شرح المفصل لابن يعيشفصل [حذف المضاف, وترك المضاف إليه علي إعرابه]

فصل [حذف المضاف, وترك المضاف إليه علي إعرابه]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وقد حذف المضاف وترك المضاف إليه علي إعرابه في قولهم ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمةً 1. قال سيبويه: "كأنك أظهرت "كل", فقلت: و"لا كل بيضاء" 2 قال أبو دؤاد [من المتقارب]: 397 - أكل امريءٍ تحسبين امرأ... ونارٍ توقد بالليل نارا ويقولون ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه.
ومثله ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك.
وهو في الشذوذ إضمار الجار.
3

قال الشارح: اعلم أن حذفَ المضاف وإبقاء عَمَله ضعيفٌ في القياس، قليلُ في الاستعمال.
أمّا ضُعْفه في القياس؛ فلوجهَيْن: أحدهما: أن المضاف نائبٌ عن حرفِ الجرّ، وخَلَفٌ عنه، فإذا قلت: "غلامُ زيدٍ"، فأصلُه: غلامٌ لزيدٍ.
وإذا قلتَ: "ثَوْبُ خَز"، فأصله: ثوبُ من خز، فحذفت حرفَ الجرّ، وبقي المضافُ نائبًا عنه، ودليلًا عليه.
فإذا أخذتَ تحذفه؛ فقد أجحفتَ بحذفِ النائب، والمنوب عنه، وليس كذلك في الفصل قبلَه، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ لأنّك أقمتَ المضافَ إليَه مُقامَه، وأعربتَه بإعرابه، فصار المضافُ المحذوفُ كالمطرَح المَنْسىّ، وصارت المعاملةُ مع التأنيث الملفوظِ به.
والوجه الثاني: أن المضاف عاملٌ في المضاف إليه الجرَّ، ولا يحسُن حذفُ الجارّ، وتَبْقِيَةُ عَمَله.
فمن ذلك قولُهم في المَثَل "ما كل سَوْداءَ تَمْرَة، ولا بَيْضاء شَحْمَة".
موضعُ الشاهد أن ترفع "كُلاًّ" بـ "ما" وتخفِض "سوداء" بالإضافة.
والفتحةُ علامةُ الخفض, لأنه لا ينصرف.
و"تَمْرَةُ" منصوبٌ؛ لأنه خبرُ "ما"، و"بيضاء" مخفوضٌ أيضًا على تقديرِ "كُلّ"، كأئك لفظتَ بها، فقلت: و"لا كلُّ بيضاءَ".
و"شَحْمَة" منصوبْ عَطفًا على "تمرة".
وكان أبو الحسن الأخفشُ، وجماعةٌ من البصريين يحمِلون ذلك وما كان مثلَه على العطف على عاملَيْن، وهو رأيُ الكوفيين 1. وذلك أن "بيضاءَ" جر عطفًا على "سوداء"، والعامل فيها "وَمَا كُلُّ".
وقوله: "شَحْمَة" منصوبٌ عطفًا على خبرِ "ما".
ومثلُه عندهم "ما زيدٌ بقائم، ولا قاعدٍ عمرٌو".
وتخفِضُ "قاعدًا" بالعطف على "قائم" المخفوضِ بالباء، وترفع "عمرًا" بالعطف على اسمِ "ما"، فهمَا عاملان: الباء، وما، كما كان في المَثَل عاملان: "كُلٌّ"، و"مَا".
قالوا: وقد عطفتَ شيئَيْن على شيئَيْن، والعامل فيهما شيئان مختلفان.
وسيبويه والخليل لا يَرَيان ذلك، ولا يُجيزانه.
والحجّةُ لهما في ذلك أن حرفَ العطف خَلَفُ عن العامل، ونائبٌ عنه، وما قام مقامَ غيره، فهو أضعفُ منه في سائرِ أبواب العربيةِ، فلا يجوز أن يتسلّط على عَمَلِ الإعراب بما لا يتسلط ما أقيم مُقامَه.
فإذا أقيم مَقامَ الفعل؛ لم يجز أن يتسلّط على عَمَلِ الجرّ، فلهذه العِلة، لم يجز العطفُ عندهما على عاملَيْن، فلذلك حملوه على حذفِ المضاف.
فإن قيل: حذف المضاف وإبقاءُ عمله على خلافِ الأصل، وهو ضعيفٌ، والعطفُ على عاملَيْن ضعيف أيضًا، فلِمَ كان حَمْلُه على الجارّ أوْلى من حَمْله على العطف على عاملَيْن؟ قيل: لأن حذف الجارّ قد جاء في كلامهم، وله وَجْهٌ من القياس، فأما مَجِيئُه، فنحوُ قوله [من الرجز]: وبَلْدَةٍ ليس لها أَنِيسُ 2

والمراد: ورُبَّ بلدة.
وقولهم في القَسَم: "اللهِ لأَفعَلَنَّ"، ويُحكى عن رُؤْبَةَ أنّه كان يقال له: "كيف أصبحتَ؟ " فيقول: "خَير عافاكَ الله"، يريد: بِخَيْر.
وقد حمل أصحابُنا قِراءةَ حَمْزَةَ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ 1 على حذف الجارّ، وأن التقدير فيه: وبالأرحام، والأمر فيها ليس بالبعيد ذلك البُعدَ، فقد ثَبَتَ بهذا جوازُ حذفِ الجارّ في الاستعمال، وان كان قليلًا، ولم يثبُت في الاستعمال العطفُ على عاملَين، فكان حملُه على ما له نظيرُ أوْلى.
وهو من قبيلِ أحسنِ القبيحَيْن.
وأما من جهةِ القياس؛ فلأنّ الفعل لما كان يكثُر فيه الحذف، وشَارَكَهُ الحرفُ في كَوْنه عاملًا جاز فيه ما جاز في الفعل على سبيل النَّدْرة، وقد كثُر التقلُّبُ بهذا المَثَل, وأجازوا فيه وجوهًا من الإعراب.
وجُملَتُها خمسةُ أوجه: أحدُها ما تقدّم.
والآخرُ أن تقول: ما كل سوداءَ تمرةٌ، ولا بيضاء شَحْمَة، ترفع، ولا تُعْمِل "ما"، وتعطِف جملة على جملة.
الثالث: "ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاءُ شحمة" تنصِب الأول على إعمال "ما" وترفع "بيضاءَ"، و"شحمة " على الاستئناف، كأنك عطفت جملة على جملة.
الرابع: "ما كلُّ سوداء تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمةٌ"، لا تُعمِل "ما" ولكن تحذِف "كُلاَّ"، وتُبقِي أثَرَها" الخامس: "ما كلُّ سوداءَ تمرة، ولا بيضاءُ شحمةً"، وهو أحسنُها؛ لأنه لا حذفَ فيه.
فأما قول أبي دُؤَادٍ [من المتقارب]: أَكُل امرِىءٍ تحسِبِينَ امرَأ... إلخ فسيبويه 2 يحمِله على حذفِ مضاف، تقديره: و"كل نار"، إلاَّ أنه حُذف، ويُقدرها: موجودة.
وأبو الحسن يحمله على العطف على عاملَيْن، فيخفِض "نارًا" بالعطف على "امرئ" المخفوض بـ "كل"، وينصب "نارًا" بالعطف على الخبر.
وهذا البيت مِن أَوْكَدِ ما استشهد به أبو الحسن.
وأما قولهم: "ما مثلُ عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه"، فهذا يجوز أن يكون المراد: ولا مثلُ أخيه، ويجوز أن لا يقدر "مثلٌ"، بل يكون "الأخُ" معطوفًا على "عبد الله" والعاملُ فيهما "مثلٌ" الأوّل، ودل على معنى خبره خبرُ الأوّل فاستغنى عنه.
فلو أظهرَ خبر الثاني، وقال: "ما مثلُ عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه يكرَهُه"، لم يكن بد من تقديرِ "مِثْل" أو العطفِ على عاملَيْن، إذ كادْ "الأخُ" مجرورًا بعامل، و"يكرهه" في موضع نصب بعامل آخرَ، واذ كان لا بد فيه من أحد الوجهَيْن، وأحدهما لا يصحّ، وَجَبَ حملُه

على الوجه الآخر، وهو على تقدير مضافٍ محذوفٍ، وهو"مِثْلٌ".
وكان أبو العباس يمنَع جوازَ هذه المسألةِ ونظائرِها؛ لأنه كان لا يرى حذفَ الجارّ، ولا يرى العطفَ على عاملَيْن، ولا مَحْمِلَ لها سوى هذَين الوجهَيْن.
فأما قولك: "ما مثلُ أخيك، ولا أبيك يقولان ذاك"، فهذا لا بد فيه من تقدير "مِثْل" أيضًا، وليس من جهةِ العطف على عاملَيْن، لكن من جهةِ أخرى، وذلك أنّك إذا عطفتَ "الأب" على "الأخ"؛ لم يجز تثنيةُ الخبر لوجهَيْن: أحدهما: أنّه يلزم من ذلك أن يعمل في الخبر عاملان، وهو"مثلٌ"، و"مَا" النافيةُ الحجازيةُ، إذا جعلتَ موضعَ "يَقُولاَنِ" نصبَا؛ لأن العامل في الخبر هو العامل في المُخْبَر عنه.
وإن لم تُعْمِلها، كان العاملُ في الخبر أيضًا شيئين: الابتداءُ، و"مثلٌ"،وذلك لا يجوز.
والوجه الثاني: أن "ما" لا تعمل في خبرِ ما لا تعمل فيه، ولا عَمَل لـ "ما" في "الأبَ"، فلم يجز أن تعمل في خبره، فلذلك وجب تقديرُك "مِثْلُ" مع "الأب"، وساغ حذفُها لتقدُّمِ ذِكْرها.
ويكون التقديرُ: ما مثلُ أخيك، ولا مثلُ أبيك يقولان ذاك.
لأن "مَا" قد عملت في "مثلٍ" الأولِ و"مثلٍ" الثاني, لأن حرف العطف يُشْرِك بين المعطوف عليه والمعطوف في عَمَلِ العامل، وقوله: "وهو في الشذوذ نظيرُ إضمار الجارّ" يعني حذف المضاف، وإبقاءَ عَمَله، نحو قوله [من الخفيف]: 1 - رَسْمِ دارِ وقفتُ في طَلَلِهْ... كِدْتُ أَقضِي الحَيَاةَ مِن جَلَلِة

ونحو قولِ رُؤْبَةَ: "خَير عافاكَ الله" يريد: بِخَيْرٍ.
وكلاهما قليلٌ في الاستعمال والقياس معًا، والجامعُ بينهما أَنهما جميعًا من عواملِ الخفض.

جارٍ التحميل