فصل [نوعاه]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وهو على ضربين: ما صح فيه واحده، وما كسر فيه, فالأول ما آخره واو أو ياء مكسور ما قبلها بعدها نون مفتوحة، أو ألف أو تاء, فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كـ "المسلمين" و"الزيدين"، إلا ما جاء من نحو: "ثبون", و"قلون" و"أرضون" و"أحرون" و"إوزون".
والذي بالألف والتاء للمؤنث في أسمائه وصفاته كـ "الهندات" و"التمرات" و"المسلمات".
قال الشارح: اعلم أنّ الجمع ضَمُّ شيء إلى أكثرَ منه، فالتثنيةُ والجمعُ شريكان من جهةِ الجمع والضمّ، وإنّما يفترقان في المقدار والكَمّيّة.
والغرضُ بالجمع الإيجازُ والاختصارُ، كما كان في التثنية كذلك، إذ كان التعبيرُ باسم واحد أخفّ من الإتيان بأسماء متعدّدةٍ.
وربّما تَعذّر إحصاء جميع آحادِ ذلك الجمع، وعطفُ أحدها على الآخر.
وهو على ضربَيْن: جمعُ تصحيح، وجمعُ تكسير.
فجمعُ الصحّة ما سلم فيه واحدُه من التغيير، وإنّما تأتي بلفظه البتّةَ من غير تغيير، ثمّ تزيد عليه زيادة تدلّ على الجمع، كما فُعل في التثنية، ويقال له: جمعٌ سالمٌ؛ لسلامة لفظِ واحده من التغيير، ويقال: جمعٌ علي حد التثنية لسلامةِ صدره كما كان المثنّى كذلك.
وربّما قالوا: جمعٌ على هِجائَيْن؛ لأنّه يكون مرّة بالواو والنون، ومرّة بالياء والنون.
وإنّما جُعل التثنية أصلًا في السلامة؛ لأنّ المثنّى لا يكون إلّا سالمًا، والجمعُ قد يكون منه سالمٌ، وغيرُ سالم.
ألا ترى أنَّه ليس كلُّ الأسماء يُجمع جمعَ السلامة، فإنّه لا يقال في "مَسْجِدٍ": "مسجدون"، ولا في "حَجَرٍ": "حَجَرون"؟ وإنّما المجموعُ منها جمعَ السلامة أسماءٌ مخصوصةٌ، وليست التثنيةُ كذلك، إذ لا تكون إلّا سالمةً مصحَّحًا فيها لفظ الواحد نحو قولك في "مسجد": "مسجدان"، وفي "حَجَر": "حَجَران".
والمجموع جمعَ السلامة على ضربَيْن: مذكّرٌ ومؤنّثٌ، فالمذكّر يكون آخِرُه في الرفع بالواو والنون نحو: "الزيدُونَ"، و"المسلمُونَ"، وفي الجرّ بالياء المكسورِ ما قبلها
والنون، نحو: "الزيدِينَ" و"المسلمِينَ".
والنصبُ محمول على الجرّ كما كان كذلك في التثنية.
وإنما اشتُرط في الياء أن يكون ما قبلها مكسورًا تحرُّزًا من ياء التثنية، فإن التثنية في الجرّ والنصب بالياء، ويكون ما قبل يائها مفتوحًا.
ولم يُشترط في الواو أن يكون ما قبلها مضمومًا؛ لأنّ من المجموع ما يكون ما قبل الواو فيه مفتوحًا، وهو المقصور، نحو: "المُصْطَفَوْنَ"، و"المُعَلَّوْنَ".
وقد تقدّمت العلّةُ في جعلِ، رفع الاثنين بالألف ورفعِ الجمع بالواو في فصل التثنية بما أغنى عن إعادته.
وهذه الواو حرفُ الإعراب كما كانت الألف في التثنية كذلك، وهي علامةُ الرفع والجمع والقلّةِ، فإنه لا يُجمع على هذا الجمع إلّا ما كان من الثلاثة إلى العشرة، فهو من أبنيةِ القلة، فإن أُطلق بإزاء الكثير، فتجَوُّزٌ.
والحقيقةُ ما ذكرناه، وإنما كان كذلك؛ لأنّ هذا الضرب من الجمع على منهاج التثنية، فكان مثله في القلّة.
وليس كل الأسماء يُجمع هذا الجمعَ، إنما يُجمع منها بالواو والنون ما كان مذكرًا عَلَمًا لمن يعقل، أو لصفاتِ من يعقل، وذلك نحو: "الزيدون"، و"المسلمون"، فلو قلت في "هِنْد": "هِنْدون"، لم يجز؛ لأنّه وإن كان عَلمًا يعقل، فليس مذكّرًا، ولو قلت في "حَجَرٍ": "حجرون"، أو في "صَخرٍ": "صَخْرون"، لم يجز؛ لأنّه ليس بعَلَم عاقل، فلو سميتَ رجلًا بـ"حجر" أو"صخر"، جاز جمعه بالواو والنون؛ لأنه بالتسمية قد جَمع الأوصافَ الثلاثة.
وإنّما قال: "لمن يعلم"، ولم يقل: "لمن يعقل"؛ لأنّ هذا الجمع قد وقع على القديم سبحانه، نحو قوله: ﴿والْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ 1، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ 2 وقوله: ﴿أَمْ نَحنُ الزَّارِعُونَ﴾ 3، وهو كثير، فلذلك عدل عن اشتراط العقل إلى العلم, لأنّ البارئ يوصَف بالعلم ولا يوصف بالعقل.
وإنّما قال: "لمن يعلم"، ولم يقل: "لأوُلي العلم"؛ لأنّ البارئ سبحانه عالمٌ لذاته، لا بعِلْمٍ عنده، فجرى في العبارة على قاعدةِ مذهبه.
فإن قيل: ولِمَ كان الجمع بالزيادة، ولم يكن بالنُّقْصان؟ قيل: لما كان الجمع تكثيرَ الواحد، وجب تكثيرُ حروف الواحد للدلالة على الجمع، لتكون الزيادةُ كالعوض من الأسماء الساقطة.
هذا هو القياس إلّا أن توجَد علّةٌ تقتضي الحذفَ والتخفيفَ.
فإن قيل: ولِمَ فُرق بين جمع من يعقل، وما لا يعقل؟ قيِل: القياس يقتضي التفرقةَ بين جمعِ من يعقل، وبين جمع ما لا يعقل، وبين كل مختلفَيْن في لفظٍ، أو معنى.
هذا هو الأصل، إلّا أن يدخل شيءٌ في غير بابه لضرب من المشاكلة.
فإن قيل: ولِمَ اختصّ هذا الجمعُ بأعلامِ من يعقل وصفاتهم؟ قيل: لمّا كانت الحاجة ماسّةً إلى الأعلام للإخبار عن كل شخص ممن 4 يعقل بما له أو عليه، من تبايُع
ومُعامَلة وغيرِها، كانوا بثباتها مُعتنين.
وتصحيح ألفاظها لفرطِ اهتمامهم بها، فجعلوا لجمعها لفظًا يحفظ صيغتَها من التغيير والتكسير.
وأمّا صفاتُهم؛ فإنّها جارية مجرى الأفعال، فزادوا عليها بعد تمامها على الجمع، كما يُفعل ذلك بالفعل في نحو: "يَقُومُونَ"، و"يَضْرِبُونَ" فكما جمعوا أفعالَهم بالواو والنون، كذلك جمعوا صفاتِهم؛ لأنّ الصفة تجري مجرى الفعل.
وأمّا النون فكالعوض من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد على ما بيّنّاه في فصل التثنية، وتحريكُها لالتقاء الساكنين، وهما النون، وما قبلها من حروف اللِّين.
وخُصّ الجمع بالفتح، ليُفرَّق بين نون الجمع ونون التثنية، وقد تقدم ذلك.
فقد جاءت أسماءٌ مجموعةٌ جمعَ السلامة، وهي مؤنّثةٌ، وليست واقعةً على من يعقل، وهي "ثُبَةٌ"، و"قُلَةٌ"، و"أَرْضٌ"، و"حَرَّةٌ"، و"إوَزَّةٌ".
وذلك من حيث كانت أسماء معتلّة منتقصًا منها، وأكثرُها محذوفةُ اللام، فجُعل جمعُها بالواو والنون كالعوض من الذاهب منها، فـ"ثُبَةٌ" بمعنى الجماعة من الناس وغيرهم، وأصلُه: "ثُبوة".
والذي يدلّ على ذلك قولُهم: "ثبَّيْتُ الشيء" إذا جمعتَه.
قال لَبِيدٌ [من الطويل]:
1 - تُثَبِّي ثَناءً من كَرِيمٍ وَقَوْلِه... ألا انْعَمْ على حُسْنِ التَّحِيةِ واشْرَبِ
فـ"ثَبَّيْتُ" يدلّ على أن اللام حرفُ علّة، وأن الثاء فاءٌ، والباء عينٌ، ولا يدلّ أنّه من واو أو ياء؛ لأنّ الواو إذا وقعتْ رابعةً طرفًا، لا تثبت، ألا تراهم قالوا: "عَدّيْتُ"، و"خَلَيْتُ"، وهو من "العَدْو"، و"الخَلْوَة".
لكن لما كان الأكثرُ فيما حُذفت لامُه من الواو، نحو: "أخٍ"، و"أَبٍ"، و"غَدٍ"، و"هَنٍ"، قُضي عليه أنه من الواو، والأكثر في
جمعها "ثُباتٌ" على قياسِ جمع الأسماء المؤنَّثة.
قال الله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ 1، فـ"ثُباتٌ" كقولك جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، قال [من الطويل]:
695 - فلمّا جَلاها بالإِيامِ تَحَيَّزَتْ... ثُباتٍ عليها ذُلُّها واكْتِئابُها
وقد ذهب أبو الحسن إلى أنّه ثُبَةُ الحوْض، وهي وَسَطُه، من "ثابَ الماء إليها"، وأنّ الكلمة محذوفةُ العين.
والصوابُ أن يكون المحذوف فيه اللامَ، ويكون من "ثبيْتُ".
وذلك أن مجتمع الماء وسطُه.
هذا مع كثرةِ ما حُذف لامه من الأسماء، وقلةِ المحذوف العين، ألا ترى أنّه لم يأتِ مما حُذف عينه إلّا في كلمتَيْن، قالوا: "سُهٌ" في "اسْتٍ"، وقالوا: "مُذْ" في "مُنْذُ"؟ وأما "قُلَةٌ" فأصله "قُلْوَة" لقولهم: "قَلَوْتُ بالقُلَة"، وجمعُه "قُلاتٌ"، و"قُلُونَ" لِما ذكرناه، وله نظائرُ من كلامهم، قالوا: "بُرَةٌ"، و"بُرُونَ"، و"سَنَةٌ" و"سِنُونَ"، و"مائَةٌ" و"مِئُونَ".
كل ذلك إنما جُمع بالواو والنون عوضا ممّا حُذف لامه، وربّما كسروا أوّله، فقالوا: "ثِبُونَ"، و"قِلُونَ"، و"سِنُونَ".
كأنّهم أرادوا أن يدخله ضربٌ من التكسير، ليُعلَم أنّه ليس مصحّحًا من كل وجه، إنّما ذلك لأمر عرض فيه.
ويؤكّد عندك أنهم إنّما جمعوه بالواو والنون لضرب من التعويض، أنّهم إذا جمعوه بالتاء، ردّوا ما حُذف منه، وقالوا: "سَنَواتٌ"، وإذا حذفوا، قالوا: "سِنُونَ"، وهذا ظاهرٌ.
وأمّا "أَرْضٌ"، و"أَرَضُونَ"، فإنّه وإن لم يكن منتقصًا منه شيءٌ، فيكونَ جمعُه بالواو2
والنون عوضًا منه، فإن "أرضًا" اسمٌ مؤنثٌ، والقياسُ في كل اسم مؤنّث أن يدخله علمُ التأنيث، للفرق بينه وبين المذكّر، نحو: "قائم"، و"قائمة"، و"ظريف"، و"ظريفة"، و"رَجُل"، و"رَجُلَة" وأمّا ما تُركت منه العلامةُ، فللخفّة والثِّقةِ بدلالةِ باقي الكلام عليه، قبله أو بعده، و"أرْضٌ" مؤنّثةٌ، فكان فيها هاءٌ مرادةٌ، وكان التقدير: أَرْضَةٌ، فلمّا حُذفت الهاء التي كان القياس يُوجِبها ويستحِقّها عَلَمُ الفرق، عوّضوا منها الجمعَ بالواو والنون، فقالوا: "أَرَضونَ"، وفتحوا الراء في الجمع، ليدخل الكلمةَ ضربٌ من التغيير استيحاشًا من أن يوفوه لفظَ التصحيح ألبتّةَ، وليُعْلِموا أيضًا أن "أرضًا" ممّا سبيلُه لو جُمع بالتاء أن يُفتَح راؤه، فيقال: "أرَضاتٌ"؛ لأنّ "فَعْلَةَ" إذا كان اسمًا، وجُمع بالألف والتاء، فإنّ عينه تُحرَّك في الجمع بالفتح أبدًا، نحو قولهم في "جَفنَةٍ": "جَفَناتٌ"، وفي "قَضعَةٍ": "قَصَعاتٌ"، فرقًا بين الاسم والصفة.
وأمّا "حَرَّةٌ"، فهي أرضٌ ذاتُ حجارة سُود كالمُحْرَقة، يقال: "حَرَّةٌ"، و"أَحَرَّةٌ"، والجمعُ "حَرُّون" و"أَحَرَّونَ"، قال الشاعر [من الرجز]:
1 - لا خِمْسَ إلا جَنْدَلُ الأَحَرِّينْ... والخِمْسُ قد أَجْشَمَكَ الأمَرَّينْ
وأصله: "أَخرَرَةٌ" على زنةِ "أَفْعَلَةَ"، فكرهوا اجتماعَ مثلَيْن متحرّكَيْن، فنُقلت حركةُ الأول إلى ما قبله، وهي الحاء، ثمّ ادُّغم أحدهما في الآخر.
ومثله "إوزَّةٌ" و"إِوَزُّونَ".
قال الشاعر [من البسيط]:
2 - تلْقى الإوَزُّونَ في أَكْنافِ دارَتِها... فَوْضًى وبين يَدَيها التِّيْنُ مَنْثُورُ
والعمل فيهما واحدٌ، لِما دخل هذا الضربَ من التغيير والادّغام، فيُجُرونه بجمعه على لفظٍ يحفظ صيغةَ واحده، ولا يدخله تغييرٌ آخرُ بسبب الجمع، وقالوا: "حَرَّةٌ"، و"حَرُّونَ"، فجمعوه أيضًا بالواو والنون حملًا على "أَحَرَّينَ"؛ لأنّه من لفظه ومعناه.
قال الشاعر [من الرجز]:
1 - فَمَا حَوَتْ نَقْدَةُ ذاتُ الحَرِّينْ
مع أن فيه من الادّغام مثلَ ما في "الأَحَرّين"، فاعرفه.
وأمّا المؤنّث، فجمعُه السالمُ بالألف والتاء، نحو: "الهِنْدات" و"المسلمات"، وكذلك ما أُلحق بالمؤنّث ممّا لا يعقل من نحو: "جِبال راسِياتٍ"، و"جِمالٍ قائماتٍ" فهذا الضربُ من الجمع إذا زدتَ في آخِره الألفَ والتاء، كالجمع المذكّر السالم في سلامةِ واحده.
وقد اختلفوا في هذه الألف والتاء، فقال بعضُ المتقدّمين: التاء للجمع والتأنيث، ودخلت الألف فارقةً بين الجمع والواحد، وقال قومٌ: التاء للتأنيث والألفُ للجمع.
والذي عليه الأكثرُ أنّ الألف والتاء للجمع والتأنيث من غيرِ تفصيل.
والذي يدلّ على ذلك أمران: أحدهما: إسقاطُ التاء الأولى التي كانت في الواحد في قولك: "مسلماتٌ"، = ولسان العرب 4/ 296 (دور)، 5/ 429 (وزز).
شرح المفردات: الأوزون: جمع الإوزّة.
الأكناف: جمع كَنَف وهو الجانب.
دارتها: منزلها، بيتها.
الإعراب: "تلقى": فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمّة المقدّرة على الألف.
"الأوزون": نائب فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
"في أكناف": جارّ ومجرور متعلقان بـ "تلقى".
"دارتها": مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"فوضى": حال منصوب بفتحة مقدّرة على الألف.
"وبين": الواو؛ حاليّة، "بين": مفعول فيه ظرف مكان منصوب بالفتحة، وهو مضاف متعلق بـ"منثور".
"يديها": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه "التبن": مبتدا مرفوع بالضمّة.
"منثور": خبر مرفوع بالضمّة.
وجملة "تلقى": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "التبن منثور": في محلّ نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "الإوزّون" حيث جاء جمع مذكر سالمًا للإوزة.
فلولا دلالةُ الثانية على التأنيث كدلالتها على الجمع؛ لم تسقط التاء الأولى، لئلا يُجمع في كلمة واحدة بين علامتَيْ تأنيث.
والأمر الثاني: أنّك لو أسقطتَ أحدهما، لم يُفهَم من الحرف الثاني ما يفهم من مجموعهما من الجمع والتأنيث.
فإن قيل: ولِمَ كانت الزيادةُ حرفَيْن؟ وهلّا كانت حرفًا واحدًا.
قيل: إنّما زادوا حرفَيْن؛ لأنّ جمعَ المؤنّث السالم فرعٌ على جمع المذكّر السالم، فكما أن المَزيد في جمع المذكر السالم حرفان، كذلك كان مثله في جمع المؤنّث، وكان الزائد الأول حرفَ مدّ ولِين كما كان في التثنية والجمع.
وإنّما اختيرت الألفُ دون الواو والياء لخفتها وثقلِ الجمع والتأنيثِ.
واختيرت التاء معها لوجهَيْن: أحدهما: أنّها تُشْبه الواوَ، ولذلك أُبدلت منها في مواضعَ كثيرةٍ، نحو: "تُكَأَةٍ"، و"تُخَمَةٍ"، والواو أختُ الألَف.
والوجة الثاني: أنّها تدل على التأنيث، فرُكّبت مع الألف ليدلّا على الجمع والتأنيث.
وهذه التاء هي حرفُ الإعراب في هذا الجمع؛ لأنها حرفٌ صيغت الكلمةُ عليه لمعنى الجمع، فكانت كالواو والياء في الجمع المذكر السالم، فالتاءُ والضمّةُ عليها بمنزلة الواو في "الزيدون"، والتاء والكسرةُ بمنزلة الياء في "الزيدين".
قال صاحب الكتاب: والثاني يعم من يعلم وغيرهم في أساميهم, وصفاتهم كـ "رجال" و"أفراس", و"جعافر" و"ظراف", و"جياد".
قال الشارح: قوله: "الثاني" يريد الثاني من ضربَي الجمع، وهو جمع التكسير، وهو يعُم من يعقل وما لا يعقل، نحو: "رِجالٍ"، و"أَفْراَسٍ" والمذكّرَ والمؤنّثَ، نحو: "هُنُودٍ"، و"زُيُودٍ".
وإنّما قيل له: "مكسَّرٌ"، لتغيُّرِ بنيته عمّا كان عليها واحدُه، فكأنّك فككتَ بناء واحده، وبنيتَه للجمع بناء ثانيًا، فهو مشبَّهٌ بتكسير الأبنية لتغيُّر بِنْيتها عن حال الصحّة.
وهذا التغييرُ يكون تارةً بزيادةٍ، وتارة بنقصٍ، وتارةً بتغييرِ بنيةِ الواحد من غيرِ زيادة ولا نقصٍ في الحروف.
فأما التغيير بالزيادة، فنحو: "رَجُلٍ"، و"رِجالٍ"، و"فَرَسٍ"، و"أَفْراسٍ".
ومثالُ التغيير بالنقص "إزارٌ"، و"أُزُرٌ"، و"خِمارٌ"، و"خُمُر".
وأمّا تغييرُ البناء، فهو راجع إلى تغيير الحركات، نحو: "أَسَدٍ"، و"أُسُدٍ"، و"وَثَنٍ"، و"وُثْنٍ".
والأصل في ذلك الجمعُ بالزيادة لِما ذكرناه، نحو: "فَلْسٍ" و"أَفْلُسٍ" و"فُلُوسٍ"، و"كَعْبٍ"، و"أَكْعُبٍ"، و"كِعابٍ".
فأمّا "إزازٌ"، و" أُزُرٌ"، و"خِمارٌ"، و"خمُرٌ"، و"أسَدٌ"، و"أُسُدٌ"، و"وثَنٌ"، و"وُثُنٌ"، فمنتقصٌ منه ومقصورٌ من "فُعُولٍ"، وأصله "أُزُورٌ"، و"أُسُودٌ"، لكنّهم حذفوا منه الواو لضرب من التخفيف.
واعلم أن إعراب هذا الضرب يكون باختلاف الحركات، نحو: "هذه دُورٌ
وقُصُورٌ"، و"رأيت دورًا وقصورًا"، و"مررت بدورٍ وقصورٍ" بخلافِ جمع الصحّة.
وإنّما كان إعرابُه بالحركات؛ لأنّه أشبه المفردَ؛ لأنّ الصيغهَ تستأنف له كما تستأنف للمفرد، وليس كذلك جمعُ السلامة، فإن الصيغة فيه هي صيغةُ المفرد.
وإنما زيد عليه زيادة تدل على الجمع، ويؤكّد شَبَهَ التكسير بالمفرد أنهم قد يصفون المفردَ بجمع التكسير، نحو قولهم: "بُرْمَةٌ أعْشارٌ" 1، و"ثَوْبٌ أَسْمالٌ" 2، و"قِدْرٌ أَكْسارٌ" 3، ولا يفعلون ذلك في جمع السلامة فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وحكم الزيادتين في "مسلمون" نظير حكمهما في مسلمان: الأولى علم ضم الإثنين فصاعداً إلى الواحد، والثانية عوض عن الشيئين، وتسقط عند الإضافة.
قال الشارح: حكم الزيادتَيْن في الجمع السالم، وهما الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الجرّ والنصب، حكم الزيادتَيْن في التثنية، فكما كانت الألف في التثنية عوضًا من ضمِّ اسم إلى اسم، وهو معنى الدلالة على التثنية، والثاني، وهو النون، عوضًا من الحركة والتنوين على ما قرّرناه، فكذلك الواو في الجمع السالم، والياء عوضٌ من ضمِّ الاسمَيْن فصاعدًا إلى الاسم المذكور، وهو معنى الجمع.
وفي هذه الواو ستُّ علامات: الجمعُ والتذكيرُ؛ لأنّ هذا الضرب من الجمع إنما هو للمذكرين ممّن يعقل، والسلامةُ، والقلّةُ، وعلامةُ الرفع، وحرف الإعراب، وكذلك الياء.
هذا مذهبُ سيبويه، وقد تقدّم ذكرُ الخلاف فيه.
وأمّا النون؛ فعوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد على حدّ ما ذكرناه في التثنية، قال: "وتسقطان في الإضافة"، يعني نون التثنية، ونون الجمع، نحو قولك: "جاءني مسلمُو زيدٍ"، و"رأيت مسلمِي زيد"، و"مررت بمسلمِي زيد"، كما تقول: "جاءني غلاما زيد" و"رأيت غلاميْ زيد"، و"مررت بغلامَيْ زيد".
وإنّما حُذفت هذه النون في الإضافة؛ لأنها عوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد، والتنوينُ يُحذف مع الإضافة، فحُذفت النون ها هنا كحَذْفه.
فإن قيل: فإذا كانت النون عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا، فما بالُها تُحذف مع الإضافة مع ثبوتِ أحد بدلَيْها، وهو الحركةُ؟ قيل: لمّا ثبتتْ مع الألف واللام مع حذف أحد
بدلَيْها، وهو التنوين؛ حُذفت مع الإضافة مع ثبوت أحد بدلَيْها، وهو الحركة، ليعتدلا.
فإن قيل: فهلّا عُكس الأمر فيهما؟ فالجواب أنّ الإضافة تقتضي الاتّصالَ؛ لأنّ المضاف إليه داخلٌ في المضاف من تمامه، والنونُ تفصل الاسمَ ممّا بعده، فكان إثباتُ النون مع الإضافة نقضًا للغرض بالإضافة.
والألفُ واللام يفصلان الاسمَ ممّا بعده؛ لأنهما يمنعان الإضافةَ على حد منع النون؛ فكأنّ في ثبوت النون مع الألف واللام تقريرًا للمعنى، وتأكيدًا له من غيرِ تدافُع.
ووجة ثانٍ أنّ الألف قد تلحق الواحدَ المنصوبَ مع الألف واللام في القوافي ورُؤُوسِ الآي، كقوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ 1 ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ 2 ونحو قول الشاعر [من الوافر]:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَا 3
فلو أُسقط النون مع الألف واللام في التثنية، لالتبست بالواحد فيما ذكرناه فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وقد أجرى المؤنث على المذكر في التسوية بين لفظي الجر والنصب، فقيل: "رأيت المسلمات", و"مررت بالمسلمات"، كما قيل: "رأيت المسلمين", و"مررت بالمسلمين".
قال الشارح: قد ذكرنا أن إعراب هذا الجمع بالحركات على القياس، وليس الأمرُ فيه كالتثنية والجمع اللذَيْن إعرابُهما بالحروف، وإذا كان إعرابُه بالحركات، فرَفْعُه بالضمّ، نحو: "هذه مسلماتٌ"، وفي الجرّ: "مررت بمسلماتٍ"، والنصبُ محمولٌ على الجرّ، فيكون في موضع النصب مكسورًا.
وإنما حُمل النصب فيه على الجرّ لوجهَيْن: أحدهما: أن جمع المؤنّث السالم فرعٌ على جمع المذكّر السالم، فكما حُمل منصوبُ جمع المذكّر على مجروره في مثل: "مررت بالزيدِينَ" و"رأيت الزيدِينَ"، كذلك حُمل منصوبُ جمع المؤنث السالم على مجروره في مثل: "مررت بالمسلماتِ"، و"رأيت المسلماتِ"، ليكون الفرعُ على منهاج الأصل، ولا يُخالِفه.
والوجهُ الثاني: أن جمع المؤنّث السالم يوافق جمعَ المذكّر السالم في أشياء، ويخالفه في أشياء.
فأمّا الموافقةُ، ففي سلامة الواحد، وزيادةِ الزيادتَيْن لعلامة الجمع، وكون الزائد الأوّل حرفَ مدّ.
وأمّا المخالفةُ، فمن جهةِ أنّ الزائد الثاني -وهو التاء- حرُف الإعراب يجري عليها حركاتُ الإعراب، وليس كذلك الجمعُ المذكرُ، فإن النون لا يدخلها إعرابٌ.
ومنها أنّ
الزيادة الأولى التي هي الألف لا تتغير كما تتغيَّر الزيادةُ الأولى في جمع المذكّر، نحو: "الزيدون"، و"الزيدين"، فتكون في الرفع واوًا، وفي الجرّ والنصب ياء.
وتثبت الزيادةُ الثانيةُ وهي التاء- في الجمع المؤنّث السالم، ولا تُحذف في الإضافة، نحو: "مسلماتُك".
وتُحذف النون من جمع المذكر في الإضافة إذا قلت: "مسلمُوك"، و"مسلمُو زيد".
فبالمعنى الذي استويا فيه؛ حُمل أحدهما على الآخر؛ لأنّ الشيء يُقاس على الشيء إذا كانا مشتبِهَيْن في معنًى ما، وإن كانا مختلفَيْن في أشياء أُخَرَ.
فبالمشابهة حُمل جمع المؤنّث على جمع المذكّر، بأن جُعل للرفع علامةٌ مفردةٌ، وللجرّ والنصب علامة واحدة اشتركا فيها، فقيل: "جاءني مسلماتٌ"، و"رأيت مسلماتٍ"، و"مررت بمسلماتٍ".
ولا يجوز فتحُ هذه التاء عندنا، وأجازه البغداديّون، وأنشدوا لأبي ذُؤَيْب [من الطويل]:
فلمّا اجْتَلاها بالإِيامِ تَحَيَّزَتْ... ثُباتًا عليها ذُلُّها وانْكِسارُها 1
وحكوا أيضًا: "سمعتُ لُغاتَهم".
ولا حجّةَ لهم في ذلك، لاحتمالِ أن يكون "لُغاتٌ" و"ثُباتٌ" واحدًا، فأصلُ "ثُبَةٍ": "ثُبْوَةٌ"، وأصلُ "لُغَةٍ": "لُغْوَةٌ" مثل "نُقْرَةٍ"، و"ثُغرَةٍ"، وإن كان استعمالُهما بحذف اللام، إلّا أنّهم تمّموهما، كقولهم: "حُلاةٌ"، و"حُلى"، و"مُهاةٌ"، و"مُهَى".
وقال أبو الخَطّاب: "واحدُ الطُّلَى طُلاةٌ"، فكذلك لغاتهم تكون على "فُعْلَةَ".
وحكى أحمدُ بن يحيي "سِمٌ"، و"سُمٌ"، و"سُماةٌ"، فرَدَّ اللام، وإن كان الاستعمال بحذفها، فلُغاتٌ مثلُ "سُماةٍ".
ومثله في الحذف والإتمام قولهم: "غَدٌ" و"غَدوٌ" في قوله [من الرجز]:
لا تَقْلُوَاها وادْلُوَاها دَلْوَا... إنّ مع اليَوْمِ أَخاه غَدْوَا 2
ويكون أجرى التاء في المفرد مجراها في الجمع، فردّ اللامَ مع المفرد كما تُرَدّ مع الجمع في قولهم: "أَخَواتٌ"، فإن قالوا: إِضافتُه إلى الجمع تدلّ أنّه جمعٌ؛ قيل: لا تدلّ إضافتُه إلى الجمع على أنّه جمع لاحتمالِ أن يكون من قبيل قوله [من الوافر]:
699 - كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا... فإنّ زَمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ3
فأمّا قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ 1، فيحتمل أن يكون من قبيل البيت، اكتفى بلفظ الإفراد عن الجمع لعدم الإلباس، ويجوز أن يكون "السمعُ" مصدرًا، والمراد: مواضعُ سمعهم.
ومثله قول الشاعر [من البسيط]:
700 - إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها مَرَضٌ... قَتَّلْنَنا ثمَّ لم يُحْيِينَ قَتْلانَا
فإنّه أفرد "الطرف"، إذ كان مصدرًا كـ"السمع".
فإن قيل: فقد قالوا: "استأصل الله عَرْقاتَهم"، أي: شأفَتَهم، بفتح التاء، هكذا جاء في كتاب العَيْن عن الخليل 3، وهذا الاسمُ ليس منتقصًا منه، فيقالَ: تُمِّمَ؛ قيل يحتمل أن يكون "عرقاتهم" واحدًا، والألفُ فيه للإلحاق بـ"دِرْهَم"، فألفُه كألف "مِعْزاةٍ"، و"سِعْلاةٍ"، فاعرفه.2
= الإعراب: "كلوا": فعل أمر مبني على حذف النون لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق.
"في بعض": جارّ ومجرور متعلقان بالفعل "كلوا".
"بطنكم": مضاف إليه مجرور، و"كم": ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"تعفوا": فعل مضارع مجزوم (لأنه جواب الطلب) بحذف النون من آخره، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق.
"فإن": الفاء: استئنافية، "إن": حرف مشبه بالفعل.
"زمانكم": اسم "إن" منصوب، و"كم": ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"زمن": خبر "إنّ" مرفوع بالضمة.
"خميص": صفة مرفوعة.
وجملة "كلوا": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تعفوا": جواب شرط لأداة شرط مقدّرة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "زمانكم زمن خميص": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "في بطنكم" حيث وضع "البطن" موضع "البطون" اجتزاءً بالمفرد عن الجمع.