شرح المفصل لابن يعيشفصل

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "هو ظرفا الزمان والمكان.
وكلاهما منقسمٌ إلى مبهمٍ وموقت، ومستعمل إسمًا وظرفًا، ومستعمل ظرفًا لا غير.
فالمبهم نحو: الحين والوقت والجهات الست.
والموقت نحو اليوم والليلة والسوق والدار.
والمستعمل إسمًا وظرفًا ما جاز ان تعتقب عليه العوامل.
والمستعمل ظرفًا لا غير ما لزم النصب, نحو قولك: وسرنا ذات مرةٍ, وبكرة, وسحر, وسحيرًا, وضحى, وعشاء, وعشية, وعتمة, ومساء إذا أردت سحرًا بعينه, وضحى يومك, وعشيته, وعشاءه, وعتمة ليلتك, ومساءها, ومثله عند, وسوى, وسواء.
ومما يختار فيه أن يلزم الظرفية صفة الأحيان، تقول سير عليه طويلًا, وكثيرًا, وقليلًا, وقديمًا, وحديثًا".

قال الشارح: اعلم أنّ الظرف ما كان وِعاءً لشيء، وتُسمَّى الأواني ظروفًا، لأنّها أَوْعِيَةٌ لِما يُجعل فيها، وقيل للأزمِنة والأمكنةِ: ظروفٌ، لأن الأفعال توجَد فيها، فصارت كالأوعية لها، والظرف على ضربَيْن: زمان ومكان.
فالزمانُ عبارةٌ عن الليالي والأيّام.
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - هَلِ الدَهْرُ إلا ليلةٌ ونَهارُها... وإلا طُلوعُ الشمْسِ ثُمَّ غِيارُها

وذلك نحو: قمتُ يومًا، وساعةً، وليلةً، وعِشاءً، ومساءً، وما أشبهَ ذلك من أسماء الزمان، نحو: السنَة، والشهْر، والدهْر.
واعلم أنّ الظرف في عُرْفِ أهلِ هذه الصِّناعة ليس كلَّ اسم من أسماء الزمان والمكان على الإطلاق، بل الظرفُ منها ما كان منتصبًا على تقديرِ "في" واعتبارُه بجَوازِ ظهورها معه، فتقول: "قمتُ اليومَ"، و"قمت في اليوم".
فـ "في" مرادةٌ، وإن لم تذكرها.
والذي يدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: "اكْنِ عن اليومَ"، قيل: "قمت فيه".
وكذلك سائرُ الظروف، وليس الظرفُ متضمِّنًا معنى "في" فيَجِبَ بناءُه لذلك، كما وجب بناءُ نحو"مَنْ"، و"كَمْ" في الاستفهام.
وإنّما "في" محذوفةٌ من اللفظ لضرب من التخفيف، فهي في حكم المنطوق به.
ألا ترى أنّه يجوز ظهورُ "في" معه، ولا يجوز ظهورُ الهمزة مع "مَنْ" و"كَمْ" في الاستفهام، فلا يقال: "أَمَنْ"، ولا: "أَكَمْ" وذلك من قِبَل أن "مَن" و"كَم"؟ لمّا تَضمَّنا معنى الهمزة، صارا كالمشتمِلَيْن عليها، فظُهورُ الهمزة حينئذ كالتكرار، وليس كذلك الظرفُ، فإن الظرفيّة مفهومةٌ من تقدير "في"، ولذلك يصحّ ظهورُها، فاعرِف الفرقَ بين المتضمّنِ للحرف، وغير المتضمِّن له بما ذكرتُه.
والظرف ينقسم إلى مبهَم وموقَّت، والمراد بالمبهم النكرةُ التي لا تدّل على وقت بعينه، نحو: حينٍ، ووَقْتٍ، وزَمانٍ، ونحو ذلك.
والمرادُ بالموقّت ما دلّ على زمانٍ بعينه مخصوصٍ، نحو: اليوم، والليلة، ويومِ الجُمْعة، وشهرِ رَمَضانَ، وشهرِ المحرَّم.
وهو ينقسم قسمَيْن: قسمٌ يُستعمل اسمًا وظرفًا، وقسمٌ لا يُستعمل إلّا ظرفًا لا غيرُ.
فالأوّلُ كلُّ متمكِّن من الظروف من أسماءِ السنين، والشهورِ، والأيامِ، والليالي ممّا يتعاقب عليه الألفُ واللام، والإضافةُ من نحو: سَنَة، وشَهْر، ويوم، وليلة.
فهذا يجوز أن تستعمِله اسمًا غيرَ ظرف، فترفعَه، وتَجُرَّه، ولا تقدِّرَ معه "في"، نحوَ: "اليومُ طَيبٌ" و"السنةُ مباركَةٌ"، و"أَعْجبني اليومُ"، و"عجبتُ من يومِك"، فتُجريها مُجرى سائرِ الأسماء ويجوز أن تنصبها على الظرف، فتقول: "صُمْتُ اليومَ" و"قدِمتُ السنةَ".
فهذا مقدَّرٌ بـ "فِي"، والتقديرُ: "صمتُ في اليوم"، و"قدمتُ في السنة"، فكلُّ اسم من أسماء الزمان لك أن تجعله اسمًا وظرفًا، إلّا ما خَصَّتْه العربُ بالظرفية، ولم تستعمله مجرورًا، ولا مرفوعًا، وذلك يؤخَذ سَماعًا عنهم.
والقسم الثاني هو ما لا يُستعمل إلّا ظرفًا، وذلك ما لزم النصبَ لخُروجه عن التمكّن بتضمُّنه ما ليس له في الأصل، فمن ذلك "سَحَرَ"، و"سُحَيرًا" إذا أردت به سحرَ يومك، فإنّه غيرُ متصرِّفٍ، ولا منصرفٍ، والذي مَنَعَه من الصرف أنّه معدولٌ عن الألف والسلام معرفةً.
ومعنى ذلك أنّه إذا أردت به سحر يومك الذي أنت فيه، فتَزِيد فيه الألف واللام للتعريف، ثمّ غُيّر عن لفظِ ما فيه الألفُ واللام مع إرادةِ معناهما، كما عُدل

"جُمَعُ" في قولك: "جاءت النسْوَةُ جُمَعُ"، وهو معرفةٌ، فاجتمع فيه العدلُ والتعريفُ، فلم ينصرف لذلك.
فإن قيل: العدل إنّما هو أن تلفِظ ببناءٍ، وأنت تريد بناءً آخَرَ لضربٍ من التوسّع في اللغة، كعَدْلِ "عُمَرَ" عن "عامرٍ" و"جُمَعَ" عن "جُمْع" ساكنَ الحَشْو، وأنت تدّعِي أن "سَحَرَ" معدولٌ عن "السَّحَرَ"، والصورتان واحدةٌ قبلَ العدل، وبعده، فالجوابُ: أن "سَحَرَ" وإن كان "فَعَلًا" كما أنّ السَّحَرَ كذلك، فإنّه لما اتّصلت به لامُ التعريف، صارت لامتزاجِها بما عرّفته، كأنّها منه، فجَرَتِ اللامُ في "السحر" مجرَى همزةِ "أَحْمَرَ"، و"إِجْفِيلٍ" 1، و"إِخْرِيطٍ" 2 وتاءِ "تِجْفافٍ" 3، وياء "يَرْمَعٍ" 4. فلمّا عدلتَ "سَحَرَ" كأنّك عدلتَ مثلًا من هذه الأمثلة إلى "فَعَلٍ"، فإن نُكر انصرف، نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ 5 لأنّه قد زال السبَبان معًا بالتنكير، لأنّه كان معدولًا في حال التعريف.
وكذلك إذا أدخلتَه الألف واللامَ، صرفتَه، نحو: "السَّحَرِ", لأنّك قد رددتَه إلى الأصل، فزال العدلُ.
ومعنى قولنا: "غير متصرّف" أنّه لا يدخله رفعٌ ولا جرٌّ، ولا يكون إلّا منصوبًا على الظرف، وكذلك كلُّ ظرف غيرِ متصرّف.
والذي منع "سَحَرَ" من التصرّف أنّه يعرَّف من غيرِ جهة التعريف، لأنّ وُجوهَ التعريف خمسةٌ: تعريفُ الإضمار، وتعريفُ العَلَميّة، وتعريفُ الإشارة، وتعريفُ الألف واللام، وتعريفُ الإضافة إلى واحدة من هذه المعارف، وليس التعريف في "سَحَرَ" واحدًا منها، فلمّا تَعرَّف من غير جهة التعريف المعهودِ، خرج عن نظائره، فمُنع التصرّف لذلك.
فإن صغّرته، وأنت تريد "سَحَرَ" يوم بعينه، انصرف، ودخله التنوينُ، ولم يتصرّف، فلا يدخله الرفعُ والجرُّ، ولا يكون منصوبًا، أمّا التنوينُ فلتِنكُره بزَوالِ العدل، وذلك أنّهم لم يضَعوا المصغَّرَ مكانَ ما فيه الألفُ واللامُ، فيكونَ معرفة معدولًا.
وإنّما هو نكرةٌ كـ "ضَحْوَةً"، و"غُدْوَةَ"، و"عَتَمَةً"، و"عِشاءٌ" إلّا أنّه فُهم منه ما يُفهَم من المعارف، فلم يتمكّن، وكذلك "ضُحَى"، و"ضَحْوَةَ" و"عِشاءَ" و"عَشِيَّةَ" و"مَساءَ" إذا أردت ذلك من يومك، لم تكن إلّا ظروفًا، وذلك أنّك إذا قلت: "أنا أتيتُك عشاء" لم يذهب الوَهْمُ إلّا إلى عشاء يومك.
وكذلك "عَتَمَة"، فلمّا كان يُفهَم بها ما يفهم بالمعارف من حَصْرِ وقت

بعينه، لم تَتمكَّن عندهم، فتُرْفَعَ، وتُجَرَّ، لا تقول: "غَداءُ ضُحَى"، ولا "مَوْعِدُك مساءٌ".
ومن ذلك "ذاتَ مرَّةٍ" تقول: "سِيرَ عليه ذاتَ مرّةِ"، فتُقيم الجارّ والمجرورَ مُقامَ الفاعل، ولا تُقيم الظرفَ، لأنّه غيرُ متصرّف، فلا يكون إلّا نصبًا.
وإنّما امتنع من التصرّف لأنّها قد استُعملت في ظرف الزمان، وليست من أسماء الدهر، ولا من أسماء ساعاته، وإنّما المرّةُ في الأصل مصدرٌ.
ألا ترى أنّك تقول: "ضربتُ مَرَّةً ومرّتَيْن، والمرادُ بذلك ضَرْبَة، وضربتَيْن؟ فلمّا استُعمل في الدهر ما لسِ من أسمائِه ضعُف، ولم يتمكّن في الزمان تَمَكُّنَ أسمائه، نحو: اليوم، والليلة.
فإن قيل: فأنتم تقولون: "سير عليه مَقْدَمُ الحاجّ، وخُفوقُ النجْم"، فترفعونه، وهي مصادرُ استُعيرت للزمان، فما الفرقُ بينها وبين "ذاتَ مرّة"؟ قيل: إنّ "مقدمَ الحاجّ"، و"خُفوق النجم"، و"خِلافةَ فلان" وما أشبهَها استُعيرت للزمان على تقدير حذفِ مضاف، كأنّه قال: "وقتُ خفوقِ النجم"، و"وقتُ خلافةِ فلان"، ثمّ حذف المضافَ، وهو مرادٌ، فتَصرَّفتْ بالرفع والجرّ حَسْبَ تصرُّف المضاف المحذوف.
وليس كذلك "ذات مرّةٍ"، استُعير للزمان لا على تقديرِ حذف مضاف، بل كأنّه اسمٌ من أسماء الزمان.
ألا ترى أنّه لا يجوز إظهارُ الوقت معه، فلا تقول: "وقت ذات مرّةٍ"، ولا "وقتَ مرّةٍ"؟، فافترقا.
ومثله في منع التصرّف "ذاتَ يوم"، و"ذاتَ ليلة".
لا تقول: "سِيَر عليه ذاتُ يوم"، أو "ذاتُ ليلة" بالرفع، بل هو نصبٌ على الظرف لا غيرُ، لأن نفسَ ذات ليست من أسماء الزمان، فجرى مجرى "ذاتَ مرّةٍ".
ومن ذلك "بُعَيْداتِ بَيْنٍ" فهو جمعُ "بَعْدَ" مصغَّرًا، و"بَعْدَ" و"قَبْلَ" لا يتمكّنان، فلا يجوز أن يقال: "سير عليه قَبْلُكَ"، ولا "بَعْدُكَ" بالرفع.
والذي منعهما من التصرّف والتمكنِ أنّهما ليسا اسمَيْن لشيء من الأوقات كالليل، والنهار، والساعة، والظُّهْر، والعَصْر، وإنّما استُعملا في الوقت للدلالة على التقدّم والتأخّر، فلم يتمكّنا تمكُّنَ أسماء الزمان.
وأمّا قولهم: "فعلتُ ذلك بَكَرَةَ" فهو كـ "ضَحْوَةَ"، و"عَتَمَةَ" إذا أردتَهما من يومٍ بعينه، فلا يتصرّف لأنّه نكرةٌ، فُهم منها ما يُفهم من المعارف، فخرج عن أصله، فلم يتمكّن.
وقد تقدّم شرحُ ذلك.
وممّا يُختار فيه الظرفيّةُ، ولا يتمكّن تمكُّنَ أسماء الزمان صفاتُ الأحيان، نحو: طويل، وقليل، وحديث، تقول: "سِيَر عليه طويلًا"، و"سير عليه حديثًا"، و"سير عليه قليلًا"، فلا يحسُن ها هنا إلّا النصب على الظرف، وهو المختار، وذلك لأنّك إذا جئت بالنعت، ولم تَجِىء بالمنعوت، ضعف، وكان الاختيارُ فيه أن لا تخرج عن الظرفيّة، لأنّك إذا قلت: "سير عليه طويلًا"، فـ "الطويلُ" يقع على كلّ شيء طَالَ من زمان، وغيره، فإذا أردتَ به الزمان، فكأنّك استعملتَ غير لفظ الزمان، فصار بمنزلة قولك:

"ذات مرّةٍ"، و"بُعَيْداتِ بَيْنٍ"، فلم يقع موقعَ الأسماء، واختير نصبُها على الظرف إلا أن يتقدّمها موصوفٌ، فحينئذٍ تقول: "سير عليه زمنٌ طويلٌ"، و"سير عليه وقتٌ حديثٌ".
ويؤيِّد عندك ضُعْفَ الصفة أنّه لا يحسُن أن تقول: "أتيتُك بجَيدٍ"، وأنت تريد: "بدرهمٍ جيِّدٍ".
وتقول: "أتيتُك به جيّدًا"، لما لم تَقْوَ الصفةُ إلّا أن يتقدّم الموصوفُ، جعلوه حالًا.
واعلم اْنّ جميع الأفعال يتعدّى إلى كل ضرب من الأزمنة مُبْهَمًا كان أو مُخْتَصًّا، كما يتعدّى إلى كلّ ضرب من ضروب المصادر، لأنّ دلالته عليهما واحدةٌ، وهي دلالةُ مطابقة، ودلالتُه على كلّ واحد منهما تضمُّنٌ, لأنّ الأفعال صِيغت من المصادر بأقسامِ الزمان، فلمّا استويا في دلالة الفعل عليهما، استويا في تعدّيه إليهما، فتقول: "قمتُ اليومَ"، و"قمت يومًا"، كما تقول: "ضربت ضربًا"، و"ضربت الضربَ الذي تَعْلَمُ".
وأمّا المكان، فكل ما تُصرّف عليه، واستُقرّ فيه من أسماء الأرضين، وهي على ضربَيْن: مُبْهَمٌ، ومُختَصٌّ.
فالمبهمُ ما لم يكن له نِهايةٌ، ولا أقطارٌ تحصره، نحو: الجهات الستّ، كخَلْفٍ، وقُدّام، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ويَمْنَةٍ، ويَسْرَةٍ، ووَراءٍ، ومكانٍ، ونحو ذلك.
والمختصُّ ما كان له حَدٌّ، ونِهايةٌ، نحو: الدار، والمَسْجِد، والجامع، والسوق، ونحو ذلك.
وليست الأمكنةُ كالأزمنة التي يُعمَل فيها كل فعل، فتُنصبَ نصبَ الظروف، وذلك لأنّ الفعل يدلّ على زمان مخصوص، إمّا ماضٍ، وإمّا حاضرٍ، وإمّا مستقبَلٍ.
وإذا دلّ على الخاصّ كان دالآ على المبهم العامّ، لأنّ الخاصّ يدلّ على العامّ وزيادة، إذ العامُّ داخل في الخاص، فكلُّ يوم جُمْعَةٍ زمانٌ، وليس كلُّ زمان يوم جمعة.
والفعلُ إنّما يتعدّى بما فيه من الدلالة، فلذلك يتعدّى كل فعل إلى كل زمان مبهمًا كان أو مختصًا، وليست الأمكنةُ كذلك، لأنّ دلالة الفعل على المكان ليست لفظيّةً، وإنّما هي التزامُ ضرورة أنّ الحَدَثَ لا يكون إلّا في مكان، ولا يدل على أن ذلك المكان الجامعُ، أو مَكةُ، أو السوقُ، ولذلك يتعدّى إلى ما كان مبهمًا منه لدلالته عليه.
تقول: "جلستُ مجلِسًا، ومكانًا حسنًا"، و "وقفتُ قُدّامَك، ووَراءك"، فتنصب ذلك كلَّه على الظرف.
فإن قيل: فأنت تزعم أنّ الفعل يعمل بحَسْبِ دلالته، وليس في الفعل دلالةٌ على مكان حسن، ولا على قُدّامِ زيد، ولا على وَرائه، فالجوابُ أنّ الفعل غيرَ المتعدّي إنّما يتعدّى إلى المكان المبهمَ.
وقد ذكرنا أنّ المبهم ما ليس له نِهايةٌ ولا أقطارٌ تحصُره.
وأنت إذا قلت: "قمتُ مكانًا حسنًا"، لم ينحصر بالنهاية والحدودِ.
وكذلك إذا قلت: "قمت خَلْفَ زيد"، لم يكن لذلك الخلف نهايةٌ تَقِفُ عليها.
وكذلك إذا قلت: "قُدّامَ زيد" لم يكن لذلك حَدٌّ ينتهي إليه، فكان مبهمًا من هذه الجهة، فانتصب على الظرف بلا خلاف.
وقال أبو العباس: إذا قلتَ: "جلستُ مكانًا حسنًا"، و"قمت خلفَ زيد"، فالفعلُ إنّما تعدى إلى مكان مبهم، وإنّما نَعَتَّهُ بعد أن عمل فيه الفعلُ.
وكذلك "جلست خلفَك"، و"وراءَك" لأن "خلفًا" لا ينفكّ منه شيءٌ أن يكون خلفَ واحد، وإنّما أضافه بعد أن كان

مُطْلقًا وعمِل فيه الفعلُ، فإن كان المكانُ مخصوصًا، لم يتعدّ إليه إلّا كما يتعدّى إلى "زيد" و"عمرو".
فكما أنّ الفعل اللازم لا يتعدّى إلى مفعول يه إلّا بحرف جرّ، كذلك لا يتعدّى إلى ظرفٍ من الأمكنة مخصوصٍ إلّا بحرف جرّ، نحو و"قفتُ في الدار"، و"قمتُ في المسجد"، و"جلستُ في مكة"، لأنّ الفعل لا يدلّ على أنّه في الدار.
والمسجد أو مكّة، فلم يجز أن يتعدّى إليه بنفسه.
فأمّا قولهم: "دخلتُ البيتَ"، و"ذهبتُ الشّامَ" فهو شاذٌّ، وجوازه على إرادة حرف الجرّ نحو قوله [من البسيط]: 1 - أمرتُك الخْيْرَ فافَعَلْ ما أُمِرْتَ به... [فقَدْ تركْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] والمراد: أمرتُك بالخير، إلّا أن "دَخَلْتُ" مختلَفٌ في كونه متعدّيًا بنفسه أو غيرَ متعدّ، فقال قَوْمٌ هو غيرُ متعدّ لأُمور، منها أنّ مصدره على "فُعُولٍ" نحو"الدُّخول".
و"فُعُولٌ" غالبٌ في الأفعال غير المتعدّية، نحو: "الخُروج"، و"القُعود"، ولأن نظيره

ونقيضَه كذلك، فنظير "دخلتُ": "عَبَرْتُ"، ونقيضُه "خرجت"، وكِلاهما لازمٌ غيرُ متعدّ، فحُكم عليه باللُّزوم، لذلك قالوا: وإنّما قيل: "دخلت البيت" على تقدير حرف الجرّ، ثمّ حذف لكثرة الاستعمال.
وقال أبو العباس: هو من الأفعال التي تتعدّى تارةً بأنفسها، وتارةً بحرف الجرّ، نحو: "نصحتُ زيدًا"، و"نصحت لزيد"، و"شكرتُه"، و"شكرت له".
فكذلك قلتَ: "دخلتُ الدارَ"، و"دَخَلْتُ فيها" وهو الصواب، لأنّه لو كان على تقدير حرف الجرّ لاختصّ مكانًا واحدًا كثُر استعمالُه فيه، كما كان "ذهبتُ" مقصورةً على الشام، فلمّا كان "دخلت" شائعًا في سائر الأمكِنة، دلّ على صحةِ مذهبِ أبي العبّاس، وأمّا "ذهبت" فمتّفَقٌ على كونه غيرَ متعدّ بنفسه، وقد حُذف منه حرفُ الجرّ.
واعلم أنّ ظرف المكان على ضربَيْن أيضًا: متصرِّفٌ، وغيرُ متصرّف، فالمتصرّفُ منه ما جاز رفعُه وخفضُه، ودخلته الألفُ واللام، نحو: خَلْفٍ، وقُدّامٍ، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ومكانٍ، وموضع، فهذه كلُّها متصرّفةٌ.
تقول: "قدّامُك فضاءٌ"، و"خَلْفُك واسعٌ"، قال الشاعر [من الكامل]: 1 - فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها

فرفع "خَلْفُها"، و"أمامُها" لأنّه بَدَلٌ من مولى المخافة.
وغيرُ المتصرّف نحو: "عِنْدَ"، و"سِوَى" إذا كان بمعنى "غَيْرَ"، فهذه لا تدخلها لامُ المعرفة، ولا يجوز رفعُها، فأمّا "عِنْدَ" فلا يدخلها من حروف الجرّ سوى "مِنْ" وحدها، وذلك لكثرة دَوْرِ "مِنْ"، وسَعَةِ مواضعها، وعُمومِ تصرُّفها.
فتقول: "جئتُ من عِنْدِه"، ولا تقول "جئتُ إلى عنده" لعَدَمِ تصرُّفِ "إلى".
وأمّا "سِوَى" فلا يجوز فيها إلّا النصبُ على الظرف، والذي يدلّ على أنّها ظرفٌ أنّها تقع صلةً للموصول، فتقول: "جاءني مَنْ سِواك"، ولا يحسن: "جاءني من غيرك"، وأيضًا فإنّ العامل قد يتخطّاها ويعمل فيما بعدها، نحو قوله [من مجزوء الكامل]: 1 - [وابذلْ سوامَ المال] إنْـ... نَ سِواءَها دُهْمًا وجُونا وهذا المعنى لا يكون إلّا في الظرف، وقد دخلها حرفُ الجرُ شاذًّا.
قال [من الطويل]: 2 - [تجانَفُ عن جَوِّ اليمامةِ ناقتي]... وما قَصَدْت من أَهْلِها لسوائكَا

كأنّه حملها للضرورة على "غَيْرٍ"، ومعناها المكانُ، فاعرفه.

جارٍ التحميل