شرح المفصل لابن يعيشفصل [معاني "أصبح", و"أمسي", و"أضحي"]

فصل [معاني "أصبح", و"أمسي", و"أضحي"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: و"أصبح", و"أمسى", و"أضحى" على ثلاث معانٍ: أحدهما أن تقرن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة "كان".
والثاني: أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات, كـ "أظهر" و"أعتم".
وهي في هذا الوجه تامة يسكت على مرفوعها.
قال عبد الواسع بن أسامة [من الطويل]: 1018 - ومن فعلاتي أنني حسن القري... إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها 12 = والشاهد فيه قوله: "ومن عضة ما... " حيث جاء بالعجز لتأكيد معنى الشكير.
تنبيه: من أمثال العرب "في عضةٍ ما ينبتنّ شكيرُها" (خزانة الأدب 4/ 22؛ ومجمع الأمثال 2/ 74)، وهو يُضرب في تشبيه الولد بأبيه.

قال الشارح: قد استعملت هذه الأفعال على ثلاثة معانٍ كما ذكر: أحدها: أن تدخل على المبتدأ والخبر لإفادة زمانها في الخبر، فإذا قلت: "أصبح زيد عالمًا"، و"أمسى الأمير عادلًا"، و"أضحى أخوك مسرورًا"، فالمراد: أنّ علم زيد اقترن بالصباح، وعدل الأمير اقترن بالمساء، وسرور الأخ اقترن بالضحى.
فهي كـ"كانَ" في دخولها على المبتدأ، وإفادةِ زمانها للخبر، إلّا أن أزمنة هذه الأشياء خاصة، وزمانُ "كانَ" يعُمّ هذه الأوقات وغيرَها، إلّا أن "كانَ" لِما انقطع، وهذه الأفعال زمانُها غير منقطع، ألا ترى أنك تقول: "أصبح زيد غنيًّا"، وهو غنيّ وقتَ إخبارك غيرَ منقطع.
الثاني: أن تكون تامّة تجتزىء بمرفوع لا غير، ولا تحتاج إلى منصوب، كقولك: "أصبحنا"، و"أمسينا"، و"أضحينا"، أي: دخلنا في هذه الأوقات، وصِرْنا فيها، ومنه قولهم: "أفْجَرْنا"، أي: دخلنا في وقت الفجر.
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - فما أفْجَرَت حتّى أُهِبّ بسُحْرَةٍ... عَلاجِيمُ عِينِ ابنِي صَباحٍ يُثِيرُها = المعنى: يقول: إنه كريم يطعم الضيوف في أيام الجدب والشدّة.
الإعراب: "ومن فعلاتي": الواو: بحسب ما قبلها، و"من فعلاتي": جارّ ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، وهو مضاف، والياء: ضمير متّصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
"أنني": حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل مبني في محلّ نصب اسم "أن".
"حسن": خبر "أنّ" مرفوع، وهو مضاف.
"القرى": مضاف إليه مجرور.
"إذا": ظرفية حينية فقدت معنى الشرط مبنية على السكون متعلقة بالجواب المحذوف.
"الليلة": فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور.
"الشهباء": نعت "الليلة" مرفوع.
"أضحى": فعل ماضٍ تام.
"جليدها": فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"ها": ضمير متّصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
والمصدر المؤول من "أنّ" وما بعدها في محلّ رفع مبتدأ.
وجملة "الليلة الشهباء": في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة "أضحى جليدها": تفسيريّة لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "أضحى جليدها" حيث ورد الفعل "أضحى" تامًا بمعنى الدخول وقت الضحى.

ومثله قول الآخر [من الطويل]: 1 - فأصبحوا والنَّوَى عالِي مُعَرَّسِهم... وليس كُل النَّوَى تُلْقِي المَساكينُ أي: أصبحوا وهذه حالهم.
ومنه "أشْمَلْنا"، و"أجنبنا"، و"أصْبَيْنا"، أي: دخلنا في أوقات هذه الرياح، وكذلك يُقال: "أدنف"، كأنه دخل في وقت الدَّنَف.
وأكثرُ ما يستعمل ذلك في وقت الأحيان.
فأما قوله [من الطويل]: ومن فعلاتي... إلخ البيت لعبد الواسع بن أُسامَةَ، والشاهد فيه قوله: "أضحى جليدها"، والاكتفاءُ بالمرفوع، أي: صار جليدُها في وقت الضحى.
يصف نفسه بالكرم، وأنه حسنُ القرى للأضياف حتى عند عزّة الطعام والجَدْبِ، وأراد بالليلة الشهباء المُجْدِبة الباردة التي = وفاعله ضمير مستتر جوازًا تقديره: "هو" و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به.
وجملة "ما أفجرت": حسب الفاء (استئنافية لا محلّ لها).
وجملة "أهب": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "يثيرها": في محلّ نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "أفجرت" أي دخلت في وقت الفجر.

أضحى جليدُها، أي: دخل جليدها في وقت الضحى.
يريد أنه طال مَكْثُه لشدّة البرد، ولم يَذُبْ عند ارتفاع النهار.
والجليد: ما جمد من النَّدى.

قال صاحب الكتاب: والثالث أن يكون بمعنى "صار", كقولك: "أصبح زيد غنياً وأمسى فقيراً".
وقال عدي [من الخفيف]: 1 - ثم أضحوا كأنهم ورقٌ جفف... فألوت به الصبا والدبور

قال الشارح.
الوجه الثالث: أن تستعمل بمعنى "كان"، و"صار"، من غير أن يُقصد بها إلى وقت مخصوص، نحوَ قولك: "أصبح زيدٌ فقيًرا، وأمسى غنيًا"، تريد به أنه صار كذلك مع قطع النظر عن وقت مخصوص.
ومنه قول عديّ بن زيد [من الخفيف]: ثمّ أضحوا كأنّهم ورق... إلخ يريد أنهم صاروا إلى هذه الحال.
شبّه أحِبّاءَه وانقراضَهم بورق الشجر وتغيُّرِه وجَفافِه، وذكر الصبا والدبور- وهما ريحان- لأنّ لهما تأثيرًا في الأشجار.
ومثله قول الآخر [من المنسرح]: 1021 - أصبحتُ لا أحْمِلُ السِّلَاح ولا... أمْلِكُ رَأسَ البعير إنْ نَفَرَا2

جارٍ التحميل