فصل [عامل الحال]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: "والعامل فيها إما فعل وشبهه من الصفات, أو معنى فعل, = وسر صناعة الإعراب 2/ 678؛ وشرح أبيات سيبويه 2/ 244، 245؛ وشرح التصريح 2/ 208؛ وشرح شواهد المغني 2/ 577، 793؛ والكتاب 3/ 510؛ ولسان العرب 1/ 759 (نصب)، 2/ 473 (سبح)، 13/ 429 (نون)؛ واللمع ص 273؛ والمقاصد النحوية 4/ 340؛ والمقتضب 3/ 12؛ وبلا نسبة في الإنصاف 2/ 657؛ وأوضح المسالك 4/ 113؛ وجمهرة اللغة ص 857؛ وجواهر الأدب ص 57، 108؛ ورصف المباني ص 32، 334؛ والممتع في التصريف 1/ 40؛ وهمع الهوامع 2/ 78.
المعنى: ولا تذبح القرابين للأنصاب، واعبد الله وحده، ولا تعبد الأوثان.
الإعراب: "وذا": الواو حرف عطف، و"ذا": اسم إشارة مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف.
"النصب": بدل منصوب بالفتحة.
"المنصوب": نصب منصوب بالفتحة.
"لا": حرف نهي وجزم.
"تنسكنّه": فعل مضارع مبنيّ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والنون للتوكيد، وهو في محل جزم، و"الهاء": ضمير متّصل مبني في محلّ نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"ولا": الواو حرف عطف، و"لا": حرف نهي وجزم.
"تعبد": فعل مضارع مجزوم بالسكون، وحرّك بالكسر منعًا من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"الشيطان": مفعول به منصوب بالفتحة.
"والله": الواو حرف عطف، و"الله": اسم الجلالة مفعول به مقدّم منصوب بالفتحة.
"فاعبدا": الفاء زائدة، و"اعبدا": فعل أمر مبنيّ على الفتحة لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا مراعاة للرويّ.
وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
وجملة الفعل المحذوف معطوفة لا محلّ لها من الإعراب، وجملة "لا تنسكنه" لا محل لها من الإعراب لأنّها تفسيريّة، وجملة "ولا تعبد الأوثان" معطوفة لا محل لها من الإعراب، وكذلك جملة "والله فاعبدا".
والشاهد فيه قوله: "فاعبدا" حيث أبدل النون الخفيفة ألفًا في الوقف.
كقولك: "فيها زيد مقيماً"، وهذا عمرو منطلقاً، وما شأنك قائماً، وما لك واقفاً.
وفي التنزيل: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ 1،و ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ 2. و"ليت", و"لعل", و"كأن" ينصبنها أيضًا, لما فيهن من معنى الفعل، فالأول يعمل فيها متقدمًا ومتأخراً ولا يعمل فيها الثاني إلا متقدماً, وقد منعوا في مررت راكباً بزيد أن يجعل الراكب حالاً من المجرور".
قال الشارح: اعلم أنّ الحال لا بدّ لها من عامل إذ كانت مُعرَبةً، والمعربُ لا بدّ له من عامل.
ولا يكون العاملُ فيها إلَّا فعلًا، أو ما هو جارٍ مجرى الفعل من الأسماء، أو شيئًا في معنى الفعل، لأنّها كالمفعول فيها.
فمثال العامل إذا كان فعلًا قولُك: "جاء زيدٌ ضاحكًا"، فـ "زيدٌ" مرتفعٌ بأنّه فاعلٌ، و"ضاحكًا" حالٌ منه، والعاملُ فيهما الفعلُ المذكورُ الذي هو "جَاءَ"، لأنّ الحال صفةٌ من جهة المعنى.
ولذلك اشتُرط فيها ما يُشترط في الصفات من الاشتقاق، نحوِ: ضاربٍ، ومضروبٍ، وشِبْهِهما.
فكما أنّ الصفة يعمل فيها عاملُ الموصوف، فكذلك الحالُ يعمل فيها العاملُ في صاحب الحال، إلَّا أنّ عمَله في الحال على سبيلِ الفَضْلة، لأنّها جاريةٌ مجرى المفعول، وعمَلَه في الصفة على سبيل الحاجة إليها، إذ كانت مُبيِّنةً للموصوف، فجرتْ مجرَى حرف التعريف.
وهذا أحد الفُروق بين الصفة والحال.
وذلك أنّ الصفة تفرُق بين اسمَيْن مشترِكَين في اللفظ، والحالَ زيادةٌ في الفائدة والخبرِ، وإن لم يكن الاسمُ مشاركًا في لفظه.
ألا ترى أنّك إذا قلت "مررتُ بزيدٍ القائمِ"، فأنت لا تقول ذلك إلَّا وفي الناس رجلٌ آخَرُ اسمُه زيدٌ، وهو غيرُ قائم، ففصلتَ بالقاَئم بينه وبين مَن له هذا الاسمُ، وليس بقائمٍ؟ وتقول: "مررت بالفَرَزْدَق قائمًا"، وإن لم يكن أحدٌ اسمُه الفرزدقُ غيرُه، فضممتَ إلى الإخبار بالمُرور خبرًا آخرَ متّصِلًا به مُفيدًا، إلَّا أنّ الخبر بالمرور على سبيل اللزوم، لأنّه به انعقدتِ الجملةُ، والإخبار بالقيام زيادةٌ، يجوز الاستغناءُ عنها.
ومثالُ ما كان جاريًا مجرى الفعل من الأسماء اسمُ الفاعل، واسمُ المفعول، والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل، نحوُ قولك: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا".
فـ "قائمٌ" حال من "عمرٍو"، والعاملُ فيه اسمُ الفاعل.
وتقول: "زيدٌ مضروبٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في اسم المفعول، وهو العاملُ.
وتقول: "زيدٌ حسنٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في الصفة، وهي العاملةُ في الحال، لأنّها مشبَّهةٌ باسم الفاعل على ما سيأتي بَيانُه.
ومثالُ العامل فيها إذا كان معنَى فعلٍ قولُك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فـ "قائمًا" حالٌ
من المضمر في الجارّ والمجرور، وهو العاملُ فيها لنِيابَته عن الاستقرار، فهذا العاملُ معنَى فعل، لأنّ لفظ الفعل ليس موجودًا، هذا إذا جعلتَه ظرفا لزيدٍ، ومستقَرًّا له.
فإن جعلتَه ظرفًا للقائم، قلت: "زيدٌ في الدار قائمٌ"، فترفع "قائمًا" بالخبر، ويكون الظرفُ صلةً له.
واعلم أنّه إذا كان العاملُ فيها فعلًا جاز تقديمُ الحال عليه، فتقول: "جاء زيدٌ قائمًا"، و"جاء قائمًا زيدٌ"، و"قائمًا جاء زيدٌ".
كلُّ ذلك جائزٌ لتصرُّفِ الفعل.
وكذلك ما أشْبَهَه من الصفات يجوز تقديمُ الحال عليه إذا كان عاملًا فيها، فتقول: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا"، و"قائمًا زيدٌ ضاربٌ عمرًا"، وكذلك اسمُ المفعول والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل.
حُكْمُ الجميع شيءٌ واحدٌ.
فإن كان العاملُ في الحال معنَى فعل، لم يجز تقديمُها على العامل.
تقول: "فيها زيدٌ مُقِيمًا"، و"عندك عمرٌو جالِسًا"، فـ "زيدٌ" مرتفِعٌ بالابتداء، "وفِيهَا"، الخبرُ قد تقدّم، و"مقيمًا" حالٌ من المضمر في "فِيهَا" والعاملُ فيها الجارُّ والمجرورُ لِنيابَته عن الفعل الذي هو اسْتَقَرَّ، فقولُك: "عندك" ظرفٌ منصوبٌ بِـ "استقرّ" العاملِ المقدَّرِ.
وكذلك "فِيهَا" في محلِّ نصب بِـ "استقر" المقدَّرِ، وهذا الظرفُ والضميرُ الذي فيه في محلّ مرفوع على الخبر.
وليس الظرفُ خبرًا في الحقيقة إذا كان مفردًا، وليس الأوّلَ، وإنّما هو موضعٌ له ومكانٌ.
وإذا كان كذلك، فالعاملُ إذا معنَى الفعل، لا لفظُه.
ألا ترى أنّ الفعل ليس موجودًا في اللفظ، ولذلك لا تقول: "مُقيمًا فيها زيدٌ": فتُقدَّمَ الحالَ هنا، إذ كان العاملُ معنًى.
هذا مذهبُ سيبويه 1 في أنّ الاسمَ يُرفَع بالابتداء.
وقال الكوفيون 2: إذا تقدّم الظرفُ ارتفع الاسمُ به، وإذا تأخّرَ ارتفع الاسم بضمير مرفوع في الظرف، وحُجَّةُ سيبويه أنّا رأيناهم إذا أدخلوا على الظرف "إنَّ" وَنَحْوَها من عوامل الابتداءِ، انتصب الاسمُ بعد الظرف بها، كقولك: "إنّ في الدار زيدًا".
فلو كان "في الدَارِ" يرفع "زيدًا" قبلَ دخولِ "إنَّ"، لَمَا غيّرتْها "إنَّ" عن العمل، كما أنا لو قلنا: "أنْ يقومَ زيدٌ".
لم يجز أن يبطُل عملُ: "يَقُومَ" في "زيدٍ"، بل يُقال: "أن يقومَ زيدٌ".
كذلك "إنَّ في الدار زيدًا".
وممّا يدلّ على بُطْلانِ ما قالوه إجماعُهم على جوازِ "في داره زيدٌ".
فلو كان ارتفاعُ "زيد" بالظرف، لم تجز المسألةُ؛ لأنّ فيها إضمارًا قبل الذِّكْر، إذ الظرفُ قد وقع في مَرْتَبته، فلم يجز أن يُنْوَى به التأخيرُ، وإنّما يُجِيز سيبويه وأصحابُه: "في داره زيدٌ" لأنّه خبرٌ قُدّم اتّساعًا، فجاز أن يُنوَى به التأخير إلى موضعه، فاعرفه.
فعلى هذا يكون الظرف
لـ "زيدٍ" ويَتعلّق بِاستقرارٍ محذوفٍ على ما شرحنا.
ويجوز أن ترفع "قائمًا" على الخبر، ويكون الظرفُ له.
ويتعلّق به لا بمحذوف.
ومن ذلك "هذا عمرٌو منطلقًا" فـ "هذا" مبتدأٌ، و"عمرٌو" الخبرُ، و"منطلقًا" نصبٌ على الحال، والعاملُ فيه أحدُ شيئَيْن: إمّا التَّنْبِيهُ، وإمّا الإشارةُ.
فالتنبيُه بـ "هَا"، والإشارةُ بـ "ذَا".
فإذا أعملتَ التنبيهَ، فالتقديرُ: انْظُرْ إليه منطلقًا، أو انْتَبِهْ له منطلقًا.
وإذا أعملتَ الإشارةَ، فالتقديرُ: أُشِيرُ إليه منطلقًا، والغَرَضُ أنّك أردتَ أن تُنبِّه المخاطَبَ لعمرٍو في حالِ انطلاقه، ولا بدّ من ذِكْرِ "منطلقًا"، لأَنَّ الفائدة به منعقِدةٌ، ولم تُرد أن تُعرّفه إيّاه، وأنت تُقدِّر أنّه يجهَله.
كما تقول: "هذا عبدُ الله" إذا أردتَ هذا المعنى، ولا يُستبعد لُزومُ الحال ها هنا، فإنّه قد يتّصِل بالاسم والخبرِ ما ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولا يتِمّ الكلامُ إلَّا به، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ 1، فإنّه ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولو حُذف لَفسد الكلامُ، لأنّه معطوفٌ على الخبر، وهو جملةٌ، فلا بدّ من عائدٍ، والعائدُ "لَهُ"، ولو حُذف، لَبقيتِ الجملةُ الخبريّةُ بلا عائدٍ، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ.
فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنّ العامل في الحال يكون العاملَ في ذي الحال، والحالُ ها هنا في قولك: "هذا زيدٌ منطلقًا" من "زيد"، والعاملُ فيه الابتداءُ من حيثُ هو خبرٌ، والابتداءُ لا يعمل نصبًا.
فالجوابُ أنّ هذا كلامٌ محمولٌ على معناه دون لفظه، والتقديرُ: أُشِيرُ إليه أو انْتَبِهْ له على ما تقدّم في قولنا، فهو مفعولٌ من جهة المعنى.
وصل الفعلُ إليه بحرف الجرّ، فيكون من قبيلِ "مررتُ بزيدٍ قائمًا" فاعرفه.
ويجوز الرفعُ في قولك: "منطلقًا" من قولك: "هذا عبدُ الله منطلقًا".
قال سيبويه 2: هو عربيٌّ جيّدٌ، حكاه يُونُسُ وأبو الخَطّاب عن مَن يوثَق به من العرب.
وارتفاعُه من وجوهٍ:
منها: أنّك حين قلت: "هذا عبدُ الله منطلقٌ" أضمرتَ "هَذَا" أو "هُوَ"، كأنّك قلت: "هذا منطلقٌ"، أو "هو منطلقٌ".
والوجه الآخَر: أن تجعلهما جميعًا خبرًا لهَذَا كقولك: "هذا حُلْوٌ حامِضٌ" لا تُريد أنّ تَنْقُض الحَلاوةَ، ولكن تزعُم أنّه قد جمع الطَّعْمَيْن، ونحوُه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ 3.
والوجه الثالث: أن تجعل "عبد الله" معطوفًا على "هَذَا" عَطْفَ بيان كالوَصْف، فيصير كأنّه قال: "عبدُ الله منطلقٌ".
ووجه رابع: أن تجعل "منطلقٌ" بَدَلًا من "عبد الله"، كأنّك قلت: "هذا عبدُ الله
رجلٌ منطلقٌ"، فيكون "رجلٌ" بدلاً من "عبد الله" بَدَلَ النكرة من المعرفة، ثمّ حُذف الموصوف وأُقيم الصفة مُقامَه.
وأمّا قولهم: "ما شأنُك قائمًا؟ "، و"ما لك واقِفًا؟ "، فَـ "ما" استفهامٌ، وهو في موضعِ رفع بالابتداء، و"شأنُك" الخبرُ، أو يكون "شأنُك" مبتدأً، و"مَا" الخبرَ قد تقدّم، و"قائمًا" حالًا، والناصبُ لـ "قائمًا" "شأنُك"، لأنّه في معنَى "ما تَصْنَعُ"، أو "ما تُلابِسُ في هذه الحال".
وكأنّه شيءٌ عَرَفَه المتكلّمُ من المسؤُول الذي هو الكافُ في "شأنُك"، فسَألَه عن شأنه في هذه الحال، وقد يكون فيه إنكارٌ لقِيامه، ويسأله عن السبب الذي أدّى إليه، فكأنّه قال: "لِمَ قمت".
وعلى هذا المعنى يجوز أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (1)، كأنّه أنكر إعراضَهم، فوَبَّخهم على السبب الذي أدّاهم إلى الإعراض، فأخرجه مُخْرَجَ الاستفهام في اللفظ، وتأويلُ "ما لك قائمًا"، تأويلُ "ما شأنُك قائمًا" كأنّه قال: "ما تصنع".
فأمّا قولهم: "مررتُ بزيدٍ راكبًا" على أن تكون الحالُ من "زيد"، فإنّ ذلك جائزٌ؛ لأنّ الحال قد تكون من المجرور كما تكون من المنصوب، إذا كان العاملُ في الموضع فعلًا، لا خِلافَ في جوازِ ذلك، فإن قدّمتَ الحالَ من المجرور على الجارّ والمجرور، نحوَ قولك: "مررتُ راكبًا بزيدٍ"، وأنت تجعل "راكبًا" لزيد، فإنّ سيبويه (2) وأبا بَكْرِ بنَ السرّاج، ومَن تبِعهما مَنَعَا من جوازِ ذلك، لأنّ العامل، وإن كان الفعلَ، لكنّه لمّا لم يصل إلى ذي الحال الذي هو "زيدٌ" إلَّا بواسِطةِ حرف الجرّ، لم يجز أن يعمل في حاله قبل ذِكْرِ ذلك الحرف، وكما لا يجوز تقديمُ صاحب الحال على حرف الجرّ، كذلك لا يجوز تقديمُ الحال عليه.
وقد أجازه ابنُ كَيْسانَ قياسًا، إذ كان العاملُ فيه الفعلَ في الحقيقة.