فصل [خروج الظرف عن الظرفية]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: "وقد يذهب بالظرف عن أن يقدر فيه معنى "في" اتساعاً،123
فيجرى لذلك مجرى المفعول به، فيقال: "الذي سرته يوم الجمعة", وقال [من الطويل]: 1 - ويومٍ شهدناه سليماً وعامراً... [قليلٍ سوى الطعن النهال نوافله] ويضاف إليه كقولك [من الرجز]: 2 - يا سارق الليلة أهل الدار وقوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ (3). ولولا الإتساع, لقيل: سرت فيه وشهدنا فيه".
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إنَّ الظرف ما كان منتصِبًا على تقديرِ "في"، وذلك لأنّ
الظرفية معنّى زائدٌ على الاسم، فعُلم أنّ ثمَّ حرفًا أفادَه، وليس ثمَّ حرفٌ هذا معناه سوى "في"، فلذلك قيل: إنّها مقدَّرةٌ مرادةٌ.
فإذا قلت: "صُمْتُ اليومَ"، و"جلستُ خَلْفَك"، جاز أن يكون انتصابُه على الظرف على تقدير "في"، وجاز أن يكون مفعولًا على السِّعَة.
فإذا جعلتَه ظرفًا على تقديرِ "صُمْتُ في اليوم"، و"جلستُ في خَلْفِك"، فتقديرُ وصول الفعل إلى الاسم بتوسُّط الحرف الذي هو "في"، فأنت تَنْوِيها وإن لم تلفظ بها.
وإذا جعلته مفعولًا به على السعة، فأنت غيرُ ناوٍ لـ "في"، بل تقدِّر الفعلَ وقع باليوم، كما يقع "ضربتُ" بـ "زيد"، إذا قلت: "ضربت زيدًا" وهو مجازٌ, لأنّ الصوم لا يُؤثّر في اليوم كما يؤثّر الضربُ في زيد.
فاللفظُ على "ضربتُ زيدًا" والمعنى إنّما هو "في اليوم"، و"في خَلْفك".
ولا يخرج عن معنى الظرفيّة، ولذلك يتعدّى إليه الفعلُ اللازمُ، نحو: "قام زيدٌ اليومَ"، والمُنْتَهِي في التعدّي، نحو: "ضربتُ زيدًا اليومَ"، و"أعطيتُ زيدًا درهمًا الساعة".
ألا ترى أنّ "ضربتُ" إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، و"أعطيتُ" يتعدّى إلى مفعولَيْن لا غيرُ، فلولا بقاء معنى الظرفيّة ما جاز تعدّي اللازم، والمنتهي في التعدّي، لأنّ المنتهي كاللازم.
ولا يكون هذا الاتّساع إلّا في الظروف المتمكِّنة، وهي ما جاز رفعُها، نحو: اليوم، والليلة، ونحوهما من الأزمنة، وخَلْفٍ، وقُدّامٍ وشِبْهِهما من الأمكنة؛ فأمّا غيرُ المتمكّنة نحو "سَحَرَ"، و"بُكْرَةَ" إذا أُريد بهما من يومٍ بعينه، و"عِنْدَ"، و"سِوَى"، ونحوهما ممّا تقدّم وصفُه، فإنّه لا يجوز فيها الاتّساعُ، فإذا قلتَ: "قمتُ سَحَرَ"، و"صلّيتُ عندَ محمّدٍ" لم يكن في نصبهما إلّا وجهٌ واحدٌ، وهو الظرفيّةُ.
وفائدةُ هذا الاتّساع تظهر في موضعَيْن: أحدهما أنّك إذا كَنَيْت عنه، وهو ظرفٌ، لم يكن بُدٌّ من ظهورِ "في" مع مضمره، تقول: "اليوم قمتُ فيه"، لأنّ الإضمار يرُدّ الأشياء إلى أُصولها، وإن اعتقدت أنّه مفعولٌ به على السعة، لم تظهر "في" معه، لأنّها لم تكن مَنْوِيّةً مع الظاهر، فتقول: "اليومُ قُمْتُهُ"، و"الذي سِرْتُهُ يومُ الجُمْعة".
فأمّا قول الشاعر - وهو رجلٌ من بني عامرٍ [من الطويل]:
وَيوْمٍ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا... قَلِيلٍ سِوَى الطَّعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهْ
فالشاهد فيه أنّه لم يُظْهِر "في" حينَ أضْمَرَهُ، لأنّه جَعَلَهُ مفعولًا به مجازًا، ولو جعله ظرفًا على أصله، لقال: "شهدنا فيه".
وسُلَيْمٌ، وعامِرٌ: قبيلتان من قَيْس بن عَيْلانَ.
والنوافلُ هنا: الغنائمُ.
يقول: لم نَغْنَمْ إلّا النفوسَ بما أوليناهم من كثرةِ الطَّعْن.
والنِّهالُ: المُرْتَوِيَةُ بالدم.
وأصلُ النَّهَل: أوّلُ الشُّرْب.
والثاني أنّك إذا جعلته مفعولًا به على السعة جازت الإضافةُ إليه من ذلك قولهم [من الرجز]:
يا سارِقَ الليلةِ أهلَ الدار
أضافوا اسم الفاعل إلى الليلة كما تقول: "يا ضاربَ زيدٍ" فإذا أضفت لا يكون إلّا مفعولًا على السعة، وإذا قلت: "سَرَقَ عبدُ الله الليلةَ أهلَ الدار" جاز أن يكون ظرفًا، وجاز أن يكون مفعولًا على السعة.
ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ 1، فـ "يوم الدين" ظرفٌ جُعل مفعولًا على السعة، ولذلك أُضيف إليه.
ومثله قول الشاعر [من الرجز]:
260 - رُبَّ ابنِ عَمّ لسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ... طَبّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
جعله مفعولًا به حين أضاف إليه، ورُبّما نصبوا هنا الظرفَ وخفضوا الزاد، ويفصِلون بين المضاف، والمضاف إليه بالظرف على حدّ قوله [من السريع]:
لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَن لامَها 3
وهذا الفصل إنّما يحسُن في الشعر، وهو قبيحٌ في الكلام - وأمّا قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ 4، فإنّه أضاف المصدر إليهما، ويحتمِل ذلك أمرَيْن: أحدُهما أن يكون على إضافة المصدر إلى المفعول على حدّ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ 5. والمعنى: بسُؤاله نعجتك، فيكون التقدير: بل مكركم الليلَ والنهار، جعلهما مفعولَيْن على السعة، ثمّ أضاف إليهما.
والأمر الثاني أن يكون جَعَلَ المكرَ لهما، لأنّه يكون فيهما كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ".
جُعل ذلك لهما لحدوثه فيهما، فيكون2
حينئذٍ من قبيلِ إضافةِ المصدر إلى الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (1) ونحو قوله [من الكامل]:
طَلَبَ المعقِّب حَقَّهُ المَظْلومُ (2)
وإنّما امتنعت الإضافةُ إلى الظرف، لأنّ معنى الظرف ما كانت فيه "في" مقدَّرةٌ محذوفةً، فإذا صرّحنا بـ "فِي"، أو بغيرها من حروف الجرّ، فقد زال عن ذلك المنهاج.
وإذا أضفنا إليه، فقد صارت الإضافة بمنزلةِ حروف الجرّ، فخرج من أن يكون ظرفًا فاعرفه.