فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: "هو في قول أهل الحجاز: "لا رجلَ أفضلُ منك"، و"لا أحدَ خيرٌ منك"، وقولُ حاتم [من البسيط]: 149 - [إذا اللّقاحُ غدتْ مُلْقى أصرَّتُها]... ولا كَرِيمَ من الوِلْدانِ مصبوحُ يحتمل أمرَيْن: أحدهما أن يترُك فيه طائيّتَه إلى اللغة الحِجازية، والثاني أن لا يجعل "مصبوحًا" خبرًا، ولكن صفة محمولةً على مَحَل "لا" مع المنفيّ، وارتفاعُه بالحرف أيضًا لأن "لا" مَحْذُوّ بها حَذْوَ "إنّ" من حيث إنها نَقِيضتُها ولازمةٌ للأسماء لُزومَها".1
قال الشارح: إنّما خصّ أهل الحِجاز دون غيرهم, لأنّ أهلَ الحجاز يُظْهِرون الخبرَ فيظهَر فيه العملُ، وبنو تَمِيم لا يُظْهِرونه ألبتةَ فلا يظهَر فيه عملُ "لَا".
واعلم أنّ "لا" النافيةَ على ضربَيْن: عاملةٌ وغيرُ عاملة.
فالعاملةُ التي تنفي على جهةِ استغراقِ الجنس, لأنها جوابُ "ما كان" على طريقةِ "هل من رجلٍ في الدار"؟ فدُخولُ "مِنْ" في هذا لاستغراق الجنس، ولذلك تختصّ بالنكرات لشُمولها.
ألا ترى أنه لا يجوز "هل من زيدٍ في الدار؟ " كما يجوز "هل زيدٌ في الدار؟ " فهذه التي لاستغراقِ الجنس عاملةٌ النصبَ فيما بعدها من النكرات المفردةِ، ومبنيةٌ معها بناء "خمسةَ عشرَ"، وإنّما استحقّت أن تكون عاملةَ لشَبَهها بـ "إِنَّ" الناصبة للأسماء.
ووَجْهُ الشَّبَه بينهما أنها داخلةٌ على المبتدأ والخبر كما أن "إنّ" كذلك، وأنّها نَقِيضةُ "إنَّ" لأن "لا" للنفي و"إنَّ" للإيجاب، وحَقّ النقيض أن يُخْرَج على حَد نقيضه من الإعراب، نحو: "ضربتُ زيدًا"، و"ما ضربتُ زيدًا"، فقولك: "ضربت زيدًا" فعل وفاعلٌ ومفعولٌ، وقولك: "ما ضربت زيدًا" نفىٌ لذلك، ومع ذلك فقد أعربتَه إعرابه من حيث كان نقيضَه يُشْعِر بمعنى الرفع له.
فلمّا أشبهت "لا" "إنَّ" وكانت "إنَّ" عاملة في المبتدأ والخبر؛ كانت "لا" كذلك عاملة في المبتدأ والخبر، لأنها تقتضيهما جميعًا كما تقتضيهما "إنَّ".
ولمّا نصبوا بها, لم تعمل إلَّا في نكرة على سبيلِ حرفِ الخفض الذي في المسألة، لائها كالنائبة عنها، إلا أن "لا" بُنيت مع النكرة؟ لأتها لمّا وقعت في جواب "هل من رجلٍ عندك؟ " على سبيلِ الاستغراق، وجب أن يكون الجوابُ أيضًا بحرفِ الاستغراق الذي هو "مِنْ"، ليكون الجوابُ مطابقًا للسؤال فكان قياسُه "لا من رجلٍ في الدار"، ليكون النفيُ عامًّا كما كان السؤالُ عامًّا، ثم حُذفتْ "مِنْ" من اللفظ تخفيفًا، وتَضمَّن الكلامُ معناها.
فوجب أن يُبْنَى لتضمّنه معنى الحرف كما بُني "خمسةَ عشرَ" حين تَضمَّن معنى حرفِ العَطْف.
فإن قيل: أيكون الحرفُ مع الاسم اسمًا واحدًا؟ قيل: هذا موجودٌ في كلامهم، ألا ترى أَنَّك تقول: "قد علمتُ أن زيدًا منطلقٌ"، فـ"أنَّ" حرف، وهو مع ما عمِل فيه اسمٌ واحدٌ، والمعنى: علمتُ انطلاقَ زيد، وكذلك "أن" الخفيفةُ مع الفعل المضارع إذا قلت: "أُرِيدُ أن تقومَ"، والمعنى: أريد قِيامَك.
فكذلك "لا" والاسمُ المنكرُ بعدها بمنزلة اسم واحد.
ونظيره قولك: "يا ابنَ أُمِّ، فالاسمُ الثاني في موضع خفض بالإضافة وجُعلا اسمًا واحدًا، وكذلك "لا رجلَ في الدار" فـ "رَجُلَ" في موضع منصوب منوَّنٍ، لكنّه جُعل مع "لا" اسمًا واحدًا.
ولذلك حُذف منه التنوينُ، وبُني على حركةٍ، لأن له حالة تمكُّن قبل البناء، فمُيّز بالحركة عمّا بُني من الأسماء، ولم يكن له حالةُ تمكُّن، نحو: "منْ" و"كَمْ".
وخُصّ بالفتحة لأنّها أخفُّ الحركات، وليس الغرضُ إلَّا تحريكَه، فلم يكن بنا حاجة إلى تكلُّف ما هو أثقلُ منها، فلذلك نقول: "لا رجلَ عندك، ولا غلامَ لك"، تريد
النفيَ العامّ.
قال الله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ 1. وقال: ﴿لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ 2، وموضع "لا" وما عملت فيه مبتدأ, لأنها جوابُ ما حالُه كذلك، ألا ترى أنّ قولك: "هل من رجل في الدار؟ " في موضع رفع بالابتداء؟ كذلك "لا رجل".
فإن قدّرت دخولَها على كلام قد عمل غيرُها فيه، لم تعمل فيه شيئًا، وكان الكلامُ على ما كان عليه مُوجبًا، وذلك قولُك: "أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ " فتقول: "لا زيدٌ في الدار ولا عمرٌو".
وكذلك تقول: "أرجلٌ في الدار أم امرأةٌ؟ " والجوابُ: لا رجلٌ في الدار ولا امرأةٌ.
وكذلك إنْ جعلتها جوابًا، كقولك: "هل رجلٌ في الدار"؟ قلت: "لا رجلٌ في الدار".
وهذا قليلٌ إذ كان التكريرُ والبناءُ أغلب عليها، وكان هذا في مواضع "لَا" و"نَعَمْ".
واعلم أنّه قد ذهب الكوفيون 3 وأبو إسحاق الزجّاجُ وجماعةٌ من البصريين إلى أنّ حركة "لا رجلَ"، و"لا غلامَ" حركةُ إعراب، واحتجّوا لذلك بقولهم: "لا رجلَ وغلامًا عندك"، بالعطف على اللفظ، فلولا أنّه معربٌ، لم يجز العطفُ عليها لأن حركة البناء لا يُعْطَف عليها؛ لأنّه إنما يُعْطَف للاشتراك في العامل.
والقول هو الأوّل لحذف التنوين منه، إِذ لو كان معربًا لثبت فيه التنوين كما ثبت في قولك: "لا خيرًا منك في الدار"، ونحو ذلك من الموصوفات.
وأمَّا قولهم: إنه جاز العطفُ على اللفظ، نحو: "لا رجل وغلامًا"، فتقول: إنّما جاز كما جاز فيه الوصف على اللفظ، نحو: "لا رجلَ ظريفًا" بالتنوين، وذلك من قِبَل أنها، وإن كانت حركة بناء، فهي مشبَّهةٌ بحركة الإعراب، وذلك لاطرادها في كل نكرةٍ منفيةٍ بـ"لا" من غير اختصاص باسم بعَيْنه، فجرتْ لذلك مجرى العامل الذي يعمل في كل اسم يباشِره ويلاقِيه.
ومثله الضمّةُ في الاسم المفرد المنادَى العَلَمِ، نحو: "يا حَكَمُ"، لاطرادها في كلّ منادى مفردٍ علمٍ.
واعلم أن أصحابنا قد اختلفوا في رفع خبر "لا" فذهب بعضهم إلى أنها لا تعمل في الخبر لضُعْفها عن العمل في شيئين بخلاف "إنَّ" فإنّها مشبَّهةٌ بالفعل، فنصبت، ورفعت كالفعل، و"لا" هذه لا تُشْبِه الفعلَ، وإنّما تُشْبِه "إنَّ" المشدَّدة، فجرت مجرى الحروف الناصبة للفعل، نحو: "أن" و"لَنْ"، وهي لا ترفع شيئًا كذلك هذه.
وذهب أبو الحسن ومن يتبعه إلى أنّ "لا" هذه ترفع الخبرَ، وذلك لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، فهي تقتضيهما جميعًا.
وما اقتضى شيئين وعمل في أحدهما، عمل في الآخر.
وليس كذلك نواصبُ الأفعال، لأنّها لا تقتضي إلا شيئًا واحدًا وهو المختارُ.
وأمّا الكوفيون فالخبرُ عندهم مرفوعٌ بالمبتدأ على ما كان، وهي قاعدتهم في "إنَّ" وأخواتها 4.