شرح المفصل لابن يعيشفصل [لحوق كاف الخطاب بأواخرها]

فصل [لحوق كاف الخطاب بأواخرها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ويلحق حرف الخطاب بأواخرها, فيقال: "ذاك", و"ذانك",12

بتخفيف النون وتشديدها.
قال تعالى: ﴿فذانك برهانان من ربك﴾ 1، و"ذينك", و"تاك" و"تيك" و"ذيك", و"تانك", و"تينك", و"أولاك" و"أولئك".
ويتصرّف مع المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث والتثنية والجمع.
قال تعالى: ﴿وكذلك قال ربك﴾ 2 وقال: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ 3، وقال: ﴿ذلكم الله ربكم﴾ 4 وقال: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ 5.

قال الشارح: اعلم أن كاف الخطاب على ضربَيْن: أحدهما ما يُفيد الخطابَ والاسمية، والآخرُ ما يفيد الخطاب مجردًا من معنى الاسمية.
فالأول نحو الكاف في "أخيك"، و"أبيك"، و""غلامك"، ونحوها ممّا له موضعٌ من الإعراب، ألا ترى أن موضعَ هذه الكاف خفضٌ بإضافةِ الاسم الأول إليه، وكذلك إذا وضعتَ مكانَه ظاهرًا، كان مخفوضًا، نحو: "أخي زيد"، و"أبى خالدٍ"، و"غلامِ عمرو".
والثاني نحو الكاف اللاحقة بأسماء الإشارة، نحو: "ذاك"، و"ذانّك"، و"ذَيْنِك"، و"تاك"، و"تانِك"، و"تَينِك"، و"تِيك"، و"ذِيك"، و"أولئك".
الكاف في جميع ذلك للخطاب مجردًا من معنى الاسمية.
والذي يدل على تجردُّها من معنى الاسمية أنها لو كانت باقية على اسميتها, لكان لها موضعٌ من الإعراب، إما رفعٌ، وإما نصبٌ، وإما خفضٌ.
وذلك ممتنِعٌ ههنا، وقد تقدم بيانُ ذلك وشرحه في "إياكَ" من المضمرات.
ومما يدل على أن هذه حروفٌ، وليست أسماء، إثبات نون التثنية معها في "ذانك"، و"تانك"، ولو كانت أسماء، لوجب حذفُ النون قبلها، وجَرُّها بالإضافة، كما تقول: "غلاماك"، و"صاحباك".
ونظيرُ الكاف في ذلك ونحوه من أسماء الإشارة الكافُ في "النجاءَكَ" بمعنى "انجُ"، الكاف فيه حرف خطاب، إن لو كانت اسمًا، لَمَا جازت إضافةُ ما فيه الألفُ واللام إليها.
وكذلك قولهم: "انظُرْكَ زيدًا"، الكاف حرف خطاب؛ لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضميرِ المأمور المتصل.
وقولهم: "لَيْسَكَ زيدًا"،"زَيْدًا" هو الخبرُ، والكاف حرفُ خطاب، ومثلُه: "أَرَأَيتَك زيدًا ما يصنعُ"، الكافُ هنا للخطاب، وليست اسمًا.
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ 6، فإذا قلت: "لك"، أو إليكَ؛ فقد خاطبتَه باسمه كناية، وإذا قلت: "ذاك"، أو "ذلك"، فقد خاطبتَه بغير اسمه، ولذلك لا يحسن أن يقال للمُعظم من الناس: "هذا لك", ولا "إليك".
ويحسن أن يقال: "قد كان ذلك"، و"هو كذلك".

وقوله: "يتصرف مع المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث"، فالمراد أنّه تختلف حركاتُ هذه الكاف، ليكون ذلك أمارة على اختلافِ أحوالِ المخاطب من التذكير والتأنيث، وتلحَقُه علامات تدل على عَدَدِ المخاطبين.
وُيوضِح لك ذلك نعتُ اسم الإشارة، ونداءٌ المخاطب، فإذا سألتَ رجلًا عن رجل، قلت: "كيف ذلك الرجل يا رجلُ"، بفتح الكاف؛ لأنك تُخاطِب مذكرًا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ 1. وإذا سألتَ امرأة عن رجل، قلت: "كيف ذلكِ الرجلُ يا امرأةُ"، كسرتَ الكاف حيث خاطبتَ مؤنثًا.
قال الله تعالى ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ 2. وإذا سألت رجلَين عن رجل، قلت: "كيف ذلكُمَا الرجلُ يا رجلان"، ألحقتَ الكاف علامةَ التثنية حيث خاطبتَ رجلَيْن.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ 3. فإن سألت رجلًا عن رجلَين، قلت: "كيف ذانك الرجلان يا رجلُ"، ثنّيتَ "ذَا" حيث كنت تسأل عن رجلَين، وفتحتَ الكاف حيث كنت تخاطب واحدًا.
وإذا سألت رجالًا عن رجال، قلت: "كيف أولئكم الرجال يا رجالُ"، جمعتَ اسم الإشارة؛ لأن المسؤول عنه جمعٌ، وألحقتَ الكاف علامة الجمع، إذ كنت تخاطب جماعة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ 4. فإن سألت رجلًا عن جماعةِ مذكرِين؛ قلت: "كيف أولئك الرجال يا رجلُ" فإن سألت نساء عن نساء، قلت: "كيف أولئكن النساء يا نساء".
قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ 5، ألحقَ علامة جمع المؤنّث حيث كان الخطابُ للنسوة، وهنّ صواحباتُ يوسف.
و"كيف ذلكن الرجلُ يا نساءُ"، إذا سألت نساء عن رجل.
وعلى هذا فقِس ما يأتيك من هذا.
هذه هي اللغة الفاشيةُ التي يقتضيها القياسُ، وعليها مُعْظَمُ الاستعمال.
وفيها لغةٌ أخرى نقلها الثقاتُ، وهي إفرادُ علامة الخطاب وفتحها على كل حالٍ تغليبًا لجانب الواحد المذكر، فتقول للرجل: "كيف ذلكَ المرأةُ يا رجلُ" 6، بفتح الكاف كخطاب المَذكر، وكذا إذا خاطبتَ اثنين، أو جماعة.
وفي التنزيل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ 7 وقياسُ اللغة الأولى: "وكذلكُمْ" لأن الخطاب لجماعة كما في الآية الأخرى ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ 8 ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ 9 إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهمُ﴾ 10 ولم يقل: "ذلِكُم"، والمخاطبُ جماعة.

جارٍ التحميل