فصل [تعريفه]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وهو ما لحقت آخره زيادتان: ألف أو ياء مفتوح ما قبلها، ونون مكسورة، لتكون الأولى علماً لضم واحد إلى واحد، والأخرى عوضاً مما مُنع من الحركة والتنوين الثنتين في الواحد.
قال الشارح: اعلم أنّ التثنية ضمُّ اسم إلى اسم مثلِه، واشتقاقُها من "ثَنَّى يُثَنِّي" إذا عطف، يقال: "ثنّى العُودَ" إذا عطفه عليه، فكأنّ الثاني معطوف.
وأصلُها العطف، فإذا قلت: "قام الزيدان"، فأصله: زيدٌ وزيدٌ، لكنّهم إذا اتّفق اللفظان، حذفوا أحدَ الاسمين، واكتفوا بلفظ واحد، وزادوا عليه زيادةً تدلّ على التثنية، فصارا في اللفظ اسمًا واحدًا، وإن كانا في الحكم والتقدير اسمَيْن.
وكان ذلك أوجزَ عندهم من أن يذكروا الاسمين، ويعطفوا أحدهما على الآخر، فإذا ثنّوا الاسم المرفوع، زادوا في آخِره ألفًا ونونًا، وإذا ثنّوا الاسم المجرور أو المنصوب، زادوا في آخره ياء مفتوحًا ما قبلها ونونًا مكسورةً، فيكون لفظُ المجرور كلفظ المنصوب، فالزائدُ الأوّلُ -وهو الألف أو الياء- يكون عوضًا من الاسم المحذوف، ودالًّا على التثنية، ولذلك كان حرف الإعراب.
فالأصلُ في قولك: "الزيدان": زيدٌ وزيدٌ، والذي يدلّ على ذلك أنّ الشاعر إذا اضطُرّ عاود الأصل، نحو قوله [من الرجز]:
1 - كَأَنَّ بَيْنَ فكّها والفَكِّ... فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في دسُكِّ
أراد: بين فَكَّيْها، فلمَّا لم يتّزِن له، رجع إلى العطف، وهو كثيرٌ في الشعر.
ويؤيّد ذلك أنّك لا تأتي به في الأسماء المختلفة، نحوِ: "جاءني زيدٌ وعمرٌو"، لكونِ أحدِ اللفظَيْن لا يدلّ على الآخر.
وقد قالوا أيضًا: "العُمَران"، والمراد أبو بكر وعُمَرُ، وقالوا: "القَمَران"، والمراد: الشمس والقمر، وذلك لاتّضاح الأمر فيهما وعدم الإشكال.
وإنّما كانت هذه الحروف هي المزيدةَ دون غيرها لخفّتها، وذلك أنّ أخفَّ الحروَف حروفُ المدّ واللِّين، وهي الواو والألف والياء.
وقد كان القياسُ أن يكون الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجرّ بالياء، وكذلك الجمعُ الذي على حدّ التثنية، لتعذُّر الحركات فيها؛ لأنّ حكم العلامات أن تكون بالحركات، إذ كانت أقلّ وأخفّ، فلمّا كانت الحركاتُ متعذّرةً لاستيعاب الواحد لها، عدلوا إلى أشبهها من الحروف، غيرَ أنّهم أرادوا الفصلَ بين إعراب التثنية والجمع.
ولم يكن الفصلُ بينهما بنفس الحروف، لأنّها سواكنُ، ففصلوا بينهما بالحركات التي قبل هذه الحروف، فكان ينبغي على ما قدّمناه أن تكون تثنيةُ المرفوع بواو مفتوحٍ ما قبلها، نحوُ قولك: "زيدَوْنِ" و"مسلمَوْنِ"، وتثنيةُ المجرور بالياء، نحوُ: "زيدَيْنِ" و"مسلمَيْنِ"، وتثنيةُ المنصوب بالألف، نحوُ: "زيدَانِ" و"مسلمانِ".
ويكون رفعُ الجمع بواو مضمومٍ ما قبلها، نحوُ قولك: "الزيدُونَ" و"المسلمُونَ"، وجمعُ المجرور بياء مكسور ما قبلها، كقولك: "زيدِينَ" و"مسلمِينَ"، وجمعُ المنصوب بالألف، والألفُ لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، كقولك: "زيدان" و"مسلمان".
ولو فعلوا ذلك، لوَقَعَ الفرقُ بين التثنية والجمع في المرفوع والمجرور؛ لأنّ ما قبل الواو والياء في التثنية مفتوحٌ، وفي الجمع على غير ذلك، إلَّا أنّه كان يلتبس تثنيةُ المنصوب بجمعه، فأسقطوا الألف من علامة النصب، وجُعلت علامةَ الرفع في التثنية، فبقي النصبُ بلا علامةٍ، فاُلحق بالجرّ، وكان إلحاقُه بالجرّ أوْلى، لأمُورٍ منها:
أنّ الجرّ أقوى من الرفع؛ لأن الجرّ مختص بالأسماء، ولا يكون في غيرها، فكان إلحاقه به أولى.
الثاني: أنّ النصب أخو الجرّ، وإنّما كان أخاه؛ لأنّه يُوافِقه في كناية الإضمار، نحوِ: "ضربتُكَ"، و"غلامُكَ"، فالكافُ في "ضربتك" في موضعِ نصب، وهي في "غلامك" في موضعِ خفض، فلمّا اتّفقا في الكناية، حُمل أحدهما على الآخر.
= "كأن".
"فكِّها": مضات إليه، وكذلك "ها".
"والفك": الواو: حرف عطف، "الفكِّ": معطوف على "فكِّها" مجرور مثله.
"فأرة": اسم "كأن" منصوب: "مسكٍ": مضات إليه مجرور.
"ذُبِحَتْ": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح، وتاء التأنيث: لا محل لها، ونائب الفاعل مستتر تقديره: هي.
"في سُك": جار ومجرور متعلقان بالفعل "ذُبِحَتْ".
جملة "كأن بين فكها فأرة مسكٍ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ذُبِحَتْ": صفة لـ "فأرة" محلها النصب.
والشاهد فيه قوله: "بين فكّها والفك"، فقد كان القياس أن يقول: بين فكيها، لكنه أتى بالمتعاطفين للضرورة.
الثالثُ: أنّهما شريكان في وصول الفعل إليهما على سبيل الفضلة، غيرَ أنّ وقوعه على المنصوب بلا واسطةٍ، وعلى المجرور بواسطة حرف الجرّ، ألا ترى أنّه لا فرقَ في المعنى بين قولنا: "نصحتُ زيدًا"، و"نصحتُ لزيدٍ"؟ فلمّا استويا في المعنى سُوّي بينهما في اللفظ.
فإن قيل: فهلّا استُعملت الألف في نصب التثنية والجمع في أحدهما، وأسقطوها من الآخر، إذ اللبسُ إنّما وقع باستعمالها فيهما؟ فالجوابُ أنّ التثنية وهذا الضربَ من الجمع، لمّا كانا على منهاج واحد في سلامة لفظ الواحد، وزيادةٍ مّا تدلّ على التثنية والجمع، ووجب إسقاطُ الألف من أحدهما، أسقطوها من الآخَر، ليتّفقا، ولا يختلفا.
ونظيرُ ذلك: "يَعِدُ"، و"يَزِنُ"، والأصلُ: "يَوْعِد"، و"يَوْزِن"، فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثمّ أتبعوا باقيَ المضارع في الحذف، إذ كان طريقُها في المضارعة واحدًا.
فإن قيل: ولِمَ أزالوا الواو من علامةِ رفع التثنية، وجعلوا مكانَها الألفَ مع حصول الفرق بين التثنية والجمع بفتحِ ما قبل الواو في التثنية وضمِّ ما قبلها في الجمع؟ قيل: كرهوا أن يستعملوا حرفَيْن من حروف المدّ، ويطرحوا الثالثَ، وقد كانت الحركاتُ المأخوذة منهنّ مستعمَلاتٍ في الواحد.
واستعملوا الألف في التثنية دون الجمع لوجهَيْن:
أحدُهما: أن ما قبل الياء في التثنية مفتوحٌ مُشاكِلٌ للألف.
والوجهُ الثاني: أنّ التثنية أكثرُ من الجمع، ألا ترى أن كلَّ ما يجوز جمعُه هذا الجمعَ يجوز تثنيتُه، وليس كلُّ ما يجوز تثنيتُه يجوز أن يُجمع جمعَ السلامة؟ فجُعلت الألفُ فيما يكثر استعمالُه لخفّتها؛ لأنّهم يعتنون بتخفيفِ ما يكثر على ألسِنتهم، ولذلك نظائر كثيرةٌ.
وإنّما استعملوه في المرفوع دون المجرور؛ لأنّ الجرّ لازم في الاسم لا يكون إلا فيه، وليس كذلك الرفعُ، فإنّه يكون فيه، وفي الفعل، فكان تغييرُ ما ليس بلازمٍ أوْلى.
ووجهٌ آخر: أنَّ الواو أثقلُ من الياء، فلمّا وجب إبدالُ إحداهما بالألف، كانت الواوُ أوْلى لثقلها، مع أنّهم كرهوا أن يقولوا: "الزيدَوْن"؛ لأنّه يُشْبِه لفظَ ما جُمع من المقصور جمعَ السلامة، نحوِ: "المُصْطَفَوْنَ" وَ"المُعَلَّوْنَ".
واعلم أنّ الألف والياء حرفا إعرابٍ بمنزلة الدال من "زيد" والراء من "جعفر".
هذا مذهبُ سيبويه، وهو قولُ أبي إسحاق، وابن كَيْسانَ، وأبي بكر بن السَّرّاج.
واحتجّوا بأنّ حكمَ الإعراب أن يدخل الكلمةَ بعد دلالتها على معناها، للدلالة على اختلاف أحوالها من الفاعليّة والمفعوليّة ونحوِهما، نحوِ قولك: "جاءني زيدٌ"، و"رأيت زيدًا"، و"مررت بزيدٍ"، فيختلف حالُ الاسم بحسبِ اختلاف الإعراب، وذاتُ الاسم واحدةٌ لا تختلف.
فلمّا كان الواحدُ دالاً على مفردٍ، وبزيادة حرفَي التثنية دالاً على اثنين، كان حرفُ التثنية من تمام الاسم، ومن جملةِ صيغةِ الكلمة، وصار كالهاء في "قائمة"، والألف في
"حُبلَى"؛ لأنّ الألف والهاء زِيدَا لمعنى التأنيث، كما زيد حرفُ التثنية لمعنى التثنية، وصارا حرفَي إعراب كذلك في التثنية.
وقال أبو الحسن: ليست هذه الحروف حروفَ إعراب، ولا إعرابًا، لكنّها دليلُ الإعراب، فإذا رأيتَ الألف، علمتَ أنّ الاسم مرفوعٌ، وإذا رأيت الياء؛ علمت أنّ الاسم مجرورٌ أو منصوب.
وإليه ذهب أبو العبّاس محمّد بن يزيد، واحتجّ بأنّها لو كانت حروفَ إعراب، لَمَا عرفتَ بها رفعًا من نصب، ولا جرٍّ، كما أنّك إذا سمعتَ دالَ "زيد"، لم تدلّ على رفع ولا نصب ولا جرّ، فلمّا دلّت على الإعراب، عُلم أنّها ليست حروفَ إعراب.
وهذا الاعتلالُ ليس بلازمٍ؛ لأنّه يجوز أن يكون الحرف من نفس الكلمة، ويفيد الإعرابَ.
ألا ترى أنّا لا نختلف أن الأفعال المعتلّةَ الآخِر، نحوَ: "يَغْزُو"، و"يَرْمِي"، و"يَخْشَى" جزمُها بسقوطِ هذه الحروف منها، وذلك كقولك: "لم يَقْضِ"، و"لم يَغْزُ"، و"لم يَخْشَ".
فإذا كان الإعرابُ قد يكون بحذفِ شيء من نفس الكلمة، جاز أن يكون بإثباته، ومن ذلك قولُك: "أبوك"، و"أخوك"، و"أباك"، و"أخاك"، و"أبيك"، و"أخيك"، فالواوُ قد أفادت الرفعَ، والألفُ قد أفادت النصب، والياءُ قد أفادت الجرّ، وهنّ حروفُ الإعراب بلا خلاف عندنا.
فإن قيل: فهلّا دلّ انقلابُ ألف التثنية إلى الياء في حال الجرّ، وإلى الواو في حال الرفع، أنّها ليست حروف إعراب، قيل: انقلابُها لا يُخْرِجها عن كونها حروفَ إعراب بعد أن قام الدليلُ على ذلك.
ألا ترى أنّا لا نختلف في أنّ ألفَ "كِلَا" حرفُ الإعراب منها، وأنت مع ذلك تقلبها ياءً في النصب والجرّ، نحوَ قولك: "جاءني الزيدان كلاهما"، و"رأيتُهما كِلَيْهما"، و"مررت بهما كِلَيْهما"؟ ومن ذلك الأسماءُ المعتلّة، نحوُ: "أخوك"، و"أبوك"، وأخواتِهما، فإنّها تكون في الرفع واوًا، وفي النصب ألفًا، وفي الجرّ ياءً، ومع ذلك لا نختلف في أنّها حروفُ إعراب على ما سبق.
وأمّا قوله: إنّها ليست بإعرابٍ، فهو صحيحٌ، وهو مذهب سيبويه، وقيل: مذهبُ سيبويه أن الألف والياء في التثنية إعرابٌ، فالألف بمنزلة الضمّة، والياء بمنزلة الكسرة والفتحةِ.
والأولُ المشهور من مذهبه.
وقال أبو عمر الجَرميّ: الألفُ حرفُ إعراب كما قال سيبويه، وانقلابُها هو الإعراب.
ولا يكاد ينفكّ من ضُعْف، وذلك أنّه يجعل الإعرابَ في الجرّ والنصب معنّى، لا لفظًا؛ لأنّ الانقلاب معنى؛ واللفظُ هو المقلوب، فيجعل إعرابَه في الرفع لفظًا لا معنًى.
فخالف بين جهات الإعراب في اسم واحد، وذلك معدومُ النظير.
وكان الزِّياديّ والفرّاء يذهبان إلى أنّ الألف في التثنية إعرابٌ، وكذلك الياء.
وقد تقدّم القول بأنّ الإعراب إذا أُزيل، لم يختلّ معنى الكلمة، وأنت متى أسقطتَ الألف أو الياء، اختلّ معنى التثنية، فعُلم بذلك أنّهما ليستا بإعراب.
ويدل على أن الألف في التثنية
ليست إعرابًا قولُهم: "مِذْرَوانِ" 1، ألا ترى أنّ الألف لو كانت إعرابًا؛ لَوجب أن تنقلب الواوُ في "مِذْرَوان" ياءً, لأنّها رابعةٌ، وقد وقعتْ طرفًا كما قُلبت في "أغْزَيْتُ"، و"أدْعَيْتُ".
ووجودُ هذه الألف في اسم العدد من نحوِ "اثنان" دليلٌ على أنّها ليست إعرابًا؛ لأن أسماء العدد كلَّها مبنية، نحوَ: "ثلاثهْ، أربعهْ، خمسهْ"؛ لأنها كالأصوات موقوفةُ الآخِر.
وأمّا الزيادة الثانية، وهي النون، فهي عوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد، وذلك أن الاسم، بحُكْم الاسميّة والتمكُّنِ، تلزمه حركةٌ وتنوينٌ.
فالحركةُ دليلُ كونه فاعلاً أو مفعولاً ونحوَهما من المعاني، والتنوينُ دليلُ كونه منصرفًا متمكّنًا.
وأنتَ إذا ثنّيتَه بضمِّ غيره إليه، امتنع من الحركة والتنوين، ولم تُزِل التثنيةُ ما كان له بحقّ الاسمية والتمكُّن، فعُوِّض النون من الحركة والتنوين.
فإن قيل: فأنت تقول: "الرجلان" و"الزيدان"، فتُثْبِت النونَ مع الألف واللام، والتنوينُ لا يثبت مع الألف واللام، فلِمَ قلتم: إِنّ النون عوضٌ من الحركة والنون جميعًا؟ فالجواب أنّ النون دخلت قبل دخول الألف والسلام عوضًا من الحركة والتنوين، ثمّ دخلت الألف واللام للتعريف؛ لأنّ التثنية لا تصحّ مع بقاء تعريفه.
ألا ترى أنّك لو رُمْتَ تثنية "الرجل" مع بقاءِ ما فيه من التعريف، لرُمْتَ مُحالاً؛ لأنّ "الرجل" معيَّنٌ مقصودٌ إليه، فإذا ثنّيناه، زال التعيينُ، وصار من أُمّةٍ كل واحد له مثلُ اسمه.
وهذان معنيان متدافعان، فصحّ أنّك لمّا أردتَ تثنيتَه، نزعتَ عنه الألفَ واللام، حتى صار نكرةً، ودخلت النون عوضًا من الحركة والتنوينِ، ثمّ دخلت الألف واللام حينئذ للتعريف، ولم يُزيلا النونَ كما أزالا التنوينَ؛ لأنّ التنوين ساكنٌ زائلٌ في الوقف، والنون متحرّكةٌ ثابتةٌ في الوقف، فلم يقويا على حذفها.
وإنّما كان المعوَّض نونًا من قِبَل أنّه كان ينبغي أن يكون أحدَ حروف المدّ واللِّين لِما تقدّم من خفّتها، ولو فعلوا ذلك، لزِمهم قلبُها أو حذفُها لاجتماعها مع ألف التثنية أو يائها.
فلمّا كان يؤدّي إلى تغيير أحدها، عدلوا إلى أقرب الحروف شَبَهًا بها، وهي النون، فزيدت، وكانت ساكنة، وقبلها الألفُ أو الياءُ ساكنةً، فكُسرت لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: ولِمَ حُرّكت النون لالتقاء الساكنين؟ وهلّا حُذفت الألف لذلك.
فالجوابُ أنّه كان القياس حذفَ الألف لالتقاء الساكنين؛ لأنّ حرف المدّ إذا لَقِيَه ساكنٌ بعده، فإنّه يُحذف لالتقاء الساكنين؛ لأن حركةَ ما قبله تدل عليه، وذلك نحوُ: "لم يَخَفْ"، و"لم يَهَبْ"، و"لم يَقُلْ"، و"لم يَبعْ".
والأصل: يَخَاف، ويَهاب، ويَقُول، ويَبِيع.
وإنما لمّا سكن حروفُ الإعراب للجازم، التقى في آخِر الفعل ساكنان: حرفُ الإعراب، وما قبله من حروف المدّ، فحُذف حرفُ المدّ لالتقاء الساكنين.
وإنّما امتنع حذفُ حرف التثنية،
لسكون النون بعده من قِبَل أنّه جيء به للدلالة على معنى التثنية.
فلو حذفتَه، لذهبتْ دلالتُه، وكان يكون نقضًا للغرض كما لو ادُّغم، نحوُ: "مَهْدَدٍ" 1، و"قَرْدَدٍ" 2، فلذلك حُرّكت النون، ولم تُحذف الألف لهذا المانع.
فإن قيل: ولِمَ خُصّت بالكسر دون غيرها من الحركات؟ قيل: لوجهَيْن:
أحدُهما: أنّ الأصل في حركةِ التقاء الساكنين الكسرُ، فكُسرت نونُ التثنية على أصل التقاء الساكنين.
والوجهُ الثاني: أنّهم أرادوا الفرق بين نون التثنية ونون الجمع.
ولمّا كان ما قبل نون التثنية ألفًا، وما قبل نون الجمع واوًا، والألفُ أخفُّ من الواو، كسروها مع الألف، وفتحوها مع الواو، لتكون الكسرةُ التي هي ثقيلةٌ مع الألف التي هي خفيفةٌ، والفتحةُ التي هي خفيفةٌ مع الواو التي هي ثقيلةٌ، فيعتدل الأمرُ.
فإن قيل: فأنت تقول في الجرّ والنصب: "مررت بالزيدَيْنِ"، و"ضربت الزيدَيْنِ"، وقبلها ياءٌ، فهلّا عدلتَ إلى الفتحة، لأجل الياء كما فعلتَ في "أيْنَ" و"كَيْفَ"؟ قيل: الياء في التثنية ليست بلازمة على حدّ لزومها في "أين" و"كيف"، ألا تراك تقول في الرفع الذي هو الأصل: "رجلان"، و"فرسان"، فلا تلزم النونَ الياءُ كما تلزم الياءُ النونَ والفاءَ في "أين" و"كيف"؟ فلِعدم لزوم الياء في التثنية، وكونِ الرفع هو الأصلَ، أجروا البابَ على حكم الأصل الذي هو الألفُ، وإنّما الياءُ بدلٌ مع تنكّبِ اختلافِ حالِ نون التثنية، على أنّ من العرب من يفتح نون التثنية في حال الجرّ والنصبَ، ويُجْرِي الياء، وإن كانت غيرَ لازمة، مُجرى الياء اللازمة في نحوِ "أيْنَ" و"كَيْفَ"، فيقول: "مررت بالزيدَيْنَ"، و"ضربتُ الزيدَينَ".
حكى ذلك البغداديّون، وأنشدوا لحُمَيْد بن ثَوْر [من الطويل]:
677 - على أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً... فما هي إلا لَمْحَهٌ فَتَغِيبُ3
وأنشد قُطْرُبٌ لامرأةٍ من فَقْعَسَ [من الرجز]:
1 - يا رُبَّ خالٍ لك مِن عُرَيْنَة... حَجَّ على قُلَيِّصٍ جُوَيْنَة
فَسْوتُهُ لا تَنْقَضِي شَهرَيْنَهْ... شَهْرَيْ رَبِيعٍ وجُمادَيَيْنَهْ
وقد فتحها بعضُهم في موضع الرفع، أنشد أبو زيد في نَوادِره [من الرجز]:
أعْرِفُ منها الجِيدَ والعَينانا... ومَنْخَرَيْن أشْبَهَا ظَبْيانَا (2)
وقد حُكي عن بعضهم أنّه ضمّ النون في التثنية، نحوَ: "الزيدانُ" و"العمرانُ".
وهذا من الشذوذ بحيث لا يُقاس غيرُهما عليهما.
= الإعراب: "على أحوذيين": جار ومجرور متعلّقان بـ "استقلّت".
"استقلّت": فعل ماضٍ مبنيّ على الفتحة، والتاء للتأنيث، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره "هى".
"عشيّة": ظرف زمان منصوب متعلّق بـ "استقلّ".
"فما": الفاء حرف استئناف، و "ما": حرف نفي.
"هي": ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
"إلا": حرف حصر.
"لمحة": خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة، "فتغيب": الفاء حرف عطف، "تغيب": فعل مضارع مرفوع بالضمّة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هي".
وجملة "استقلت" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "هي لمحة": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "تغيب" معطوفة على جملة "هي لمحة" لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "أحوذيّين" حيث فُتحت نون المثنّى على لغة بعض العرب.
وليس الفتح، هنا، ضرورة لأن الكسر يصح معه الوزن.
وهذا معنى قوله: "لِتكون الأُولى عَلَمًا لضمِّ اسم واحد إلى اسم واحد"، يعني الألف في الرفع، والياء في الجرّ والنصب.
جعلوهما دليلاً على التثنية، وعوضًا من الاسم المحذوف.
و"الأُخرى عوضًا ممّا مُنع من الحركة والتنوين"، يعني النون على ما ذكرنا.
قال صاحب الكتاب: ومن شأنه إذا لم يكن مثنَّى منقوصٍ أن تبقَى صيغةُ المفرد فيه محفوظةً، ولا تسقُط تاءُ التأنيث إلا في كللمتَيْن: "خُصْيانِ"، و"ألْيانِ"، قال [من الرجز]:
1 - كأَنَّ خُصْيَيْهِ من التَّدَلْدُلِ... [ظَرفُ عَجُوزٍ، فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ]
وقال [من الرجز]:
2 - يَرْتَجُّ ألْياهُ ارْتِجاجَ الوَطْبِ
قال الشارح: ومن شرط المثنّى أن تسلم صيغةُ واحده في التثنية، ولا تُغيَّر عمّا كانت عليه في حال الإفراد، وذلك من قِبَل أنّ لفظ الاسم المثنّى دالّ على المحذوف، فلو غُير بزيادةٍ فيه أو نقصٍ منه، لم يبق دالا على ما حُذف، وشيءٌ آخرُ أنّ المثنّى في معنى العطف.
فكما أنّك في حال العطف لا تُغيِّر المعطوف عليه، كذلك في التثنية التي هي في معناه، ولا فرق في ذلك بين المذكّر والمؤنّث.
فإن كان في المؤنث علامةُ تأنيث، فإنّها تثبت، ولا تُحذف كما حُذفت في الجمع، نحوِ: "مسلماتٍ" و"صالحاتٍ"، بل تأتي بها، فتقول: "قائمتانِ"، و"قاعدتانِ"، فتُثبِت التاء لِما ذكرتُه، ولأنّ التاء علمُ التأنيث.
فلو حُذفت، لالتبس بالمذكّر، وليس كذلك الجمعُ في مثلِ "مُسْلماتٍ" و"قائماتٍ"؛ لأنّ التاء الثانية تُغْنِي عنها في الدلالة.
ولم تُحذف التاء في التثنية إلَّا في موضعَيْن شَذَّا عن القياس.
قالوا: "خُصْيان"، و"ألْيان" والقياس: خُصْيَتانِ، وألْيَتانِ، لأنّ الواحدة خُصْيَةٌ, وألْيَةٌ، قالت امرأةٌ من العرب [من الرجز]:
1 - لَسْتُ أُبالِي أنْ أكونَ مُحْمِقَهْ (2)... إذا رأيتُ خُصْيَة مُعَلَّقَهْ
وربّما قالوا: "خِصْيَةٌ" بالكسر، كأنّهم ثنّوا "خُصْيًا" بغيرِ تاء، جاؤوا في المثنّى على = والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
"ارتجاج": مفعول مطلق منصوب، وهو مضاف.
"الوطب": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملةَ "ترتج": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "ألياه" للضرورة الشعريّة، والقياس: أليتاه.
ما لم يُستعمل، كما جاؤوا بشيء من المجموع على غير واحده، نحوِ: "حاجَةٍ"، و"حَوائِجَ"، و"شَبَهٍ"، و"مَشايِهَ"، و"ذَكرٍ"، و"مَذاكِيرَ".
ويجوز أن يكون بنوا "خصيتان"، و"أليتان" على التثنية، كم بنوا "مذْرَوانِ"، ثمّ أسقطوا التاء حينئذ، لئلّا يصير عَلَمُ التأنيث حَشوًا من كلّ وجه.
وليس كـ "قائمتان"؛ لأنّ التثنية في تقدير الانفصال.
قال أبو عمرو: الخُضيَتان: البَيْضَتان، والخُصْيان: الجِلْدتان اللتان فيهما البيضتان، فأمّا قول الراجز، أنشده سيبويه [من الرجز]:
كأن خُصْيَيْهِ من التَّدَلْدُلِ... ظَرْفُ عَجُوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظلِ
فشاهد على حذف التاء في التثنية، وذلك على قولِ من لا يفرق، وفيه شذوذان: أحدهما حذف التاء من "خُصْيَةٍ" في التثنية، هذا الشذوذُ من جهة القياس دون الاستعمال، والآخرُ قوله: "ثنتا حنظل"، والقياسُ أن يقول: "حَنْظَلَتانِ".
والتَّدَلْدُلُ: الاضطراب، وخصّ ظرفَ العجوز، لأنّها لا تستعمل طِيبًا ولا غيرَه ممّا تتصنّع به النساءُ للرجال، وإنّما تذخَر فيه ما تتعانى به من الحنظل ونحوه.
فأمّا "ألْيَة"، فلم يُسمَع فيها إلا الفتح.
وفي التثنية: ألْيانِ، وأنشد [من الرجز]:
يرتح ألْياهُ ارتجاجَ الوَطْبِ
والقياس: ألْيَتاه، فحذف التاء لِما ذكرناه، وحذف النون للإضافة.
والوَطْبُ: النَّحْيُ، أو ارتجاجُه: اضطرابُه إذا كان مملوءًا.
وقوله: "إذا لم يكن مثنَّى منقوصِ" يريد إلا أن يكون الاسم المثنّى منتقصًا منه في حال الإفراد، نحوِ: "أخٍ" و"أبٍ"، فإنّك تُغيره برَدّه إلى أصله من ظهورِ ما حُذف منه، نحوِ: "أخَوانِ"، و" أبَوانِ"، فاعرفه.
[سقوط نون المثني بالإضافة وألفه بملاقاة ساكن]
قال صاحب الكتاب: وتسقط نونه بالإضافة كقولك غلاماً زيد، وثوبي عمرو، وألفه بملاقاة ساكن كقولك التقت حلقتا البطان 1.
قال الشارح: وتسقط نون التثنية للإضافة، نحوَ: "جاءني غلاما زيد"، و"رأيت
ثَوْبَيْ عمرو".
والأصل: غلامان وثوبَيْن.
وذلك أنّ النون عوضٌ من الحركة والتنوين، والتنوينُ لا يثبت مع الإضافة، فكذلك ما هو بدلٌ منه.
فإن قيل: النون عوضٌ من الحركة والتنوين جميعًا على ما قرّرتم، والحركةُ تثبت مع الإضافة، نحوَ قولك: "جاءني غلامُ زيد"، و"رأيت غلام زيد"، و"مررت بغلامِ زيد"، فلِمَ حذفتم النون في الإضافة مع ثبوتِ أحدِ بَدَلَيْها، وهو الحركةُ؟ فالجواب: أنّه لمّا ثَبُتَتِ النون مع الألف واللام في نحو: "الرجلان"، و"الغلامان" مع أنّ أحد بدلَيْها - وهو التنوين - لا يثبت معهما، حُذفت مع الإضافة، مع أنّ أحد بدلَيْها -وهو الحركة- لا يُحذف، كأنّ ذلك لضرب من التعادُل والتَّقاصِّ.
فإن قيل: فهلّا ثبتتْ مع الإضافة، وحُذفت مع الألف واللام، قيل: المضاف إليه محلّه محلُّ التنوين آخِرًا، ومحلُّ الألف واللام أوّلاً، فكان حذفُ النون مع الإضافة أوْلى لوجودِ ما يقوم مقامَه، ويحُلّ محلَّه.
ووجهٌ ثانٍ، وهو أنّ المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، والنونُ والتنوينُ يفصلان الكلمةَ عمّا بعدها، والألفُ واللام تفصل الكلمةَ أيضًا؛ لأنّهما يمنعان إضافة ما يدخلان عليه كفصلِ النون والتنوين، فكأنّ زيادة النون مع الألف واللام فيه تأكيدٌ لمعناها، ومع الإضافة نقضٌ للغرض بالإضافة.
ومع ذلك لو حذفوها مع الألف واللام، ربّما وقعوا في لبسٍ؛ لأنّهم قد يُلْحقون الواحدَ المنصوبَ ألفَ الإطلاق في القوافي، وفي أواخرِ الآي، نحوِ قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ 1 ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ 2، ونحوِ قول الشاعر [من الوافر]:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَا 3
فلو أسقطوا النون في حالِ دخول الألف واللام، لم يُعلَم: أواحدٌ هو، أم مثنًّى.
وقد ذهب بعضهم إلى أنّ للنون في التثنية أحوالاً ثلاثةً: حالاً تكون فيه عوضًا من الحركة والتنوين، وحالًا تكون فيه عوضًا من الحركة وحدَها، وحالًا تكون فيه عوضًا من التنوين وحدَه.
أمّا كونُها عوضًا من الحركة والتنوين، ففي كلّ موضع لا يكون الاسمُ المتمكِّن فيه مضافًا، ولا معرّفًا بالألف واللام، نحوَ: "رجلان" و"غُلامان".
ألا ترى أنّك إذا أفردتَ الواحد على هذا الحدّ، وجدتَ فيه الحركة والتنوين جميعًا، نحوَ: "رجلٌ" و"غلامٌ"، فالنون عوضٌ عمّا يجب في ألفِ "رجلان" التي هي حرف الإعراب بمنزلةِ لامِ "رجل".
فأمّا الحال التي تكون فيها نونُ التثنية عوضًا من الحركة وحدَها، فمع لام
التعريف، نحوَ: "الرجلان" و"الغلامان".
ألا ترى أنّك لو أفردتَ هذا الاسم، لم تجد فيه إلا الحركةَ وحدَها، نحوَ قولك: "الرجلُ"، و"الغلامُ".
والحالُ التي تكون فيها النونُ عوضًا من التنوين وحدَه، فهو إذا كان مضافًا، نحوَ: "غلاما زيدٍ"، و"فرسا خالدٍ".
ألا تراك تحذفها كما تحذف التنوينَ للإضافة؟ والصحيحُ المذهب الأوّل، وقد تقدّمت الدلالةُ على صحّته.
واعلم أنّه قد تُحذف أيضًا ألفُ التثنية، وذلك إذا لقيها ساكنٌ بعدها من كلمة أُخرى، كقولك: "جاءني غلاما ابْنك" و"الْتَقَتْ حَلْقَتَا البِطانِ" (1). حُذفت النون للإضافة، والألفُ لسكونها وسكونِ ما بعدها، وهو الباء في "ابنك"، واللام في "البطان"؛ لأنّ الهمزة زائلةً في الوصل.
فإن قلت: فأنت قد منعت من حذفها لسكون نون التثنية بعدها، فما بالُك حذفتها ها هنا؟ وما الفرقُ بين الموضعين؟ فالجواب أنّ الفرق بينهما أنّ نون التثنية لازمةٌ للمثنّى بمنزلةِ حرف من حروف الكلمة، وليس كذلك إذا كان من كلمتَيْن؛ لأنّه ليس بلازمٍ أن يُضاف إلى ما فيه ألفَّ ولامٌ، أو همزةُ وصلٍ.
ألا تراك تقول: "هذان غلاما زيد، وصاحبا عمرو"، فكان الساكنُ إذا كان من كلمة أُخرى أمرًا عارضًا، والعارضُ لا اعتدادَ به.
ألا تراك لا تُعيد المحذوفَ في "رمتِ المرأةُ" و"لم يقمِ الرجل"، وإن كانت التاء والميم قد تحرّكتا، إذ الحركةُ فيهما ليس أمرًا لازمًا، ولذلك قال: وتُحذف ألفه، يريد ألف المثنّى بمُلاقاةِ ساكنٍ، يعني من كلمتَيْن على ما ذكرنا، فاعرفه.