شرح المفصل لابن يعيشفصل [استعمال "إنْ"]

فصل [استعمال "إنْ"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ولا تُستعمل "إن" إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها, ولذلك قبح "إن احمر البسر كان كذا"، و"إن طلعت الشمس آتك" إلا في اليوم المغيم, وتقول: "إن مات فلان كان كذا"، وإن كان موته لا شُبهة فيه إلا أن وقته غير معلوم, فهو الذي حسّن فيه.

قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ "إنّ" في الجزاء مبهمةٌ لا تُستعمل إلَّا فيما كان مشكوكًا في وجوده، ولذلك كان بالأفعال المستقبلة؛ لأنّ الأفعال المستقبلة قد توجَد، وقد لا توجَد، ولذلك لا تقع المجازاةُ بـ "إِذا" وإن كانت للاستقبال؛ لأنّ الذاكر لها كالمعترف بوجود ذلك الأمر، كقولك: "إذا طلعت الشمسُ فأتِني".
ولو قلت: "إن طلعت الشمس فأتني"، لم يحسن إلَّا في اليوم المُغيم الذي يجوز أن ينقشع الغَيمُ فيه، وتطلع الشمسُ، ويجوز أن يتأخّر، فقولُك: "إذا طلعت" فيه اعترافٌ بأنّها ستطلع لا محالةَ.
وحَقُّ ما يجازى به أن لا تدري أيكون أم لا يكون، فعلى هذا تقول: "إذا أحمرّ البُسْرُ فأتني"، وقبُح "إن احمرّ البسر"؛ لأن احمرار البسر كائنٌ.
وتقول: "إذا أقام الله القيامةَ عذّب الكفّارَ".
ولا يحسن "إنْ أقام الله القيامة"؛ لأنّه يجعل ما أخبر الله تعالى بوجوده مشكوكًا فيه.
وربما استُعملت "إنْ" في مواضعِ "إذا"، و"إذا" في مواضعِ "إنْ"، ولا يبيّن الفرقُ بينهما لِما بينهما من الشرْكة، وتقول من ذلك: "إن متُّ فافضوا دَيْنِي"، وإن كان موته كائنًا لا محالةَ، فهو من مواضع "إذا"، إلَّا أن زمانه لمّا لم يكن متعينًا، جاز استعمالُ "إنْ" فيه.
قال الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ 1. وقال الشاعر [من مجزوء الكامل]: 1175 - كم شامِتٍ بي إن هلكتُ.... وقائل لله دَرُّه2

فهذه من مواضعِ "إذا"؛ لأن الموت والهلاك حتمٌ على كل حَيّ، فأمّا قول الآخر [من الطويل]: 1 - إذا أنْتَ لَم تَنزعْ عن الجَهْل والخَنَا.... أصَبْتَ حَليمًا أو أصابَك جاهِلُ فهو من مواضعِ "إن"؛ لأنّه يجوز أن ينزع عن ذلك، وأن لا ينزع، إلَّا أنّ بعضهما أحسن من بعض، فقولنا: "إن مات زيدٌ كان كذا" أحسنُ من قولنا: "إن احمرّ البسرُ"؛ لأن موت زيد مجهولُ الوقت، واحمرار البسر له وقتٌ معلومٌ، فاعرفه.
= أراد أن الناس مختلفون في الأمر الواحد، فمنهم سيفرح لموته، ومنهم من سيقول: كان كريمًا متفوّفًا على الآخرين.
الإعراب: "كم": اسم كناية مبني في محل رفع مبتدأ، وهو مضاف.
"شامتٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"بي": جارّ ومجرور متعلّقان باسم الفاعل "شامت".
"إن": حرف شرط جازم.
"هلكت": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرّك، والتاء: ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل.
"وقائل": الواو: حرف عطف، "قائل": اسم معطوف على "شامت" مجرور بالكسرة.
"لله": جارّ ومجرور متعلّقان بخبر مقدّم محذوف تقديره: "كائن".
"دره": مبتدأ مؤخّر مرفوع بالضمّة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة "كم شامت موجودٌ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "هلكت": في محلّ جزم فعل الشرط.
وجملة "لله درّه": في محلّ نصب مفعول به.
والشاهد فيه قوله: "إن هلكت" حيث استخدم "إن" الشرطية في موضع "إذا" التي لا تحتمل الحدوث وعدمه، والموت حاصل لا احتمال فيه.

جارٍ التحميل