فصل [تعريف الحرف]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: الحرف ما دل على معنى في غيره, ومن ثم لم ينفكَّ من اسم أو فعل يصحبه.
قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على قسمَيِ الاسم والفعل، انتقل إلى الكلام على الحرف.
والحرف كلمة دلّت على معنى في غيرها.
فقولُنا: "كلمة" جنسٌ عامٌّ يشمل الاسمَ والفعلَ والحرفَ، وقولُنا: "دلّت على معنى في غيرها" فصل ميزه من الاسم والفعل، إذ معنى الاسم والفعل في أنفسهما، ومعنى الحرف في غيره، ألا تراك إذا قلت: "الغلام" فُهم منه المعرفة، ولو قلت: "أل" مفردةً، لم يُفْهَم منه معنًى؟ فإذا قُرن بما بعده من الاسم، أفاد التعريف في الاسم، فهذا معنَى دلالته في غيره.
وقولهم: "ما دل على معنى في غيره" أمثلُ من قولِ من يقول: "ما جاء لمعنى في غيره"؛ لأن في قولهم: "ما جاء لمعنى في غيره"؛ إشارةً إلى العلّة، والمراد من الحدّ الدلالة على الذات، لا على العلّة التي وُضع لأجلها، إذ علّةُ الشيء غيرُه.
وقولنا: "كلمة" أسدٌّ من قوله: "ما دل"؛ لأن الكلمة أقرب من الحرف، فهي أدلُّ على الحقيقة.
وقد زعم بعضهم أن هذا الحدّ يفسُد بـ "أيْنَ"، و"كَيْفَ"، ونحوِهما من أسماء الاستفهام، و"مَنْ"، و"ما" ونحوِهما من أسماء الجزاء، فإن هذه الأسماء تفيد الاستفهام فيما بعدها، وتفيد الجزاء، فتُعلِّق وجودَ الفعل بعدها على وجود غيره، وهذا معنى الحروف.
والجوابُ عن هذا الإشكال أن هذه الأسماء دلّت على معنى في نفسها بحكم الاسمية، فـ "أيْنَ" دلّت على المكان، و"كَيْفَ"، دلّت على الحال، وكذلك أسماء الجزاء، فـ "مَن" دلّت على من يعقل، و"ما"، دلّت على ما لا يعقل.
وأمّا دلالتهما على الاستفهام والجزاء، فعلى تقدير حرفَيْهما، فهما شيئان دلّا على شيئَيْن، فالاسم دلّ على مسمّاه، والحرفُ أفاد في غيره معناه.
ويؤيد ذلك بناؤها لتضمُّنها معنى الحرف، وإنما يلزم أن لو كانت هذه الأسماء باقية على بابها من الاسميّة والتمكّنِ، وقد دلّت على هاتَيْن الدلالتَيْن، ليكون كاسرًا للحدِّ.
وربما احترز بعضهم من ذلك، فقال: "ما دلّ على معنى في غيره
فقط"، فيفصل بقوله: "فقط" بين هذه الأسماء، والحروف، إذ هذه الأسماءُ قد دلّت دلالتَيْن: دلالةَ الأسماء، ودلالة الحروف.
ومنهم من يضيف إلى هذا الحدّ، "ولم يكن أحدَ جزءَي الجملة"، كأنه يفصل بذلك بين هذه الأسماء والحروف، فإن هذه الأسماء، وإن دلت على معنى في غيرها من الجهة المذكورة، فقد تكون أحد جزءي الجملة، ألا ترى أن "أيْنَ" و"كَيْفَ" يكون كل واحد منهما جزءًا لجملةٍ من نحوِ "أيْنَ زيدْ؟ " و"كَيْفَ عمروٌ؟ " فـ "زيدٌ" مبتدأ، و"أيْنَ" الخبر، وكذلك "عمروٌ؟ " مبتدأ و"كيف" الخبر.
وتقول: "مَن عندك؟ " فيكون "مَنْ" مبتدأ، و"عندك" الخبر، فهذه الأشياء قد تكون أحد جزءي الجملة، أي: مبتدأ، أو خبرَ مبتدأ، وليس كذلك الحروف، فإنه لا يُخْبَر بها، ولا عنها، تقول: "إلى قائمٌ" على أن يكون "إلى" مبتدأ، و"قائمٌ" الخبر، كما تقول: "زيدٌ قائمٌ"؛ ولا: "عَن ذاهبٌ".
كما تقول: "زيدٌ ذاهبٌ"... وقد صرّح ابن السرّاج بهذا المعنى في تحديد الحرف، فقال: هو الذي لا يجوز أن يُخْبَر عنه، ولا يكون خبرًا.
قال أبو علي الفارسيّ: مَن زعم أن الحرف ما دل على معنى في غيره، فإنّه ينبغي أن تكون أسماءُ الأحداث كلّها حروفًا؛ لأنها تدلّ على معان في غيرها، فإن قال: فإن القيام يُتوهّم منفردًا من القائم، قيل له: فإن الإلصاق والتعريف الذي يدل عليهما باءُ الجرّ ولامُ المعرفة قد يُتوهّمان منفردَيْن عن الاسمَيْن.
ولو كان هذا كما قال، لوجب أن يكون "هُوَ" الذي للفصل حرفًا، لأنه يدل على معنى في غيره.
ألا ترى أنّها تجيء لتدلّ على أن الخبر معرفة، أو قريبٌ من المعرفة، أو لتُؤذِن أن الاسم الذي بعدها ليس بوصفٍ لِما قبلها؟ ويلزم أن تكون أسماءُ التأكيد حروفًا؛ لأنها تدلّ على تشديد المؤكَّد وتبيينه، ألا ترى أنّ منها ما لا يتقدّم على ما قبله مثلَ "أكْتَعِينَ"، "أبْصَعِينَ"؟ وينبغي أن تكون الصفات كذلك أيضًا؛ لأنها تدلّ على معان في غيرها.
وينبغي أن تكون "كَمْ" في الخبر في نحوِ: "كم رجل" حرفًا, لأنها تدلّ على تكثير في غيرها، وهو تكثير الرجال.
وينبغي أن تكون "مِثل" حرفًا؛ لأنها تدلّ على تشبيه في غيرها.
وينبغي أن لا تكون "ما" حرفًا في قولهم: "إنّك ما وَخَيْرًا"؛ لأنها لا تدلّ على معنى في غيرها، وكذلك "ما حاجبَيْهِ"؛ وأن لا تكون "ما" في قوله: "إمّا لا" حرفًا؛ لأنها لا تدلّ على معنى في غيرها، وإنّما تدلّ على الفعل المحذوف.
وكذلك "أمّا أنت منطلقٌ انطلقتُ".
وكذلك قولُ من قال: إِنّه الذي لا يجوز أن يكون خبرًا، ولا مُخْبَرًا عنه فاسدٌ، لأن الأسماء المضمرة المجرورة، والأسماء المضمرة المنصوبة المتّصلة والمنفصلة لا تكون أخبارًا، ولا مخبرًا عنها، وكذلك الفَصْل نحوُ "هُوَ" لا يكون خبرًا، ولا مخبرًا عنه، انتهى كلامُ أبي عليّ.
قال الشارح: كأنّ أبا على أورد هذه التشكيكاتِ للبَحْث، وإذا أنعم النظر، كانت غير لازمة.
أمّا أسماء الأحداث، فكلها أسماءٌ يُخْبَر عنها كما يخبر عن الأعيان، نحوَ
قولك: "العلمُ حسنٌ"، و"الجهلُ قبيح"؛ لأن العلم والجهل ونحوهما سِمَاتٌ على مُسَمّياتِ معقولةٍ متوهَّمةٍ منفصلةٍ عن مَحالّها، وإن كانت لا تنفصل بالوجود من حيث كانت أعراضًا، والعرضُ لا يقوم بنفسه.
وأمّا قوله: إن الباء تدلّ على الإلصاق، واللام تدلّ على التعريف، والإلصاقُ والتعريفُ يُتوهّمان منفردَيْن، فالقولُ في ذلك: إن الإلصاق والتعريف اسمان يُتوهّمان منفردَيْن، لا فرقَ بينهما وبين غيرهما من الأحداث.
ولا كلامَ فيهما، إنما الكلام في الباء نفسها، فإنها لا تدلّ على الإلصاق حتى تضاف إلى الاسم الذي بعدها، لا أنّه يتحصّل منها مفردة، وكذلك القولُ في لام التعريف ونحوها من حروف المعاني.
وأمّا الأسماء المضمرة التي تكون فصلًا، من نحوِ "كنتُ أنا القائمَ"، و"كنّا نحن القائمين"، وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ 1، فهي أسماءٌ قد سُلبت دلالتَها على الاسميّة، وسُلك بها مذهبَ الحروف بأن أُلغيتْ.
ومعنَى إلغاء الكلمة أن تأتي لا موضعَ لها من الإعراب، وأنها متى أُسْقطت من الكلام، لم يختل الكلامُ، ولم يتغيّر معناه، وتصير كالحروف الملغاة من نحو "ما" في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ 2، والمراد: مثلًا بعوضةً، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ 3. فلولا إلغاءُ "ما"، لم يَتخط الخافضُ، وعمِل فيها بعدها، فتجري هذه الأسماء مجرى الحروف.
وكونها قد صارت في مذهبها، لم يخبر عنها كما لم يخبر عن سائر الحروف، فاعرفه.
وأمّا أسماء التأكيد، فإنها أسماء دالّة على معانٍ في أنفسها.
ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني زيدٌ نفسُه، فالنفسُ دلّت على ما دل عليه زيدٌ، فصار ذلك كتكرار اللفظ، نحوِ قولك: "زيدٌ زيدٌ".
فزيدٌ الثاني لم يدل على أكثر ممّا دل عليه الأول، والتأكيدُ والتشديدُ معنى حصل من مجموع الاسمَيْن، لا من أحدهما.
وأمّا الصفات من نحوِ "جاء زيد العاقلُ"، فإن الصفة التي هي العاقل لم تدلّ على معنى في الموصوف، وإنما دلت على معنى في نفسها، نحوِ: "العاقل"، فإنه دل على ذاتٍ باعتبار العقل.
فإذا جمعتَ بين الصفة والموصوف، نحوَ قولك: "زيدٌ العاقلُ"، حصل البيان والتعريف من مجموع الصفة والموصوف، لا من أحدهما، فبان لك أن الصفة لم تدلّ على معنى في غيرها، وإنما دلت على معنى تحتها.
وأمّا "مِثْلٌ" فأمرُها كأمر الصفة، لأنها بمعنى "مُشابِهٍ" و"مُماثِلٍ"، وذلك معنى معقول في نفس الاسم.
وأمّا كونها تقتضي مماثلًا, فليس ذلك بذاتيّ لها، ولا من مُقوِّماتها، وإنما ذلك من لوازمها.
وأمّا "كَمْ" في الخبر، فهي اسمٌ بمعنى العدد والكثيرِ، وأمّا كونها تدلّ على كثرة
الرجال مثلًا إذا قلت: "كم رجلٍ"، فإنّ الكثرة لم تُفِدْها "كَمْ" في الرجال، وإنما "كم" لعددٍ مبهمٍ يقع على القليل منه والكثير.
فإذا أُضيفت إلى ما بعدها، بَيَّنَ أن المراد الكثير، فجرى مجرى الألفاظ المُجْمِلة المترّدّدة بين أشياءَ، وبَيَّنها غيرُها من قرينة حالٍ أو لفظٍ.
ولا يُخْرِجها ذلك عن أن تكون دالة على ذلك الشيء.
وأمّا الحروف الزائدة، فإنها وإن لم تُفِدْ معنى زائدًا، فإنها تفيد فضلَ تأكيدٍ وبيانٍ، بسبب تكثير اللفظ بها.
وقوّةُ اللفظ مؤذنة بقوة المعنى، وهذا معنًى لا يتحصّل إلَّا مع كلام.
وأمّا إفسادهم قولَ من عرّف الحرف بأنه الذي لا يجوز أن يكون خبرًا، ولا مخبرًا عنه بالأسماء المضمرة المجرورة، والأسماء المضمرة المنصوبة المتّصلة والمنفصلة، فالقولُ أن امتناع الإخبار عن هذه الأسماء وبها، لم يكن لأمرٍ راجعٍ إلى معنى الاسم، وإنما ذلك لأنها صِيغ موضوعةٌ بإزاءِ اسم مخفوض أو منصوب.
فلو أُخبر عنها، وجب أن ينفصل الضمير المجرور، ويصير عِوَضَه ضميرٌ مرفوعُ الموضع، نحوُ: "أنْتَ"، وشِبْهِه.
وكذلك الضمير المنصوب لو أُخبر به أو عنه، لتَغيّر إعرابُه، ووجب تغييرُ صيغة الإعراب.
فامتناعُ الإخبار عن هذه الأشياء لم يكن إلَّا من جهة الإعراب.
قال الزمخشري: لو كان الحرف يدلّ على معنى في نفسه، لم يُفْصَل بين "ضَرَبَ زيدٌ"، و"ما ضرب زيدٌ"؛ لأنه كان يبقى معنى النفي في نفسه.
وقوله: "ومن ثمّ لا ينفك من اسم أو فعل يصحبه"، يريد: ولكونه لا يدل على معنى إلَّا في غيره، افتقر إلى ما يكون معه ليفيده معناه فيه.
وجملةُ الأمر أنه دخل الكلامَ على ثلاثة أضرب لإفادةِ معنى فيما يدخل عليه، ولتعليقِ لفظ بلفظ آخر ورَبْطِه به، ولزيادةِ ضرب من التأكيد.
فالأولُ ثلاثةُ مواضع: أحدها: أن يدخل على الاسم، نحوِ: "الرجل"، و"الغلام"، فالألفُ واللام أفادت معنى التعريف فيهما؛ لأنهما كانا نكرتين.
الثاني: أنه يدخل الفعلَ، نحوَ: "قَدْ"، و"السين"، و"سَوْفَ"، نحوَ قولك: "قد قام"، و"سيقوم"، و"سوف يقوم".
فهذه الحروف أحدثت بدخولها على الفعل معنى لم يكن قبلُ، فَقَدْ قرّبته من الحاضر، والسينُ وسوف مختصّة بالاستقبال، وخلّصتْه له بعد أن كان شائعًا في الحال والاستقبال.
فهذه الحروفُ في الأفعال نظيرةُ الألف واللام في الأسماء.
الثالث: أن يدخل على الكلام التامّ والجملةِ المفيدة، نحوَ قولك: "أزيدٌ عندك؟ " و"ما قام خالدٌ".
فلمّا دخلت الهمزةُ، أحدثت فيه معنى الاستفهام، وقد كان خبرًا، وكذلك "ما" أحدثت معنى النفي، وقد كان موجَبًا.
وأمّا الضرب الثاني من القسمة الأُولى: فهو في أربعة مواضع: أحدُها: أن يدخل
لرَبْط اسم باسم، وهو معنى العطف، نحوَ قولك: "جاء زيدٌ وعمروٌ".
الثاني: أن يدخل لربط فعل بفعل، نحوَ: "قام زيدٌ وقعد".
الثالث: أن يدخل لربط فعل باسم، نحو قولك: "نظرتُ إلى زيد"، و"انصرفت عن جعفر"، وهو معنى التعدية.
الرابع: أن يدخل لربط جملة بجملة، نحو قولك: "إن تُعْطِنِي أشْكُرْك"، وكان الأصل: "تُعْطِينِي أشْكُرُك"، وليس بين الفعلَيْن اتصالٌ، ولا تعلّقٌ، فلمّا دخلت "إنْ" علّقتْ إِحدى الجملتين بالأُخرى، وجعلتِ الأوُلى شرطًا والثانية جزاءً.
وأما الضرب الثالث: وهو أن يدخل زائدًا لضرب من التأكيد، نحوُ قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ 1، ونحو قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ 2. ألا ترى أنّ "ما" لو كان لها موضعٌ من الإعراب، لَمَا تَخطّاها الباءُ، وعمِل فيما بعدها، وكذلك "لا" من قولهم: "ما قام زيدٌ ولا عمروٌ"، والواو هي العاطفة، و"لا"، لَغْوٌ كأنهم شبّهوها بـ "ما"، فزادوها.
ومن ذلك "إن" الخفيفة المكسورة، في نحو قوله [من الوافر]:
فما إنْ طِبُّنا جُبُنٌ [ولكِنْ... مَنايانا ودَوْلةُ آخرينا] 3
والمراد: "فما طبنا".
وكذلك المفتوحة في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ 4. فهذه الحروف ونحوها لا موضع لها من الإعراب، ولا معنى لها سوى التأكيد.
قال صاحب الكتاب: إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف فجرى مجرى النائب، نحو قولك: "نعم" و"بلى" و"إي" و"إنه" و"يا" و"زيد" و"قد" في قوله [من الكامل] 1064 - [أرف الترحل غير أن ركابنا... لما تزل برحالنا] وكأن قد 5
قال الشارح: لمّا اشترط في الحرف أن يكون مصحوبًا بغيره، إذ لا معنى له في نفسه، استثنى منه حروفًا قد حُذف الفعل منها، وبقي الحرفُ وحده مفيدًا معنى، فربما ظنّ ظانٌّ أن تلك الفائدة من الحرف نفسه، والفائدةُ إنما حصلت بتقدير المحذوف.
وتلك الحروفُ التي يجاب بها، وهي: "نَعَمْ"، و"بَلَى"، و"إي"، و"إنَّه"، بمعنَى "نعم" من قوله [من مجزوء الكامل]:
بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو... ح يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلَا... كَ وقد كَبِرْتَ وقلتُ إنَّهْ 1
أي: نَعَمْ قد علاني الشيب، فهذه الأشياءُ قد يُكتفى بها في الجواب، فيقال: "أقام زيدٌ؟ " فيقال في جوابه: "نَعَمْ"، أي: نعم قد قام.
فـ "نعم" قد أفادت إيجاب الجملة بعدها، إلَّا أنها قد حذفت لدلالة الجملة المستفهَم عنها قبلها.
واللفظُ إذا حُذف، وكان عليه دليلَ، وهو مرادٌ، كان في حكم الملفوظ، وكذلك سائرها.
ألا ترى أنه قد ساغت الإمالةُ في "بَلى" و"لا" لوقوع الكناية بهما في الجواب بنيابتهما عن الجمل المحذوفة، فكذلك "يا" في النداء من نحوِ "يا زيدُ"، فـ "يا" قد ثابت هنا منابَ "أدْعُو"، و"أُنادِي".
وقد ذَهب بعضهم إلى أنها قد دخلت لمعنى التنبيه، والفعلُ مراد بعدها، والعملُ في الاسم بعدها إنما هو لذلك الفعل لا لها.
وقال آخرون: إنما العملُ لها بالنيابة، = اللغة: أفد: دنا.
الترحّل: الرحيل.
الركاب: المطايا.
لمّا تزل.
لم تفارق بعد.
الرحال: ما يوضع على ظهر المطيّة لتركب.
كأن قد: أي كأن قد زالت لاقتراب موعد الرحيل.
المعنى: قرب الترحّل ومفارقة الديار، ولكن الإبل لم تزل فيها، وكأنّها قد فارقتها، وذلك لقرب وقت الارتحال.
الإعراب: "أزف": فعل ماضٍ.
"الترحّل": فاعل مرفوع بالضمّة الظاهرة.
"غير": مستثنى منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"أنّ": حرف مشبه بالفعل.
"ركابنا": اسم "أنّ" منصوب بالفتحة، وهو مضاف، و"نا": ضمير متّصل مبني في محل جر بالإضافة.
"لما": حرف جزم.
"تزل": فعل مضارع مجزوم بالسكون، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
"برحالنا": الباء: حرف جرّ، و"رحالنا": اسم مجرور بالكسرة، وهو مضاف، و"نا": ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل "تزل"، والمصدر المؤول من "أن" وما بعدها في محل جر بالإضافة.
"وكأن": الواو: حرف عطف، و"كأن": حرف مشبّه بالفعل مخفف من "كأن"، واسمه ضمير شأن محذوف.
"قد": حرف تحقيق مبني على السكون، وحرّك بالكسر للضرورة الشعرّية، وقد حذف مدخوله، والقدير: "قد زالت".
وجملة "أزف الترحل": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لمّا تزل برحالنا": في محلّ رفع خبر "أن".
وجملة "كأن قد": معطوفة على جملة "لمّا تزل".
والجملة المحذوفة: في محلّ رفع خبر "كأن".
والشاهد فيه مجيء "قد" كلمة مستقلة يصلح الوقف عليها.
ولذلك ساغت فيها الإمالة.
والذي يدل أن العمل لها دون الفعل المحذوف أنّ ما حُذف فيه الفعل إذا ظهر الفعل، لم يتغير المعنى، وأنت لو أظهرت "أدعو" و"أُنادي" لتغير المعنى، وصار خبرًا، والنداءُ ليس بخبر.
الأمر الثاني: أن العرب قد أوصلت حروف النداء إلى المنادَى تارة بأنفسها، وأُخْرَى بحرف الجرّ، وذلك نحوُ: "يا زيدُ"، و"يا لَزيدٍ"، و"يا بكرُ"، و"يا لَبكرٍ"، فجرى ذلك مجرى "جئتُ زيدًا"، و"جئت إليه"، و"سُمِّيت زيدًا"، و"سمّيت بزيدٍ".
ويؤيد ذلك جوازُ الإمالة فيه كما جاز في "بَلى" و"لا".
هو في "بَلى" أسهلُ لتمام اللفظ ومجيئها على عدّة الأسماء، وضُعْفِ "يا"، و"لا"، لنقص لفظهما.
فإن قيل: ولِمَ جيء بالحروف؟ وما كانت الحاجةُ إليها؟ فالجواب أن حروف المعاني جُمَعَ جيء بها نيابةً عن الجمل، ومفيدةً معناها من الإيجاز والاختصار.
فحروفُ العطف جيء بها عوضًا عن "أعطِفُ"، وحروفُ الاستفهام جيء بها عوضًا عن "أستفهمُ"، وحروفُ النفي إنما جاءت عوضًا عن "أنفي"، وحروف الاستثناء جاءت عوضًا عن "أستثني" أو "لا أعني"، وكذلك لامُ التعريف ثابت عن "أُعَرِّفُ"، والتنوينُ ناب عن "خَفَّ"، وحروفُ الجز جاءت نائبة عن الأفعال التي هي بمعناها، فالباء ثابت عن "أُلصِقُ"، والكاف نابت عن " أُشَبِّهُ"، وكذلك سائر الحروف.
ولذلك من المعنى لا يحسن حذف حروف المعاني كحروف الجرّ ونحوها؛ لأن الغرض منها الاختصار، واختصارُ المختصَر إجحافٌ.
فإن قيل: فإذا كانت هذه الحروف نائبةً عن الأفعال على ما زعمتم، والأفعالُ معناها في نفسها، لِمَ كانت الحروف معناها في غيرها، والخَلَفُ لا يُخالِف الأصلَ في حقّ الحكم؟ فالجواب أن كلّ فعل متعدِّ بنفسه وبواسطةٍ، فإنّما هو عبارة ولفظٌ دالّ على فعلٍ واصلٍ إلى المفعول، فإذا قلت: "أدعو غلامَ زيد"، فـ "أدعو" ليس واصلًا بنفسه إلى غلام زيد، وإنّما هو دالّ على الدعاء الواصلِ إلى الغلام.
فحروفُ "أدعو" عبارة عن حروف الدعاء، وليس كذلك قولك: "يا غلامَ زيد"، فإنّ إضافةَ "يا" إلى ما بعدها فُهم منها معنى الدعاء الدال عليه "أدعو"، فأنت إذا قلت: "يا غلام زيد"، فهو نفس الدعاء، وإذا قلت: "أدعو" كان إخبارًا عن وقوع الدعاء، وكذلك إذا قلت: "أستفهمُ"، كان عبارة عن طلب الفهم، وإذا قلت: "أقام زيدٌ؟ " كان نفس الطلب.
فلمّا افترق معناهما، افترق حكمُهما، فافْهَمْه، ففيه لُطْفٌ.