فصل [زيادة "لا"]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وقال تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ 4 أي: ليعلم, وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ 5. وقال العجاج [من الرجز]:
1160 - في بئر لا حُورٍ سرى وما شَعَرْ1236 = وجملة "تداعى منخراه": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أثمر حماض": في محل جرّ مضاف إليه.
والشاهد فيه قوله: "مثل ما" حيث بني "ما" مع "مثل" على فتح الجزأين، فجعلهما بمنزلة "خمسة عشر".
ومنه: "ما جاءنى زيدٌ ولا عمرٌو" قال الله تعالى.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ 1، وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ 2.
قال الشارح: وقد تزاد "لا" مؤكدةً ملغاةً كما كانت "ما" كذلك؛ لأنها أختُها في النفي، كلاهما يعمل عملَ "لَيْسَ".
قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ 3، فَـ "لا" زائدةٌ مؤكّدةٌ، والمعنى: لِيَعْلَمَ.
ألا تَرى أنّه لولا ذلك لانعكس المعنى؟ وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ 4، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ 5 إنّما هو: فأقسم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ 6، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 7: إنّ "لا" زائدةٌ مؤكّدةٌ، والمرادُ- والله أعلمُ-: أقسم.
وقد استبعد بعضهم زيادةَ "لا" هنا وأنكر أن يقع الحرف مزيدًا للتأكيد أوّلًا، واستقبحه، قال: لأنّ حكم التأكيد ينبغي أن يكون بعد المؤكَّد.
ومنع من جوازه ثَعْلَبٌ، وجعل "لا" رَدًّا لكلام قبلها.
وعلى هذا يقف عليها، ويبتدىء: أُقسم بيوم القيامة.
والمعنى على زيادتها، وأمّا كونها أوّلًا، فلأنّ القرآن كالجملة الواحدة نُزّل دفعة واحدةً إلى السماء الدنيا، ثمّ نزّل بعد ذلك على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في نيّف وعشرين سنة.
قال أبو العبّاس: فقيل: إنّ الزائد من هذا الضرب إنّما يقع بين كلامَين، أو بعد كلام، فكان من جوابهم أنّ مَجاز القرآن كله مجازٌ واحدٌ بعد ابتدائه، وأنّ بعضه يتّصل ببعض.
فإنما جاز أن تكون حروف النفي صلة على طريق التأكيد لأنه بمنزلةِ نفي النقيض في نحو قولك: "ما جاءني إلَّا زيدٌ"، فهو إثبات قد نفي فيه النقيض، وحُقَّق المجيء = المعنى: يريد العجاج أن الحروري في اختياره الديني سار في طريق الضلال من غير أن يدري، فهو كمن سرى ليلًا في بئر مهلكة دون أن يعرف ذلك.
الإعراب: "في بئر": جار ومجرور متعلّقان بالفعل "سرى"."لا": زائدة.
"حُوْرٍ": مضاف إليه مجرور.
"سرى": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدّر على الألف.
"وما": الواو: حالية، "ما" نافية.
"شعر": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره: هو، عائد على الحروري كما هو الأمر في الفعل "سرى".
وجملة "سرى في بئر لا حورٍ": في محل نصب حال، وكذلك جملة "ما شعر"، والأولى حال من فاعل "اختار" المذكور في البيت السابق، والثانية حال من فاعل "سرى".
والشاهد فيه: زيادة "لا" لفظًا ومعنى في قوله: "في بئر لا حورٍ".
لزَيد، فكأنه قيل: لا أقسم إلَّا بيوم القيامة ولا يمتنع القسمُ بيوم القيامة، وكذلك ما كان في معناه.
ومن ذلك قول العجّاج [من الرجز]:
في بئْرِ لا حورٍ سرى وما شَعَرْ
المراد في بئر حور، و"لا" مزيدةٌ.
هكذا فسّره أبو عبيدة.
والحُورُ: الهَلَكَةُ، أي: في بئر هلكة سرى وما شعر، فالجارُّ متعلّقٌ بـ "سَرَى".
وقالوا: "ما جاءني زيدٌ ولا عمرٌو".
قالوا: وهي التي جمعتْ بين الثاني والأول في نفي المجيء، و"لا" حقّقتْ المنفيّ وأكدتْه، ألا ترى أنّك لو أسقطتَ "لا"، فقلت.
"ما جاءني ريدٌ وعمرٌو"، لم يختلف المعنى.
وذهب الرُّمّانيّ في شرح الأُصول إلى أنّك إذا قلت: "ما جاءني زيدٌ وعمرٌو"، احتمل أن تكون إنما نفيتَ أن يكونا اجتمعا في المجيء.
فهذا الفرقُ بين المحقِّقة والصلة، فالمحقّقةُ تفتقر إلى تقديّم نفي، والصلةُ لا تفتقر إلى ذلك.
فمثالُ الأوّل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ (1) وَ"لا" ها هنا المحققةُ، وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (2) و"لا" فيه المؤكدة، والمعنى: لا تستوي الحسنةُ والسيئةُ، لأنّ "استوى" من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد، كقولنا: "اختصم"، و"اصطلح" وفي الجملة لا تزاد إلَّا في موضع لا لَبْسَ، فيه فاعرفه.