شرح المفصل لابن يعيشفصل [وقوع الفعل محل الاسم المستثني]

فصل [وقوع الفعل محل الاسم المستثني]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "وقد أوقع الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: "نشدتك بالله إلا فعلت".
والمعنى: ما أطلب منك إلا فعلك.
وكذلك "أقسمت عليك إلا فعلت".

وعن ابن عباس: "بالإيواء والنصر إلا جلستم", وفي حديث عمر: "عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطاً" بمعنى "إلا ضربت"".

قال الشارح: قد أُوقع الفعل موقع المصدر المستثنى، لدلالة الفعل على المصدر، فقالوا: "نشدتُك اللهَ إلّا فعلتَ"، والمراد: فَعْلَك.
وذلك أنّ "نَشَدَ" فعلٌ قد استُعمل على وجهَيْن: أحدهما أنّ يكون متعدّيًا إلى مفعول واحد، والآخرُ أن يكون متعدّيًا إلى مفعولَيْن، فالمتعدّي إلى مفعول واحد قولهم: "نشدتُ الضالةَ" إذا طلبتَها، وأنشدوا لنُصَيْب [من الطويل]: 1 - ظَلِلْتُ بذِي دَوْرانَ أَنْشُدُ ناقَتي... ومالي عليها من قَلُوصٍ ولا بَكرِ والناشد: الطالبُ، وأنشد إلأصمعيّ عن أبي عمرو [من السريع]: 315 - يُصِيخُ للنَّبْأَةِ أَسْماعه... إصاخةَ الناشِدِ للمُنْشِدِ (2)3

الإصاخة: الاستماعُ، والناشدُ: الطالبُ، والمُنْشِدُ: المُعَرِّفُ.
الضرب الآخر أن يتعدّى إلى مفعولَيْن من بابِ "نشدتُ".
وذلك قولُهم: "نشدتُك اللهُ إلّا فعلتَ"، هكذا حكاه سيبويه 1، وهو كلامٌ محمول على المعنى، كأنّه قال: "ما أَنْشُدُ إلّا فَعْلَك" أي: ما أسألُك إلّا فَعْلَك، ومثلُ ذلك "شَرّ أهَرَّ ذا نابٍ" 2 "وشيءٌ ما جاء بك"، وجاز وقوعُ "فعلتَ" هاهنا بعد "إلّا" من حيثُ كان دالآ على مصدره، كأنّهم قالوا: "ما أسألك إلّا فَعْلَك".
ونحوه ما أنشده أبو زيدٍ [من الوافر]: 316 - فقالوا ما تَشاءُ فقلتُ أَلْهُو... إلى الإصباح آثِرَ ذي أَثِيرِ فأوقع الفعلَ على مصدره لدلالته عليه، فكأنّه قال فى الذي جواب "ما تشاءُ اللَّهْوَ"، وإذا ساغ أنّ تحمل "شرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ" على معنى المنفيّ، كان معنى النفي في "نشدتُك الله إلّا فعلتَ" أظهرَ، لقُوّةِ الدلالة على النفي بدخول 4 "إلّا" لدلالتها عليه.
ألا ترى أنّهم قالوا: "ليس الطيبُ إلّا المِسْكَ"، فجاز دخولُ "إلّا" في قول أبي الحسن بين المبتدأ والخبر، وإن لم يجز "زيدٌ إلّا منطلقٌ" لمّا كان عاريًا من معنى النفي.
ومثله من الحمل على المعنى قولُ الآخر [من الطويل]: 317 - [أنا الذائدُ الحامي الذمارَ] وإنّما... يُدافِعُ عن أَعْراضِهم أَنَا أو مِثْلِي35 = والشاهد فيه قوله: "إصاخة الناشد" بمعنى استماع الطالب لمطلوبه.

والمراد: ما يدافع عن أعراضهم إلّا أنا, ولذلك فَصَلَ الضميرَ حيثُ كان المعنى: ما يدافع إلّا أنا.
ولولا هذا المعنى لم يستقِمْ, لأنّك لا تقول: "يقوم أنا".
فكما جاز "يدافع أنا", لأنّه في معنى "ما يدافع إلّا أنا"، كذلك جاز "أسألُك إلّا فعلتَ" لأنّه في معنى "لا أسألُك إلّا فعْلَكَ".
وأمّا "أقسمتُ عليك إلّا فعلتَ"، فقياسُه، لو أُجْرِيَ على ظاهره، أنّ يقال: "لَتَفْعَلَنَّ", لأنه جواب القَسَم في طَرَفِ الإيجاب بالفعل، فتلزمه اللامُ والنونُ، لكنّهم حملوه على "نشدتُك الله إلّا فعلتَ", لأن المعنى فيهما واحدٌ.
قال سيبويه 1 سألتُ الخليلَ عن قولهم: "أقسمت عليك لمَّا فعلتَ وإلاّ فعلتَ "، لِمَ جاز هذا، وإنّما "أقسمتُ" هاهنا كقولك "واللهِ"؟ فقال: وجهُ الكلام: "لتفعلنّ"، ولكنّهم أجازوا هذا, لأنّهم شبّهوه بقولهم: "نشدتُك الله إلّا فعلتَ"، إذ كان المعنى فيهما الطّلَبَ.
وأمّا قولُ ابن عَبّاسٍ: "بالإيواء والنَّصْرِ إلا جلستم"، فهو حديثٌ مشهور، ذكره التَّوْحِيدِيُ في كتابِ البَصائر، وذلك أنّ ابن عبّاس دخل على بعض الأنصار في وَلِيمَةٍ، فقاموا، فقال: "بالإيواء والنصر إلّا جلستم"، وأراد بـ "الإيواء والنصر" قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ 2، فاستعطفهم بما ورد فيهم، وما هو من خصائصهم.
وأمّا حديث عمر: "عزمتُ عليك لَمَّا ضربتَ كاتِبَك سَوْطًا"، ففي هذا الحديث رِوايةٌ أخرى عن يَحْيَى = (قلا)؛ والمحتسب 2/ 195؛ ومعاهد التنصيص 1/ 260؛ ومغني اللبيب 1/ 309؛ والمقاصد النحوية 1/ 277؛ ولأميّة بن أبي الصلت في ديوانه ص 48؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 111، 114، 7/ 242؛ ولسان العرب 13/ 31 (أنن)؛ وهمع الهوامع 1/ 62. اللغة: الذائذ: المدافع.
الأعراض: كلّ ما على الرجل حمايته.
الذمار: كلّ ما يجب الحفاظ عليه.
المعنى: يقول: إنّه حامي مجد وشرف ومآثر قومه، ولا يستطيع القيام بهذه المهمّة إلّا هو ومثله.
الإعراب: "أنا": ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
"الذائد": خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة.
"الحامي": خبر ثانٍ مرفوع، أو خبر ثاني للمبتدأ.
"الذمار": مفعول به لاسم الفاعل منصوب.
"وإنما": الواو حرف استئناف، "إنما" حرف توكيد مكفوف، و"ما" حرف كافّ.
"يدافع": فعل مضارع مرفوع.
"عن أعراضهم": جار ومجرور متعلّقان بـ "يدافع"، وهو مضاف، وهم: ضمير متّصل مبنّي في محل جرّ بالإضافة.
"أنا": ضمير منفصل مبني في محلّ رفع فاعل.
"أو": حرف عطف.
"مثلي": معطوف على "أنا" مرفوع بالضمّة المقدّرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، والياء ضمير متّصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة "أنا الحامي... ": الاسميّة ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "إِنّما يدافع... ": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه: سيوضحه الشارح.

ابن أبي كثير أنّ كاتِبًا لأبي موسى كتب: "إلى عمر بن الخَطّاب مِنْ أبُو مُوسَى"، فكتب إليه عمرُ: إذا أتاك كِتابي هذا فاضْرِبْه سَوْطًا، واعْزِلْه عن عَمَلك، فقوله: "لمّا ضربتَ كاتِبَك" بمعنى "إلّا ضربتَ"، أي: لا أطلُبُ إلّا ضَرْبَه، وقولُه: "عزمتُ عليك" من قَسَم الملوك، وكانوا يُعَظّمون عَزائمَ الأمُراء.

جارٍ التحميل