شرح المفصل لابن يعيشفصل [جواز النصب والجزم بعد الواو في بعض الأساليب العربية]

فصل [جواز النصب والجزم بعد الواو في بعض الأساليب العربية]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ويجوز في قوله عز وجل: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ 4 أن يكون "تكتموا" منصوباً ومجزوماً كقوله [من الطويل]: 974 - ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته... [فإنك إن تفعل تُسفَّه وتجهل]1235

وتقول زرني وأزورك بالنصب تعني لتجتمع الزيارتان.
كقول ربيعة بن جشم [من الوافر]: 1 - فقلت ادعي وأدعو إن أندى... لصوت أن ينادي داعيان وبالرفع تعني زيارتك علىَّ علي كل حال, فلتكن منك زيارة,كقولهم دعني ولا أعود, وإن أردت الأمر, أدخلت اللام, فقلت و"لأزرك", وإلا فلا محمل لأن تقول: "زرني وأزرك"؛ لأن الأول موقوف.
= 1/ 314؛ ولسان العرب 14/ 27 (أذى).
اللغة: المولى هنا: ابن العم.
الأذاة: الأذى.
سَفَّههه: نسبه إلى السَّفَهِ، وهو الجهل، وخفة الحلم.
المعنى: يَنْهى الشاعر عن شتم ابن العم وعن أذيته لما في ذلك من العار على الشاتم.
الإعراب: "ولا": الواو: بحسب ما قبلها، و"لا": ناهية جازمة.
"تشتم": فعل مضارع مجزوم بالسكون، وحُرِّك بالكسر منعًا لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"المولى": مفعول به منصوب بالفتحة المقدّرة على الألف للتعذر.
"وتبلغ": الواو: حرف عطف، "تبلغ": فعل مضارع معطوف على "تشتمْ"، مجزوم ويجوز نصبه بـ"أن" المضمرة.
"أذاته": مفعول به منصوب، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"فإنَّك": الفاء: حرف استئناف، و"إنَّك": حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسم "إن" في محل رفع.
"إنْ": حرف شرط جازم.
"تَفْعل": فعل مضارع مجزوم، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"تُسَفه": فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"وتجهل": فعل مضارع معطوف على"تُسَفه" بواو العطف، مجزوم بالسكون، وحُرِّك بالكسر لضرورة القافية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
وجملة "تشتم" بحسب الواو.
وجملة "تبلغ": معطوفة على جملة "تشتم".
وجملة "إنك إن تَفْعَل تُسَفه": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "إن تَفعل تسفه": خبر "إن محلُّها الرفع.
وجملة "تفعل" جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تُسَفه": جواب شرط جازم غير مقترن بالفاء، لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تجهل": معطوفة على جملة "تُسَفِّهُ".
والشاهد فيه: جواز جزم الفعل "تبلغ" بالعطف، أو نصبه بـ"أن" المضمرة.

قال الشارح: أمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ 1، فيجوز أن يكون "تكتموا" مجزومًا بالعطف على لفظِ "لا تلبسوا"، فيُشاركه في إعرابه، ويكون النهيُ عن كلّ واحد منهما، وتقديره: ولا تلبسوا الحق بالباطل، ولا تكتموا الحقّ.
ويجوز أن يكون منصوبًا، وحذفُ النون من "تكتموا" علامة النصب، ويكون النهي عن الجمع بينهما على حدّ "لا تأكل السمك وتشربَ اللبن": أي لا تجمعْ بينهما.
وجرت هذه المسالةُ يومًا في مجلس قاضي القُضاة بحَلَبَ، فقال أبو الجرْم المَوْصِلي: لا يجوز النصب في الآية, لأنه لو كان منصوبًا، لكان من قبيل "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، وكان مثله في الحكم يجوز تناوُلُ كل واحد منهما كما يجوز ذلك في "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، فقلتُ: يجوز أن يكون منصوبًا ويكون النهي عن الجمع بينهما، ويكون كل واحد منهما مَنهيًّا عنه بدليل آخر.
ونحن إنما قلنا في قولهم: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن": إِنه يجوز تناوُل كل واحد منهما, لأنه لا دليل إلَّا هذا، ولو قدّرنا ثَمَّ دليلاً آخر للنهي عن كل واحد منهما منفردًا، لكان كالآية، فانقطع عند ذلك، وأما قول الشاعر [من الطويل]: ولا تَشْتُمِ المولى وتَبْلُغْ أذاتَهُ... فإنّكَ إن تَفْعَلْ تُسَفَّهْ وتَجهَلِ 2 فالبيت لجرير، والشاهد فيه جزم "تبلغ" لدخوله في النهي، والمعنى: لا تشتمْه، ولا تبلغ أذاتَه، والمولى هنا ابن العمّ.
وتقول: "زُرْني، وأزُورَك" بالنصب، ولا يجوز الجزم؛ لأنه لم يتقدّم ما تحمله عليه؛ لأنّ الذي تقدّم فعلُ أمر مبني على السكون، فلا يصح عطف المضارع المعرب = المعنى: تعالى لندعو معًا فيبعد صوتنا أكثر، أو: تعالى ندعو معًا, لأنّ الصوتين قد يكونان أبعد مدى.
الإعراب: "فقلت": الفاء: بحسب ما قبلها، و"قلت": فعل ماضٍ، والتاء ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل.
"ادعي": فعل أمر مبنيّ على حذف النون لاتصاله بياء المخاطبة، والياء ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل.
"وأدعوَ": الواو: للمعيّة، و"أدعو": فعل مضارع منصوب بـ"أن" مضمرة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا.
والمصدر المؤوّل من "أن أدعو" معطوف على مصدر منتزع ممّا قبله.
"إنْ": حرف مشبه بالفعل.
"أندى": اسم "إنّ" منصوب بالفتحة المقدّرة على الألف.
ويمكن اعتبارها: خبر مقدّم لـ"إن، مرفوع بالضمّة المقدّرة، واسم "إنّ" المصدر المؤوّل من "أن ينادي".
"لصوت": جار ومجرور متعلّقان بـ"أندى".
"أن": حرف نصب ومصدريّ.
"ينادي": فعل مضارع منصوب.
"داعيان": فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنّى.
وجملة "قلت... ": بحسب ما قبلها.
وجملة "ادعي": في محل نصب مفعول به لـ"قلت".
وجملة "إنّ أندى لصوت": لا محل لها من الإعراب لأنها استنافيّة.
وجملة "أن ينادي داعيان" المؤوّلة بمصدر في محلّ رفع خبر "إن"، والتقدير: "إن أندى" لصوت مناداة داعيين".
والشاهد فيه قوله: "وأدعوَ" حيث نصب الفعل المضارع بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد واو المعيّة.

عليه, لأنّ حرف العطف يُشْرِك في العامل، والأوّلُ بلا عامل، فلم يمكن حمله عليه.
ولا يصحّ إرادة الأمر في الثاني؛ لأنّ المتكلّم إذا أمر نفسَه؛ لم يكن ذلك إلَّا باللام, لأنّ أمر المتكلم نفسَه كأمر الغائب، لا يكون إلَّا باللام، ولو جاز أن يكون معطوفًا على الأمر بغير لام؛ لجاز أن تقوله مْبتدِئًا: "أزُرْكَ"، وتريد الأمر، وذلك ممّا لا يجوز إلَّا في ضرورة الشعر، كقوله [من الوافر]: 1 - محمّدُ تَفدِ نفسَك كلُّ نفسٍ... إذا ما خِفتَ من أمْرٍ تَبالَا وإذا امتنع الجزم، نصب على تقدير "أن"، ويكون المراد الجمع، أي: لتجتمع الزيارتان: زيارةٌ منك، وزيارةٌ مني، فيصح المعنى واللفظ.
ويجوز الرفع، فيكون المعنى: إن زيارتك علي واجبة على كلّ حال، فَلْتكن منك زيارة، ولم يُرَد معنى الجمع، وأمّا قوله [من الوافر]: فقلت ادعي... إلخ فالبيت أنشده صاحب الكتاب، وعزاه إلى رَبيعةَ بن جُشَمَ، وقيل هو للأعشى، وقيل: للحُطَيئَة، والشاهد فيه أنه كالمسألة المتقدّمة: لما امتنع عطف الثاني إلى الأوّل لِما

ذكرناه؛ نَصَبَه بإضمارِ "أنْ"، والمعنى: ليكن منّا أن تَدْعِيَ، وأدْعُوَ، ويروى: و"أَدْعُ" على الأمر بحذف اللام، وأنْدَى: أبعدُ صوتًا، والنَدَى: بُعْدُ الصوت.

قال صاحب الكتاب: وذكر سيبويه 1 في قول كعب الغنوي [من الطويل]: 977 - وما أنا للشيء الذي ليس نافعي... ويغضب منه صاحبي بقؤول النصب والرفع.
وقال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ 3 أي: ونحن نقر.

قال الشارح: روى سيبويه هذا البيت منصوبًا ومرفوعًا، فالنصب بإضمار "أنْ" عطفًا على قوله: "للشيء الذي ليس نافعي"، وتقديره: "وما أنا بقَؤُولٍ للشيء غير النافعي، ولا لغَضَب صاحبي بقؤول".
والمراد: بقؤولٍ لِما يكون سببًا لغضبه, لأنه لا يقول الغضبَ.
وأما الرفع، فبالعطف على موضعِ "ليس"؛ لأنها من صلةِ "الَّذِي"، و"الَّذِي" تُوصَل بالجمل الابتدائية، ولا يكون لها موضعٌ من الإعراب، فإذا عطفت عليها فعلاً مضارعًا،2

كان في حكم المبتدَأ به، فلا يكون إلَّا مرفوعًا.
والرفعُ هنا أوْجَهُ الوجهين؛ لأنه ظاهرُ الإعراب صحيحُ المعنى، والنصب على ظاهره عْيرُ صحيح؛ لأنك تعطفه على الشيء، وليس بمصدر، فيسهلَ عطفُه عليه.
وإذا عطفتَه عليه، كان في حكم المخفوض باللام؛ لألْه معطوف على ما خُفض باللام، فيصير التقدير: وما أنا لغضب صاحبي بقؤول.
والغضبُ ليس مقولاً، فيفتقر إلى التأويل الذي قدّرناه.
وقد ردّ أبو العبّاس المبرّد على سيبويه تقديمَه النصبَ على الرفع هنا، وسيبويه لم يُقدِّم النصب, لأنه أحسن من الرفع، وإنما قدّمه لِما بني عليه البابَ من النصب بإضمار "أنْ".
وقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (1)، لم يأت "ونقرّ"، إلَّا مرفوعًا على الابتداء والاستئناف، كانه قال: و"نحن نقرُّ في الأرحام".
ولو نصب، لاختل المعنى، إذ كان بعدُ إذ ذلك لِنبيّن لكم القدرةَ على البَعْث, لأنه إذا كان قادرًا على ابتداع هذه الأشياء بعد أن لم تكن، كان أقدَرَ على إعادتها إلى ما كانت عليه من الحياة, لأنّ الإعادة أسهل من الابتداع.

جارٍ التحميل