فصل [شرائطه]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: "ومن خصائصِ النداء الترخيمُ إلّا إذا اضطرّ الشاعر، فرخَّم في غير النداء.
وله شرائطُ: إحداها أن يكون الاسمُ عَلَمًا.
والثانيةُ أن يكون غيرَ مضاف.
والثالثة أن لا يكون مندوبًا ولا مستغاثًا.
والرابعةُ أن تزيد عِدّتُه على ثلاثةِ أحرف إلّا ما كان في آخره تاءُ تأنيث، فإنّ العَلَمية، والزيادةَ على الثلاثة فيه غيرُ مشروطتَيْن، يقولون: "يا عاذِلَ"، و"يا جارِيَ لا تستنكِرِي"، و"يا ثُبَ أقْبِلِي" و"يا شَا ارْجُنِي"، وأما قولهم: "يا صاحِ" و"أطْرِقْ كَرَا" فمن الشواذّ".
قال الشارح: إنّما قال: "ومن خصائص النداء الترخيم"، لأنّ الترخيم المطّرِد إنّما يكون في النداء، وفي غير النداء إنّما يكون على سبيل الندْرة، وهو من قبيل الضرورة على ما سيأتي بيانُه.
ولذلك قال: إلّا إذا اضطُرّ الشاعر، فرخّم في غير النداء، جعله خاصّةً للنداء، والترخيم مأخوذ من قولهم: "صوتٌ رخيمٌ" إذا كان ليّنا ضعيفًا، والترخيمُ ضُعْفٌ في الاسم، ونَقْصٌ له عن تَمام الصوت.
قال الشاعر [من الطويل]:
لها بَشَر مِثْلُ الحَرِير ومَنْطِقٌ... رخيمُ الحَواشِي لاهُراءٌ ولانَزْرُ 1
يصف امرأة بعُذوبةِ المنطق ولِينِ الكلام، وذلك مستحَبّ في النساء.
والترخيم له شروطٌ: منها أن يكون منادى، وذلك لكثرة النداء في كلامهم، وسعةِ استعماله.
والكلمةُ إذا كثُر استعمالُها، جاز فيها من التخفيف ما لم يجز في غيرها، فلذلك رخّموا المنادى، وحذفوا آخِرَه، كما حذفوا منه التنوينَ، وكما حذفوا الياء في "يا قومِ" على ما سبق.
ومنها أن يكون عَلَمًا، لأنّ الأعلام يدخلها من التغيير ما لم يوجَد في غيرها، ألا ترى أنّهم قالوا: "حَيْوَةُ"، والقياس: حَيَّةُ.
وقالوا: "مَزْيَدٌ"، و"مَوْهَبٌ"، و"مَحْبَبٌ"، وقد تقدّم عِلّةُ ذلك في فصل الأعلام.
ومنها أن يكون مفردًا غير مضاف، لأنّ الاسم المفرد قد أثّر فيه النداءُ، وأوجب له البناءَ بعدَ أن كان معربًا.
والمضافُ، والمضاف إليه لم يؤثّر فيه النداءُ، بل حالُهما بعد النداء في الإعراب كحالهما قبل النداء.
فلمّا كان حكمُ المفرد في النداء مخالِفَ حكمِه في غير النداء، وكان الترخيمُ إنّما يُسوِّغه النداءُ، جاز.
ولمّا كان المضافُ والمضاف إليه جارِيَيْن على الإعراب في النداء كجَرْيهما في غير النداء، وكان غيرُ النداء لا يجوز فيه الترخيمُ، لم يجز فيهما هذا مع عدم السَّماع.
والذي ورد من الترخيم عن العرب إنّما هو في المفرد، نحو: "يا حارِ"، و"يا عامِ".
وذهب الكِسائيّ والفَرّاء إلى جواز الترخيم في المضاف، ويوقِعون الحذفَ على آخِرِ الاسم الثاني، فيقولون: "يا أبا عُرْو"، و"يا آلَ عِكْرِمَ" وأنشدوا بيتًا لم يُعرف قائله [من الطويل]:
1 - أبَا عُرْوَ لا تُبْعِدْ فكُل ابنِ حُرَّةٍ... سَيَدْعُوه داعِي مِيتَةٍ فيُجِيبُ
وقال زُهَيْرٌ [من الطويل]:
2 - خُذُوا حِذْرَكم يا آلَ عِكْرِمَ واذْكُروا... أواصِرنَا والرَّحْمُ بالغَيْب يُذْكَرُ
فرخّم المضاف إليه فيهما، وهذا محمولٌ عندنا على الضرورة، وحالُه حالُ ما رُخّم في غير النداء للضرورة، لأن المضاف إليه غيرُ منادى.
ومنها أن تكون عِدّتُه زائدة على ثلاثةِ أحرف، وذلك لأنّ أقلَّ الأُصول ما كان على ثلاثهٍ، فإذا حذفتَ من الخمسة حرفاً، ألحقتَه بالأربعة، وقرَّبتَه من الثلاثة تخفيفًا له بقُرْبه من الثلاثة الذي هو أقلُّ الأبنية، وإذا حذفتَ من الأربعة بلغتَ الثلاثةَ، وإذا بلغت الثلاثةَ، لم يجز أن تحذف منه شيئًا، لأنّه لم يكن دونها شيءٌ من الأُصول، فتَبْلُغَه لأنّها هي الغايةُ.
فأمّا ما كان فيه هاءُ التأنيث، فيجوز ترخيمُه، وإن كان على ثلاثة أحرف، لأنّه بمنزلةِ اسم ضُمَّ إلى اسم كَـ "حَضْرَمَوْتَ" و"رَامَهُرْمُزَ"، فجازحذفُ الثاني منه كما جاز في "حضرموت"، وبقي عَلى حرفَيْن معتلاً "يَدٍ" و"دَمٍ"، لأنّه كان كذلك، والهاءُ فيه، إذ الهاءُ بمنزلةِ المنفصلة، ولا يُشترط فيما كان فيه هاءُ التأنيث العَلَميةُ، بل يجوز في الشائع كما يجوز في الخاص.
وإنّما ساغ الترخيمُ فيما كان فيه تاءُ التأنيث، وإن لم يكن عَلَمًا، نحوِ: "يا ثُب"، و"يا عِضَ"، في "ثُبَةٍ" و"عِضَةٍ" لكثرةِ ترخيمِ ما فيه هاءُ التأنيث، فإنّه لم يكثر في شيء = 470؛ ولسان العرب 12/ 233 (رحم)، 416 (عكرم)؛ وهمع الهوامع 1/ 181.
اللغة: آل عكرم: بنو عكرمة بن خصفة.
الأواصر: جمع آصرة وهي كلّ ما يعطفك على آخر.
الرحم: القرابة.
المعنى: نالوا حظّكم من مودّتنا- يا آل عكرمة- وانتبهوا لما يجمعنا من علاقات، فالقرابة تذكر بالغيب.
الإعراب: "خذوا": فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق.
"حِذرَكُمْ": مفعول به منصوب بالفتحة، و"كم": ضمير متصل في محلّ جرِّ بالإضافة.
"يا آل": "يا": حرف نداء، "آل": منادى مضاف منصوب بالفتحة.
"عكرم": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدّرة على التاء المحذوفة للترخيم، والفتحة عوضًا عنها.
"واذكروا": الواو: للعطف، "اذكروا": فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف للتفريق.
"أواصرنا": مفعول به منصوب بالفتحة، و"نا": ضمير متصل في محلّ جرِّ بالإضافة.
"والرحم": الواو: استئنافية، "الرحم": مبتدأ مرفوع بالضمّة.
"بالغيب": جار ومجرور متعلّقان بـ"يذكر".
"يذكرُ": فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمّة، ونائب الفاعل: ضمير مستتر تقديره (هي).
وجملة "خذوا": ابتدائية لا محلّ لها.
وجملة "يا آل عكرم" اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "اذكروا": معطوفة على (خذوا) لا محلّ لها.
وجملة "الرحم يذكر": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "يذكر": في محلّ رفع خبر.
والشاهد فيه قوله: "آل عكرم" حيث رخّم المضاف إليه بحذف آخره، فالأصل "آل عكرمة"، وهو دليل على جواز ترخيم المركب الإضافي المنادى بحذف آخر المضاف إليه، لأن المضاف والمضاف إليه صارا بمنزلة الاسم الواحد.
وعد البصريون ذلك شاذًّا.
ككثرته لِما تقدّم من أنّه كاسمٍ ضُمَّ إلى اسم، ولأنّ تاءَ التأنيث تُبْدَل هاءً في الوقف أبدًا مطّرِدًا، ودخولُها الكلامَ أكثرُ من دخولِ ألفَي التأنيث، لأنّها قد تدخل في الأفعال الماضية للتأنيث، نحوِ: "قامتْ هندُ".
وتدخل المذكرَ توكيدًا، ومبالغةً نحوَ: "عَلامةٍ"، و"نَسّابةٍ".
فلمّا كانت الهاء كذلك، ساغ حذفُها، وكان أوْلى لِما يحصُل بذلك من الخفّة مع عدم الإخلالِ ببنيةِ الكلمة، لأن التغيير اللازم لها من نَقْلها من التاء إلى الهاء يُسهّل تغييرَها بالحذف، لأنّ التغيير مُؤنسٌ بالتغيير.
فإذا كانت في الكلمة لم يحذفوا غيرَها، قلّت حروفُها أو كثُرت، شائعًا كان، أو خاصًّا.
تقول في الخاص: "يا سَلَمَ أقبلْ"، وفي "مَرْجانَةَ": "يا مرجانَ أقبلي"، وفي النكرة قالوا: "يا عاذِلَ أقبلىِ"، يريدون: عاذلةُ، وقالوا: "يا جاريَ"، يريدون "يا جارِيةُ"، قال العَجَّاج [من الرجز]:
جارِيَ لا تستنكري عَذِيري 1
أراد: يا جاريةُ.
وقالوا: "يا ثبَ" في "يا ثُبَةُ"، وهي الجماعةُ.
وقالوا: "يا شَا ارْجُنِي"، وهو زَجْرٌ لها عن السرْح والانبعاثِ، ومعناه: أقيمي في البيت.
وقولهم هُنَا "يا شَا" إنّما هو على لغةِ من قال "يا حارِ" بالكسر، فأمّا من قال: "يا حارُ" بالضم، فقياسُه "يا شاهُ"، برَدّ الهاء التي هي لامٌ بعد حذفِ تاء التأنيث، لئلا يبقى الاسمُ على حرفَين، الثاني منهما حرفُ مَدّ، وهو عديمُ النظير.
واعلم أنّهم قد قالوا "يا صاح"، وهم يريدون: "يا صاحبا".
وقالوا: "أطْرِقْ كَرَا"، وهم يريدون: "كَرَوانًا"، فرُخّم على لغةِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ، كأنه حذف الألفَ والنونَ، وبقيت الواوُ، وحقُّها الضمّ، فقُلبت ألفّا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.
ولو كان على لغةِ من قال: "يا حارِ" بالكسر لَقال: "يا كَرَوَ" بفتح الواو، لأنّ المحذوف مرادٌ، وفي الجملة ترخيمُ هذَيْن الاسمَيْن شاذٌّ قياسًا واستعمالاً.
فالقياسُ لِما ذكرناه من أنّ الترخيم بابُه الأعلامُ، وأمّا الاستعمال فظاهرٌ لقلّةِ المستعملين له، ففي قولهم: "يا صاح" شذوذٌ واحدٌ، وهو ترخيمُ النكرة، وليس فيها تاءُ التأنيث.
وفي قولهم: "أطرقْ كَرًا" شَذوذٌ من جهتَيْن:
أحدُهما: حذفُ حرف النداء منه، وهو ممّا يجوز أن يكون وصفًا لـ "أيّ"، نحوَ: يا أيها الكروانُ.
والوجهُ الثاني: أنّه رخّمه وهو نكرةٌ ليس فيه تاءُ تأنيث، وذلك معدومٌ، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: "والترخيم حذف في آخر الاسم على سبيل الاعتباط, ثم إما أن يكون المحذوف كالثابت في التقدير, وهو الكثير، أو يجعل ما بقي كأنه اسم برأسه, فيعامل بما يُعامل به سائر الأسماء, فيقال على الأول: "يا حار"، و"يا هرق"، و"يا ثمو"، و"يا بنو" في المسمى بـ "بنون", وعلى الثاني:"يا حار"، و"يا هرق", و"يا ثمى"، و"يا بني"".
قال الشارح: اعلم أنّ الترخيم في كلام العرب على ضربَيْن: ترخيمٌ يكون في باب التحقير، وهو حذفُ زوائدِ الاسم إن كانت فيه، نحوُ قولك في "أسْوَدَ": "سُوَيْدٌ"، وفي "أزْهَرَ": "زُهَيْرٌ"، وفي "كِتاب": "كُتَيْبٌ"، وفي "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ": "حُمَيْرٌ" و"صُحَيْرٌ"، وهذا يوضَّح في فصله من هذا الكتاب.
وترخيمٌ يختصّ بابَ النداء، وهو ما نحن بصَدَدِ فسرِه وشرحِه، وهو حذفُ آخِرِ الاسم المفرد المعرفةِ في النداء.
وقوله: "على سبيل الاعتباط" يعني من غير علّةٍ موجِبةٍ، وإنّما ذلك لنوع من التخفيف، من قولهم: "اعتُبط البعيرُ" إذا مات من غير علّةٍ.
قال أُمَيَّةُ [من المنسرح]:
1 - مَن لم يَمُتْ عَبْطَة يَمُتْ هَرَمًا... للمَوْت كأْسٌ والمَرْءُ ذائقُها
يقول: من لم يمت شابًّا طَرِيًّا يمت لعلّةِ الكبر والهَرَمِ، لا بد من ذلك.
ثمّ هذا الترخيم على وجهَيْن:
أحدهما: وهو الأكثر، أن يحذف آخِرُ الاسم، ويكون المحذوفُ مرادًا في الحكم كالثابت المنطوقِ به، تَدَعُ ما قبله على حاله، في حركته وسكونه، إيذانًا وإشعارًا بإرادته.
والثاني: أن يُحذف ما يُحذف من آخِره، ويبقى الاسمُ كأنّه قائمٌ برأسه غيرُ منقوص منه، فيعامَل معامَلةَ الأسماء التامةِ من البناء على الضمّ، فيقال على الوجه الأوّل في "حارِثٍ": "يا حارِ"، وفي "أُمامَةَ": "يا أُمامَ"، وفي "بُرْثُنَ": "يا بُرْثُ"، وفي "هِرَقْلَ": "يا هِرَقْ"، وفي "ثَمُودَ": "يا ثَمُو"، وفي "بَنُونَ" اسمَ رجل: "يا بَنُو"، لا يُغيَّر الاسم بعد الحذف.
وقد خالَفَ الفرّاءُ في الاسم الذي قبل آخرِه ساكنٌ، فزعم أنّ ترخيمَ نحوِ "هرقلَ"، و"سِبَطْرٍ" وما كان مثلَهما بحَذْفِ حرفَيْن، نحوَ: "يا هِرَ"، و"يَا سِبَ".
قال: وإنّما كان كذلك لئلاّ يُشْبِه الأدواتِ يعني الحروفَ، نحوَ "نَعَمْ" و"أجَلْ"، والأسماءَ غيرَ المتمكَّنة نحوَ "كَمْ" و"مَنْ".
وهو قول واهٍ، لأنّا اتّفقنا على أن المرخَّم الذي قبل آخِره متحرِّكٌ تبقى حركتُه على ما هي عليه من ضمٍّ وفتحٍ وكسرٍ.
وإنّما فعلنا ذلك، لأنّا قدّرنا ثبوتَ المحذوف، وكمالَ الاسم، فصارت هذه الحركاتُ كأنَّها حَشْوٌ.
وضمّةُ البناء التي يُحْدِثها النداءُ مقدّرةٌ على حرفِ الإعراب المحذوفِ، وما قبل المحذوف فليس بحرِف إعراب، فلذلك بقي على حاله من الحركة، كما أنّ الزاي من "زيد"، والباء من "بَكْر" على حال واحدة، منصوبًا كان الاسمُ، أو مرفوعًا، أو مجرورًا، كذلك هنا.
ولولا ذلك، لحُرّك المرخَّم بحركة واحدة كلُّه، وإذا كان ذلك كذلك، فينبغي أن يبقى السكونُ أيضًا كما لو كان المحذوف باقيًا، لأن الثابت حُكمًا كالثابت لفطًا، ولو اعتُبر إلباسه بالأدوات في حالِ سكونه، لَوجب أن يُعتبر إلباسُه بالمضاف في حالِ كسره، وهذا واضحٌ.
ويُقال على الوجه الثاني في "حارثٍ": "يا حارُ"، وفي "أُمامَةَ": "يا أُمامُ"، وفي "بُرْثُنَ": "يا بُرْثُ"، كلُّه بالضمّ، إلّا أنّ الضمّة في "بُرْثُ" غيرُ الضمّة الأصليّة إنّما هي ضمّةُ النداء.
وقد انحذفت الضمّةُ الأصليّةُ كما حذفتَ الكسرة من "يا حارِثُ" وأتيتَ بالضمّة.
وتقول في ترخيم "ثَمُودَ"، و"بَنُونَ" عَلَمًا: "يا ثَمِي"، و"يا بَنِي"، لئلاّ يبقى الاسم آخِرُه واوٌ قبلها ضمّةٌ، وذلَك معدومٌ في الأسماء المتمكّنةِ، فأُبدل من الضمّة كسرةٌ ومن الواو ياءٌ، كما فُعل بـ "أدْلٍ"، و"أجْرٍ" جمعِ "دَلْوٍ"، و"جِرْوٍ".
وحجّةُ هذا الوجه أنّك لمّا رخّمته وحذفتَ آخِرَه، صارت المعاملةُ مع ما بقي، وصار ما قبل المحذوف حرفَ إعراب، كما كان ذلك في "يَدٍ"، و"دَمٍ"، فضُمّ كسائر الأسماء المناداة المفردة، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: "ولا يخلو المرخم من أن يكون مفرداً أو مركباً فإن كان
مفرداً, فهو على وجهين: أحدهما أن يحذف منه حرف واحد كما ذكرت.
والثاني أن يحذف منه حرفان, وهما على نوعين إما زيادتان في حكم زيادة واحدة كاللتين في أعجاز "أسماء" و"مروان", و"عثمان" و"طائفي".
وإما حرف صحيح ومدة قبله.
وذلك في نحو منصور وعمار ومسكين.
وإن كان مركباً حذف آخر الأسمين بكماله فقيل يا بخت ويا عمرو ويا سيب ويا خمسة في بخت نصر وعمرويه وسيبويه، والمسمى بـ "خمسة عشر"؛ وأما نحو تأبط شراً وبرق نحره فلا يرخم.
قال الشارح: اعلم أنّ المرخّم يكون مفردًا، أو مركبًا.
والمفردُ على ضربَيْن: أحدُهما: مالا يُحذف منه في النداء إلّا حرفٌ واحدٌ، نحوُ قولك في "عامرٍ"، و"حارثٍ"، وشِبْههما: "يا عامِ "، و"يا حارِ".
ويجوز فيه الضمُّ والكسرُ قال مُهَلْهِلٌ [من الكامل]:
1 - يا حارُِ لا تَجْهَلْ على أشْياخِنا... إنّا ذَوُوالسَّوْراتِ والأحْلامِ
وقال زُهَيْرٌ [من البسيط]:
2 - يا حارُِ لا أُرْمَيَنْ منكم بِداهِيَةٍ... لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبْلي ولامَلِكُ
يُنْشَدان بكسر الراء وضمِّها.
وسمع بعضهم قارئًا يقرأ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ 1 فقال: ما أشغل أهلَ النار عن الترخيم!! فقال: ذلك لأنّهم لا يقدِرون على التلفّظ بتَمامِ الكلمة، لضُعْفِ قُواهم.
والثاني: ما يُحذف منه في الترخيم حرفان، وذلك شيئان: أحدُهما ما كان في آخِره زائدتان زيدا معًا، فمن ذلك ما كان في آخره ألفٌ ونونٌ، نحو: "مَرْوانَ"، و"سَعْدانَ"، ورجل سمّيتَه "مُسْلِمانَ"، وكذلك ما كان في آخره ألفا التأنيث، نحوُ "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ" إذا سمّيتَ بهما، و"أسْماءَ" اسمَ امرأةٍ، وكذلك حكمُ يائي النسَب، نحوِ "بَصْريّ"، و"طائفيّ" إذا سمّيت بهما.
وتقول في ترخيمِ ما في آخره ألفٌ ونونٌ: "يا مَرْوَ"، و"يا سَعْدَ"، و"يا مُسْلِمَ" قال الشاعر [من الكامل]:
234 - يا مَرْوَ إن مَطِيَّتِي محبوسةٌ... تَرْجُو الحِباءَ ورَبُّها لم يَيأَسِ2 = مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة التي لا محلّ لها من الإعراب، في محلّ جزم بلا الناهية، ونائب فاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا.
"منكم": جارّ ومجرور متعلقان بحال محذوفة من "داهية".
"بداهية": جارّ ومجرور متعلّقان بـ "أرمى".
"لم": حرف جزم ونفي وقلب.
"يلقها": فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلّة، و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به.
"سوقة": فاعل مرفوع بالضمّة.
"قبلي": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بفتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، متعلّق بـ "يلقها"، والياء: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه.
"ولا": الواو: حرف عطف، "لا": حرف لتوكيد النفي.
"ملك": معطوف على "سوقة" مرفوع بالضمّة.
وجملة النداء: ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لا أرمين": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لم يلقها": في محلّ جرّ صفة لـ "داهية".
والشاهد فيه قوله: "يا حارُ" حيث يجوز فيه ضم الراء (على لغة من لا ينتظر)، وكسرها (على لغة من ينتظر)، وعندئذٍ تقدّر الضمة على الثاء المحذوفة للترخيم.
وتقول فيما كان في آخره ألفا التأنيث: "يا حَمْرَ أقْبِلي"، و"يا صَحْرَ" في "حَمْراءَ"، و"صحراء" عَلَمَيْن، و"يا أسْمَ" في "أسماءَ" اسمَ امرأة.
قال الشاعر [من الطويل]:
1 - قِفِي فانْظُري يا أسْمَ هل تَعْرِفينه... أهذا المُغيريُّ الذي كان يُذْكَرُ
فـ "أَسْماءُ" اسمُ امرأة يحتمل أن يكون من باب "حمراء"، و"صحراء" ويكون وزنُه فَعْلاء، وأصلُه وَسْماء من الوَسامة، وهي المَلاحةُ، فقلبوا الواوَ المفتوحة همزةً على حدّ قولهم: "أَحَدٌ"، وأصلُه "وَحَدٌ"، و"امرأةٌ أَناةٌ"، وهي "وَناةٌ".
ويحتمل أن يكون من قبيل "منصورٍ" و"عمّارٍ"، وهو أَفْعالٌ جمعُ "اسم"، وأصلُه "أَسْماوٌ"، فقُلبت الواو الأخيرة همزةً بعد قَلْبها ألفًا على حد "كِساءٍ"، و"شَقاءٍ".
وسُمّي به مؤنَّثًا فامتنع من الصرف للتأنيث والتعريف، ورُخّم، فُحذف الحرف الأخير الذي هو أصلٌ، وما قبله من حرف المدّ كما فُعل في "منصور"، و"عمّار" إذا رُخّما.
= على الواو للثقل، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هي".
"الحباء": مفعول به منصوب بالفتحة.
"وربّها": الواو: حالية، "ربها" مبتدأ مرفوع بالضمّة، وهو مضاف، و"ها" ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جرّ بالإضافة.
"لم": حرف جزم.
"ييأس": فعل مضارع مجزوم بالسكون وحرّك بالكسر مراعاة للرويّ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو".
وجملة "يا مرو... ": ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ترجو... " في محلّ رفع خبر ثان لـ "إنّ".
وجملة "ربّها لم ييأس": حالية.
وجملة "لم ييأس": في محل رفع خبر المبتدأ.
والشاهد فيه قوله: "يا مرو" الذي أصله "يا مروان" حيث رخّمه بحذف النون، وحذف الألف قبلها، لأنّ قبلها ثلاثة أحرف.
وتقول فيما كان في آخره ياءَا النسبة: "يا طائِفِ"، و"يا بَصْرِ"، ترخيمَ "طائفيّ"، و"بصريّ" عَلَمَيْن.
تحذف الحرفَيْن معًا، لأنّهما زائدان زَيْدًا معًا، لمعنًى واحد، فنزلا منزلةَ الزيادة الواحدة، فلمّا زِيدَا معًا حُذفَا معًا.
وأمّا الثاني: ممّا يُحذف منه حرفان في الترخيم، وذلك ما كان آخِرُ الاسم منه حرفًا أصليًّا، وقبله حرفُ مَدٍّ زائدٌ، فإنّك تحذف الأصل، وما قبله من الزائد معًا، وتُجريهما معًا مُجْرَى الزائدَيْن، إذا بقي بعد حَذْفهما ثلاثةُ أحرف، نحوَ "عَمّار"، و"منصور"، و"مسْكِين"، وتقول: "يا مَنْصُ"، و"يا عَمَّ"، و"يا مِسْكِ".
وذلك لأنّهما جريا مجرَى الزائدَيْن.
وذلك من حيثُ أن الأصل يُحذف للترخيم، لأنّه طَرَفٌ كما يُحذف الزائد الثاني من "مروان" ونحوه، وقبلَه حرفُ مدّ كما كان قبل النون في "مروان" كذلك، فقد سَاوَى الأصلُ والزائدُ قبله الزائدَيْن من الجهة المذكورة، فجريا في الحذف مجراهما.
ولو كان قبل الحرف الأصليّ زائدٌ غيرُ مَدّة، لم يُحذف لمفارقته الزائدَ الأوّلَ في "مَروانَ"، و"حَمْراء".
وذلك لو سمّيت بـ "سِنوْرٍ"، و"بِرْذَوْنٍ"، لقلت فيمن قال: "يا حارِ" بالكسر: "يا سِنَّوْ أقبلْ" و"يا بِرْذَوْ أقبلْ" وعلى قولِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ: "يا سِنا"، و"يا بِرْذَا"، فقلبتَ الواوَ ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها.
وأمّا المركّب فأمرُه في الترخيم كأمرِ تاء التأنيث: تحذف الكلمة التي ضُمّت إلى الصدر رأسًا، كما تحذف تاءَ التأنيث، فتقول في "بُخْتَ نَصَّرَ" اسمِ رجل: "يا بُخْتَ"، بحذفِ الاسم الأخير لا غيرُ، كما تقول في "مَرْجانَةَ" اسمِ امرأة: يا "مَرْجانَ"، فلا تزيد على حذفِ التاء، وفي "حَضْرَمَوْتَ": "يا حَضْرَ"، وفي "مَار سَرْجِسَ": "يا مارَ"، وفي "عَمْرَوَيْهِ": "يا عَمْرَ"، وفي "سِيبَوَيْهِ": "يا سِيبَ"، وفي المسمّى بـ "خَمْسَةَ عَشَرَ": "يا خمسةَ".
جعلوا الاسمَ الآخِرَ بمنزلة الهاء في نحوِ "تَمْرَةٍ"، إذ كان حكمُ الاسم الآخر كحكم الهاء في كثير من كلامهم.
ومن ذلك التصغير، فإنّه إذا جُعل الاسمان اسمًا واحداً، ولحقه التصغيرُ، فإنّه إنّما يصغَّر الصدر منهما، ثمّ يُؤْتَى بالاسم الثاني بعد تصغير الصدر كما يصغَّر ما قبل هاء التأنيث، فتقول: "حُضَيْرَمَوْتُ"، و"بُعَيْلَبَكُّ"، و"عُمَيْرَوَيْهِ" كما تقول "تُمَيْرَة" و"طُرَيْقَةٌ".
ومن ذلك النسَبُ، فإنّك تقول في النسب إلى "حضرموت": "حَضْرِيٌّ"، وإلى "مَعْدِيكَرِبَ": "مَعْديّ"، كما تقول في النسب إلى "البَصْرَة": "بَصْريّ"، وإلى "مَكَّةَ": "مَكىٌّ"، فيقع النسبُ إلى الصدر لا غيرُ، كما يكون كذلك فيما فيه الهاء.
وممّا يؤيد عندك ما ذكرناه أنّ هاءَ التأنيث لا تُلْحِق بناتِ الثلاثة بالأربعة، ولا بناتِ = والشاهد فيه قوله: "يا أسم" وأصله "يا أسماء" حيث رخّمه بحذف الهمزة من آخره، وحذف الألف التي قبلها، لأن قبله ثلاثة أحرف.
الأربعة بالخمسة، كما أنّ الاسم الثاني لا يُلْحِق الاسم الأوّل بشيء من الأبنية.
وأيضًا فإنّ الاسم الثاني إذا دخل على الأول، ورُكب معه، لم يُغيّرِ بنيتَه، كما أنّ التاء كذلك: إذا دخلتِ الاسمَ المؤنّثَ، لم تُغيِّر بناءَه كـ "تَمْرٍ"، و"تَمْرَةٍ"، و"قائمٍ"، و"قائمةٍ".
فلمّا كان بينهما من التقاربُ ما ذكرناه، حذفوا الآخِرَ من المركّب في الترخيم كما يحذفون منه تاءَ التأنيث.
وكان الحذفُ في الترخيمِ أجدرَ، إذ كان يُحذف في الترخيم ما لا يُحذف في الإضافة.
ألا ترى أنّك تقول في "جَعْفَرٍ": "يا جَعْفَ"، فتحذف الراء في الترخيم، وتقول في النسب: "جَعْفَريّ"، فتُثْبِتها، وإذا ساغ حذفُ ما يثبُت في الإضافة في الترخيم، كان حذفُ ما لا يثبت فيها أَوْلى.
ولو رخمتَ "اثْنَا عشَرَ" عَلَمًا، لقلت: "يا اثْنَ"، فتفتح النونَ على قولِ من يقول: "يا حارِ" بالكسر.
ومن يقول: "يا حارُ" بالضمّ قال: "يا اثنُ"، لأنّ "عشر" ها هنا بمنزلة النون من "اثنين"، وأنت لو رخّمت "اثنان" لقلت: "يا اثنُ".
وأمّا ما يُحكى من نحو"تأبّط شرَّا"، و"بَرَقَ نَخرُه"، ونحوِهما، فإنّه لا يرخَّم، لأنّ النداء لم يؤثًر فيه، وإنّما هي جُمَلٌ مَحكيّةٌ، والترخيمُ إنّما يكون فيما أثر فيه النداءُ بناءَ على ما قال سيبويه، ولو رخمتَ هذا، لرخمت رجلاً يسمَّى "يقول عَنْتَرَةُ يا دارَ عَبْلَةَ بالجِواء تَكَلَّمِي" 1 ومع ذلك فإنّه لا يجوز, لأنّها جُمَلٌ محكيّةُ الإعراب، لا حَظَّ للبناء فيها، فاعرفه.