شرح مقدمة المفصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال جارُ الله العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشريُّ- و"زمخشرُ": قريةٌ من قري خوارزم, وُلد بها في رجبٍ من سنةِ سبع وستين وأربع مئةٍ, وتُوفّي ليلةَ عرفة سنةَ ثمانٍ وثلاثين وخمسِ مئةٍ, وقيل له: "جارُ الله" لكثرةِ مجاورته بمكة, حرسها الله -: "اللهَ أحمدُ علي أن جعلني من علماء العربيَّة"
قال الشارح: الشيخ الإِمام العالم العلّامة جامعُ الفوائد مُوَفَّقُ الدين أبو البقاء يَعِيشُ بن علي بن يعيشَ النحْويُّ، رحمةُ الله عليه 1: "الله" اسمٌ من أسماءِ الخالق، سُبْحانَه، خاصٌّ لا يَشْرَكُه فيه غيرُه، ولا يُدْعَى به أحدٌ سِواه، قَبَضَ الله الألسُنَ عن ذلك؛ واختلف العلماءُ فيه: هل هو اسمٌ موضوعٌ، أو مشتقٌّ 2؟ فذهب سِيبويهِ في بعضِ أقواله إلى أنّه اسمٌ مرتجَلٌ للعَلَميّة غيرُ مشتقٍّ؛ فلا يجوز حذفُ الألف والسلام منه 3، كما يجوز نَزْعُهما من "الرحمن الرحيم".
وذهب آخرون إلى أنّه مشتقٌ.
ولسيبويه في اشتقاقه قولان:
أحدُهما: أنّ أصله "إِلاهٌ" على زنة "فِعالٍ" من قولهم: ألَهَ الرجلُ يَأْلَهُ إلاهَةً؛ أي: عَبَدَ عِبادَةٌ.
قال رُؤبَةُ [من الرجز]:
1 - للهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ... سَبَّحْنَ واسترجَعْنَ مِن تأَلُّهِ
ومعنَى الإلهِ: "المعبود".
وقولُ المُوَحِّد: "لا إلَه إلاَّ الله"، أي: لا معبودَ إلاَّ الله، وحذفوا منه الهمزة تخفيفُ الكثرةِ وروده واستعماله، ثمّ أُدخلت الألف والسلام للتعظيم ودَفْع الشِّياع الذي ذهبوا إليه من تَسْمِيَةِ أصنامهم وما يعبدُونه آلِهَةً، فصار لفظُه "الله"، ثمّ لزمت الألفُ واللامُ كالعوض من الهمزة المحذوفة، وصارتا كأحدِ حروف الاسم لا تُفارِقانه، ولذلك قد يقطَعون الهمزةَ في النداء والقَسَمِ، نحو قولهم: "يا أَللهُ اغْفِرْ لي"، وقولِهم: "أنا، الله لأفعلنَّ"؛ وقيل: العوضُ ألفُ "فِعالٍ".
والقول الثاني من قَولي سيبويه: أن أصله "لاهٌ"، ومنه قولُ الراجز 1 [من مخلَّع البسيط]:
2 - كَحَلْفَةٍ 2 من أَبِي ربَاحِ... يَسْمَعُها 4 لاهُهُ الكُبارُ
أي: "إلاهُهُ"، ثمّ أُدخلت الألف والسلام عليه لما ذكرناه، وجرى مجرَى العَلَم، نحو: "الحَسَنُ"، و"العَبّاس"، ونحوهما ممّا أصلُه الصفةُ.
ووزنُ "لاهٍ": "فَعْلٌ"، واشتقاقُه3 = و"استرجع": فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والنون ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
"من": حرف جرّ.
"تألّه": اسم مجرور بالكسرة.
والجار والمجرور معلقان بـ" استرجعن".
وجملة "لله درّ... " ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "سبَّحن" في محل نصب حال من "الغانيات".
وجملة "استرجعن" معطوفة على جملة "سبّحن".
والشاهد فيه قوله: "تألّه"، حيث جاء اسمّا مشتقًّا من ألَه يأله إلاهةً.
من "لاهَ يَلِيهُ" إذا تستَّر؛ كأنّه، سبحانه، يُسمَّى بذلك لاستتاره واحتجابِه عن إدراك الأبصار؛ وألفُ "لاهٍ" منقلبةٌ عن ياءٍ، يدلّ على ذلك قولُهم: "لَهيَ أبوك"، ألا ترى كيف ظهرت الياءُ لما نُقلت إلى موضع اللام؟ وتُفخَّم اللام تعظيمًا إلاَّ أن يمنع مانعٌ؛ من كسرةٍ، أو ياءٍ قبلها، نحوَ: "بِاللهِ"، و"رأيتُ عَبْدَيِ الله".
وانتصابُ اسم "الله" هنا لِوقوع الحمد عليه؛ وإنمّا قُدّم على العامل فيه لضرب من العِناية والاهتمام بالمحمود، سبحانه وتعالى، والعربُ تُقدِّم ما أَهَمَّ شَأْنُه 1؛ أعني نحوَ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 2، وأصلُ الكلام: نعبدك ونستعينك، فقُدّم المفعول لضرب من العناية بالمعبود، سبحانه، ولو أتى به على أصله، وقال: "أحمدُ اللهَ"، لَجاز، إلاَّ أنّه يكون خبرًا ساذجًا بلا تخصيص، ولا دلالةٍ على العِناية به.
والحَمْدُ نوعٌ من المَدْح، وهو الثناءُ على الرجل لما فيه من حَسَنِ؛ يقال: حَمِدْتُ الرجلَ أَحْمَدُه حَمْدًا ومَحْمِدَةً، ومَحْمَدَةً، وهو يقارب الشُّكْرَ في المعنى؛ والفرقُ بينهما يظهَر بضدّهما، فضدُّ الحمدِ: الذمُّ، وضدُّ الشكر: الكُفْرانُ؛ وذلك أنّ الشكر لا يكون إلاَّ عن معروف؛ يقال: حمِدتُه على ما فيه، وشكرتُه على ما منه.
وقد يوضَع أحدُهما موضعَ الآخر، لتقارُب معنَييهما.
وقيل: الحمدُ أعمُّ من الشكر، فكلُّ شكر حمدٌ، وليس كلُّ حمد شكرًا.
وقوله: "على أن جَعَلَني من عُلماءِ العربيَّةِ" أي: صيّرني عالِمًا من عُلمائها.
و"جَعَلَ" هذه تتعدّى إلى مفعولين، ويكون الثاني هو الأولَ في المعنى.
ومثلُه قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ 3. ولـ "جَعَلَ" مواضعُ أُخَرُ؛ تكون بمعنَى "خَلَقَ"، و"عَمِلَ"، فتتعدّى إلى مفعول واحد؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ 4؛ وتكون بمعنَى التسْمِيَة، كقولك: "جعل حَسَنِي سَيئًا"، وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ 5. وتكون من أفعالِ المُقارَبة، بمعنَى "طَفِقَ"؛ تقول من ذلك: "جعل يقول"، و"أخذ يقول".
و"العُلَماءُ": جمعُ "عالم"، على حدّ: "شاعِر وشُعَراءَ" و"عاقل وعقلاء"؛ ويجوز أن يكون جمعَ "عَلِيم" ها هنا, لأنّ "عليمًا" بمعنَى "عالم"، وهو أبلغُ في الصفة؛ وإنما قلنا: إِنه جمعُ "عالم"، مع قلّةِ ما جاء من جمع "فاعلٍ" على "فُعَلَاءَ"، وذلك من قِبَل أن "عالمًا" و"عليمًا" لُغتان.
ويقول: "علماء" مَن ليس من لغته "عليمٌ"، فعُلم بذلك أنّه جمعُ "عالم".
والمراد بـ "العربية": اللغةُ، وإن كانت العربيةُ أعمَّ من اللغة؛ لأنّ اللغة تقع على كل مُفْرَد من كلام العرب، والعربيةُ تقع على المفرد والمركَّب.
وقوله: "وجَبَلَني على الغَضَب للعَرَبِ، والعَصَبيةِ".
"جبلني" أي: طبعني، يقال: جبل الله الخَلْقَ على كذا، أي: طبعهم؛ وهو مأخوذٌ من "الجِبِلَّة" وهي الطَّبِيعةُ؛ يقال ذلك للرجل يثبُت على أمرٍ، ولا ينفصل عنه.
و"الغضب": خِلافُ الرِّضَى؛ يقال "غضِبتُ له" إذا كان حيًّا، و"غضبت به"، إذا كان مَيْتًا.
و"العصبيّة": التعصُّبُ؛ مأخوذٌ من قولهم: "عَصَبَ القومُ بفُلان"، إذا أحاطوا به؛ وسُمّيتْ به "العَصَبَةُ"، وهي قَرابةُ الرجل لأبِيه؛ وأصلُ ذلك كله "العَصَبُ"، وهو أَطْنابُ المفاصل؛ لأنّ الأقارب يرتبط بعضهم ببعض كرَبْط العَصَبِ المفاصل.
...
وقوله: "وأَبَى لي أن أنفرد عن صَميم أنصارهم، وأمتازَ، وأَنضوِيَ إلى لَفيفِ الشعُوبيّه، وأنْحازَ".
قولُهُ "أبى لي": كَرِهَ لي، يقال: "أَبَى يَأْبَى"، بفتح العين في الماضي والمضارع، وهو فعلٌ نادرٌ، ولم يأت منه إلاَّ ما كان عينُه أو لامُه حرفاً حَلْقيًّا؛ يقال: انفَرَدَ بالأمر؛ إذا قام فيه وحدَه من غير مشارِكِ، وانفرد عنه؛ إذا تركه وفارَقَ الجماعةَ؛ مأخوذ من الفَرْد، وهو الوَتر.
والصَّمِيم: الخالِص من كلّ شيء، وصميمُ الحَرّ والبَرْد أشَدُّ، وأصلُ الصميم العَظْمُ الذي هو قِوامُ العِظام، والأنصار والأعوان، الواحدُ نَصِيرٌ، والنصير والناصر واحدٌ، و"فَعِيلٌ" يُجْمَع على "أَفْعالٍ"، كشريف وأشْراف، وأمّا فاعلٌ فبابُه أن يُجمع على "فَعْلٍ"، كـ"شارب وشَرْب"، و"تاجر وتَجْر".
و"أمتاز": "أَفْتَعِلُ"؛ من مِزْتُ الشيء أَمِيزُه؛ إذا فَرَزْتَه، يقال: امتاز القومُ؛ أي: تميَّز بعضُهم عن بعض، والمراد: أنعزِلُ وأخرُجُ من جُملتهم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ 1؛ أي: انعزلوا عن أهلِ الجنّة، وكونوا فِرْقَة على حِدَة.
و"أنضوي": أىِ: أدخُل معهم، وأنتسِب إليهم.
و"اللفيف": ما اجتمع من الناس من قبائل شتَّى، كأنَّه ها هنا ضِدُ "صَمِيمهم".
و"الشعوبية"، بضمّ الشين: قومٌ يُصغّرون شأنَ العرب، وهو منسوبٌ إلى "الشُّعوب"، وهو جمعُ "شَعْب"، وهو ما تشعَّب من قبائِل العرب والعَجَم، ونظيرُه من النَّسَب إلى الجمع قولهم: "أَبْناويٌّ" في النسب إلى أَبْناءِ فارِسَ؛ وقيل: سُمّوا بذلك
لتعلُّقهم بظاهرِ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ 1. وقال "ابن هُبَيْرة" في المُحْكَم: غلبت "الشعوبيّةُ"، بلفظ الجمع، على جيل من العجم، حتّى قيل لمحتقِرِ أمرِ العرب: "شعوبيٌّ"، وإن لم يكن منهم، وأضافوا إلى الجمع لغَلَبته على الجيل الواحد، كقولهم: "أنصاريّ".
و"أنحاز": أي: أعتزل، وقالوا للذي ينحاز عن القوم ويعتزلهم: "حُوزِيّ".
...
وقوله: "وعَصَمَنِي من مَذْهَبهم الذي لم يُجْدِ عليهم إلاَّ الرَّشْقَ بألْسِنَةِ اللاعنين والمَشْقَ بأَسِنَّةِ الطاعِنين": يقال: عصمني من كذا؛ أي: منعني، ودفع عنّي، و"المَذْهَب": المأْخَذُ، وأصلُه: مكانُ الذَّهاب، كـ"المَطْلَع" لموضعِ الطلُوع، ومثلُه "المَدْخَل" و"المَخْرَج".
"الذي لم يُجد عليهم"؛ أي: لم يُعْطِهم، يقال: أَجْدَى عليه؛ أي: أعطاه، وأصلُه من "الجَدا"، وهو المَطَرُ العامُّ.
و"الرَّشْقُ": الإصابة بالمَكْرُوه، يقال: رشقهم بالكلام؛ إذا نال منهم به، وأصلُه من الرشق بالسهْم.
و"الأَلْسِنَةُ": جمع "لِسانِ"، و"اللسانُ" يذكر ويؤنَّث؛ فمن ذكّره ذهب إلى العُضْو، وجَمَعَه على أَلْسِنَةٍ كـ"حِمار وأَحْمِرَةٍ"؛ ومَن أنّثه ذهب إلى الجارِحة، وجَمَعَه على "أَلْسُنٍ"، كـ"ذِراع وأَذْرُع".
و"اللاعنون": جمعُ "لاعِنٍ" جَمْعَ السَّلامة، و"اللَّعْنُ": الطَرْدُ والبُعْدُ، يقال للطَّريد: لَعِينٌ، ورجل "لُعْنَةٌ"، بسكون العين: يلعَنه الناسُ كثيراً، و"لُعَنةٌ"، بالتحريك: يلعن الناسَ كثيراً.
و"المَشْقُ": سُرْعَةُ الطعْن.
و"الأسِنةُ": جمع "سِنان".
و"الطاعنون": جمع "طاعِنٍ"، يقال: طعن بالقول يَطْعُن طَعَنانًا، وطعن بالرُّمْح يَطْعُن، بالضمّ، طَعْنًا، ورجلٌ طَعَّانٌ في أَعْراضِ الناس؛ وفي الحديث: "لا يكون المؤمن طَعّانًا" 2.
والمراد أن هؤلاء الذين يُبغِضون العربَ ولُغاتِهم لم يكتسبوا بهذا المذهب إلاَّ السقُوطَ من أعينِ الناسِ والمَذَمَّةَ؛ وقد ألَمَّ بهذا المعنى "الحَيْصَ بَيْصَ" في قوله [من الخفيف]:
3 - لا تَضَعْ مِن عَظِيمِ قَدْرٍ وإنْ... كنت مُشارًا إليه بالتَّعْظِيمِ
فالكَبِيرُ العظيمُ يَصْغُرُ قَدْرًا... بالتَّجَرِّي على الكبيرِ العظيمِ
وَلَعُ الخَمْرِ بالعُقُولِ رَمَى الخَمْرَ... بتَنْجِيسِها وبالتَّحْرِيمِ
...
وقوله: "وإلى أفضل السابقين والمُصَلِّين أُوَجِّهُ أفضلَ صَلَواتِ المُصَلّين؛ محمّدٍ المحفوفِ من بني عَدْنانَ بجماجمِها وأَرحائِها، النازِل من قُرَيْشٍ في سُرّةِ بَطْحائها": "السابقُ" من الخَيْل: هو الذي يَأتي في الحَلْبَة أوّلاً، و"المُصَلِّي": الذي يَتْلُوه؛ سُمّي مُصلِّيًا لأنّ رأسه يكون عند صَلّا السابق، و"الصَّلَا": مَغْرِز الذَّنَب؛ وكَنَى بذلك عن الأوّلين والآخرين من الثَّقَلَيْن 1.
وقوله: "أفضلَ صلواتِ المصلّين": أي دُعاء الداعين؛ يريد صلواتِهم على محمّد - صلى الله عليه وسلم -؛ و"محمَّدٌ": اسمْ عَرَبيٌّ، وه و"مُفَعَّلٌ" من الحَمْد، والتكريرُ فيه للتكثير؛ كما تقول: كرّمته فهو مكرَّمٌ، وعظّمته فهو معظَّمٌ؛ إذا فعلت ذلك مرَّة بعد مرّة؛ وهو منقول من الصفة على سبيلِ التَّفاؤل 2 أنَّه سيكثُر حمدُه؛ وكان كذلك - صلى الله عليه وسلم -. روى بعضُ نَقَلَةِ العلْم فيما حكاه ابنُ دُرَيْد أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا وُلد، أَمر عبدُ المُطلِب بجَزُورٍ، فَنُحِرتْ، ودعا رجال قُرَيْشٍ، وكانت سُنَّتُهم في المَوْلود، إذا وُلد في استقبالِ الليل، كَفَؤوا عليه قِدْرًا حتى يُصبحَ، ففعلوا ذلك بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأصبحوا وقوإنشقّت عنه القدرُ، وهو شاخصٌ إلى السماء، فلمّا حضرت رجالُ قريش، وطعِموا، قالوا لعبد المطّلب: ما سمّيتَ ابنك هذا؟ قال: سمّيتُه "محمّدًا".
قالوا: ما هذا من أسماء آبائك.
قال: أردتُ أن يُحْمَد في السمَوات والأرضِ.
يقال: رجلٌ محمودٌ، ومحمّدٌ.
قال الأَعْشَى [من الطويل]:
4 - إليك، أَبَيْتَ اللعْنَ، كان كَلالُها... إلى الواحدِ الفَرْدِ الجَوادِ المحمّدِ 3 فـ "محمودٌ" لا يدل على الكثرة، و"محمَّدٌ" يدلّ على ذلك.
والذي يدل على الفرق بينهما قول الشاعر [من الطويل]:
5 - فلستَ بمحمودٍ ولا بمحمَّدٍ... ولكِنَّما أَنْتَ الحِبَطُّ الحُباتِرُ 4
وقد سمّت العربُ في الجاهليّة رجالاً من أبنائهم بذلك؛ منهم: "محمّدُ بن حُمْرانَ
الجُعْفِّي" الشاعر، وكان في عَصْرِ "امرئ القَيْس"، وسمّاه شُوَيْعِرًا؛ و"محمّدُ بن خَوْليِّ الهَمْدانّي" و"محمّدُ بن بِلال بن أُحَيْحَة"، وكان زوجَ "سَلْمَى بنتِ عمر و"، جَدّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم جَده؛ و"محمدُ بن سُفْيانَ بن مُجاشِع بن دارِم"، و"محمّدُ بن مَسْلَمَة الأنصاري"، و"أبو محمّد بن أَوْس بن زيد"؛ شَهِدَ بَدْرًا.
و"المحفوف": المحوَّط الذي قد أُطِيفَ به؛ يقال: حَفَّ به؛ أي: أطاف.
قال الله تعالى: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ 1؛ أي: جعلنا النخل مُطيفُ ابهما؛ و"الأحَفَّةُ": الجَوانِبُ، الواحِدُ "حِفافٌ"، مثلُ "جِرابٍ" وأَجْرِبَةِ، ويقال: حفّ به القومُ؛ أي: صاروا في أحفّته؛ أي: جوانبِه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ 2.
و"عَدْنانُ": جَدُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - الأَعْلَى، انتسب إليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ قال: "كذب النَّسّابون فيما بعد عدنان".
وهو، صلواتُ الله عليه، محمّدُ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشِم بن عبد مَناف بن قُصَي بن كِلاب بن مُرةَ بن كَعْب بن لُؤي بن غالب بن فِهْر بن مالِك بن النضر بن كِنانَةَ بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَةَ؛ و"مدركةُ": لقبٌ، واسمُه: عمرو بن إليَاس بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنانَ، من ولد إسماعيل بن إبراهيمَ، إلاَّ أن الأسماء من عدنان إلى إسماعيل لا يعلمها إلاَّ الله.
و"جماجِمُ العرب": قبائلُها التي تجمع البُطُونَ، فتَنْسُب إليها دونهم، نحو: كَلْبِ بن وَبَرَةَ؛ إذا قلت: "كلبىّ"، استغنيتَ أن تنسُب إلى شيء من بطونه.
و"أرحاءُ العرب": القَبائلُ التي تستقِّل بنفسها، وتستغني عن غيرها، والأرحاءُ خمسةٌ.
وقولُه: "النازِل من قريشٍ في سُرَّةٍ بَطْحائِها": "قُرَيْشٌ": من ولد "النَّضْر"، ومن لم يكن من ولد "النَّضر" فليس قُرشيًّا.
وكان لقريشٍ عِظَمٌ في الجاهليّه، وشَرَف في الإِسلام بمحمّد - صلى الله عليه وسلم -.
و"البَطْحاءُ": ما اتّسع من الأرض، و"سُرَّتُها": وَسَطُها؛ مأخوذٌ من سرّةِ الإنسان، والمرادُ أنه من صَمِيم قريش، ووَسَطُ كلّ شيء: أعدلُه؛ قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ 3؛ قال العَرْجيّ [من الوافر]:
6 - كأنّي لم أَكُنْ فِيكُمْ وَسِيطًا... ولم تَكُ نِسْبَتِي في آلِ عَمْرِو 4
ومنه: "واسِطةٌ القِلادة"، للجَوْهَر الذي يكون في وسطها، وهو أَجْودها.
ويقال: "قريشُ الأباطح"، و"قريشُ البِطاح": وهم الذين سكنوا بطحاءَ مكةَ.
ويقال لغَيْرهم: "قريشُ الضواحِي".
و"قريشُ البطاح" هم الأفاضِلُ، وهم: بنو عبد مَناف، وبنو عبد الدار، وبنو عبد العُزَّى، وبنو زُهْرَةَ، وبنو تَيْم بن مُرَّةَ، وبنو سَهْم، وجُمَحَ، وبنو عَدِيّ بن كَعْب، وبنو حِسْل بن عامِر بن لُؤَيّ، وبنو هِلال بن أُهَيْب بن ضَبَّةَ بن الحارِث بن فِهْر؛ ويقال لهم: "الابْطَحيّون" أيضًا.
قال البُحْتُرِيّ في المُتَوَكِّل [من البسيط]:
7 - يا ابنَ الأَباطِحِ من أَرْضٍ أَباطِحُها... في ذُرْوَةِ المجْدِ أعْلَى مِن رَوابِيها 1
فهؤلاء: "قريشُ الأباطح".
و"بطحاءُ الوادي": مَسِيلٌ فيه دُقاقُ الحَصَى.
وأمّا "قريشُ الضواحي"، فهم الذين لم تَسَعْهم الأباطحُ، فنزلوا ضَواحِي مكّةَ، وهم: مَعِيصُ بن عامِر بن لُؤي، وتَيْمُ بن غالِب بن فِهْر، ومُحارِبٌ والحارثُ ابنا فِهْر.
...
وقوله: "المبعوث إلى الأسود والأحمر بالكتاب العَرَبيّ المنوَّر": يريد: المرسَل إلى جميع الناس؛ عَرَبيِّهم وعَجَميِّهم.
فالمرادُ بالأسود العربُ, لأنّ الغالِبَ عليهم السُّمْرَةُ والسَّوادُ، والمُرادُ بالأحمر العجمُ, لأنّ الغالب عليهم الشُّقْرةُ والبَياضُ؛ وقيل لعائِشة رضي الله هـ عنها: "الحُمَيراءُ"، لبياضها؛ يقال: "أتاني كلُّ أسودَ منهم وأحمَر".
ولا يقال: أبيضَ؛ ومعناه: جميعُ عربيِّهم وعجميِّهم.
قال الشاعر [من الطويل]:
8 - جَمَعْتُم فأوْعَيْتم وجِئْتم بمَعْشَرٍ... تَوافَتْ بهم حُمْرَانُ عبدٍ وسُودُها 2
يريد بـ"عبد": عبدَ بن أبي بكر بن كِلاب.
وقوله: "بالكتاب العربي المنوّر": "المنوّر": ذو النور؛ أي: هو ضياء يُهْتَدَى به.
...
وقوله: "ولآله الطيِّبين أدْعُو الله بالرِّضْوان لهم، وأَدْعوه على أهل الشِّقاق لهم، والعُدْوانِ ": "آلُه" - صلى الله عليه وسلم -: أهلُ بيته، والألفُ في "آل" منقلبةٌ عن همزةٍ هي بدلٌ من هاء "أهل"، ولا يُستعمل "الآل" في كل موضع يُستعمل فيه "الأهل"، فلا يقال: "آلُ الإسكاف"، ولا "آل الخَيّاط"، ولا: "انصرفْ إلى آلك"، كما يقال: "إلى أهلك"، وإنمّا يختصّ "الآلُ" بالإشراف؛ يقال: "القُرّاء آلُ الله"، و"اللهم صلِّ على محمّد، وعلى آلِ
محمّد"، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ 1.
و"أدعو الله بالرضوان لهم": "اللامُ " متعلِّقةٌ بـ"أدع و"، لا بـ"الرضوان"؛ والمعنى: أَسْأَلُ الله لهم الرضوانَ عنهم، وهي في موضع نصب على أنّه مفعولٌ لَهُ؛ أي: من أجلهم.
وقوله: و"أدعوه على أهلِ الشِّقاق لهم والعُدْوانِ"؛ أي: أدعو الله لنُصْرتهم على مَنْ شاقَّهم وعَدَا عليهم.
و"الشِّقاقُ ": المُخالفةُ، و"العُدوانُ": الظّلْمُ الصَّراحُ.
...
وقوله: "ولعل الذين يغُضّون من العربيّة، ويَضَعون من مِقْدارها، ويريدون أن يخفِضوا ما رفع الله من مَنارها": يقال: غَضَّ منه يَغُضُّ؛ إذا وضع منه، ونقص من مِقداره؛ والوَضْعُ من الشيء: الانتقاصُ منه، والحَطُّ من قَدْره؛ من قولهم: وضعتُ الشيء؛ إذا حططتَه؛ يقال: وضعتُه أَضَعُهُ وَضْعًا، وحكى الفَرّاء: مَوْضِعًا، ومَوْضُوعًا.
و"مِقْدارها": قَدْرُها؛ يقال: قَدَرٌ، وقَدْرٌ، بفتح الدال وسكونها، وهو: مَبْلَغُ الشيء.
و"الخَفْضُ": ضدُّ الرَّفْع، وهو: الانحِطاط؛ والله تعالى يخفِضُ مَن يَشاءُ ويَرفعُ مَن يَشاءُ.
و"المَنار": الأعلًامُ تُوضَع على الطُّرُق ليُهْتَدَى بها؛ و"ذو المنار": مَلِكٌ من مُلوك اليَمَن؛ سُمّي بذلك لأنّه أوّلُ مَن وضع المنارَ على الطرق، ليهتدِيَ بها الناسُ.
...
وقوله: "حيثُ لم بجعل خِيَرَةَ رُسُلِه، وخَيرَ كُتُبِه، في عَجَم خَلْقه، ولكن في عَرَبه، لا يبعُدون عن الشُّعوبيّه، منابَذةً للحَق الأَبْلَجِ وزَيْغًا عن سَواء المَنْهَج": "حَيْثُ": ظرفُ مكان يتعلَّق بقوله: "يضعون من مقدارها"، ويجوز أن يتعلق بقوله: "يغضّون"، وتعلُّقُه بالأقرب أَوْلى؛ يعني: حيث لم يُبْعَث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في العجم، ولا نُزّل القرآنُ المَجيدُ بلسانٍ غير العربي.
وقوله: "لا يبعدون عن الشُّعوبيّة": هو خبرُ "لعلَّ".
و"البُعْدُ": ضدُ القُرب؛ يقال: بَعُدَ بالضمّ يَبْعُدُ؛ إذا تَباعَد، و"بَعِدَ" بالكسر؛ إذا هَلَكَ، فهو باعِدٌ، وجَمْعُه: "بَعَدٌ"، مثلُ: "خادِمٍ وخَدَمٍ".
وقوله: "مُنابذةً للحق الأبلج"؛ أي: مُكاشفةً ومُجاهَرة؛ يقال: نابَذَهُ الحَرْبَ، أي: كاشَفَه؛ وانتصابُه على أنّه مصدرٌ في موضع الحال؛ نحو: "قتلتُه صَبْرًا، وأتيتُه رَكْضًا"؛ أي: مُنابِذين للحقّ؛ أي مجاهرين.
والأبلجُ: الأبيضُ المُشْرِقُ.
قال [من الرجز]:
9 - حتّى بَدَتْ أَعْلامُ صُبْحٍ أَبْلَجًا 2
ويقال: "الحقُّ أبلَجُ"؛ أي: واضِحٌ مُضِيءٌ، و"الباطلُ لَجْلَجٌ" 1؛ أي: يَتَلَجْلَجُ فلا يُعْرَف.
و"الزَّيْغ" المَيْل؛ يقال: قَوْمٌ زَاغةٌ عن الشيء؛ أي: زائغون.
و"سواءُ المَنهج": وَسَطُه، و"سواءُ الدار": وسطها.
قال الشاعر [من البسيط]:
10 - غَشَّيْتُهُ وَهْوَ في جَأْواءَ بَاسِلَةٍ... عَضْبًا أَصابَ سَواءَ الرأسِ فانْفَلقَا 2
أي: وَسَطَ الرأس.
و"المنهجُ": الطريق البَيِّن.
...
قال: "والذي يُقْضَى منه العَجَب حالُ هؤلاء في قِلّة إنصافهم، وفَرْطِ جَوْرهم، واعتسافِهم".
"يُقْضَى منه العَجَبُ": أي يُوفَى منه العجبُ حقَّه؛ يقال: وَفَيْتُ هذا الأمر حقَّه؛ إذا تَناهيتَ فيه، وأَذَيْتَه وافِيًا، وهو من: "قَضَيْتُ الدَّيْنَ".
قال كُثَيِّرْ [من الطويل]:
11 - قَضَى كلُّ ذي دَيْن فوَفَّى غَرِيمَهُ... وعَزَّةُ ممطولٌ مُعَنّى غريمُها 3
ولا تكاد العربُ تستعمل هذه اللفظة إلاَّ منفيةٌ، نحو: "ما قضيتُ العجب من هذا"؛ لأنهم يريدون المبالغة في تفخيم الأمر وتعظيمه، وأنّه لا يُمْكِن تَوْفِيَةُ العجب حقَّه لعظمه.
قال الشاعر [من البسيط]:
12 - أُنْبِئْتُ أنّ شَبِيهَ الوَبْرِ أَوْعَدَنِي... وما قَضَيْتُ بهذا المُوعِدِي عَجَبَا 4
هكذا ذكره الأصَمعيُّ في كتابه فيما يلحَن فيه العامّةُ؛ قال: يقولون: "قضيتُ العجبَ من كذا"، والصَّوابُ: "ما كِدْتُ أَقْضِي منه العجبَ"، ولا يبعُد جوازُه، إذا أُريد الإكثار من العجب تفخيمًا لسَبَبه.
و"الإنصاف" خِلافُ الجَوْر والظُّلْمِ.
و"الفَرْط": تجاوُزُ الحَدّ.
و"الجَوْر": المَيْلُ عن القَصْد.
و"العَسْف": الأَخذُ على غير قَصْد؛ يقال: "عسف" و"اعتسف"؛ إذا مال عن طريقه.
...
قال: "وذلك أنّهم لا يَجِدون عِلْمًا من العُلوم الإِسلاميّه، فِقْهِها وكلامِها، وعِلْمَي تفسيرِها وأخبارِها، إلاَّ وافتقارُه إلى العربيّة بيّنٌ لا يُدْفع، ومكشوفٌ لا يتقنّع": المرادُ بـ"العلوم الإِسلامية": الفقه، وأصولُ الدِّبن، والأخبارُ عن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلومُ الكتاب العزيز.
وإنمّا اقتصر على الفقه والكلام, لأنّ الفقه يشتمل على علم الكتاب والسُّنّةِ، كأنّه احترز عن علوم الأَوائل، نحو الحِكْمةِ والفَلْسَفَةِ والهَنْدَسَةِ؛ فإنّ أصول هذه العلوم يونانيّةٌ، ثم نُقلت إلى العربيّ، فمعانِي هذه العلوم لا تُعْرَف على الحقيقة إلاَّ بمعرفة ألفاظها، والوُصلَةُ إلى معرفة ألفاظها معرفةُ علم العربيّة.
وقوله: "وذلك بيّنٌ لا يُدْفَع، ومكشوفٌ لا يتقنّع"؛ أي: الافتقارُ إلى العربيّة ظاهرٌ لا يُمْكِن جُحودُه، وبادٍ لا يسعُ سَتْرُه.
...
قال: "ويَرَوْنَ الكلامَ في مُعظم أبواب أُصول الفقه ومسائلها، مبنيًّا على علم الإعراب، والتفاسيرَ مشحونةً بالروايات عن سِيبَوَيْه والأخفَش والكسائي والفَرّاء، وغيرهم من النحويّين البصريّين والكوفيّين، والاستظهارَ في مآخِذِ النُّصوص بأقاويلِهم، والتشبُّثَ بأهداب فَسْرِهم وتأويلِهِم".
"الاستظهارُ": الاستعانةُ، وهو"استفعالٌ"، من "الظهير" وهو: المُعين.
و"المآخِذُ": جمع "مأْخَذِ"، وهو اسمُ مكان، كـ"المَقْتَل" و"المَخْرَج"، لمكان القَتْل والخُروجِ.
و"النصوص": جمعُ " نَصٍّ"؛ وهو الكتابُ والسُّنَّة، وهو بمعنَى: "منصوصٍ عليه"؛ وأصلُ "النصِّ": الرَّفْعُ؛ يقال: نصّ الناقةَ يَنُصُّها؛ إذا رفعها في السير؛ ونصّ الحديث؛ إذا رفعه، وعزاه إلى صاحبه؛ ونص العَرُوسَ؛ إذا أقعدها على المِنَصَّة، وهو ما يُنصُّ من كُرسىّ، أو دَكَّةٍ، أو غير ذلك؛ أي: يُرفع.
و"التشبّث": التعلُّقُ؛ يقال: تَشَبَّثَ؛ إذا تَعَلَّقَ.
و"الأهداب": جمع "هُدْب"، وهو: طَرَفُ الثوب؛ يقال: تَعلَّقَ بأهداب الأدب وأذْيالِه؛ إذا كان له منه حظٌّ.
و"الفَسْرُ": الكَشْفُ، و"التفسير": "تفعيلٌ" منه، و"التأويلُ": "تفعيلٌ" من "آلَ يَؤول"؛ إذا رجع.
والفرقُ بين "التفسير" و"التأويل": أنّ "التفسير": الكَشْفُ عن المراد من اللفظ، سواءٌ كان ذلك ظاهرًا في المراد أو غير ظاهر؛ و"التأويلُ": إنما هو صرفُ اللفظ عن الظاهر إلى غيره ممّا يحتمله اللفظُ؛ فإذن كل تأويلٍ تفسيرٌ، وليس كلّ تفسير تأويلاً.
قال: "وبهذا اللسان مناقلتُهم في العِلم، ومحاورتُهم، وتدريسُهم، ومناظرتُهم، وبه تقطُر في القراطيس أقلامُهم، وبه تسطُرُ الصُّكوكَ والسجلّاتِ حُكّامُهم".
"المناقلة": المحادثة؛ يقال: ناقلتُه الكلامَ؛ إذا حدّثتَه وحَدَّثكَ.
و"المحاورة": المجاوبة، وهو مداولة الجواب ومراجعتُه.
و"التدريس": مصدرُ درّس يُدرِّس تدريسًا، التضعيفُ فيه للتعدية؛ كان قبل التضعيف يتعدّى إلى مفعول واحد، نحو: "درستُ القرآنَ والدَّرْسَ"، و"درّستُه إيّاهما".
و"المناظرة": المجادلة، وهو "مُفاعَلَةٌ" من النظر, لأن كلّ واحد ينظر فيما يُفْلِج به على صاحبه، وقِل: هو من النظير، وهو المِثْل، فمعنى "المناظرة": المماثلةُ فيما هم فيه.
قوله: "وبه تقطر": "الهاءُ" ترجع إلى علم العربيّة والنحوِ، و"تقطر" تَسيلُ، يقال: قَطَرَ الماءُ وغيرُه يَقْطُرُ، وقَطَرْتُه أنا؛ يكون متعدّيًا وغير متعدّ، كـ"رَجَعَ ورَجَعْتُه".
و"القراطيس": جمع "قِرْطاس"، وهو ما يُكْتَب فيه، يقال: "قِرْطاسٌ" و"قُرْطاسٌ"، بكسر القاف وضمّها، ويقال: "قَرْطَسٌ" أيضًا، حكاها أبو زيد.
و"تسطر": تَكْتُبُ، وأصلُه الصَّفُّ، يقال: بني سَطْرًا، وغرس سطرًا، وسُمّيت الكتابة تسطيرًا لأنها تُعْمَل صُفوفًا.
قال الراجز:
13 - إِنّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرًا 1
و"الصكوك": جمع "صَكٍّ" وهو الكتاب.
و"السجلّات": جمع "سِجِلٍّ"، وهو الكتاب أيضًا، مأخوذٌ من "السَّجْل"، وهو الدَّلْوُ المملوءةُ، لأنها تتضمن أحكامًا، و"الحُكَّام": القُضاة.
...
قال: "فهم ملتبسون بالعربيّة أيّةً سلكوا، غيرُ منفكّين منها أينما وجّهوا، كلٌّ عليها حيثُ سيّروا".
"ملتبسون بالعربّية": أي مخالطون وممازجون لها؛ من قولهم: تلبّستُ بالأمر والثوبِ، أي خالطتُه.
وقوله: "أيّةً سلكوا": أي أيَّ طريقٍ وأيَّ سبيل؛ لأنّ "السبيل" يُذكَّر ويُؤنَث؛ قال
الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ 1. و"أَيٌّ": قد تُؤنَّث إذا أُضيفت إلى مؤنّثٍ، وتَرْكُ التأنيث أَكْثَرُ فيها.
وقوله: "سَلَكُوا": أي مضوا ونفذوا، يقال: سَلَكْتُ الشيءَ في الشيء إذا أنفذتَه فيه، وطَعْنَةٌ سُلْكَى؛ إذا واجَهَهُ بها.
وقوله: "غير منفكّين": أي غير زائلين؛ يقال: "انفكّ" و"زال" و"برِح" بمعنى واحد.
وقوله: "أينما وجّهوا": معناه توجّهوا، يقال: وجَّهَ وتَوَجَّهَ بمعنى واحد، ومثله "نَكَّب" و"تَنَكَّبَ" و"بَيَّنَ" و"تَبَيَّنَ"، وفي المثل: "أَيْنَما أُوَجِّه أَلْقَ سَعْدًا" 2؛ ومنه: صَوَّحَ النَّبْتُ وتَصَوَّحَ، وقَدَّمَ وتَقَدَّمَ.
وقوله: "كَلٌّ عليها حيثُ سيّروا": "الكَلّ": العِيال والثِّقَل؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ 3، وسيّروا بمعنى ساروا، والتضعيفُ للتكثير، كقولهم: "موَّتَ الشاءُ ورَبَّضَ الغنمُ"، ألا ترى أنّ الفعل غير متعدّ كما كان قبل التضعيف.
...
قال: "ثمَّ إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فَضْلَها، ويدفعون خَصْلَها، ويذهبون عن توقيرها وتعظيمها، وينهَوْن عن تعلُّمها وتعليمها، ويمزّقون أديمَها، ويَمْضَغُون لَحْمَها، فهُم في ذلك على المثل السائر: "الشعير يُؤْكَلُ ويُذَمُّ" 4.
"التضاعيفُ": جمع تضعيفِ، وهو مصدرُ ضعّفتُه؛ إذا زدته مثله أو أكثَرَ، يقال: أضعَفْتُه إضعافًا، وضاعفتُه مضاعفةً، وضعّفتُه تضعيفًا، كلُّه بمعنى واحد، وإنمّا جُمع، والمصادر لا تثنَّى ولا تُجمع, لأنه أراد أنواعًا من التضعيف مختلفةً، كما يقال العلوم والأشغالُ.
و"يجحدون": أي يُنكِرون، ولا يكون الجُحود إلّا مع علم الجاحد.
قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ 5. و"الفضل": الزيادة والخَيْر، والمعنى أنّهم يُنكِرون زيادة نَفْعِها وخيرها.
و"يدفعون خصلها": "الخَصْلُ": الغَلْبُ في النضال والسِّباق، يقال: تَخَاصَلَ القَوْمُ، إذا تَراهَنوا في الرَّمْي؛ وأحْرَزَ فلانٌ خَصْلَه، إذا غلب.
وقوله: "ويذهبون عن توقيرها وتعظيمها": أي يُعْرِضون عن ذَيْنِكَ من أمرها، يقال: ذهبت إليه، إذا قصدته؛ وذهبت عنه إذا أعرضت عنه، والتوقير والتعظيم واحدٌ؛ قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ 1: أي عَظَمَةً؛ وحسُن عطفُ أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ 2، والوَهْنُ والضُّعْفُ واحدٌ، ومثلُه قول الشاعر [من الطويل]:
14 - أَلا حَبَّذَا هِنْدٌ وأَرْضٌ بها هِنْدُ... وهندٌ أَتَى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ 3
والنَّأْيُ والبُعْدُ واحدٌ، ومثله [من الوافر]:
15 - وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا ومَيْنا 4
والكذِبُ والمَيْنُ واحدٌ.
وقوله: "وينهون عن تعلُّمها وتعليمها": التعلُّم: مصدرُ تَعَلَّمَ، والتعليمُ مصدرُ "علَّمَ"، والتكريرُ فيه للتعدية, لأنّه بمعنى المَعْرِفَةِ، و"تعلَّم": مطاوع "علَّم"، يقال: علَّمْتُه فتعَلَّم.
وقوله: "ويمزِّقون أديمها": التمزيقُ: التخريقُ، يقال: مزقتُ الثوبَ أَمْزِقُه مَزْقًا، ومزّقته تمزيقًا؛ إذا كثُر ذلك منه، والأدِيمُ: الجِلْدُ، وجمعُه: أَدَمٌ؛ كـ"أَفِيق وأَفَق"، والَأفِيقُ: الجِلْدُ قبل دِباغَته، وهذا النوعُ من الجمع اسمُ جِنْسٍ، وليس بتكسير، ألا ترى أنّك تُذكِّره فتقول: هو الأَدَمُ والأَفَقُ؛ ولو كان تكسيرًا لكان مؤنَّثّا؛ كما تقول: هي الثيابُ
والجِفانُ.
والأَدَمَةُ: باطنُ الجِلْدِ، والبَشَرةُ: ظاهرُه؛ يقال: "رجلٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ" 1، أي قد جَمَعَ بين لين الأديم وخُشونَةِ البشرة.
وقوله: و"يمضغون لحمها": أي يأكلون بالغِيبَة والعَيْبِ؛ من قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ 2، و"المَضْغُ": إدارةُ الطعام في الفم، يقال: مَضَغَ يَمْضُغُ، بالضمّ والفتح؛ فالضمُّ على الأصل، والفتحُ لمكان حرف الحَلق، إلّا أنّ الضمّ هو الأصلُ، وأجوَدُ ها هنا لقُرْب الغين من الفم.
والمَثَلُ السائرُ "الشَّعِير يُؤكَلُ ويُذَمّ": يُضْرَب هذا المثل لكلِّ من يُنتفَع به ويجازَى بالقبيح؛ وذلك أن الشعير يُؤْكَل، فيُسمِّن ويُغْنِي عن جُوعٍ، وهو مذمومٌ.
...
وقوله: "ويدَّعون الاستغناء عنها وأنهم ليسوا في شِقٍّ منها": "يدَّعون" يَزْعَمون، وهو "يفتعلون" من "الدَّعْوى"، ومنه قول امرئ القيس [من المتقارب]:
16 - لا يَدَّعِي القَوْمُ أنّي أَفِرْ 3
و"الشقُّ ": الناحية والجانب، والمعنى أنّهم يتبّرؤون منها ويدّعون الاستغناء عنها.
...
قال: "فإن صحَّ ذلك، فما بالُهم لا يُطلِّقون اللغة رأسًا والإعرابَ، ولا يقطعون بينهما وبينهم الأسبابَ".
"فما بالُهم": فما حالُهم؛ وأصلُ "الطلاق" الإرسالُ والتخليةُ، يقال: ناقةٌ طالقٌ، ونَعْجَةٌ طالقٌ، إذا كانت مُرْسَلة ترعى حيث شاءت، ويقال: طلّقتُ المرأة تطليقًا، وطَلَقتْ هي طلاقًا، ولا يقال: طلُقتْ بالضمّ.
و"اللغة": عبارةٌ عن العلم بالكَلِم المفردة، و"الإعراب": عبارةٌ عن اختلاف أواخرها لإبانة معانيها.
وقوله: "لا يقطعون بينهما": أي بين اللغة والإعراب، و"بينهم": أي بين هؤلاء القوم، أي الشُّعُوبية.
و"الأسباب": الوُصُلات، واحدُها سَبَبٌ، مثل قَلَم وأَقْلَام؛ وأصولُ "السبب": الحَبْلُ الذي يُشَدُّ به الشيء، ثمّ يجعل كلُّ ما جَرَّ شيئًا سَبَبًا له.
...
وقوله: "فيَطْمِسُوا من تفسير القرآن آثارَهما، ويَنْفُضوا من أصول الفِقه غُبارهما": يقال: "طَمَسَ الطريقُ": انمحى ودرس، و"طمستُه": يُستعمل متعدّيًا، وغير متعدٍّ؛ "يَطْمِسُ ويَطْمُسُ" بالكسر والضمّ، والكسرُ في المتعدّي، والضمُّ في اللازم هو القياس، إلّا أن اللغات تداخلت؛ يريد أنّه لا بُدّ في التفسير من استعمال العربيّة، والاستضاءة بدلالة ألفاظها إذ كان مُنْزلًا باللسان العربيّ، فلا بُدّ من معرفة ألفاظ العرب، والاطّلاع على مواضعها؛ إذ الألفاظ أدلّةُ المعاني، فكذلك أصولُ الفقه مرتبطةٌ بمعرفة العربيّة، لأنّه يُبتنى على معرفة الكتاب والسُنّةِ، ولا يُعْرَف معناهما إلا بمعرفة العربيّة، ولذلك كانت شرطًا في صحّة الاجتهاد.
...
قال: "ولا يتكلّموا في الاستثناء، فإنّه نحوٌ؛ وفي الفرق بين المعرَّف والمنكَّر، فإنّه نحوٌ؛ وفي التعريفَين، تعريف الجِنْس، وتعريف العَهْد، فإنهما نحوٌ؛ وفي الحروف كالواو والفاءِ و"ثمَّ" و"لامِ" المِلْك و"مِن" التبعيض ونظائرها": يُشير بذلك إلى شدّة فاقة الفقيه إلى معرفة العربيّة، ألا ترى أنّ الرجل إذا أقرّ فقال: "لفلانٍ عندي مئةٌ غيرُ درهم"، برفع "غير" يكون مُقِرًّا بالمئة كاملة, لأنّ "غَيْرُ" هنا صفة للمئة، وصفتُها لا تَنْقُص شَيئًا منها، وكذلك لو قال: "له علىَّ مئةٌ إلَّا درهمٌ"، كان مقرًّا بالمئة كاملةً لأنّ "إلّا" تكون وصفًا كـ"غير"، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ 1، ولو قال: "له عندي مئةٌ غيرَ درهم، أو إلا درهمًا"، بالنصب، لكان مقرًّا بتسعةٍ وتسعين درهمًا, لأنه استثناءٌ، والاستثناءُ: إخراجُ ما بعد حرف الاستثناء من أن يتناوله الأوَّلُ؛ وكذلك لو قال: "ما له عليَّ مئةٌ إلّا درهَمْين"، لم يلزمه شيء، كما لو قال: "ما له عليَّ ثمانية وتسعون درهمًا"؛ ولو رفع فقال: "ما له عندي مئةٌ إلَّا درهمان"، لكان مقرًّا بدرهمَيْن.
والمسائلُ في ذلك كثيرة؛ ومن ذلك لو قال: "إن دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ"، فإنّه لا يقع الطلاقُ إلّا بدخول تلك الدارِ المعيَّنة؛ ولو قال: "إن دخلتِ دارًا فأنتِ طالقٌ، وقع الطلاقُ بدخولِ أيّ دارٍ دخلتها؛ لأنّه علَّقَ الطلاق بدخول دارٍ منكورةٍ، ولشياعها تعمُّ؛ وفي الأوّل علّق الطلاق بدخول دارٍ معهودةٍ، فلا يقع الطلاقُ إلّا بدخولها.
وأمّا الفرق بين لام العهد ولام الجنس فمن جهة المعنى، وأمّا اللفظُ فشيءٌ واحدٌ؛ وذلك أنّك إذا قلت: "الرجلُ"، وأردتَ العَهْدَ، فإنّه يخصّ واحدًا بعينه؛ ومعنى العهد أن تكون مع إنسانٍ في حديث ثالثٍ غائبٍ، ثم يُقْبِل الرجلُ فتقول: "وافَى الرجلُ"، أي الذي كنّا في حديثه وذِكْره قد وافى؛ وإن أردتَ تعريفَ الجنس، فإنّه يدّل على العُموم والكثرة، ولا يكون مُخْبِرًا عن إحاطةٍ بجميع الجنس, لأنّ ذلك متعذِّرٌ غيرُ مُمْكِنٍ، فإذا قلت:
"العَسَلُ حُلْوٌ، والخَلُّ حامضٌ"، فإنّما معناه: العسلُ الشائعُ في الدنيا، المعروفُ بالعقل، دون حاسّة المشاهَدةِ، حلوٌ؛ وكذلك الخَلّ.
والذي يدل على أنّ الألف واللام إذا أُريد بهما الجنس تعُمّان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ 1، فصحّةُ الاستثناء من "الإنسان" تدلّ على أن المراد به الجماعة.
ومن ذلك حروف العطف، نحو "الواو" و"الفاء" و"ثمّ"، فإنّ الواو معناها الجمعُ المُطْلَقُ من غير ترتيب، والفاء تدلّ على أن الثاني بعد الأوّل بلا مُهْلَهٍ، و"ثُمَّ" كذلك، إلّا أن بينهما تراخيا؛ فعلى هذا إذا قال لزوجته: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ، وكلّمتُكِ"، فهذه تَطْلُق بوقوع الفعلَين جميعًا بدخول الدار والكلام، لا تطلق بأحدهما دون الآخر، فإن دخلت الدارَ ولم يُكلِّمها لم تطلق، وإن كلّمها ولم تدخل الدار لم تطلق، ولكن إذا جُمع بينهما طلقت، ولا يبالى بأيهما بدأ، بالكلام أم بالدخول، أيُّ ذلك بدأ به وقع الطلاقُ، بعد أن يُجْمَعَ بينهما, لأنّ المعطوف بالواو يجوز أن يقع آخِرُه قبل أوّله، ألا ترى أنّك تقول: "رأيتُ زيدًا وعمرًا"، فيجوز أن يكون عمرو في الرؤية قبل زيد؛ قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 2؛ وكذلك إن قال لعبده: "إن دخلتَ الدارَ وكلّمتَ زيدًا فأنت حُرٌّ"، فإنّه لا يعتِق إلّا بوقوع الفعلَين جميعًا كيف وقعا، ولا فَرْقَ فيه بين وقوع الأوّل قبل الثاني، والثاني قبل الأوّل في اللفظ؛ ولو قال: إن دخلتَ فكلّمتَ عمرًا، لا يقع العِتْقُ إلّا بالجمع بينهما، مُرَتَّبًا الكلامُ بعد الدخول بلا مُهْلةٍ، ولو قال ذلك بـ"ثُمَّ"، لكان في الترتيب مثل الفاء، إلّا أنّه يكون بينهما تمادٍ وتراخٍ.
ومن ذلك حروف الجرّ، نحو"مِنْ" واللام؛ فإنّ الرجل إذا حلف وقال: و"الله لا آكُل من طعام زيد"؛ فإنه يحنث بأَكْلِ اليسير منه.
ولو قال: "لا آكلُ طعامَ زيد"؛ فإنّه لا يحنث إلّا بأَكْل الجميع.
وكذلك لو كان عنده عبدٌ فقال: هو لَزيدٌ، بفتح اللام والرفع، لم يلزمه شيءٌ، ولو قال: "لِزيدٍ"، بكسر اللام والخفض، لكان مُقِرًّا له به؛ لأنّ اللام إذا فتحها، كانت تأكيدًا، وكان مخبرًا أنّ العبد اسمُه زيد؛ وإذا كسر اللامَ، كانت لامَ المِلْك الخافضةَ، وكان مخبرًا أنّه مِلْكُه.
...
قال: "وفي الحذف والإضمار، وفي أبواب الاختصار والتكرار، وفي التطليق، بالمصدر واسم الفاعل، وفي الفرق بين "إِنْ" و"أَنْ" و"إِذَا" و"مَتَى" و"كُلَّمَا" وأشباهِها، ممّا يطول ذكرُها؛ فإنّ ذلك كله من النحو".
ومن ذلك مسائل الطلاق، إذا قال: "أنْتِ طالقٌ"؛ طلقت منه، وإن لم يَنْوِ؛ ولو أتى بلفظ المصدر، فقال: "أنت طَلاقٌ"؛ لم يقع الطلاقُ إلّا بنيّته, لأنّه ليس بصريحٍ، إنّما هو كناية عن إرادة إيقاع المصدر موقع اسم
الفاعل، على حدِّ "ماءٍ غَوْرٍ"، أي غائرٍ؛ ومنهم من يجعله صريحًا يقع به الطلاقُ من غير نيّةٍ، كاسم الفاعل، لكثرة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل وكثرةِ استعماله في الطلاق، حتى صار ظاهرًا فيه؛ قال الشاعر [من الطويل]:
17 - فإنْ تَرْفُقِي يا هِنْدُ فالرِّفْقُ أَيْمَنٌ... وإنْ تَخْرُقي يا هندُ فالخُرْقُ أَلأَمُ
فأنْتِ الطَّلاقُ والطَّلاقُ عَزِيمَةٌ... ثلاثًا ومَن يَخْرُقْ أَعَفُّ وأَظْلَمُ
فبينِي بها إنْ كنتِ غيرَ رَفِيقَةٍ... فما لا مْرِىءٍ بعدَ الثلاثة مُقْدَمُ 1
فأَوْقع "الطلاق" موقعَ "طالقٍ" على ما ترى، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: ذاتُ طلاقٍ، كما يقال: صَلَّى المَسْجِدُ، والمراد: أهلُ المسجد، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 2، وهو كثيرٌ.
واعلمْ أن هذه المصادر إذا أُجريت مجرى أسماء الفاعلين، ووُضعت موضعها، ذلك فيها وجهان؛ أجودُهما: أن تتركها على لفظٍ واحدٍ في الواحد والاثنين والجمع والمؤنَّث، فتقول: "أنتِ طلاقٌ"، و"أنتما طلاقٌ"، و"أنتم طلاقٌ"، و"أنتنّ طلاقٌ"؛ و"هذا رجلٌ عدلٌ"، و"رجالٌ عدلٌ"، و"نسوةٌ عدلٌ"؛ والآخر: أن تثنّي، وتجمع، فتقول: عَدْلان وعُدُولٌ؛ وأنشد ابن الأعرابيّ [من الطويل]:
18 - طَمِعْتُ بلَيْلَى أن تَرِيعَ وإنّما... يُقَطِّعُ أعناقَ الرجالِ المَطامعُ
وبايَعْتُ لَيْلَى في خَلاءٍ ولم يكن... شُهُودٌ على ليْلَى عُدُولٌ مَقانِعُ 3
فجمع "عَدْلًا" و"مَقْنَعًا"، كما ترى، وقد رُوي قوله: و"الطلاقُ عزيمةٌ ثلاث"، على ثلاثة أوجهٍ:
"الطلاق عزيمةٌ ثلاثٌ"، برفع "عزيمة" ونصب "الثلاث"، و"الطلاقٌ عزيمةٌ ثلاثٌ" برفعهما، و"الطلاقُ عزيمةً ثلاثٌ" بنصب "العزيمة" ورفع " الثلاث"؛ فإذا نُصبت "الثلاث"، فكأنّه قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، ويكون قولهُ: و"الطلاقُ عزيمةٌ" مبتدأ وخبرًا، فكأنّه قال: والطلاقُ منّي جِدٌّ غيرُ لَغْوٍ؛ وإذا رفعهما، كانت "الثلاثُ" خبرًا ثانيًا، أي
الطلاقُ الذي يقع بمثله الطلاقُ هو الثلاثُ، أو يكون موضِحًا للعزيمة على سبيل البدل، وتقع واحدةً لا غيرُ، ويجوز أن يكون المراد: أنت طالقٌ ثلاثًا، ثمّ فسّر ذلك بقوله: و"الطلاقُ عزيمةٌ ثلاثٌ"، كأنّه قال: والطلاقُ الذي ذكرتُه ونويتُه عزيمةٌ ثلاثٌ؛ فسّره بهذا الدليل، هذا إذا نوى "الثلاث"، ودليلٌ على ذلك قوله: "فبيني بها"، فهذا دليلٌ على إرادة الثلاثة والبَيْنُونَةِ؛ وأمّا إذا نصب "عزيمةً"، مع رفع "الثلاث"، فعلى إضمار فعل، كأنّه قال: والطلاقُ ثلاثٌ، أعزمُ عليك عزيمة؛ ويجوز أن يكون التقدير: والطلاقُ، إذا كان عزيمةً، ثلاثٌ؛ كما تقول: "عبدُ الله راكبًا أحسنُ منه ماشيًا"، والمرادُ: إذا كان ماشيًا، كما تقول: "هذا بُسْرًا أطيبُ منه رُطْبًا"، أي هذا إذا كان بسرًا أطيبُ منه إذا كان رطبًا.
وقوله: "ومن يخرق أعقُّ وأظلمُ"، قد حذف الفاء الذي هو جوابُ الشرط والمبتدأُ أيضًا، والمعنى: فهو أعقُّ وأظلمُ، وهو من ضرورات الشعر المستقبَحة.
ومن ذلك الفرق بين "إن" المكسورة الخفيفة وبين المفتوحة، وذلك أنّ المكسورة معناها الشرطُ، والمفتوحة معناها الغَرَضُ والعِلَّةُ، ولو قال: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدار؛ لم يقع الطلاقُ حتّى تدخل الدار, لأنّ معنى تعليق الشيء على شرطٍ، هو وقوفُ دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود، ولو فتح "أَنْ" لكانت طالقًا في الحال؛ لأنّ المعنى أنتِ طالقٌ لأَنْ دخلتِ الدار، أي من أجلِ أنْ دخلت الدار، فصار دخولُ الدار علّة طلاقها، لا شرطًا في وقوع طلاقها كما كان في المكسورة؛ وكذلك لو شدَّد "أنْ" يقع الطلاقُ في الحال، كانت دَخَلَتِ الدار، أو لم تكن.
ومن ذلك: "إذا" و"مَتَى" و"كُلَّمَا" تُستعمل في الشرط، كما تُستعمل "إن"، إلّا أنّ الفرق بين هذه الأشياء وبين "إِنْ"، أنَّ "إِنْ" تُعلِّق فعلاً بفعل، و"إذَا" و"كُلَّمَا" للزمان المعيَّن، فإذا قال: "أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدار"، أو قال: "أنت طالقٌ إذا دخلتِ الدار"، لم تطلق حتّى تدخل الدار؛ أمّا "إِنْ" فشرطٌ لا يقع الطلاقُ إلّا بوجودِ ما بعدها، وأمّا "إذَا" فوَقْتٌ مستقبلٌ فيه معنى الشرط، فكأنّه قال: "أنتِ طالقٌ إذا جاء وقت كذا وكذا"، فهي تطلق وقتَ دخول الدار، فقد استوتْ "إِنْ" و"إِذَا" في هذا الموضع، في وقوع الطلاق، وتفترقان في موضع آخَر، فلو قال: "إذا لم أطلّقك، أو متى لم أطلّقك، فأنت طالقٌ"، وَقَعَ الطلاقُ علىّ الفَوْرِ بمُضِيّ زمان يُمْكِن أن تُطَلَّق فيه، ولم تُطَلَّق؛ ولو قال: "إن لم أطلّقك فأنت طالقٌ"، كان كأنّه على التراخي يمتدّ إلى حين موتِ أحدهما، وذلك لأنّ "إذا" و"مَتَى" اسمان للزمان المستقبل، ومعناهما: "أيَّ وقتٍ"، ولهذا تقع جوابًا عن السؤال عن الوقت، فإذا قيل: "متى ألقاك"؟ فيقال: "إذا شئتَ"، كما تقول: "يومَ الجُمْعَةِ، أو يومَ السَّبْتِ"، ونحوهما، وليست كذلك "إِنْ"، ألا ترى أنّه لو قيل: "متى ألقاك"؟ لم يُقَلْ في جوابه: "إِنْ
شئتَ"، وإنّما تُستعمل "إِنْ" في الفعل، ولهذا يُجاب بها عن سؤالٍ عن الفعل، فإذا قيل: هل تأتيني؟ فيقال في الجواب: "إِن شئتَ".
و"مَتَى" حالُها كحالِ "إِذَا" في أنّها للزمان، وليس في هذه الكلم ما يقتضي التكرارَ إلّا "كُلَّمَا"، وذلك أنّك إذا قلت: "كلّما دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ" طلقت بكل دخولٍ، إلى أَنْ ينتهي عددُ الطلاق, لأنّ "ما" مِنْ "كُلَّمَا" مع ما بعده مصدرٌ، فإذا قال: "كُلَّما دخلتِ" فمعناه: كلَّ دخولِ يُوجَد منكِ فأنتِ به طالقٌ؛ و"كُلٌّ" معناه: الإحاطةُ والعُمُومُ، فلذلك يتناول كل دخول.
وقوله: "وهلّا سفّهوا رَأْيَ محمّد بن الحَسَنُ الشَّيبانيّ - رحمه الله - فيما أودع كتابَ "الأيَمان""، وهو صاحب الإِمام أبي حنيفة -رضي الله عنهما- وذلك أنّه ضمّن كتابه المعروفَ بـ"الجامع الكبير" في كتاب "الأيمان" منه مسائلَ فقهٍ تُبتنى على أصول العربيّةِ، لا تتضِحُ إلّا لمن له قَدَمٌ راسخٌ في هذا العلم، فمن مسائله الغامضة أنَّه إذا قال: "أيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فهو حُرٌّ"، فَضَرَبَهُ الجميعُ عَتَقُوا، ولو قال: "أيُّ عبيدي ضربتَه فهو حرٌّ"، فَضَرَبَ الجميعَ، لم يعتق إلّا الأوّلُ منهم؛ فكلامُ هذا الحِبر مَسُوقٌ على كلام النحويّ في هذه المسألة، وذلك من قِبَل أنّ الفعل في المسألة الأولى مسندٌ إلى عامٍّ، وهو ضميرُ "أيٍّ"، و"أَيٌّ": كلمةُ عُموم؛ وفي المسألة الثانية خاصٌّ, لأنّ الفعل فيه مسندٌ إلى ضمير المخاطَب، وهو خاصٌّ، إذ الراجع إلى "أَيٍّ" ضميرُ المفعول، والفعلُ يصير عامًّا بعُموم فاعله، وذلك أنّ الفاعل كالجُزء من الفعل، وإنّما كان كذلك, لأنّ الفعل لا يَستغني عنه، وقد يُستغنى عن المفعول، فكأنّه أحدُ أجزائه التي لا يُستغنى عنها، ويدلّ على ذلك أُمورٌ:
الأوَّلُ: منها أنّه متى اتّصل بالفعل الماضي ضميرُ الفاعل سكن آخِرهُ، نحو: "ضَرَبْتُ" و"ضَرَبْنَا"، وذلك لئلّا يجتمع في كلمةٍ أربعُ حركاتٍ لوازمَ لو قيل: "ضَرَبْتُ"، ولا يلزم ذلك في المفعول لأنّه فَضْلَةٌ، فهو كالأجْنَبيّ من الفعل.
الثاني: أنك تقول: "قامت هندٌ وقعدتْ زَيْنَبُ"، فتُؤنِّث الفعلَ لتأنيث فاعله، والقياسُ أن لا يلحق الكلمةَ عَلَمُ التأنيث إلّا لتأنيثها في نفسها، نحو "قائمةٍ" و"قاعدةٍ"، وأمّا أن تلحق الكلمةَ العلامةُ، والمرادُ تأنيثُ غيرها، فلا، فلولا أنّ الفعل والفاعل ككلمةٍ واحدةٍ، لَمَا جاز ذلك.
الثالث: أنّك تقول: "يضربان"، و"تضربان"، و"يضربون"، و"تضربون"، و"تضربين"، فالنونُ في هذه الأفعال علامةُ الرفع، وقد تخلَّل بينه وبين المرفوع ضميرُ الفاعل، وهو الألفُ والواو والياءُ في "يضربان" و"يضربون" و"تضربين"، فلو لم يكن الفاعلُ والفعلُ عندهم كشيءٍ واحدٍ، لَمَا جاز الفصل بين الفعل وإعرابه بكلمةٍ أُخرى،
ولا يجوز مثل ذلك في المفعول، ومن ذلك أنهم قد قالوا: "كُنْتِيٌّ"، فنسبوا إلى "كُنْت"، قال الشاعر [من الطويل]: 19 - فأَصبَحْتُ كُنْتِيًّا وأصبحتُ عاجِنًا... وشَرُّ خِصالِ المَرْءِ كُنْتُ وعاجِنُ 1 فلو لم يكن الفعل والفاعل عندهم كالجزء الواحد، لَمَا جازت النسبة إليه، إذ الجُمَلُ لا يُنْسَب إليها، وقد قالوا: "لا تُحَبِّذْهُ بما لا ينفعه"، فاشتقّوا من الفعل والفاعل فعلًا لاتحادهما، فَبانَ بما ذكرناه أنّ الفعل والفاعل عندهم شيءٌ واحدٌ، فلذلك لمّا كان الفاعل في "أيُّ عبيدي ضربك" عامًّا، صار الفعل عامّا، ولمّا كان الفاعل في "أيُّ عبيدي ضربتَه" خاصًا, لأنّه كنايةٌ عن المخاطَب، صار الفعل خاصًّا، ولولا خَوْضُ هذا الإِمام في لُجَّةِ بَحْرِ هذا العلم النفيس، ورُسوخُ قَدَمِه فيه، لَمَا أَلَمَّ بفقه هذه المسألة ونظائرها، ممّا أَوْدعه كتابه، فجاحدُ فَضْلِ هذا العلم مكابِرٌ، والمنكِّبُ عنه خاسرٌ.
وقوله: "وما لهم لم يتراطنوا في مجالس التدريس، وحَلَقِ المناظرة، ثمّ نظروا هل تركوا العلم جَمالًا وأُبَّهةً؟ وهل أصبحت الخاصّةُ بالعامّة مشبَّهةً؟ وهل انقلبوا هُزْأَةً للساخرين، وضُحْكَةً للناظرين".
هذا "التراطُنُ": التكلُّم بكلام العجم، قال الشاعر [من الكامل]:
20 - أَصْوَاتُهُمْ كَتَراطُنِ الفُرْسِ 2
و"مجالس التدريس": أَماكِنُه، وهو جمعُ "مَجْلِسٍ" لمكان الجلُوس، و"التدريسُ": مصدرُ "دَرَّسَ يُدَرِّسُ تدريسًا"، والتضعيفُ فيه للتعدية، تقول: "دَرَسْتُ العلمَ دَرْسًا، ودرّسته تدريسًا"، صار بالتضعيف يتعدّى إلى مفعولَين، وقيل: سُمّي "إِدْرِيسُ": "إِدريسَ" لكثرةِ دراسته كتابَ الله تعالى، وكان اسمُه "أَخْنُوخَ".
و"حَلَقُ المناظرة": الجماعة يجتمعون للمناظرة وغيرِها، قيل لهم ذلك لتحلُّقهم واستدارتهم، تشبيهًا بحَلْقَةِ الخاتم والدِّرعْ، يقال: "حَلْقَةٌ" بسكون اللام، والجمعُ:
"حَلَقٌ" بفتح الحاء واللام، جمعٌ على غير قياس؛ قال الأصمعيّ: الجمحُ "حِلَقٌ" بكسر الحاء وفتح اللام كَ "بدْرَةٍ وبِدَرِ"، و"قَصْعَةٍ وقِصَع".
وحكى يونُس: "حَلَقَةٌ" في الواحد، بفتح الحاء واللام، والجمعُ "حَلَقٌ" بالتحريك أَيضًا.
قال ثَعْلَبٌ: "كلّهم يُجيزه على ضُعفه".
قال أبو يوسف: سمعتُ أبا عمرو الشَّيْبانيَّ يقول: "ليس في الكلام "حَلَقةٌ" بالتحريك إلّا جمع "حالِقٍ" الذي يحلق الشَّعْرَ، على حَدِّ "كافِرٍ وكَفَرَةٍ"".
"المناظرة": مُفاعَلَةٌ من "النظَر"، لأن كلّ واحد ينظر ويفكر فيما يُفْلِج به على صاحبه، وقيل: هو من النظير، لأنّ كل واحد منهما نظيرُ صاحبه في النظر.
و"الجمَالُ": الحُسْنُ، يقال: قد جَمُلَ الرجلُ، بالضمّ، جَمالاً، وهو جَمِيلٌ وجُمَّالٌ، بالتشديد للمبالغة، وامرأةٌ جَمِيلةٌ وجَمْلَاءُ، عن الكسائيّ، وأنشد [من الرمل]:
21 - فَهيَ جَمْلَاءُ كَبَدْرٍ طَالِعٍ... بَذَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بالجَمالِ 1
و"الأُبَّهَة": الجَلالُ.
و"الخاصَّة": خِلافُ العامّة.
و"الهُزْأَة"، بسكون الزاي 2: الرجلُ يُهْزَأُ به، و"الهُزَأَةُ" بالتحريك: الذي يكثر استهزاؤه بالناس، و"الْهُزْءُ": السُّخْرِيِّةُ، يقال: هَزَأَ واسْتَهْزَأَ؛ ومثله: الضُّحْكَةُ والضُّحَكَةُ؛ فالإسكانُ للمفعول، والتحريكُ للفاعل.
وقوله: "فإنّ الإعراب أَجْدَى من تَفارِيق العَصَا".
"أَجْدَى": أَنْفَعُ، وهو أَفْعَلُ من "الجَدَا"، وهو العَطِيَّةُ، وأصلُ "الجدا" المطرُ العامُّ، وهو مثلٌ يُضْرَب لمن يكثر الانتفاعُ به 3، لأنّ العصا كلّما كُسرت حصل منها منافعُ؛ وأصلُه أنّ غَنِيَّةَ الكلابيّة كان لها ولدٌ شاطرٌ، كان يُلاعِبُ الصِّبْيانَ فيَشُجُّونه، فتأخذ أَرْشَ الشِّجاج 4 حتّى استغنت من ذلك، فقالت [من الرجز]:
22 - أَحْلِفُ بالمَرْوَةِ يومًا والصَّفَا... إنّك أَجْدَى من تَفارِيقِ العَصَا 5
سُئل أعرابيٌّ عن قولهم: "أَجْدَى من تفاريق العصا"، فقال: إنّ العصا تُقْطَع
سواجيرَ 1 للأُسارَى والكلاب، ثمّ تُقْطَع السواجيرُ أَوْتادًا، ثمّ تقطع الأوتادُ أَشِظَّةً 2، فإن جعلوا رأسَ الشِّظاظ كالفَلْكَة، صار مِهارًا للبختي 3، فإن فرق المهارُ صار منه تَوادٍ؛ وهي خشباتٌ تُشَدّ على خِلفِ الناقة إذا صُرَّت، فإن كانت العصا قَناةً فكُلُّ شِقَّة منها جُلاهِقٌ؛ وهو قَوْسُ البُنْدُقِ، وإن فُرقت الشِّقّةُ صارت سِهامًا، وإذا فرقت السهام صارت حِظاءٌ؛ والحِظاءُ جمعُ حَظْوَةٍ، وهو السَّهْم الصغير, فإن فُرقت الحظاءُ صارت مَغازلَ، فإن فُرقت المغازل شَعَّبَ بها المُشعِّبُ أقداحَه المصدوعَة؛ فكيف تَشَظَّتْ آلَتْ إلى نَفْعٍ، فضُرب في الانتفاع بها المثل.
وفي قوله: "أجدى من تفاريق العصا" نَظَرٌ، وذلك أنّ "أفعَلَ مِن كذا" لا يُستعمل إلّا ممّا يستعمل منه "ما أَفْعَلَهُ"، والتعجُّبُ لا يكون ممّا هو على أربعة أحرف، والجيّدُ أن يقال: "أنفعُ من تفاريق العصا"، ويجوز أن يُحْمَل على رأي من يقول: ما أعطاهُ للدراهم وأَوْلاه للخَيْر!
وقوله: "وآثارُه الحسنةُ عديدُ الحَصَا".
"الآثارُ": ما بقي من رسم الشيء؛ وسُنَنُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: آثارُه، وواحدُ "الآثار": "أَثَرٌ" و"إِثْرٌ"، بفتح الهمزة والثاء، وكسرِ الهمزة وسكون الثاء، والمرادُ به منافعُ الإعراب، و"العَدِيدُ" و"العَدَدُ" واحدٌ، يقال: عددتُ الشيءَ إذا أَحْصَيْتَه، يقال: هو عديدُ الحصا والترابِ مبالغةٌ في الكثرة.
قال "ومَن لم يَتَّق الَّلهَ في تنزيله، فاجترأ على تَعاطِي تأويله، وهو غيرُ مُعْرِبٍ".
"التنزيلُ": مصدرُ "نَزَّلَ ينزِّل تَنْزِيلًا"، مثل "كلّم يكلّم تكليمًا"، والمرادُ به ههنا المفعولُ، بمعنى: "مُنَزَّلِهِ"، والمصدرُ يُستعمل بمعنى المفعول كثيرًا، نحو: "ضَرْب الأميرِ"، أي مضروبه؛ و"خَلْقِ الله" أي مخلوقه.
و"اجترأ": أَقْدَمَ، وهو"افتعل" من "الجَراءةِ".
و"تأويلُه": تفسيرُ ما يَؤُولُ إليه.
و"هو غيرُ مُعْرِب": أي ليس بذي معرفةٍ بالإعراب، يقال: "رجلٌ مُعْرِبٌ"، أي ذو حَظٍّ منه.
وقوله: "رَكِبَ عَمْياءَ، وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ": هو مثلٌ يضرب لمن يُصيب مرةً
ويُخْطِىء أخرى 1، والمراد: يركب عَمْياءَ، أي ناقةً عمياءَ، و"الخَبْطُ": الضَّرْبُ، يقال: خَبَطَ البعيرُ بِيَدَيْه الأرضَ خَبْطًا، إذا ضَرَبَها، ومنه قيل: "خَبْطُ عَشْواءَ"، وهي الناقةُ التي في بَصَرها ضعفٌ، فهي تخبط إذا مشتْ، لا تتوقّى شيئًا.
قال الخليل: "العَشْواءُ هي الناقة التي لا تبصر ما أمامها، فهي تخبط بيدَيها كل شيء، وقد يكون ذلك من حدَّتها، فهي ترفع طَرْفَها، ولا تتعمّد موقع يَدَيْها".
قال: "وقال ما هو تقوُّلٌ وافتراءٌ وهُراءٌ، وكلامُ الله منه بُراءٌ".
و"التقوُّلُ": الباطلُ، وهو مصدرُ "تَقَوَّلَ تَقَوُّلًا"، وهو بناءٌ للدخول في أمرٍ ليس منه، كقولهم: "تَقَيَّسَ" و"تَنَزَّرَ"، إذا انتمى إلى "قَيْسٍ" و"نِزارٍ"، وليس منهم.
و"الافتراءُ": الاختلاقُ، "افتعالٌ" من الفِرْيَة والخَلْقِ، وهو الكذب.
و"الهُراءُ": المنطقُ الفاسدُ، يقال منه: "أَهْرَأَ الرجلُ في منطقه"، وقيل: "الهُراءُ": الكثيرُ؛ قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]:
23 - لها بَشَرٌ مِثْلُ الحَرِيرِ ومَنْطِقٌ... رَخِيمُ الحَواشِي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ 2
و"البُراءُ": بمعنى "البَرِيءِ"، يقال: "بُراءٌ" و"بَرِيءٌ"، مثل "طُوالٍ" و"طَوِيلٍ".
قال: "وهو المِرْقاةُ المنصوبةُ إلى عِلْم البيان، المُطْلِع على نُكَتِ نَظْم القرآن".
"المِرْقاةُ": الدَّرَجَةُ.
و"البَيانُ": الكَشْفُ عن الشيء، و"البيانُ": الفصاحةُ؛ المرادُ به ههنا: علمُ الكلام المنثور" نحو الجِناسِ والطِّباق، ونحوهما.
و"المُطْلِعُ": المُظْهِرُ، قال: أَطْلَعْتُهُ على الأمر، إذا أَرَيْتَه إِيّاه، والمرادُ أنّه وُصْلَةٌ إلى فَهْم معاني كتاب الله- عزّ وجلّ- ومعرفةِ فوائده.
وقوله: "الكافِل بإبراز محاسنه".
"الكافلُ": الكافي، مِن "كَفَلَ اليَتيمَ"، إذا كفاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ 3
أي عالها، وكَفاها المَؤُونَةَ، وهو ههنا بمعنى التكفُّل، ولذلك عدّاه بالباء.
و"الإبرازُ": مصدرُ أَبْرَزَهُ يُبْرِزُهُ، إذا أَظْهَرَهُ.
و"المحاسِنُ": المآثِرُ، وهو ضِدُّ المساوِىء، الواحد "حُسْنٌ"، جاء على غير بناء واحدِه، كـ "المَذاكَير"، كأنّ قياس واحدِه "مَحْسَنٌ".
وقوله: "المُوَكَّلِ بإثارة مَعادِنِه".
"المُوَكَّلُ": أي المعتمَدُ، من "الوَكِيل"، يقال: "وكّلتُه بكذا أُوَكِّلُهُ"، والفاعل "مُوَكَّلٌ"، والمفعولُ "مُوَكَّلٌ".
و"الإثارةُ": الإظهارُ، من أثَرْت الحديثَ إذا نقلتَه عن غيرك، والمراد أنَّ النحْو طريقٌ إلى ظهورِ ما في القرآن من حَسَنٍ وبَدِيع.
و"المَعادنُ": جمعُ "مَعْدِنٍ"، بكسر الدال، ومعدنُ كلِّ شيء: مَرْكَزُهُ، والمراد أنّه المعتمَدُ في بيان أُصوله.
وقوله: "فالصادُّ عنه كالسادِّ لطُرُقِ الخَيْر كي لا تُسْلَكَ".
"الصادُّ": المُعْرِضُ والمانعُ، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، أي أَعْرَضَ.
و"السادُّ": فاعلٌ من "سَدَدْتُ الشيءَ سَدًّا"، إذا منعت النُّفُوذَ فيه.
و"الطُّرُقُ": جمعُ "طَرِيقٍ".
و"الخَيْرُ": ضِدُّ الشَّرّ.
و"السلُوكُ": النفُوذُ، والمعنى أنّ المانع من تعلُّمِ النحو كسادِّ طُرُقِ الخير، ووجوهِ البرِّ أن يُنْفَذَ فيها.
وقوله: "والمُرِيدِ بموارِده أن تُعافَ وتُتْرَكَ".
"المُرِيدُ": فاعلٌ من "الإرادة"، وهي المَشيئةُ.
و"المَوارِدُ": الطُّرُقُ، قال الشاعر [من الوافر]:
24 - أمِيرُ المؤمنين على صِراطٍ... إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مستقيمِ 1
أي المانع منه، والمُعْرِض عنه، كالمانع من طُرُق الخير.
و"المُريدِ بطُرُقه أن تُعافَ": أي تُكْرَهَ وتُتْرَكَ.
وقوله: "ولقد نَدَبَني ما بالمسلمين من الأرَبِ إلى معرفة كلام العرب".
"ندبني": دَعَاني، يقال: ندبتُه إلى الحَرْب أو غيره إذا دعوتَه إليه.
و"الأَرَبُ
والإرْبَةُ والمَأْرَبَةُ": الحاجَة، وخصَّ المسلمين بذلك دون غيرهم لَأمْرَين:
أحدُهما: أنّ الغالب على المسلمين التكلُّمُ بلسان العرب، والنحْوُ قانونٌ يُتوصّل به إلى كلام العرب.
والأمرُ الثاني أنّه وَسيلةٌ إلى معرفة الكتاب العزيز والسُنّةِ اللذين بهما عمادُ الإسلام.
...
وقوله: "وما بي من الشفَقَة والحَدَب على أَشْياعي من حَفَدة الأَدَب".
"الشفَقَةُ": بمعنى الحَذَر، يقال: "أَشْفَقْتُ عليه"، إذا خَشِيتَ عليه، و"أَشْفَقْتُ منه"، إذا حَذِرْتَه.
والمصدر "الإشفَاقُ"، و"الشفَقَة" الاسم، و"الحَدَبُ": التعَطُّفُ، يقال: حَدِبَ عليه، وتَحَدَّبَ، إذا تَعَطَّفَ.
و"الأَشْياعُ": الأَحْزابُ والأعوانُ.
والحَفَدَةُ: الخَدَمُ، واحدُهم "حافِدٌ"، على حَدِّ "كافرٍ وكَفَرَةٍ ".
وقوله: "لإِنْشَاءِ كِتابٍ في الإعراب، مُحِيط بكافّةِ الأبواب".
"الإنشاءُ": الاختراعُ، يقال "أَنْشَأَ خُطْبَةً ورِسالةً وقصيدةً" إذا اخترع ذلك.
وقوله: "بكافّةِ الأبواب".
شاذٌّ من وجهَين: أحدُهما أنّ كافَّةً لا تُستعمل إلّا حالًا 1، وههنا قد خفضها بالباء، على أنّه قد ورد منه شيءٌ في الكلام عن جماعةٍ من المتأخّرين، كالفارقيّ الخطيب، والحَرِيريّ، وقد عيب عليهما ذلك، والذين استعملوه لَجَؤوا إلى القياس، والاستعمالُ ما ذكرناه.
والوجه الثاني: أنّه استعمله في غير الأنَاسيّ، و"الكافّةُ": الجماعة من الناس لُغَةً.
قال: "مُرتَّب ترتيبًا يبلُغ بهم الأمَدَ البعيدَ بأقْرب السَّعي، ويملأ سِجالَهم بأهونِ السَّقْي".
"الأَمَدُ": الغايَةُ، و"السِّجالُ": جمعُ سَجْلٍ، وهو الدلْو؛ قال الخليل: "السَّجْلُ": الدلْوُ المَلأى 1.
وقوله: "فأنشأتُ هذا الكتابَ المُتَرْجَمَ بكتاب "المُفَصَّل في صَنْعة الإعراب" مقسومًا أربعة أقسام؛ القسمُ الأوّلُ: في الأسماء، القسمُ الثاني: في الأفعال، القسمُ الثالثُ: في الحروف، القسمُ الرابعُ: في المشترك".
قلتُ: إنّما قَسَمَه هذه القِسْمَةَ ليُسَهِّلَ على الطالب حِفظَه، وعلى الناظر فيه وِجْدَانَ ما يرومه، ويجري ذلك مَجْرَى الأبواب في غيره.
...
قوله: "وصنّفتُ كُلًّا من هذه الأقسام تصنيفًا".
معناه: ميّزتُ كلَّ صنف منها على حِدَةٍ، و"الصنفُ": النوعُ من كلّ شيءٍ.
و"فصّلتُ كلَّ صنفٍ منها تفصيلًا": أي جعلتُه فُصولًا.
...
وقوله: "حتّى رجع كلّ شيءٍ في نصابه".
"نصابُ" كلِّ شيءٍ: أَصْلُه.
و"استقرَّ في مَرْكَزه": أي في موضعه، ومركزُ الجُنْدِ: موضعُهم، كأنّه موضعُ رَكْزِهم الرماح.
...
"ولم أَدَّخِرْ فيما جمعتُ فيه من الفوائد المتكاثرةِ".
"أدَّخِر": أَفْتَعِل، من "الذَّخْر" فأَبْدَلَ من الذال دالًا غيرَ معجمةٍ، وادَّغَمَ فيها التاءَ، وذلك من قِبَل أنّ الدال حرفٌ مجهورٌ، والتاءَ حرفٌ مهموسٌ، فكرهوا تجاوُرَهما مع ما بينهما من التنافي، وإبدالُ الذال دالًا لأنّها تُوافِقها في الجَهْر، وتُوافِق التاءَ في المَخْرَج، تقريبًا لأحدهما من الآخَر.
والمعنى: إِنّني لم أُبْقِ شيئًا ممّا عندي من الفوائد إلّا أَوْدعتُه إيّاه.
...
"ونظمتُ من الفرائد المتناثرة".
"نظمتُ": أي جمعتُ، من قولهم: "نظمتُ الخَرَزَ واللُّؤْلُؤَ في خَيْطٍ"، و"الخيطُ": النظامُ.
و"الفرائدُ": جمعُ فَرِيدَةٍ، وهو الكبار من الدُّرّ، و"المتناثرةُ": المتبدّدةُ، والمراد: إِنّني جمعت فيه من المسائل الفاخرة ما كان متفرِّقًا في غيره، وعبّرتُ عنه بأحسَنِ عبارةٍ.
...
وقوله: "مع الإيجاز غيرِ المُخِلِّ".
"الإيجازُ": الإقلالُ، يقال: "كلامٌ وَجْزٌ ووَجِيرٌ ومُوجِرٌ"، إذا قلَّ مع تمام المعنى، وما أَحْسَنَ قول ابن الرُّوميّ يصف امرأةً تُطِيب الحديثَ [من الكامل]:
25 - وحديثُها السِّحْرُ الحَلالُ لَوَ اَنَّهُ... لم يَجْنِ قَتْلَ 1 المُسْلِمِ المتحرِّزِ
إِنْ طَالَ لم يُمْلِلْ وإِنْ هي أَوْجَزَتْ... وَدَّ المُحَدَّثُ أنّها لم تُوجِز
شَرَكُ القُلُوبِ وفِتْنَةٌ ما مِثْلُهَا... للمُطْمَئِنِّ وعُقْلَةُ المُسْتَوْفِزِ 2
"المُخِلُّ": المُهْمِلُ، يقال: "أَخَلَّ بكذا"، إذا أَهْمله وتركه، كأنَّه مأخوذٌ من الخَلَل، وهو الفُرجَة بين الشيئين.
...
"والتلخيصِ غيرِ المُمِلِّ مُناصَحةٌ".
"التلخيصُ": الشرح والتبيين، يقال: "لخّصتُ له المعنى"، إذا شرحتَه وبيّنته له.
و"المَلَلُ": السَّآمَةُ، يقال "مَلِلْتُ الشيء أَمَلُّه"، إذا سَئِمْتَه، والمعنى: إِنّني أوجزت العبارةَ من غير تَرْكِ شيءٍ من الفوائد، وبيّنتُه بشرحي من غير إملالٍ بطول العبارة.
و"المناصحة": المفاعلة من النُّصْح، وهو خلاف الغشّ.
وقوله: "لمقتبسِيه": أي لمستفيديه، يقال: أَقْبَسْتُ الرجلَ عِلمًا، وقبستُه نارًا، واقتبستُ منه علمًا ونارًا.
قال الكسائيّ: أقبستُ الرجلَ علمًا ونارًا سواءٌ، وقبستُه فيهما.
وقوله: "أرجو": أي آمُلُ، تقول: رَجَوْتُهُ أَرْجُوه رَجْوًا، وارتجَيْتُه أَرْتَجِيهِ ارتجاءً، وتَرَجَّيْتُه أَتَرجَّاه تَرَجِّيًا.
وقوله: "أَنْ اجْتَنِيَ منها ثَمَرَتَيْ دُعاءٍ يُستجاب، وثَناءٍ يُستطاب"، يقال: "جنيتُ الثمرةَ واجتنيتُها": اقتطفتُها، وثمرٌ جَنِيُّ حينَ يُقْطَف، و"الثَّمَرَةُ": واحدُ الثِّمار، و"الثَّمَرُ" جنسٌ، وثمرةُ كلّ شيءٍ ما يُنْتِجُهُ.
و"الدُّعاءُ": مصدرُ "دَعَا يَدْعُو" و"الدَّعْوَةُ": المرّة الواحدة.
و"المستجاب": المقبول، و"الثناء": الكلام الجميل، و"المستطاب": الطيِّب.
وقوله: "واللَّهُ -عزّ سلطانُه- وَليُّ المَعُونَة على كلّ خيرٍ والتأييدِ، والمَلِيُّ بالتوفيق فيه والتسديدِ".
قلت: لمّا أضاف "كُلّاً" إلى "خيرٍ"، استغرق الجنسَ، لأنّ معنى "الكُلِّ" الإحاطةُ والعُمومُ، فصار كما لو أدخل عليه الألفَ واللامَ، كأنّه قال: "واللَّهُ وَلِيُّ المَعُونَة على الخير والتأييدِ"، فيستغرق الجميع، فاعرف ذلك.