شرح المفصل لابن يعيشفصل [جواز الرفع بعد فاء السببيّة]

فصل [جواز الرفع بعد فاء السببيّة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ويجوز ما تأتينا فتحدثنا الرفع على الإشراك, كأنك قلت ما تأتينا فما تحدثنا ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا يوذن لهم فيعتذرون﴾ 2, وعلى الابتداء كأنك قلت ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا.
ومثله قول العنبري [من الخفيف]: 978 - غير أنا لم يأتنا بيقين... فنرجي ونكثر التأميلا13

أي: فنحن نرجي, وقال [من الطويل]: 1 - ألم تسأل الربع القواء فينطق... وهل يخبرك اليوم بيداء سملق قال سيبويه (2): لم يجعل الأول سبب الآخر، ولكنه جعله ينطق على كل حال, كأنه قال فهو مما ينطق، كما تقول إيتني فأُحدثك، أي فأنا ممن يحدثك على كل حال, وتقول ودَّ لوا تأتيه فتحدثه, والرفع جيد كقوله تعالى: {ودوا لو تدهن = وجملة "لم تأتنا": في محل رفع خبر "أن".
وجملة "نرجي": في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: نحن.
وجملة "نحن نرجي": معطوفة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "نكثر التأميلا": معطوفة على جملة "نرجي" محلها الرفع.
والشاهد فيه قوله: "فنُرجي" حيث رفعه بعد فاء السببية.

فيدهنون} 1, وفي بعض المصاحف "فيدهنوا" 2 وقال ابن أحمر [من الوافر]: 980 - يعالج عاقراً أعيت عليه... ليلقحها فينتجها حوارا كأنه قال "يعالج فينتجها", وإن شئت على الابتداء.

قال الشارح: قد تقدّم القول في نحوِ "ما تَأتِينَا فَتُحدِّثُنَا": إنه يجوز في الثاني النصب والرفع، فالنصب من وجهين، وقد تقدّم الكلام عليهما، والرفع أيضًا من وجهين: أحدهما: أن تريد بالثاني ما أردت بالأوّل، وتُشْرِك بينهما، فتعطف، "تحدّثني" على "ما تأتيني"، ويكون النفي قد شملهما، كأنه قال: "ما تأتينا، وما تحدّثُنا"، فهو عطف فعل على فعل.
ومثله قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ 4، أي: فلا يعتذرون.3

والوجه الثاني: أن يكون الإتيان منفيًّا، والحديث مُوجَبًا، ويكون فيه عطف جملة على جملة، كأنه قال: "ما تأتيني فأنت تحدّثني على كل حال"، وليس أحدهما متعلِّقًا بالآخر، ولا هو شرطٌ فيه.
ومثله قول الشاعر [من الخفيف]: غير أنا لم... إلخ البيت لبعض الحارثيّين، والشاهد فيه قطعُ ما بعد الفاء ورفعُه، ولو أمكنه النصبُ على الجواب، لكان أحسن، فهذا لا يكون إلا على الوجه الثاني، كأنه قال: "فنحن نُرَجي، ونكثِرُ التأميلا"، فهو خبر مبتدأ.
ولم يجز الوجه الأوّل؛ لأنْ الأول مَجْزُوم.
ومنه قول الآخر وهو جميل بن مَعْمر [من الطويل]: ألم تسأل الربع... إلخ فالشاهد فيه قطعُ "ينطق" ممّا بعده، ورفعُه على الاستئناف، أي: فهو ينطق على كلّ حال.
ولا يجوز الوجه الأوّل, لأنّ الفعل الأوّل مجزوم، ولو أمكنه النصبُ، لكان أحسن، لكن القوافي مرفوعة.
والقَواء: القَفْر، وجعله ناطقًا للاعتبار، أي: يُجِيب اعتبارًا، لا حِوارًا لدُروسه، وتغيرِه.
ثمّ يُراجِع كالمُنكِر على نفسه بأن الربْع لا يجيب حقيقةً، فقال: "وهل يُخْبِرَنْك اليومَ بَيداءُ سَمْلَقُ".
والبيداء: القفر، والسملق: التي لا شيء فيها.
قال سيبويه 1: لم يجعل الأول سببًا للآخر، أي: لو أراد ذلك، لَنصب، قال: ولكنّه جعله ينطق على كل حال على ما ذكرنا.
ومثله "إيتِني فأُحَدّثُك" بالرفع، قال الخليل 2: لم ترد أن تجعل الإتيانَ سببًا للحديث، ولكنّك أردتَ: إِيتني، فإنّني ممّن يحدّثك البتّة جئتَ أو لم تجىء.
وتقول: "وَدَّ لو تأتينا وتُحَدِّثَنا" بالنصب والرفع، فالنصبُ على معنى التمنّي, لأنّ معناه: ليتك تأتينا، فتحدّثَنا، فتنصب مع "وددت" كما تنصب مع "لَيْتَ"؛ لأنها في معناها، والرفعُ جيّد أيضًا بالعطف على لفظِ "تأتينا"؛ لأنه مرفوع، ويكون التقدير: وددت لو تأتينا، ووددت لو تحدّثُنا.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ 3، الثاني مرفوع بالعطف على لفظ الأوّل, لأنه شريكه في معناه.
وحكى سيبويه 4 أنها في بعض المصاحف، "فيدهنوا" بالنصب على معنى التمنّي.
وأنشد [من الوافر]: يعالج عاقرًا... إلخ

البيت لابن أحْمَرَ، والشاهد فيه رفعُه "فينتجُها" إمّا بالعطف على "يعالج" كأنه قال: "يعالج فينتج" أو على القطع عما قبله والابتداء به، كذا الروايةُ، ولو نصبت؛ لجاز بالعطف على المنصوب قبله، وهو أجود, لأنه إذا رفع؛ فقد أوجب وجوده ونتاج العاقر، والمعنى أن هذا يُحاوِل مَضَرّته، ولا يقدر على ذلك، فهو بمنزلةٍ من يحاول نتاجَ ما لا يُلْقَح، والحُوار: ولد الناقة.

جارٍ التحميل