شرح المفصل لابن يعيشفصل [فعل الشرط وجوابه]

فصل [فعل الشرط وجوابه]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ولا يخلو الفعلان في باب "إن" من أن يكونا مضارعين، أو ماضيين، أو أحدهما مضارعاً والآخر ماضياً.
فإذا كانا مضارعين, فليس فيهما إلا الجزم، وكذلك في أحدهما إذا وقع شرطاً.
فإذا وقع جزاء, ففيه الجزم والرفع.
قال زهير [من البسيط]: 1171 - وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول لا غائب مالي ولا حَرِمُ 12

قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ "إن" الشرطيّةَ تدخل على جملتَين فعليّتَين، فتُعلَّق إحداهما بالأُخرى، وتربط كلَّ واحدة منهما بصاحبتها حتى لا تنفرد إحداهما عن الأُخرى.
وإنّما وجب أن تكون الجملتان فعليّتين من قبل أن الشرط إنما يكون بما ليس في الوجود، ويحتمل أن يوجَد وأن لا يوجد، والأسماءُ ثابتةٌ موجودة لا يصح تعليقُ وجود غيرها على وجودها.
ولا يخلو هذان الفعلان من أن يكونا مضارعين، أو ماضيين، أو أحدهما ماضيًا والآخر مضارعًا.
فإن كانا مضارعين، كانا مجزومين، وظهر الجزمُ فيهما، كقولك: "إن تقم أقم".
وإن كان ماضيين، كانا مُثْبَتَيْن على حالهما، وكان الجزم فيهما مقدّرًا، نحوَ قولك: "إن قمتَ قمتُ"، والمعنى: "إن تقم أقم".
فإن كان الأوّل ماضيًا والثاني مضارعًا، فيكون الأول في موضعِ مجزوم، والثاني معربًا، نحوَ قولك: "إن قمتَ أقم".
ولا يحسن عكسُ هذا الوجه بأن يكون الأوّل مضارعًا معربًا والثاني ماضيًا مبنيًّا، نحوَ قولك: "إن تقم قمت".
وذلك لأمرين: أحدهما أنّ الشرط إذا كان مجزومًا، لزم أن يكون جوابه كذلك؛ لأنّك إذا أعملته في الأوّل، كنت قد أرهفتَه للعمل غايةَ الإرهاف، فتركُ إعماله في الثاني تراجع عمّا اعتزموه، وصار بمنزلةِ "زيدٌ قائمٌ ظننتُ ظَنًّا"؛ لأن تأكيد الفعل إرهافٌ وعنايةٌ بالفعل، وإلغاؤُه إهمالٌ واطراحٌ، وذانك معنيان متدافعان.
الثاني أنّ "إنْ"، إذا جزمتْ، اقتضتْ مجزومًا بعدها؛ لأنّها بجزْمها ما بعدها يظهر أنّها تجزم، وجزمُها يتعلّق بفعلين.
وإذا لم يظهر جزمُها، صارت بمنزلةِ حرف جازم لا يؤتى له بمجزوم.
فأمّا قوله تعالى.
﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 1 فإنّ جَزْمَ "تغفر لنا" بـ "لم" لا بـ "إِن".
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 2، لمّا كانت "إنْ" هي الجازمةَ "ليغفر لي" جُزم الجواب؟ وقد يُجزم الجواب وإن كان الشرط غير مجزوم.
وأحسنُ ذلك أن يكون الشرط بـ "كَانَ"؛ لقوّةِ "كان" في باب المجازاة، وقول صاحب = عمل "لا"، و"غائب" عنده مبتدأ مرفوع.
"مالي": فاعل لاسم الفاعل "غائب" مرفوع سدّ مسدّ الخبر، وهو مضاف، والياء: ضمير متصل مبنيّ في محل جرّ بالإضافة.
"ولا": الواو: حرف عطف، لا: زائدة لتأكيد النفي.
"حرم": معطوف على "غائب" مرفوع.
وجملة "إن أتاه خليل.... ": لا محلّ لها من الإعراب لأنهّا استئنافية، أو معطوفة على جملة سابقة.
وجملة "يقول... ": لا محلّ لها من الإعراب لأنها جواب شرط جازم غير مقترن بالفاء أو "إذا".
وجملة "لا غائب مالي": في محلّ نصب مفعول به.
والشاهد فيه قوله: رفع "يقول" على نيّة التقديم، والتقدير: يقول إنْ أتاه خليل.
وجاز هذا لأنَّ "إنْ" غير عاملة في اللفظ، والمبرّد يقدّره على حذف الفاء.
والجزمُ جائز.

الكتاب: وإذا وقع جزاءً، يعني المضارع، ففيه الجزمُ والرفعُ.
فأمّا قوله [من البسيط]: وإن أتاه خليل... إلخ فالشاهد فيه رفعُ "يقول"، وهو الجواب، أمّا الجزم فصحيحٌ على ما ذكرناه، وأمّا الرفع فقبيحٌ، والذي جاء منه في الشعر متأْوَّلٌ من قبيل الضرورة، فقوله: "يقول: لا غائب مالي ولا حرم"، فسيبويه 1 يتأوّله على إرادة التقديم، كأنّ المعنى "يقول إن أتاه خليل".
وقد استُضعف، والجيّدُ أن يكون على إرادة الفاء، فكأنّه قال: فيقول.
والفاءُ قد تُحذف في الشعر، نحوِ قوله [من البسيط].
1172 - مَن يفعلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُها... [والشّرُ بالشرّ عند الله مثلانِ] ومثله قوله [من الرجز]: 1173 - يَا أقْرعُ بْنَ حابِسٍ يا أقرَعُ... إنّك إن يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ23

والمعنى: "إنك تصرعُ إن يصرعْ أخوك"، أو على تقدير الفاء.
ومثله قول الآخر [من الطويل]: 1 - فقلتُ تَحَمَّلْ فَوْق طَوْقِك إِنهّا... مُطَبَّعَةٌ مَن يَأتِها لا يَضِيرُها فرفع على إرادة التقديم أو إرادة الفاء، فاعرفه.
=277؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 202؛ والإنصاف 2/ 623؛ ورصف المباني ص 104؛ وشرح الأشموني 3/ 586؛ وشرح التصريح 2/ 249؛ وشرح عمدة الحافظ ص 354؛ ومغني اللبيب 2/ 553؛ والمقتضب 2/ 72؛ وهمع الهوامع 2/ 72. الإعراب: "يا": حرف نداء.
"أقرع": منادى مبنىّ على الضمّ في محل نصب.
"ابنَ": نعت "أقرع"، تبعه في المحلّ منصوب، وهو مضاف.
"حابس": مضاف إليه مجرور.
"يا أقرع": توكيد لفظي للنداء الاوّل.
"إنّك": حرف مثله بالفعل، والكاف: ضمير في محل نصب اسم "إنّ".
"إن": حرف شرط جازم.
"يصرع": فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم لأنه فعل الشرط.
"أخوك": نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والكاف: في محلّ جرّ بالإضافة.
"تصرع": فعل مضارع مبني للمجهول، وهو جراب الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت.
جملة النداءا "يا أقرع": ابتدائية لا محل لها من الإعراب- وجملة "إنك إن يصرع.. ".:استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "إن يصرع أخوك": اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "يُصرعْ"، جملة الشرط غير الظرفي لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "تصرع": في محل رفع خبر "إنك".
والشاهد فيه قوله: "إن يُصرع.. تُصرعُ": حيث رفع "تصرع" على تقدير الفاء، أو على تقدير: "إنَّكَ تُصرعُ إن يصرعْ أخوك".

جارٍ التحميل