شرح المفصل لابن يعيشفصل [مجيء الظرف مصدرًا]

فصل [مجيء الظرف مصدرًا]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "وقد يجعل المصدر حيناً لسعة الكلام, فيقال: "كان ذلك مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، وصلاة العصر", ومنه "سير عليه ترويحتين"، و"انتظر به نحر جزورين"، وقوله تعالى: ﴿وإدبار النجوم﴾ 1.

قال الشارح: اعلم أنّهم قد جعلوا المصادر أحيانًا أوقاتًا توسُّعًا، وذلك نحو: "خُفوقَ النجم"، بمعنى مَغِيبه، و"خلافةَ فلان"، و"صلاة العصر".
فالخلافةُ، والصلاةُ مصدران في الحقيقة، جُعلا حينًا توسُّعًا وإيجازًا.
فالتوسُّعُ بجَعْلِ المصدر حينًا، وليس من أسماء الزمان، والإيجازُ الاختصارُ بحذفِ المضاف، إذ التقدير في قولك: "فعلتُه خُفوقَ النجم، وصلاة العصر": وقتَ خفوق النجم، ووقتَ صلاة العصر، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، واختصّ هذا التوسّعُ بالأحداث، لأنّها منقضِيةٌ كالأزمنة، وليست ثابتةً كالأعيان.
فجاز جعلُ وُجودها وانقضائها أوقاتًا للأفعال، وظروفًا لها كأسماء الزمان.
قال سيبويه 2: وليس ذلك بأبْعَدَ من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا".
يعني أنّ حذفَ الوقت من "مقدم الحاجّ" و"خفوق النجم"، وإقامةَ المضاف إليه مقامَه ليس بأبعد من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا"، إذ التقديرُ: وُلد له الأوْلادُ في ستّين عامًا، فحُذفت "الأولاد"، و"في"، فالمحذوفُ شيئان.
والمحذوفُ في قولك: "خفوق النجم" شيءٌ واحدٌ، وهو زمانٌ أو وَقْتٌ، إلّا أنّ الصيغة تقتضي في "وُلد له ستّون عامًا" أن يكون التقدير: وُلد له أولادُ ستّين عامًا، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وجُعل "الأولاد" للأَعْوام مجازًا، إذ كانت فيها، كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ" لأنّ النَّوْمَ في الليل، والصَّوْم في النهار.
ومن ذلك: "سِيَر عليه تَرْوِيحتَيْن"، و"انْتُظر به نَحْرَ جَزُورَيْن"، يريد زَمَنَ = لها.
"قصدت": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث، والفاعل: ضمير مستتر تقديره "هي".
"من أهلها": جار ومجرور متعلقان بـ "قصدت"، و"ها": ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.
"لسوائكا": جار ومجرور متعلّقان بـ "قصدت"، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والألف للإطلاق.
وجملة "تجانف": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ما قصدت": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "لسوائكا": حيث جاء بـ "سواء" مجرورة بحرف الجر "اللام"، مما يدلّ على أنها تستعمل ظرفًا وغير ظرف.

ترويحتَيْن، و"زمنَ نحرِ جزوَرْين"، والمرادُ مُدَّةَ هذا الزمنِ.
و"الترويحتين": تثنيةُ "الترويحة" واحدة التراوِيح في الصلاة.
يقال: "صلى ترويحتَيْن"، و"صلّى خَمْسَ ترويحاتٍ"، وهي أزمنةٌ مُوَقَّتةٌ تقع في جوابِ "مَتَى" من حيثُ هي موقَّتة، فيقال: "متى سِيَر عليه"؟ فيقال: "خفوقَ النجم، ومقدم الحاجّ، وصلاة العصر".
وتقع في جواب "كَمْ" من حيث كانت مُدَّة معلومةً، فإذا قيل كم سير عليه"؟ جاز أن يكون جوابه: مقدمُ الحاجّ، وخلافةُ فلان، إن شئت رفعتَه بفعل ما لم يسمَّ فاعله، وإن شئت نصبته على الظرف.
كلُّ ذلك عربىٌّ جيّدٌ، وقد تقدّم علّةُ ذلك.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (1) قُرىء بكسر الهمزة وفتحِها (2)، فمن كسر كانت مصدرًا، جُعل حينًا توسُّعًا، فهو من باب "خفوق النجم"، و"مقدمَ الحاجّ"، ومَن فتح الهمزة كان جمعَ "دُبْرٍ" على حدّ "قُفلٍ"، و"أقْفالٍ"، أو"دُبُرٍ" على حدّ "طُنُبٍ"، و"أَطْنابٍ"، وقد استُعمل ذلك ظرفًا، كقولك: "جئتُك في دُبْرِ كل صلاةٍ، وفي أدْبارِ الصلوات".
قال الشاعر [من الطويل]: 257 - على دُبُرِ الشَّهْرِ الحَرَامِ بأَرْضِنَا... وما حَوْلَها جَدَّتْ سِنُونَ تُلَمِّعُ فقراءةُ مَن كسر الهمزةَ أدْخلُ في الظرفيّة من قراءةِ مَن فتح.
ولذلك يَقِلّ ظهورُ "في" مع المكسورة بخِلافِ مَن فتح.

جارٍ التحميل