدره، كان الجارّ والمجرور في محلِّ منصوب، وتقديرُه "ذُهب الذهابُ به".
وجاز نصبُ الاسم الذي هو "زيدٌ"، وكان مختارًا، لأن ضميره في محلِّ نصب، وهذا لاختلافٍ فيه بين أصحابنا.

قال صاحب الكتاب: "وأن يقع بعد "إذا", كقولك: "إذا عبد الله تلقاه فأكرمه", و"حيث زيدًا تجده فأكرمه"".

قال صاحب الكتاب: ومن ذلك "إِذَا" الزمانيةُ و"حيْثُ" إذا وقع بعدهما اسمٌ، وبعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، فيختار فيه النصب، وذلك نحو قولك: "إذا زيدًا تلقاه فأكرمه"، و"حيث زيدًا تجده فأعْطِه" لأنّ فيهما معنى المجازاة.
والمجازاةُ إنّما تكون بالفعل، فلمّا كان الموضعُ موضعَ فعل، اختير نصبُ الاسم بعدهما بإضمارِ فعل يفسّره الظاهرُ.
فإذا قلت: "إذا زيدًا تلقاه"، فتقديرُه: إذا تلقى زيدًا تلقاه، وكذلك "حَيْثُ" تقول: "حيث زيدًا تجدُه فأكرمه"، وتقديرُه: حيث تجد زيدًا تجده فأكرمه، لِما ذكرناه من أنّ فيهما معنى المجازاة.
وذلك لأن قولنا: "إذا عبدَ الله تلقاه" يوجِب الأوقاتَ المستقبلةَ كلَّها، ولا يخُصّ وقتًا من وقت، فهي بمنزلةِ "مَتَى"، و"حَيْثُ" توجب الأماكنَ كلَّها، ولا تخصّ مكانًا دون مكان، فهي بمنزلةِ "أَيْنَ"، غيرَ أنّ "متى" و"أين" تجزِمان، و"إذا" و"حيث" لا تجزمان عند البصريين إلّا في ضرورة الشعر.
وقد أجاز سيبويه رفعَ الاسم بعدهما بالابتداء 1. والذي أراه أنّ ذلك جائزٌ في "حيث" لأنّها قد تخرج من معنى الجزاء إلى أن يكون بعدها المبتدأُ والخبرُ، تقول: "لقيتُه حيثُ زيدٌ جالسٌ"، فتكون نظيرةَ "إذْ" في الزمان في وقوعِ الابتداء والخبر بعدها، نحو قولك: "لقيتُه إذ زيدٌ جالسٌ".
وأمّا "إِذَا"، فلا تنفكّ من معنى المجازاة، لأنّها لا تقع إلّا للمستقبل، فإذا وَلِيَها الاسمُ،

فلا بدّ من أن يكون الفعلُ بعدها مقدّرًا مرفوعًا كان أو منصوبًا.
تقول: "إذا زيدٌ جلسَ أجلس" تقديرُه: إذا جلس زيد جلس.
ويدلّ على ذلك أنّه لا بدّ من وقوعِ فعل بعد ذلك الاسم.
ألا تراك لو قلت: "أجلس إذا زيدٌ جالسٌ " لم يجز، ويجوز ذلك مع "حيث".

قال صاحب الكتاب: وبعد حرف النفي, كقولك: "ما زيدًا ضربته".
وقال جرير [من الوافر]: فلا حسبًا فخرت به لتيمٍ... ولا جدًّا إذا ازدحم الجدود 1

قال الشارح: ومن ذلك النفيُ إذا وقع الاسمُ بعد حرف نفي، وكان بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، أو على ما هو متّصِلٌ بضميره، فالاختيارُ فيه النصبُ، نحو: "ما زيدًا لقيتُه، ولا زيدًا قتلتُه"، و"ما زيدًا لقيت أباه، ولا عمرًا مررت به".
وإنّما صار النصبُ هنا مختارًا لشبه حروف النفي بحروف الاستفهام، وحروفِ الجزاء، وحروفِ الأمر والنهي.
ووجهُ الشبه أن ما بعد النفي غيرُ واجب كما أن ما بعد كل واحد من هذه الأشياء كذلك.
فالحال بين النصب والرفع متقارِبٌ، فقولُك: "ما زيدًا ضربتُه" أقوى من قولك: "ما زيدٌ ضربته" بالرفع.
والنصبُ فيه أضعفُ من النصب بعد حروف الاستفهام، وحروفِ الجزاء.
والرفعُ فيه أقوى من الرفع في قولك: "أزيدٌ ضربتَه؟ " لشَبَهِ النفي بالابتداء، ولذلك كان فَرْعًا ومحمولًا على غيره في النصب.
وشَبَهُه بالابتداء أنّه نقيضُ المبتدأ ونفيٌ له.
والنفيُ يجري مجرى الإيجاب، ألا ترى أنّك إذا قلت: "قام زيدٌ" فنفيُ هذا أن تقول: "ما قام زيدٌ" فترُدّ الكلامَ على لفظه، فشَبَهُه بالمبتدأ أنّك ترُدّ فيه لفظَ المبتدأ؟ قال الشاعر [من الوافر]: فلا حسبًا فخرت به................................... إلخ فنَصَبَه بإضمارِ فعل تقديرُه: فلا ذكرتُ حسبًا فخرتَ به.
وأجاز يونسُ أن تكون الفتحةُ في قوله: "فلا حسبًا" فتحة بناءٍ بمنزلةِ "لا رجلَ في الدار"، ونَوَّنَه للضرورة.
البيت لجَرِير يهجو عمر بن لَجأٍ، وهو من تَيْمِ عَدِيّ، يقول: لم تكتسِب لهم حَسَبًا يفخَرون به، ولا لك جَدٌّ تُعوَّل عليه عند ازدحام الناس للمفاخرة، أي: ليس لك قديمٌ ولا حديثٌ.
ومثلُه [من الطويل]: 247 - فلا ذا جَلالٍ هِبْنَه لجَلالِه... ولا ذا ضَياعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقْر2

نصب "ذا جلال" بفعل محذوف دلّ عليه "هبنه" فكأنّه قال: "فلا هِبنَ ذا جلال هبنه".

قال صاحب الكتاب: "وأن تقع في الأمر والنهي, كقولك: "زيداً أضربه"، و"خالداً أضرب أباه"، و"بشراً لا تشتم أخاه"، و"زيداً ليضربه عمرٌو، و"بشراً ليقتل أباه عمرٌو".
ومثله: "أما زيداً فاقتله، وأما خالداً فلا تشتم أباه".

قال الشارح: ومن ذلك إذا كان بعد الاسم فعلُ أمرٍ، أو نهي واقعٌ على ضميره، أو ما اتّصل بضميره، فإنّه مختارٌ فيه النصبُ، نحو قولك: "زيدًا اضربه"، و"خالدًا اضربْ أباه"، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو"، و"بشرًا ليضربْ أخاه جعفرٌ"، و"زيدًا لا تشْتمْه"، و"خالدًا لا تضرب أباه".
النصبُ في ذلك كلّه الوجهُ المختارُ، والرفع جائزٌ، وإنّما كان النصبُ مختارًا لأجلِ الأمر والنهي، إذ الأمرُ والنهيُ لا يكونان إلّا بالأفعال، لأنّك إنّما تأمره بإيقاع فعل وتَنْهاه عن إيقاعِ فعل.
وذلك أنّك حين تأمره فأنت تطلب منه إيقاعَ ما ليس بموجودٍ، وإذا نَهَيْتَه، فأنت تمنَعه من الإتيان به.
فأمّا الذوات، فإنّها موجودةٌ ثابتةٌ لا يصحّ الأمرُ بها، ولا النهيُ عنها.
وإذا كان = سيبويه 1/ 81؛ ولسان العرب 5/ 74 (قدر)؛ وبلا نسبة في الرد على النحاة ص 113. اللغة: ذو جلال: صاحب خطر، عظيم سيد.
ذو ضياع: المهمل المهان.
المعنى: إن النوائب لا تترك الفقير اشفاقًا على فقره وهوانه، ولا تترك الغني خوفًا من سطوته وخطره.
الإعراب: "فلا": الفاء: استئنافية، لا: حرف نفي.
"ذا": مفعول به منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة لفعل محذوف تقديره: فلا تتقي ذا، فلا تهاب ذا.
"جلال": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"هبنه": فعل ماضٍ مبني على السكون، ونون النسوة: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل في محلّ نصب مفعول به.
"لجلاله": جار ومجرور متعلقان بـ "هبنه"، والهاء: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.
"ولا": الواو: للعطف، لا: زائدة لتوكيد النفي.
"ذا": مفعول به منصوب بالألف لأنّه من الأسماء الستّة، للفعل "يتركن".
"ضياع": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"هن": ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ.
"يتركن": فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة: ضمير متصل في محل رفع فاعل.
"للفقر": جار ومجرور متعلقان بـ "يترك".
وجملة "فلا تتقي ذا": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "هبنه": في محلّ نصب صفة لـ "ذا جلال".
وجملة "ولا هنّ يتركن": معطوفة على جملة "فلا تتقي": لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "يتركن": في محلّ رفع خبر "هنّ".
والشاهد فيه قوله: "فلا ذا جلال" حيث نصب "ذا" بإضمار فعل مفسَّر بما بعده (فلا هبن ذا جلال، ولا تركن ذا ضياع).

الأمرُ كذلك، ثم أتيتَ باسم قد وقع الفعلُ الذي بعده على ضميره، نصبتَه بإضمارِ فعل على نحوِ ما ذكرناه في الاستفهام، وكان النصبُ في الأمر والنهي أقوى منه في الاستفهام، من قِبَل أن الأمر والنهي لا يكونان إلّا بالأفعال، وقد يكون الاستفهامُ بغيرِ فعل، نحو قولك: "أزيدٌ أخوك؟ "، و"أعبدُ الله عندك؟ " وإنّما قال في التمثيل: "زيدًا اضربْه"، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو" ليُرِيك أنَّه لا فَرْق في ذلك بين الأمر للحاضر والأمرِ للغائب، فقولُه: "زيدًا اضربْه"، أمرٌ للحاضر، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو" أمرٌ للغائب، فمَثَّلَ بهما.
والرفع جائزٌ على الابتداء، والجملةُ بعده سدّتْ مسدَّ الخبر.
وإنّما قلنا: سدّت مسدّ الخبر؛ ولم نقل: الخبرُ؛ لأن حقيقةَ الخبر ما احتمل الصدْقَ والكذْبَ، وذلك معدوم في الأمر والنهي.
ومثله "أَمَّا" في قولك: "أَمّا زيدًا فاقتله"، و"أمّا خالدًا فلا تشتِمْ أباه" في اختيار النصب.
وذلك من قِبَل أنّ "أمّا" تقطع ما بعدها عما قبلها، ويصير ما بعدها كالكلام المستأنَف، فنُصب لِما ذكرناه في الأمر والنهي، غيرَ أنّك لا تقدِّر الفعلَ بعد "أمّا"؛ لأنّ "أمّا" لا يَلِيها فعلٌ لتضمُّنها معنى الفعل، ولكن تقدّر الفعلَ بعد الاسم بلا ضمير، وتُعدّيه إلى الاسم، ثمّ تحذفه، ثمّ تأتي بالفعل المفسَّر، وتقديرُه: أمّا زيدًا فاقتلْ، فاقتلْه، وأمّا خالدًا فلا تُهِنْ فلا تشتمْ أباه".
ولا بدّ من الفاء بعد "أمّا"؛ لأنّها جواب لِما تضمَّنته من معنى الشرط.

قال صاحب الكتاب: "والدعاء بمنزلة الأمر والنهي، تقول: "اللهم زيداً اغفر له ذنبه"، و"زيداً أمر الله عليه العيش".
قال أبو الأسود [من الطويل]: 1 - [أميران كانا صاحبيَّ كلاهما]... فكلا جزاه الله عني بما فعل

و"أما زيداً فجدعا له، وأما عمراً فسقياً له".

قال الشارح: والدعاء بمنزلة الأمر والنهي في اختيار النصب، لأنّ سبيله سبيلُ الأمر والنهي في الإعراب من كلّ وجهٍ، وهو في المعنى مثلُ الأمر، وكذلك أن الداعي ملتمِسٌ من المدعوّ إيقاعَ ما يدعوه به، إلّا أنّ الجُمْهُور لا يسمّون مسألةَ من هو فوقَك أمرًا، وربّما سماه بعضُهم أمرًا، واحتجّ عليه بقول الشاعر [من الطويل]: 1 - أمرْتُك أَمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَني... وكان من التَّوْفِيق قَتْلُ ابنِ هاشِمِ البيت لعمرو بن العاص يخاطب مُعاوِيَةَ، وكان فوقه.
والأعمُّ الأكثرُ ما قدّمناه، ويجوز أن يكون عمرٌو رأى نفسَه من طريقِ المَشْوَرَةِ والرأي وحاجةِ معاوية إليه فوقه، فسمّى سؤالَه أمرًا لذلك، وقال أبو الأسْوَد [من الطويل]: أمِيرانِ كانا صاحِبَيَّ كِلاهما... فكُلا جَزاه اللهُ عنّي بما فَعَلْ = الفتح المقدر على الألف للتعذر، والهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"اللهُ": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"عنّي": جارّ ومجرور متعلقان بالفعل "جزى".
"بما": الباء: حرف جرّ، "ما": حرف مصدري مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والمصدر المؤول من "ما" والفعل بعدها في محل جرّ بحرف الجرّ، والتقدير: "بفعله"؛ أو"ما": اسم موصول مبني في محل جرّ بحرف الجر، والتقدير: "بما فعله"، والجارّ والمجرور في الحالين متعلقان بالفعل "جزى".
"فعل": فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
وجملة "هما أميران": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "كانا صاحبي": في محل رفع صفة، أو خبر ثان.
وجملة "جزى الله كُلاّ": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "جزاه الله عني": تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "فعل": (باعتبار أن "ما" موصولية) لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "كُلاَّ جزاه الله" حيث انتصب "كُلاَّ" بفعل محذوف مقدر لوقوعه في الدعاء الذي هو بمنزلة الأمر.

فإنّ نَصْبَ "كُلاَّ" بإضمارِ فعل لِما بعده من الدعاء، والتقديرُ: فجَزَا اللهُ كلاَّ جزاه اللهُ.
ومن الدعاء: "أمّا زيدًا فجَدْعًا له، وأمّا عمرًا فسَقْيًا له"، فالاختيارُ النصب، لأنّك تريد: جَدَعَهُ الله جَدْعَا، وسَقاه الله سَقْيًا.
ولو كان الدعاء بغير فعلٍ، ولا في تقدير فعلٍ؛ لم يُنصَب الاسم الأول، نحوَ: "أمّا زيدٌ فسلامٌ عليه، وأمّا الكافرُ فوَيْلٌ له"، لعدم ما يفسِّر الفعلُ.

قال صاحب الكتاب: "واللازم أن تقع الجملة بعد حرف لا يليه إلا الفعل, كقولك: "إن زيدًا تره تضربه".
قال [من الكامل]: لا تجزعي أن منفساً أهلكته... [وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي] 1 وهلا وألاً ولولا ولوما بمنزلة "إن", لأنهن يطلبن الفعل ولا تُبتدأ بعدها الأسماء.

قال الشارح: اعلم أنّ الاسم إذا وقع بعد حرف الجزاء، وكان بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، نصبتَه بإضمار فعل يفسِّره الظاهرُ، كما قلنا في الاستفهام؛ إلّا أنّ النصب ههنا يقع لازمًا، وفي الاستفهام مختارًا، وذلك لأن الشرط لا يكون إلّا فعلًا ولا يَلِيه مبتدأُ وخبرٌ.
فلا تقول: "إنْ زيدٌ قائمٌ أَقُمْ"، وقد يجوز في الاستفهام أن تقول: "أزيدٌ قائمٌ".
فقد علمتَ أن حروف الجزاء أَلْزَمُ للفعل من حروف الاستفهام.
ولذلك كان نصبُ الاسم في الاستفهام، إذا وقع الفعلُ على ضميره، مختارًا مع جَوازِ الرفع على الابتداء، وكان نصبُه مع حروف الجزاء لازمًا، ولا يجوز رفعُه على الابتداء لِما ذكرنا من أنّ الشرط لا يكون إلّا فعلًا.
فإذا قلتَ: "إنْ زيدًا تَرَه تضربْه"، نصبتَ "زيدًا" بإضمار فعلٍ، لأنّك شغلتَ الفعلَ الذي بعده بضميره، وتقديرُه "إن تَرَ زيدًا تَرَه".
ومنه قول الشاعر [من الكامل]: لا تَجْزَعِي إِنْ مُنْفِسًا أهلكتُه... وإذا هلكتُ فعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي البيت للنمر بن تَوْلَب، والشاهدُ فيه نصبُ منفسًا بفعل مقدَّر محذوف، وتقديرُه: لا تجزعي إن أهلكتُ منفسًا أهلكتُه، ولو رفع على تقدير إن هَلَكَ منفسٌ لَجاز، لأنّه إذا أهلكَه فقد هلك، كأنّه يصف نفسَه بالكَرَم، وأنه لا يُصْغِي إلى من يلومه في ذلك، فهو يقول: إنّ امرأته لامته على إتلاف ماله جَزَعًا من الفَقْر، فقال لها: لا تجزعي لإتلافي نفِيسَ المال، فإني قادرٌ على إخلافه، وإنّما إذا هلكتُ فاجْزعي، فإنّه لا خَلَفَ لك عنّي.

ولو قدمتَ الاسم على حرف الجزاء، فقلت: "زيدًا إن تره تضربه"، لم يجز؛ لأنّ الشرط والجزاء لا يعملان فيما قبل حرف الجزاء، وإذا لم يعملا فيه، لم يجز أن يُفسِّراه.
ومن ذلك "هَلاَّ" و"لَوْلَا" و"ألَّا"، و"لَوْمَا" إذا وقع الاسمُ بعدها وكان بعدها فعلٌ واقعٌ على ضميره، لم يكن بُدٌّ من نصبِ ذلك الاسم بفعل مضمر يفسّره الظاهرُ، فحكمُها حكمُ "إِن" الشرطيّةِ.
وذلك من قِبَل أن معاني هذه الحروف التحضيضُ والتوبيخُ.
إذا وَلِيَها المستقبَلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليها الماضي كنّ توبيخًا.
وهذه المعاني واقعةٌ على الأفعال، لا حظَّ للأسماء فيها، فلذلك لا يقع بعدها المبتدأُ والخبرُ، فإذا وقع بعدها اسمٌ، فلا يكون إلّا على تقديرِ فعل.
قال جَرِيرٌ [من الطويل]: 1 - تَعُدُّونَ عَقْرَ النُيبِ أفضلَ مَجْدِكُم... بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا

فمعناه: لولا تعدّون الكميَّ المقنَّعَا، فنصب الكميَّ المقنّعَا بإضمارِ فعل لدلالةِ ما تقدّم من قوله: "تعدّون عقر النيب" عليه.
وجملةُ الأمر أنّ الحروف حين كانت لمعانٍ في الأسماء والأفعال، وليس لها في أنفسها معنًى، فمنها ما يختصّ بالاسم، ولا يدخل الفعلَ نحو "إِنَّ" وأخواتِها، وحروفِ الجرّ وغيرِها، ومنها ما يختصّ بالفعل، ولا يَلِي الاسمَ نحو حروفِ الجزاء، وحروفِ الجزم وغيرِها، ومنها ما يدخل على القبيلَيْن الاسمِ والفعلِ، نحو حروفِ النفي، وحروفِ الاستفهام.
فأمّا ما يختصّ بالفعل، وهو ما نحن بصَدَده، فذلك ضربان: ضربٌ يحسُن أن يُحذف الفعل منه، ويَلِيه الاسمُ في الظاهر نحو ما ذكرناه من حرف الجزاء، وهو"إِنْ" وحروفِ التحضيض المذكورةِ، وهي "هَلَّا" وأخواتُها، وضربٌ لا يحسن حذفُ الفعل منه، وإيلاءُه الاسمَ، وذلك نحو قولك: "قَدْ"، والسينِ وسَوْفَ، فهذه لا يحسن حذفُ أفعالها، ولا الفصلُ بينها وبين أفعالها بمعمولها، فلا تقول: "سوف زيدًا أضربه"، ولا "سوف زيدًا أضرب".
وذلك لأنّ هذه الحروف تتنزّل منزلةَ الجُزْء من الفعل، فهي من الفعل بمنزلة الألف واللام من الاسم، وذلك لأنّ السين وسوف تقصِران الفعلَ لوقتٍ بعينه، وهو المستقبلُ، بعد أن كان شائعًا في الاستقبال والحالِ، كما تقصر الألفُ واللام الاسمَ على واحد بعينه بعد شِياعه.
وكذلك "قَدْ" تُقرِّب الماضي من الحال، وهو نوعُ تخصيص.
ولهذا المعنى لم تكن عاملةً في الفعل، وإنّما جارّ إضمارُ الفعل بعد "لَوْلَا" وأخواتِها.
والفصلُ بينها وبين الفعل الواقِع بعدها بمعموله من قِبَل أنّ معانيها الحَضَّ في المستقبل وهو استدعاءٌ، واللَّوْمَ والتوبيخَ في الماضي، أشبهتِ الأفعالَ، فجاز أن يليها الاسمُ كما يلي الفعلُ.

جارٍ التحميل