شرح المفصل لابن يعيشفصل [أبنية مصدر الفعل الثلاثي المجرد]

فصل [أبنية مصدر الفعل الثلاثي المجرد]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: أبنيته في الثلاثي المجرد كثيرة مختلفة يرتقي ما ذكره سيبويه منها إلى اثنين وثلاثين بناء, وهي "فَعْلٌ"، "فِعْلٌ"، "فُعْل"، "فَعْلَةُ"، "فِعْلةُ"، "فُعلة", "فَعْلى", "فِعْلِى"، "فُعْلي"، "فَعْلانُ"، "فِعْلان"، "فُعلان"، فَعَلان، فَعَلٌ, فِعَل، فَعِل فُعَل، فَعَلَة، فِعَلَة، فَعَال، فِعَال، فُعَال، فَعَول، فِعَالة، فُعُول، فَعِيل، فُعُولة، مَفْعَل، مَفْعِل، مَفْعِل، ومَفْعَلْة، ومَفْعِلْةْ, وذلك نحو: قتل وفسق وشغل ورحمة ونشدة وكدرة ودعوة وذكرى وبشرى وليان وحرمان وغفران ونزوان وطلب وخنق وصغر وهدى وغلبة وسرقة وذهاب وصراف وسؤال وزهادة ودراية ودخول وقبول ووجيف وصهوبة ومدخل ومرجع ومسعاة ومحمدة.

قال الشارح: من ذلك المصدر، وإنّما سمّي مصدرًا لأن الأفعال صدرت عنه، أي: أُخذت منه، كمصدر الإبل للمكان الذي تَرِده ثم تصدُر عنه، وذلك أحدُ ما يحتج به أهلُ البصرة في كون المصدر أصلًا للفعل، وقد تقدم الكلام عليه والخلاف فيه.
وإنما نذكر أبنية المصادر المَقِيسَ منها، وغيرَ المقيس.
وإنّما قدّم الكلامَ عليه لأنّه الأصل، وما عداه من الأمثلة مأخوذ منه، ولذلك لم تجر المصادرُ على سَنَن واحد، كمجيء أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين ونحوهما من المشتقات، بل اختلفت اختلاف سائر أسماء الأجناس.
ولمّا جرت مجرى الأسماء؛ كان حكمها حكم اللغة التي تُحْفَظ حِفْظًا، ولا يقاس عليها، فمن ذلك أبنية مصادر الأفعال الثلاثية المجرّدة من الزيادة، وهي كثيرة مختلفة.
والأفعالُ ثلاثةُ أبنية: "فَعَلَ"، "يَفْعِلُ"، كـ"ضَرَبَ"، "يضرب"، و"فَعَلَ"، "يَفْعُلُ"، كـ "قَتَل"، "يَقتُلُ"، و"فَعِلَ"، "يَفْعَلُ"، كـ "عَلِم"، "يَعْلَمُ"، و"فَعُلَ"، "يَفْعُلُ" كـ" شَرُف"، "يَشْرُفُ".
ولم يأت "فَعَلَ"، "يَفْعَلُ" بالفتح إلَّا فيما كان عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق، نحو: "ذَهَبَ"، "يَذهَبُ"، و"جَبَهَ"، "يَجْبَهُ".
وقد استوفينا الكلام على أبنية الأفعال في كتابنا شرح تصريف المُلوكي.

والغالب على ما كان من هذه الأفعال متعديا أن يكون مصدره "فَعْلًا"، والاسم منه "فاعِلًا"؛ فأمّا "فَعَلَ" "يَفْعِلُ"، فنحو: "ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا فهو ضاربٌ"، و"حَبَسَ يحبِسُ حَبْسًا فهو حابسٌ"، و"فَعِلَ يَفْعَلُ"، نحو: لَحِسه يَلْحَسُه لَحْسًا، فهو لاحسٌ، ولقمه يلقمه لَقمًا، فهو لاقمٌ.
الأصل في جميعها هذا، لكنّها اختلفت أبنيتها كما تختلف أبنية سائر الأسماء، ونحن نذكر ما جاء من ذلك في كلّ ضرب منها.
الضرب الأول من الأفعال: ما كان على "فَعَلَ"، "يَفْعِلُ"، ويجيء على أربعة عشرَ بناءً: "فَعْلٌ"، نحو: ضرب يضرب ضَرْبًا، وهو الأصل، وعليه القياس، و"فِعْلٌ" قالوا: "عَدَلَ الشيء يَعْدِلُه عِدْلًا" إذا ماثله؛ و"فَعَلٌ" بفتح الفاء والعين، قالوا: "سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا" بالتحريك، كأنّهم حملوه على "العَمَل"، وقالوا فيه: "سَرِقَة"، جاءوا به على "فَعِلَةَ" كـ"القَطِنَة"، وقالوا: "غَلَبَ يَغْلِبُ غَلَبًا" جعلوه كـ"السَّرَق"، و"غَلَبَة"، و"غُلُبَّة" أيضًا، قال [من الكامل]: 1 - أَخَذُوا المَخاضَ من الفَصِيلِ غُلُبَّةً... ظُلْمًا ويُكْتَبُ للأَمِيرِ أُفَيلَا وجاء على "فَعِل" أيضًا بكسر العين، قالوا: "كَذَبَ يَكذِبُ كَذِبًا".
وقالوا فيه: "الكِذاب".
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: 2 - فصَدَقْتُهُ وكَذَبْتُه... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ

ومثله: "ضَرَبَ الفَحْلُ الناقةَ ضِرابًا"، كما قالوا: "نَكَحَها نِكاحًا"، والقياس "ضَرْبًا"، ولا يقولونه، كما لا يقولون: "نَكْحًا"؛ فأمّا "الكِذاب" بالتشديد فهو مصدر "كَذَّبَ" "يُكَذبُ".
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ 1؛ وقد جاء على "فِعْلَةَ"، قالوا: "حَمَيتُ المريضَ حِمْيَة"، وقالوا: "حَمَيْتُ المكان حِمايَة"، وقالوا: "دَرَيْتُه دِرْيَة" مثلَ "حميته حِمْيَة"، و"دِرايَة" مثل "حِمايَةٍ"؛ ومنها ما جاء على "فِعْلانَ"، قالوا: "حَرَمه حِرْمانًا"، و"وَجَدَ الشيء يَجِدُه وِجْدانًا"، و"عَرَفْته عِرْفانًا"؛ وقد جاء أيضًا على "فُعْلان" مضمومَ الفاء، قالوا: "غَفَرَ الله ذَنْبَه غُفْرانَا"؛ وقد جاء على "فَعْلانَ" بفتح الفاء، قالوا: "لَوَيْته بدَيْنه لَيّانًا".
قال الشاعر [من الطويل]: تُطِيلِينَ لَيانِي وأَنْتِ مَلِيئَةٌ... وأُحْسِنُ ياذاتَ الوِشاحِ التَقاضِيَا 2 قال أبو العبّاس: "فَعْلانُ" بفتح الفاء لا يكون مصدرًا، إنما يجيء على "فِعْلانَ"، و"فُعْلانَ"، وهذا كثير في المصادر، نحو: "العِرْفان"، و"الوِجْدان"، فكان أصله "لِيَّانًا" أو "لُيّانًا"، فاستثقلوا الكسرة والضمّة مع الياء المشدّدة، فعدلوا إلى الفتحة.
وقد حكى أبو زيد عن بعض العرب: "لويته لِيّانًا" بالكسر، وهو شاهدٌ لِما قلناه.
وقالوا: "هَدَيْته للدين هُدى"؛ وأما قولهم: "وَلَجْته وُلُوجًا"، فاصله: "ولجتُ فيه"، فهو غير متعدّ، فلذلك جاء مصدره على "فُعُول".
وأما الضرب الثاني: وهو"فَعَلَ"، "يَفْعُلُ" بضمْ العين، فهو قريب من الأوَل في الاختلاف، من ذلك ما جاء على "فَعْلٍ"، وهو الأصل على ما تقدّم، قالوا: "قَتَلَه يَقْتُلُه قَتْلًا"، و"خَلَقَ يَخلُقُ خَلقًا"؛ وعلى "فَعَل"، قالوا: "جَلَبَ يَجْلُبُ جَلَبا"، و"طَلَبَ يَطْلُبُ طَلَبَا"؛ وعلى "فَعِل" بكسر العين، قالوا: "خَنَقَه يَخْنُقُه خَنِقًا"؛ وعلى "فُعْل" بضم الفاء وسكون العين، قالوا: "كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا"، و"شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا"؛ وعلى فِعْلٍ، نحو: = الشرح: قلت له صدقًا مرّات، وكذبًا مرّات، وقد ينفع الإنسان أن يكذب أحيانًا.
الإعراب: "فصدقته": الفاء: بحسب ما قبلها.
"صدقته": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"وكذبته": الواو: حرف عطف، "كذبته": يعرب إعراب "صدقته".
"والمرء": الواو: استئنافية، و"المرء": مبتدأ مرفوع بالضمة.
"ينفعه": فعل مضارع مرفوع بالضمة، والهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"كذابه": فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
وجملة "فصدقته": بحسب الفاء، وعطف عليها جملة "كذبته".
وجملة "المرء ينفعه": استئنافية لا محل لها من الإعراب، وجملة "ينفعه": في محل رفع خبر.
والشاهد فيه قوله: "كذابه" مصدرًا للفعل كَذَبَ يكذِبُ.

"القِيل"، و"الذكر"، مصدرَى "ذَكَرَ ذِكْرًا"، و"قَالَ قِيلاً".
وجاء على "فِعْلَةَ"، قالوا: "نَشَدْتُ الضالةَ نِشدَة"، أي: طلبتُها؛ وعلى "فِعالٍ"، قالوا: "كَتَبَ يَكْتُبُ كِتابًا"، و"حَجَبَ يَحْجُبُ حِجابًا"، وقالوا: "كَتْبًا" على القياس؛ وعلى "فُعْلانَ"، قالوا: "شَكَرَ شُكْرانًا"، و"كَفَرَ كُفرانًا".
قال الله تعالى: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ 1. الضرب الثالث: وهو "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"، قد جاء أيضًا على أبنية، منها "فَعْلٌ" وهو الأصل، قالوا: "حَمِدَه يَحْمَدُه حَمْدًا"، و"شَمَّهُ يَشَمُّه شَمًّا"، ومنها "فِعْلٌ"، نحو: "عَلِمَ عِلمًا"، و"حَفِظَ حِفْظا"؛ ومنها "فُعْلٌ" بضم الفاء، نحو: "شَرِبَه شُرْبًا"، و"شَغَلَه شُغلًا"؛ ومنها "فَعَل"، قالوا: "عَمِلَ عَمَلًا".
قال سيبويه 2: أجروه مجرى "الفَزَع", لأن بناء فعلَيهما واحد، فشُبه به، وذلك أن الباب في "فَعِلَ" الذي لا يتعدى إذا كان فاعلُه يأتي على "فَعِلٍ" كـ"فَرِقَ يَفْرَق فَرَقًا" فهو "فَرِقٌ"، و"فَزعَ يَفزَعُ فَزَعًا" فهو "فَزعٌ".
شبّهوا ما يتعدّى بما لا يتعدّى, لأن بناءهما في الماضي والمضارع واحد.
ومنها "فَعْلَةُ" كـ"رَحْمَةٍ"، و"زَحمَةٍ"، و"لقِيتُه لَقيَة"، ولا يراد به المرّة الواحدة، وقالوا فيه: "رَحَمَةٌ" جعلوه كـ"الغَلَبَة"؛ ومنها "فِعْلَةُ"، قالوا: "خِلتُه إخاله خِيلَة"، و"خِفْتُه خِيفَةَ"؛ ومنها "فِعالٌ" بكسر الفاء، قالوا: "سَفِدَ الذَّكَرُ الأنثى سِفادًا": نَزَا عليها.
ومنها "فَعالٌ"، قالوا: "سَمِعتُه سَماعًا"، جاء فيه "فَعالٌ" كما جاء فيه "فَعُولٌ"، وبابُهما غير المتعدي؛ ومنها "فَعَلانُ"، قالوا: "غَشِيتُه غَشَيانًا"؛ ومنها "فُعُولٌ"، قالوا: "لَزِمَه لُزُومًا"، و"نَهِكَه نُهُوكًا".
فأما "فَعَلَ يَفْعَل" مما فيه حرف من حروف الحَلْق، فعلى ثلاثة أبنية: منها "فَعالَةُ"، نحو: "نَصَحَ نَصاحَةَ"؛ و"فِعالَةُ"، قالوا: "نَكَأتُ القَرْحَةَ نِكايَة"؛ ومنها "فَعالٌ"، قالوا: "ذَهَبَ ذَهابًا"؛ و"فُعالٌ"، قالوا: "سَأَلَ سُؤالاً".
وقد جاءت مصادرُ فيما يتعدّى فعله مؤنّثة بالألف، نحو: "رَجَعْته رُجْعَى"، و"ذكرته ذِكرَى"، وقالوا: "الدَّعوَى"، فـ "الرُّجْعَى" بمعنى "الرجوع"، و"الذكْرَى" بمعنى "الذكْر"، و"الدَّعْوَى" بمعنى "الدُّعاء"، أنّثوا هذه المصادر بالألف كما أنّثوا كثيرًا منها بالهاء، نحو: "العِدَة"، و"الزنَة"، و"الجَلْسَة"، و"القَعْدَة".
وقد يُطْلِقون " الدَّعوَى" بمعنى ما يُدعى به، والأصل المصدر، وإنّما جاء ما ذكرناه على حد قولهم: "ضَربُ الأمير" بمعنى مَضرُوبه، و"نَسْج اليَمَن" بمعنى منسوجه، ومثل "الدعوى": "الحُذيا" و"البُقْيا"، أصلهما المصدر، وأُوقِعا على المفعول.
الضرب الثاني: من الثلاثيّ غيرُ المتعدي، وتنقسم أبنيةُ فعله إلى انقسام أبنية المتعدي، ويخُصه "فَعُلَ"، "يَفعُلُ".
وهذا البناء لا يكون في المتعدي البتة، ومن ذلك "فَعَلَ" "يَفْعِلُ"، ولمصدره أربعةُ أبنية: "فُعُولٌ"، قالوا: "جَلَسَ يَجْلِسُ جُلُوسًا"، وهو

الكثير، وعليه القياس.
وقد شبهوه بالمتعدي، فجاءت بعضُ مصادره على مصادر المتعدي.
قالوا: "حَلَفَ يَحلِفُ حَلْفًا"، جاءوا به على "فَعْلٍ" حملوه على "السَّرْق" في المتعدّي.
وقالوا: "عَجَزَ يَعْجِزُ عَجْزًا"، حملوه على الضَّرْب في المتعدّي، وقالوا: "سَرَى يَسرِي سُرى"، كما قالوا: "هُدى"، وليس في المصادر ما هو على "فُعَلٍ" إلَّا "الهُدى"، و"السرى".
وقد كثُر في الأصوات "فَعِيلٌ"، قالوا: "الصَّهِيل"، و"النَّهِيق"، و"الضجِيج".
وقد يُتعاور "فَعِيلٌ"، و"فُعالٌ"، قالوا: "شَحَجَ البغل شَحِيجًا وشُحاجًا"، و"نَهَقَ البعير نَهِيقًا ونُهاقًا"، وهو كثير.
اتفقا في المصدر كما اتّفقا في الصفة من نحو "عَجِيبٍ"، و"عُجابٍ"، و"خَفِيفٍ"، و"خُفافٍ".
وأما "فَعَلَ يَفْعُلُ" بالضم، فهو في غير المتعدي أكثر من "فَعَلَ" "يَفعِلُ"، بالكسر، وله أبنية، منها "فُعولٌ"، وهو الكثير والذي عليه القياس، نحو: "قَعَد يَقْعُد قُعُودًا"، و"خرج يَخرُج خروجًا"، ومنها "فَعَال"، وهو في الكثرة بعد "فُعُول"، نحو: "نَبَتَ نَباتًا"، و"ثَبَتَ ثَباتًا وثُبُوتًا"، على القياس.
وقد جاء فيه أيضًا "الفُعال" بالضمّ، كما جاء "الفُعُول" و"الفَعال"، قالوا: "عَطَسَ عُطاسًا"، و"نَعَسَ نُعاسًا".
وكثُر "الفُعال" فيما كان صوتًا، نحو: "الصُّراخ"، و"النُّباح".
وقالوا: "سَكَتَ يَسكُتُ سَكْتًا"، جاءوا به على "فَعْلٍ"، جعلوه كـ "القَتْل" في المتعدّي، وقالوا فيه أيضًا: "سُكوتًا" على القياس، وقالوا: "المَكث"، جاءوا به على "فَعْلٍ"، جعلوه كـ "القَبْح" في المتعدي.
وقالوا: "فَسَقَ يَفْسُقُ فِسْقًا"، جعلوه كـ "الذِّكْر" في المتعدّي.
وقالوا: "عَمَرَ المَنزلُ عِمارَةً" جعلوه كـ "الشّكايَة" و"القِصارَة" في المتعدي.
وأمّا "الحِجُّ" فذكره سيبويه 1 في المصادر، جعله كـ"الذِّكْر" في المتعدي، وعن أبي زيد أن "الحَج"، بالفتح المصدر، و"الحِج"، بالكسر اسم الحاج، وأنشد [من الكامل]: 873 - وكأنّ عاقِبَةَ النشُورِ عليهمِ... حِجُّ بأَسْفَلِ ذي المَجاز نُزُولُ2

ورواه الجوهري 1: "حُجٌّ" بالضم، جعله جمع "حاج" كـ"عائِذٍ"، و"عُوذُ".
وأما "فَعِلَ يَفْعلُ" في اللازم؛ فالباب فيه "فَعَلٌ"، قالوا: "غَضِبَ غَضبًا"، و"بَطِرَ بَطَرًا"، و"أَشِرَ أَشَرًا"، هذا هو الكثير والمَقِيس، وقد يُخالِف كما خالف ما قبله، قالوا: "ضَحِكَ ضَحْكًا"، و"لَعِبَ لَعْبًا"، كما قالوا: "الخَلْف"، وقالوا: "شَبعَ شِبَعًا"، و"الشِّبْع" بالإسكان اسمُ ما يُشْبِع، ونظيرُ "الشِّبَع " قولهم: "رَوِيتُ من الماء رِيًا، ورَيًّا، ورِوى"، و"رَضِيتُ عنه رِضى".
وقالوا: "حَرِدَ يَحرَدُ حَرْدًا"، وقولهم في الاسم منه: "حارِدٌ" يدل أنه مُسكن خرج عن بابِ "غَضِبَ غَضَبًا، فهو غَضْبانُ" بقولهم: "حاردٌ".
وأما ما كان مما لا يتعدّى مختصًّا ببناء لا يشركه فيه المتعدي، فهو "فَعُلَ"، وذلك لِما يكون خَصْلَة في الشيء غير عَمَل، ولا عِلاج.
ولمصدره أبنية ثلاثة يكثر فيها، وهي: "فَعَالٌ"، و"فَعَالَةٌ"، و"فُعْلٌ".
فالأول "جَمُلَ جَمالًا"، و"بَهُوَ بَهاءً".
والثاني: "قَبُحَ قَباحَةً"، و"بَهُوَ بَهاءَةً"، و"شَنُعَ شَناعَةً"، و"وَسُمَ وَسامَةً".
والثالث: "حَسُنَ حُسْنًا"، و"نَبُلَ نُبلًا".
و"فَعالَةُ" أكثر.
وقد يجيء مصدره على "فَعْل"، قالوا: "ظَرُفَ ظَرْفًا" جعلوه كـ"السَّكْت"، وعلى "فَعَلِ"، قالوا: "شَرُفَ شَرَفًا"، شبهوه بالـ "غَضَب"، و"البَطَر" لاشتراكها في عدم التعدي، وقد جاء عل "فِعَلٍ"، قالوا: "عَظُمَ عِظَمًا"، و"صَغُرَ صِغَرًا"، و"كَبُرَ كِبَرًا"، جعلوه كـ"الشِّبَع".
وقالوا: "قَبُحَ قُبُوحَةً"، و "سَهُلَ سُهُولَةً"، بنوه على "فُعُولَةَ"، كما بنوه على "فَعَالَةَ" كـ"القَباحَة"؛ وربّما جاء على "فَعْلَةَ" قالوا: "كَثُرَ كَثْرَةً وكَثارَةً" على القياس.
وقالوا: "كَدِرَ الماء كُدُورَةً"، و"كَدُرَ كَدَرًا"، و"كَدِرَ الطائرُ كُدْرَةً": صار لونُه كُدْرَةً، وهي غُبْرَة.
وقد جاءت مصادرُ على مثال واحد في اللازم، وإن اختلفت أبنيةُ أفعالها لتقارُب معانيها، وذلك، نحو: " الغَلَيان"، و"النَّزَوان"، فـ "الغَلَيانُ" مصدرُ "غَلَى يَغْلِي" مثلِ "جَلَسَ يَجلِسُ" في الصحيح، و"النَّزَوان" مصدر "نَزَا يَنْزُو" مثلِ "قَعَدَ يَقْعُدُ".
فأبنية الأفعال مختلفة، ومصادرها متفقة على "فَعَلانَ"؛ وذلك لتقاربُ معانيها.
وإنما يكون ذلك لِما فيه اضطرابٌ وحركةٌ في ارتفاعٍ، نحو: "النقَزان"، و"النقَزان"، ومثله "العَسَلان"، و"الرتَكان"، وهما ضربان من العَدْو.
= "المجاز": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"نزول": صفة "حج" مرفوعة بالضمة.
وجملة "كأن... ": بحسب الواو.
والشاهد فيه قوله: "حِج" أراد بها اسم الحاج.

وأكثرُ ما يكون "الفَعَلان" في هذا الضرب ممّا فيه حركة واضطراب، ولا يجيء فعله متعدِّيَ الفاعل إلَّا أن يشُذّ شيء، نحو: "شَنِئتُه شَنَآنا"، ولا نعلمه جاء متعدّيًا إلَّا في هذا الفعل، لا غيرُ، فجميع مصادر الثلاثي اثنان وسبعون مصدرًا، وجميع أبنيتها اثنان وثلائون بناءً على ما ذكر.
والأصل منها فيما كان متعدّيًا "فَعْلٌ" بفتح الفاء وسكون العين، نحو: "ضَرْبٍ"، و"قَتْلٍ"، وعليه مَدارُ الباب، وما عداه ليس بأصل لاختلافه، وطريقُه أن يُحْفَظ حِفظًا، وإنّما قلنا ذلك: لكثرة "فَعْل" في الثلاثي، واطراده فيما كان متعديًا منه، والذي يدل على ذلك أنك إذا أردت المرة الواحدة، فإنّما ترجع إلى "فَعْلَةَ" على أي بناء كان الثلاثي، وذلك قولك: "ذهبت ذَهابًا"، ثم تقول: "ذهبت ذَهْبَةٌ واحدةَ".
والأصل في غير المتعدي "فُعُولٌ"، و"فَعَالٌ"، نحو: "قَعَدَ قُعُودًا"، و"خَرَجَ خُرُوجًا"، و"ثَبَتَ ثَباتًا"، و"نَبَت نَباتًا"، وما عداهما فليس بأصل، بل يحفظ، وذلك لكثرته، وكأنّهم جعلوا الزيادة في المصدر كالعوض من التعدّي؛ فأمّا "دَخَلْته دُخُولاً"، و"وَلَجتُه ولُوجًا"، فهما في الحقيقة غير متعدّيين، والمراد "دخلت فيه"، و"ولجت فيه" فحذف حرف الجر لكثرة الاستعمال، فاعرفه.

جارٍ التحميل