شرح المفصل لابن يعيشفصل [معاني "إلي"]

فصل [معاني "إلي"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: و"إلى" معارضة لـ "من" دالة على انتهاء الغاية, كقولك: "سرت من البصرة إلى بغداد"، وكونها بمعنى المصاحبة في نحو قوله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ 1 راجع إلى معنى الانتهاء.

قال الشارح: اعلم أنّ "إلى" تدلّ على انتهاء الغاية كما دلّت "مِنْ" على ابتدائها، فهي نقيضتها، لأنها طَرَفٌ بإزاء طَرَف "مِنْ "، ولذلك قال: إنها مُعارِضةُ "مِنْ"، أي: مُجانِبةٌ، ومضادّةٌ لها.
ولا تختصّ بالمكان كما اختصّت "مِنْ" به، كقولك: "خرجت من الكوفة إلى البصرة"، فـ "إلى" دلت أن منتهى خروجك البصرة، وكذلك إذا قلت: "رَغِبْت إلى الله"، دللت به على أن منتهى رَغْبتك اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وإذا كتبتَ، فقلت: "من فلان إلى فلان"، فهو النهاية، فـ "مِنْ " للابتداء، و"إلى" للانتهاء.
وجائزٌ أن تقول: "سرت إلى الكوفة"، وقد دخلت الكوفةَ، وجائزٌ أن تكون قد بلغتَها، ولم تدخلها؛ لأنّ "إلى" نهايةٌ، فجائزٌ أن تقع على أوّل الحدّ.
وجائزٌ أن تتوغّل في المكان، ولكن تُمْنَع من مجاوَزته؛ لأن النهاية غايةٌ، وما كان بعده شيء لم يُسَمَّ غايةً.
وتحقيقُ ذلك أنها لانتهاء غاية العمل، كما أن "مِنْ" لابتداء غاية العمل، إلَّا أنه قد يُلابِس الابتداءُ موضعًا من المواضع، فيكون من أجل تلك الملابسة ابتداءً للغاية، وقد يلابس انتهاءُ الغاية موضعًا من المواضع، فيكون من أجل تلك الملابسة انتهاءً للغاية، وذلك نحوُ: "خرجت من بغداد إلى الكوفة"، فعلى هذا تكون "المَرافِق" داخلةً في الغَسْل عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 2.

ولا يُعْدَل عن هذا الأصل إلَّا بدليل، وإذا قلت: "كِتابي إلى فلان"، فمعناه أنه غاية الكتابة، إذ لا مطلوبَ بعده، وليس هناك عملٌ يتّصل إلى فلان كما يتّصل عملُ السير والخروج وما أشبهه من النزول وغيره.
ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ 1، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ 2، وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ 3 و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 4، فالثمر غايةٌ للنظر، والأب غايةٌ للرجوع، والله تعالى غايةٌ لصعود الكلم ينتهي عنده، وليس في ذلك عملٌ يتّصل بالغاية.
فأمّا قولُ من جعلها بمعنى "مَعَ" وبمعنى غيرها من الحروف، فيحتجّ بقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 6، ويحمل عليه قولَه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 7، قالوا: لأنه لا يُقال: "نصرتُ إلى فلان"، بمعنى: "نصرتُه"، ولا "أكلتُ إلى مال فلان"، بمعنى: "أكلتُه"، وإنّما المعنى يعود إلى أن يكون بمعنى "مَعَ"، ولذلك دخلت "المرافق" في الغسل.
والتحقيقُ في ذلك أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخرَ، وكان أحدُهما يصل إلى معموله بحرفٍ، والآخرُ يصل بآخر؛ فإن العرب قد تتّسع، فتُوقِع أحدَ الحرفَيْن موقعَ صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، وذلك كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 8، وأنت لا تقول: "رفثت إلى المرأة"، إنما يُقال: "رفثت بها"، لكنّه لمّا كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنتَ تُعدِّي "أفضيتُ" بـ "إلى"؛ جئت بـ "إلى" إيذانًا بأنه في معناه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 9، لمّا كان معناه: مَن يُضاف في نَصْري إلى الله؛ جاز لذلك أن تأتي بـ "إلى" ها هنا.
وكذلك قوله عزّ اسمُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 10، لمّا كان معنى الأكل ها هنا الضمّ والجمع لا حقيقة المَضْغ والبَلْع، عدّاه بـ "إلى"، إذ المعنى: لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم.
فأمّا قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 11، فقد ذكرنا الوجه في دخول "المرافق" في الغسل.
وفيه وجهٌ ثانٍ أنّ "إلى" هنا غايةٌ في الإسقاط، وذلك أنه لمّا قال: "اغسلوا وجوهكم وأيديكم"؛ تَناول جميعَ اليد، كما تناول جميع الوجه، واليَدُ اسمٌ للجارحة من رأس الأنامل إلى الإبْط، فلمّا قال: "إلى المرافق"؛ فصار إسقاطًا إلى المرافق، فالمرافق غايةٌ في الإسقاط، فلم تدخل في الإسقاط، وبقيتْ واجبةَ الغسل.
ولو كانت "إلى"

بمعنى "مَعَ"، لساغ استعمالُها في كلّ موضع بمعنى "مَعَ".
وأنت لو قلت: "سرتُ إلى زيد" تريد: مع زيد؛ لم يجز؛ إذ لم يكن معروفًا في الاستعمال، ولذلك قال صاحب الكتاب: "وكونها بمعنى المصاحبة راجع إلى معنى الانتهاء"، فاعرفه.

جارٍ التحميل