شرح المفصل لابن يعيشفصل [حكم مُمَيِّز العشرة فما دونها]

فصل [حكم مُمَيِّز العشرة فما دونها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وحق مميز العشرة فما دونها أن يكون جمع قلة, ليطابق عدد القلة، تقول: "ثلاثة أفلس"، و"خمسة أثواب"، و"ثمانية أجربة"، و"عشرة غلمة", إلا عند إعواز جمع القلة كقولهم: "ثلاثة شسوع"، لفقد السماع في أشسع وأشساع, وقد روي عن الأخفش أنه أثبت أشسعاً.
وقد يستعار جمع الكثرة في موضع جمع القلة, كقوله تعالي: ﴿ثلاثة قروء﴾ 4.

قال الشارح: قد تقدّم أن "العشرة" فما دونها جمعُ قلّة، فوجب أن تضاف إلى بناء من أبنية القلّة، وذلك من قبل أن العدد عددان: قليلٌ وكثيرٌ، فالقليل "العشرة" فما دونها123 = إليه مجرور بكسرة مقدّرة على التاء المنقلبة هاءً للوقف.
"في كلّ": جارّ ومجرور متعلّقان بخبر مقدّم محذوف.
"عير": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"مائتان": مبتدأ مؤخّر مرفوع بالألف لأنه مثنّى، وهو مضاف: "كمرة": تمييز منصوب بفتحة على التاء المقلوبة هاءً للوقف.
وجملة "أنعت": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "مائتان موجودة في كلّ عير": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "مائتان كمرة" حيث أثبت نون "مائتين" مع إضافتها، ثم نصب "كمرة" على التمييز تشبيهًا بتسعين ومثيلاتها.

إلى "الثلاثة".
والجمعُ جمعان أيضًا: جمع قليل، وجمع كثير، فلمّا أريد "إضافةُ أدنى العدد إلى نوع المعدود تبيينًا له؛ أضيف إلى الجمع القليل ليُشاكِله، ويطابق معناه في العدد؛ لأنّ التفسير يكون على حسب المفسر.
فإن لم يكن له بناء قلّة، أضيف إلى بناء الكثير ضرورةً، فتقول: "عندي ثلاثةُ كُتُب، وخمسة شُسُوعٍ"، و"رأيت عشرةَ مَساجِدَ"؛ لأنّه لم يُسمَع "أَكْتِبَةٌ"، ولا "أَشْساعٌ".
فأمّا ما حكاه عن أبي الحسن من "أَشْسُع"، فهو شاذّ قياسًا واستعمالًا؛ فأمّا الاستعمال فما أَقَلَّهُ! وأمّا القياس، فإنّ الباب في "فِعْلٍ" بكسر الفاء، أن يجمع على "أَفْعالٍ"، نحو: "عِدْلٍ"، و"أَعْدالٍ"، فمجيئُه على "أَفْعُلَ" على خلاف القياس، فلمّا لم يكن له بناء قلّة، أضافوه إلى الكثير، وكان هذا من المواضع التي قد اتُّسع فيها، فاستُغني ببناء الكثير.
وإذا جاز أن يُستغنى بلفظ الجمع القليل عن الكثير، نحو قولهم: "رَسَنٌ"، و"أَرْسانٌ"، ولم يقولوا: "رُسُونٌ"، و"قَلَمٌ"، و"أَقْلامٌ"، ولم يقولوا: "قُلُومٌ"؛ فأَحْرَى وأَوْلَى أن يستغنى بجمع الكثير عن القليل, لأنه داخل في معناه.
فعلى هذا لا تقول: "عندي ثلاثةُ كِلابٍ"؛ لأنّ له بناء قلّة، وهو "أَكْلُبٌ"، إلَّا في ضرورة الشعر.
قال الخليل: شبّهوه بـ"ثلاثة قُرُوءٍ"، يريد بذلك أنّهم شبّهوا ما يُستعمل فيه القليل بما لايستعمل فيه القليل.
واعلم أنّك إذا قلت: "ثلاثة كِلابٍ"، كان على غير وجه "ثلاثة أَكْلُبٍ"، وذلك أنّك إذا أضفته إلى بناء من أبنية القلّة، كان عَلى إضافته من المميِّز على حد "مائة دينارٍ"، وإذا أضفته إلى الكثير، كان على حدّ إضافة البعض إلى الجنس على ما تقدّم من نحو: "ثوبُ خَزِّ"، و"بابُ ساج"، فالمراد بـ "ثلاثة كلاب" ثلاثةٌ من الكلاب، كما أنّ المراد: ثوبٌ من خزّ، وبابٌ من ساج، فأمّا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (1) فمّما استُعير فيه جمعُ الكثرة لجمع القلّة، وذلك لاشتراكهما في الجمعيّة، ولعل "القُرُوء" كانت أكثرَ استعمالًا في جمع "القُرْء" من "الأَقراء"، فأُوثر عليه، كأنّهم نزّلوا ما قلّ استعمالُه منزلةَ المُهْمَل، فيكون مثل "شُسوع".

جارٍ التحميل