فصل [جريهما في تحمل حركات الإعراب]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وتجريان في تحمل حركات الإعراب مجرى الحروف الصحاح إذا سكن ما قبلهما في نحو دلو وظبي وعدو وعدي وواو وزاي وآي.
وإذا تحرك ما قبلهما لم تتحملا إلا النصب نحو لن يغزو ولن يرمي وأريد أن تستقي وتستدعي ورأيت الرامي والعمى والمضوضي.
قال الشارح: إنما أجروهما مجرى الحروف الصِحاح من قبل أنّ أصل الاعتلال فيهما إنما هو شَبَههما بالألف، وإنّما تكونان كذلك إذا سكنتا، وكان قبل الياء كسرةٌ،
وقبل الواو ضمّةٌ، فتصيران كالألف لسكونهما، وكونِ ما قبل كلّ واحدة منهما حركةً من جنسهما، كما أنّ الألف كذلك، فهي ساكنة، وقبلها فتحةٌ، والفتحةُ من جنس الألف، فإذا سكن ما قبلهما، خرجتا من شَبَه الألف, لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا، فلذلك يقولون: "ظَبْيٌ"، و"عزْوٌ".
ومثلُ ذلك "عَدُوٌّ"، و"عَدِيٌّ" من جهةِ أنّ الحرف المشدّد أبدًا حرفان من جنس واحد، الأوَّلُ منهما ساكنٌ، فالواو الأولى والياء الأولى ساكنتان فيهما بمنزلة الباء من "ظَبْيٍ" والحاء من "نَحْيٍ".
وكذلك "واوٌ"، و"زايٌ" و"آيٌ" الواو والياء في هذه الكِلَم صحيحةٌ غيرُ معتلّة, لأنّ الواو والياء إذا وقعتا طرفًا، فإنّهما لا تعتلاّن إلّا إذا وقعتا بعد ألف زائدة، نحو: "كِساءٍ"، و"رِداءٍ"؛ فأمّا إذا وقعتا بعد ألف منقلبة عن حرف أصلي، فإنّهما لا تعتلاّن، لئلّا يتوالى في الكلمة إعلالان: إعلالُ العين واللامِ.
فأمّا الألف في "وَاوٍ"، فذهب أبو الحسن إلى أنّها منقلبة من واو.
واستدلّ على ذلك بتفخيم العرب إيّاها، وأنه لم يُسمع فيها الإمالةُ، فقضي لذلك أنّها من الواو، وجعل حروفَ الكلمة كلها واواتٍ.
وذهب غيره إلى أنّ الألف فيها منقلبة من ياء، واحتجّ بأنّه إن جعلها من الواو، كانت الفاء والعين والسلام كلُّها لفظًا واحدًا.
قال: وهذا غيرُ موجود، فعدل إلى القضاء بأنّها من ياء.
والوجهُ الأوّل، وذلك أنّ انقلاب العين عن الواو أكثرُ من انقلابها عن الياء، والعملُ إنّما هو على الأكثر، وبذلك وصّى سيبويه.
وأمّا "زاي"، فللعرب فيها مذهبان، منهم من يجعلها ثُلاثيةً، ويقول: "زاي"، ومنهم من يجعلها ثُنائيةً، ويقول: "زَيْ".
فمَن جعلها ثلاثية، فينبغي أنّ يكون ألفها منقلبة عن واو، ويكون لامها ياء، فهو من لفظ "زَوَيتُ"، إلّا أنّ عينه اعتلّت، وسلمت لامُه.
والقياسُ أن يعتلّ اللام، ويصح العين، كقولك: "هَوَى"، و"نَوًى"، و"شَوَى"، و"لَوَى"، لكنه أُلحق بباب "ثايَةٍ" و"غايَةٍ" في الشذوذ.
والثايةُ.
مأوى الإبل والغنم.
والغايةُ: مَدَى الشيء، والعَلَمُ أيضًا، فهذه متى جُعلت اسمًا للحرف، أُعربت، فقلتَ: "هذه زايٌ حسنة"، و"كتبتُ زايًا حسنةً"، فإن هذه الألف ملحقة في الإعلال بـ "ثاي"، و"غاي"، وألفُه منقلبة عن واو على ما تقدّم.
وإذا كانت حرفَ هِجاء، فألفُه غير منقلبة, لأنه ما دام حرفًا، فهو غير متصرّف، وألفُه غيرُ مقضيّ عليها بالانقلاب؛ وأمّا من قال: "زَي" وأجراها مجرى "كَيْ"، فإنّه إذا سمّى بها، زاد عليها ياءً ثانيةً، وقال: "هذا زَيٌّ"، كما أنه إذا سمي بـ "كَيْ" زاد عليها ياءً أخرى، وقال: "هذا كَيٌّ"، و"رأيت كَيًّا".
وأمّا من قال: "زاء" فهمز، فهو ضعيف، وهي لغة قليلة جدًّا، ووجهُها أنّه يَشبّه هاهنا الألف بالزائدة إذ لم تكن منقلبة.
وأمّا "آيٌ"، فهو جمعُ "آيةٍ" على حدّ "تَمْرَةٍ" و"تَمْرٍ"، ولم يُعِلّوا الياء، وإن وقعت طرفًا بعد ألف, لأنّ الألف عينُ الكلمة، وهي منقلبة عن ياء، فلو أعلّوها لَوالَوْا على الكلمة إعلالَيْن، وذلك مكروه عندهم.
ووزنُ "آيَةٍ": "فَعَلَةُ" كـ"شَجَرَةٍ"، فقلبوا العين ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وذهب آخرون إلى أنّها "فَعْلَةُ" بسكون العين، فقلبوا الياء الأولى ألفًا لانفتاح ما قبلها على حدّ قولهم في "طَيِّىء": "طائِيٌّ"، وفي النسب إلى "الحِيرة": "حارِيٌّ".
حكى ذلك سيبويه 1 عن غير الخليل، وهو مذهب الفراء، كأنّه نظر إلى كثرة "فَعْلَةَ"، فحمل على الأكثر.
وإنّما قلبوا الياء ألفا مع سكونها لاجتماع اليائيْن، لأنّهما تُكْرَهان كما تُكْرَه الواوان، فأبدلوا من الأولى الألفَ، كما قالوا: "الحَيَوان"، وكما قالوا: "أَواصِلُ" في جمع "واصلةٍ"، والوجهُ الأول أنّه على "فَعَلَة".
وقوله: "إذا تحرّك ما قبلهما" يريد بالحركة التي يسوغ أنّ يُحرَّك بها، وذلك بأن يكون قبل الواو ضمّةٌ، وذلك إنّما يكون في الأفعال، نحو: "يَغزُو"، و"يَدْعُو"، ولا يكون مثلُه في الأسماء، ويكون قبل الياء كسرة، وذلك يقع في الأسماء والأفعال، فالأسماء نحو: "القاضي"، و"الرامي"، والأفعالُ نحو: "يَرْمِي"، و"يَسْقِي"، وذلك أنّه إذا انفتح ما قبلهما قُلبتا ألفَيْن، نحو: "عَصًا"، و"رَحًى".
وإذا انضمّ ما قبل الياء، انقلبت واوًا على حد "مُوسِرٍ"، و"مُوقِنٍ".
وإذا انكسر ما قبل الواو قُلبت ياءً.
ولا يقع قبل الواو إلّا الضمّة، ولا يقع قبل الياء إلّا الكسرةُ، فإذا كانت الواو والياء على الشرط المذكور، لم تتحمّلا من حركات الإعراب إلّا الفتحَ لخفّة الفتحة، وتسكنان في موضع الرفع، وذلك استثقالًا للضمّة عليهما، فتقول: "هو يَغزُو ويَرْمِي"، و"لن يَغْزُوَ"، و"لن يَرْمِيَ"، فتُثبِت الفتحةَ، لخقتها، وتُسقِط الضمّةَ لثقلها.
وتقول في الاسم: "هذا الرامي، والعَمِي، والمُضَوْضِي": وإنّما حذفوا الضمّة لثقلها على الياء المكسورِ ما قبلها.
وتقول في النصب: "رأيت الرامِيَ، والعَمِيَ والمُضَوْضِيَ" بالنصب.
وقد تقدّم الكلام على ذلك، وإنّما كُرّر الكلام على حسبِ ما اقتضاه الشرحُ.
قال صاحب الكتاب: وقد جاء الإسكان في قوله [من الطويل]: 1345 - [فما سوَّدتني عامرٌ عن وراثةٍ]... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب2
وقول الأعشى [من الطويل]:
1 - فآليت لا أرثي لها من كلالة... ولا من حفى حتى تلاقي محمَّدا
وقوله [من البسيط]:
2 - يا دار هند عفت إلا أثافيها... [بين الطويِّ فصاراتٍ فواديها] = 2/ 185؛ والخصائص 2/ 342؛ وشرح الأشموني 1/ 45؛ وشرح شافية ابن الحاجب 3/ 183؛ والمحتسب 1/ 127. اللغة: سودتني: جعلتني سيّدًا.
سما: ارتفع.
المعنى: لم أصل إلى المجد بالوراثة عن آبائي وجدودي، بل بما زدت عليهم من سعيي في طلب مكارم الأخلاق والفروسية.
الإعراب: "فما": الفاء: حرف استئناف، و"ما": نافية.
"سودتني": فعل ماضٍ مبني على الفتحة الظاهرة، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به، والتاء للتأنيث.
"عامر": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"عن وراثة": جار ومجرور معلّقان بالفعل "سودتني".
"أبى": فعل ماضٍ مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
"الله": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"أن": حرف ناصب.
"أسمو": فعل مضارع منصوب بالفتحة المقدرة على الواو لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا.
والمصدر المؤول من "أن" والفعل بعدها في محلّ نصب مفعول به.
"بأم": جار ومجرور متعلقان بالفعل "أسمو".
"ولا": الواو: عاطفة، و"لا": زائدة نافية.
"أب": اسم معطوف على "أم" مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
وجملة "فما سودتني": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أبى الله": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "أن أسمو" حيث لم تظهر الفتحة على "أسمو" للضرورة الشعرية.
وفي المثل أعط القوس باريها 1. وهما في حال الرفع ساكنان, وقد شذ التحريك في قوله [من البسيط]:
1348 - [تكاد تذهب بالدنيا وبهجتها]... موالي ككباش العوس سحاح2 = الأشباه والنظائر 1/ 268، 6/ 108، 8/ 49؛ وخزانة الأدب 6/ 397، 8/ 347؛ والخصائص 1/ 307، 2/ 341، 364؛ ولسان العرب 14/ 113 (ثفا)؛ والمحتسب 1/ 126، 2/ 343؛ والمنصف 2/ 185، 3/ 82. اللغة: عَفتْ: درست، والأثافي: جمع أثفية، وهي الحجارة تنصب عليها القدور.
المعنى: يعبر الشاعر عن حزنه على دار محبوبته الخاوية، والتي درست معالمها، فلم يبق شيءٌ منها شاخصًا إلا حجارة الموقد.
الإعراب: "يا": حرف نداء.
"دار": منادى مضاف منصوب.
"هندٍ": مضاف إليه مجرور.
"عفت": فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة منعًا لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
"إلا": حرف استثناء.
"أثافيْها": مستثنى منصوب، وعلامة نصبه الفتحة، وسُكّن للضرورة، وهو مضاف و"ها": ضمير متصل مبنى في محلّ جرّ مضاف إليه.
"بينَ": ظرف منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"الطويّ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"فصارات": الفاء حرف عطف، و"صارات": اسم معطوف مجرور.
"فواديها": الفاء حرف عطف، و"وادي": اسم مجرور بالكسرة المقدّرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة النداء ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة "عفت": في محلّ نصب نعت "دار".
والشاهد فيه: إسكان ياء "أثافيها" ضرورةً، وهو منصوب.
ولا يقع في المجرور إلا الياء لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها حركة.
وحكم الياء في الجر حكمهما في الرفع.
وقد روي لجرير [من الطويل]:
1 - فيوماً يجازين الهوى غير ماضي... ويوماً ترى منهن غولا تغوَّلُ
وقال ابن قيس الرُقيات [من المنسرح]:
2 - لا بارك الله في الغواني هل... يصبحن إلا لهن مطَّلبُ
وقال الآخر [من الكامل]: 1 - ما إن رأيت ولا أرى في مُدَّتي... كجواريٍ يلعبن في الصحراء
قال الشارح: اعلم أنّ من العرب من يُشبِّه الياء والواو بالألف لقُرْبهما منها، فيسكِنهما في حال النصب، ويستوي لفظُ المرفوع والمنصوب، فمن ذلك ما أنشده، وهو قوله [من الطويل]:
أبى الله أنّ أسمو بأمّ ولا أب (2)
وأوّله:
وما لِيَ أُمٌّ غيرها إنْ تَرَكْتُها = حرف استفهام.
"يصبحن": فعل مضارع ناقص مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون ضمير متصل مبني في محلّ رفع اسما يصبح".
"إلا": حرف حصر.
"لهن": جار ومجرور متعلّقان بخبر مقدّم لـ "مطلب".
"مطلب": مبتدأ مرفوع بالضمّة، وخبره محذوف، والتقدير: "إلا موجود لهن مطلب".
وجملة "لا بارك": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "هل يصبحن": استئنافية لا محلّ لها وجملة "مطلب موجود لهنّ": في محلّ نصب خبر "يصبح".
والشاهد فيه: تحريك ياء "جواري" للضرورة، والقياس إسكانها.
البيت لعامر بن الطُّفَيل، وقبله [من الطويل]:
وإنّي وإنْ كنتُ ابنَ سَيِّدِ عامِرٍ... وفارِسَها المشهورَ في كلّ مَوْكِبِ
فما سَوَّدَتني عامِرٌ عن وِراثةٍ... أبى الله أنّ أسمو بأمّ ولا أب
هكذا رُوي أيضًا.
الشاهد فيه إسكانُ الواو في "أَسْمُو"، وهو منصوب بـ "أَنْ".
فمنهم من يجعل ذلك لغةً، ومنهم من يجعله ضرورةً.
قال المبرد: إنّه من الضرورات المستحسَنة.
ومن ذلك قول الأعشى [من الطويل]:
فآليت لا أرثي 1... إلخ
الشاهد فيه إسكانُ الياء في "تلاقِي"، وهو منصوب بـ "حَتَّى"، ويجوز أن يُخاطِب الناقةَ، وتكون التاء لخطابها لا للغيبة، وهو جائزٌ للخرِوج إلى الخطاب بعد الغيبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ 2 بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 3.
ويروى: "حتّى تَزُورَ"، ولا شاهدَ فيه على ذلك.
المعنى أنّه لا يرِقّ لها من الإعياء والكَلالِ، فيرفُق بها حتّى تصل إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم -. وكان الأعشى أتى مكّةَ بعد ظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد سمع بخبره في الكتب، فأتاه وهو ضريرٌ، فأنشده هذه القصيدةَ، وأوّلُها [من الطويل]:
أَلَم تَغتَمِضْ عَيْناكَ لَيلَةَ أَرْمَدَا... وبِتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مُسَهَّدا
وقد جاء ذلك في الأسماء.
قال الشاعر [من البسيط]:
يا دار هند عفت إلا أثافِيها 4
البيتَ، والشاهدُ فيه إسكانُ "أثافِيها" وهو منصوب, لأنه استثناء من موجَب ضرورة، ويجوز أنّ يكون "أثافيها" مرفوعًا من قبيل العمل على المعنى، كأنّه قال: "لم يبق إلّا أثافيها".
ونظيرُه قوله [من الطويل]:
[وعضَّ زمان يا ابن مروانَ] لم يَدَعْ... من المال إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ 5
كأنّه قال: بقي مجلّفُ.
يصف دارًا عفت، ودرست، ولم يبق من آثارها إلا الأثافي، وهي مَواقدُ النار، الواحدُ "أُثْفِيَّةٌ".
قال الأخفش: "أثافٍ" لم يُسمع من العرب بالتثقيل، وقال الكسائي: سُمع فيها التثقيل، وأنشد [من الطويل]:
1352 - أَثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ... [ونُؤْيًاكجِذْمِ الحوض لم يَتَثلّم]6
و"الأثُفِيَّةُ": "فُعْلِيَّةُ" عند من قال: "أَثّفْت القِدْرَ"، ومن قال: "ثَفَّيْتها" فهو أُفْعُولَةُ، نحو: "أُمْنِيَّةٍ"، و"أَمانِيَّ"، وقد قُرىء ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ 1، و ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ 2 الياء في كلّه خفيفة، ومن ذلك قول الراجز:
1353 - سَوَّى مَساحِيهِنَّ تَقْطِيطَ الحُقَقْ... تَقلِيلُ ما قارَعْنَ من سُمْرِ الطُّرَقْ3 = اللغة 2/ 11؛ وتاج العروس 21/ 203 (سفع)، 23/ 5 (أثف)؛ وكتاب العين 6/ 16. شرح المفردات: الأثافي: حجارة توضع تحت القدر لإشعال النار تحتها.
السفع: القبض والجذب بشدّة.
المعرس: مكان نزول المسافرين آخر الليل.
المرجل: الجلد المسلوخ من رجل واحدة، أو المسوّى كما يُسوَّى الشَّعر.
الإعراب: "أثافي": مفعول به منصوب بالفتحة لفعل مقدر.
"سفعا": نعت منصوب بالفتحة.
"في معرس": جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
"مرجل": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ونؤيا": الواو للعطف، "نؤيًا": اسم معطوف على "أثافي" منصوب مثله بالفتحة.
"كجذم": الكاف حرف جرّ، و"جذم": اسم مجرور بالكسرة، والجارّ والمجرور متعلّقان بصفة محذوفة، وهو مضاف.
"الحوض": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"لم": حرف جزم وقلب ونفي.
"يتثلّم": فعل مضارع مجزوم، وحرّك بالكسر للضرورة، وفاعله ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو.
وجملة "توهّمت أثافيّ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لم يتثلم": في محلّ نصب حال من الحوض.
والشاهد فيه قوله: "أثافي": بتشديد الياء جمعًا للأثفيّة.
يريد مساحِيَهنّ، فأسكن، ومن ذلك [من الوافر]:
كَفَى بالنَّأْيِ مِن أَسْماءَ كافِي... وليس لحُبِّها إذ طالَ شافِي 1
ومن ذلك المثلُ: "أعط القوس بارِيها" 2 وهذا الإسكان في الياء لقربها من الألف، والواوُ محمولة عليها، وقوم من العرب يُجرون هذه الياء مجرى الصحيح، ويحرّكونها بحركات الإعراب، فتقول: "هذا قاضِىٌ"، و"رأيت قاضِيًا"، و"مررت بقاضِى"، ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط]:
مواليٌ ككباش العوس سُحّاحُ 3
الشاهد فيه رفعُ "موالِيٌ" ضرورةً، والعُوسُ: ضربٌ من الغنم، يقال: "كَبْشٌ عُوسِيٌّ".
وقيل: العُوس موضعٌ يُنسب إليه الكباش، وسُحّاحٌ بالحاء غير المعجمة: سِمانٌ.
يقال: "شاةٌ شُحّاحٌ" كأنّها تسُحّ الوَدَكَ أي تصُبّه.
ومن ذلك قول الآخر [من الكامل]:
ما إن رأيت... إلخ
فبعضهم يجعل ذلك ضرورةً.
وعلى هذا يكون قد جمع بين ضرورتَيْن: إحداهما أنّه قد كسر الياء في حال الجرّ، والثانية أنّه صرف.
وقد ينشَد هذا البيت بالهمزة.
ولا يقع في المجرور إلّا الياء, لأنّ الجرّ إنّما يكون في الأسماء المتمكنة، وليس في الأسماء المتمكّنة ما آخِرُه واو قبلها حركةٌ, لأنّ الحركة إن كانت فتحة، صيّرتْها ألفًا كـ"عَصًى"، و"رَحًى".
وإن كانت كسرة، قلبتها ياءً كـ"الداعِي"، و"الغازي"، وليس في الأسماء اسمٌ آخِرُه واو قبلها ضمّة، إنّما ذلك في الأفعال؛ نحو: "يَغْزُو"، و"يَدْعُو".
وسيوضح أمرُ ذلك، وعلّتُه فيما بعدُ، وقد رُوي لجرير [من الطويل]:
فيومًا يجازين... إلخ
وذلك على لغة من يقول: "هذا قاضِيٌ"، و"رأيت قاضِيًا"، و"مررت بقاضِيٍ"، و"هو يَمْضِيُ، ويَغزُوُ"، فاعرفه.
= سمر": جارّ ومجرور متعلّقان بـ "قارعن"، و"سمر": مضاف.
و"الطرق": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدّرة منع من ظهورها ضرورة القافية.
وجملة "سوّى" ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة "قارعن" لا محلّ لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
والشاهد فيه قوله: إسكان الياء من "مساحيهن" في حال النصب للضرورة.
قال صاحب الكتاب: وتسقطان في الجزم سقوط الحركة, وقد ثبتتا في قوله [من البسيط]: 1345 - هجوت زبان ثم جئت معتذراً... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع وقوله [من الوافر]: ألم يأتيك والأنباء تنمى... بما لاقت لبون بني زياد (2) وفي بعض الروايات عن ابن كثير أنه قرأ: ﴿من يتقي ويصبر﴾ (3). وأما الألف فتثبت ساكنة أبداً إلا في حال الجزم, فإنها تسقط سقوطهما, نحو: "لم يخش", و"لم يدع", وقد أثبتها من قال [من الطويل]: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً (4)1
ونحوه [من الكامل]: 1 - ما أنس لا أنساه آخر عيشتي... ما لاح بالمعزاء ريع سراب ومنه [من الرجز]: 2 - [إذا العجوز غضبت فطلِّقِ]... ولا ترضاها ولا تملق
قال الشارح: اعلم أنّ الواو والياء تسقطان في الجزم، لأنّهما قد نزلتا منزلةَ الضمّة من حيث كان سكونهما علامةً للرفع، فحذفوهما للجزم كما تحذف الضمّة.
وقد تقدّم الكلام على ذلك مستوفًا، وربما أثبتوهما في موضع الجزم.
من ذلك قوله [من البسيط]:
هجوت زبّان... إلخ
وقولُ الآخر [من الوافر]:
ألم يأتيك... إلخ
ووجهُ ذلك أنّه قدّر في الرفع ضمّةً منويّةً، فحذفها، وأسكن الواو كما يفعل في الصحيح، وهو في الياء أسهلُ منه في الواو, لأنّ الواو المضمومة أثقلُ من الياء المضمومة.
فأمّا البيت الأول، فإنّه يقول: لم تَهْجُ لأنّك اعتذرتَ، ولم تترك الهَجْوَ، لأنّك هجوت.
وبعد البيت الثاني [من الوافر]:
ومَحْبَسُها على القُرَشِيِّ تُشْرَى... بأذراعٍ وأَسْيافٍ حِدادِ
يقول: ألم يأتِك نَبَأُ لبونِ بني زياد.
ودلّ عليه قوله: والأنباء تنمي.
ويحتمل أن تكون الباء مزيدة مع الفاعل على حد ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ 1. وحسن زيادةُ الباء إذ كان المعنى: ألم تسمع بما لاقت.
وبنو زياد الرَبيع بن زياد العَبْسيّ وإخوتُه، وهم الكَمَلَةُ أولادُ فاطمةَ بنت الخُرْشُب.
والشعرُ لقيس بن زُهَير.
وسببُ هذا الشعر أنّ الربيع طلب من قيس دِرْعًا، وبينما هو يخاطبه، والدرعُ مع قيس إذ أخذها الربيعُ، وذهب، فلقي قيسٌ أُمَّ الربيع فاطمةَ، فأسرها لِيرتهنَها على ردّ الدرع، فقالت له: يا قيس، أين عزب عنك عقلُك، أتُرَى بني زياد مُصالِحيك، وقد أخذتَ أُمَّهم، فذهبتَ بها، وقد قال الناس ما قالوا، فخَلَّى عنها، = مجزوم بـ "لا" الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة وهو الألف، وهذه الألف الظاهرة لإشباع فتحة الضاد، و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"ولا": الواو: عاطفة، و"لا": ناهية جازمة.
"تملّق": فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية، وعلامة جزمه السكون، وحرّك بالكسر لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
وجملة "إذا العجوز... ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "غضبت العجوز": في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة "غضبت" (الظاهرة): تفسيرية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "فطلّق": جواب شرط غير جازم لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لا ترضاها": معطوفة على جملة "فطلّق".
وجملة "لا تملّق": معطوفة على جملة "فطلّق".
والشاهد فيه قوله: "ترضّاها" حيث لم يحذف حرف العلة للجازم ضرورة، ويفسّر بأنه أشبع فتحة الضاد في "ترضها" فنشأت الألف.
وأخذ إبلَ الربيع، وساقها إلى مكّةَ، فاشترى بها من عبد الله بن جُدْعانَ سلاحًا.
وعنى باللبون هنا جماعةَ النوق التي لها لبنٌ.
ومن ذلك قراءة ابن كَثِير: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ 1 على جزم الضمّة المقدّرة في "يتقي"، وأثبت الياء ساكنةً، ويجوز أن تكون "مَنْ" هنا موصولة لا شرطًا، و"يتقي" مرفوع لأنه الصلة، و"يصبرْ" عطفٌ عليه إلّا أنّه جزمه, لأنّ "مَنْ" وإن كانت بمعنَى "الّذي"، ففيها معنى الشرط، ولذلك تدخل الفاء في خبرها إذا كان صلتها فعلاً، فعطف على المعنى، فجزم كما قال تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ 2، لأنّه بمعنَى: أَخِّرْني أصّدّقْ، وأكن.
وبعضهم يجعل الواو في "يَهْجو" إشباعًا حدث عن الضمّة قبلها، والياء في "ألم يَأْتِيكَ" إشباعًا حدث عن الكسرة، فعلى هذا يكون وزنُ "يهجو"، و"يأتيك" هنا "يَفْعُو"، و"يَفعِيكَ"، وقد انحذفت اللام للجزم، وذلك على حدّ [من البسيط]:
1357 - [تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ... نفي الدنانير] تَنْقادُ الصَياريف3
ونحو قوله [من البسيط]: [اللهُ يَعْلَمُ أَنّا في تَلَفُّتِنا... يومَ الفِراقِ إلى أحْبابِنا صورُ 1 - وأنني حيثما يُدُني الهوى بَصَري... من حيثما سلكوا] أَدْنُو فأنظورُ وقد شبّه بعضهم الألفَ بالياء في موضع الجزم، كما شبّهوا الياء بالألف حين
أُسكنت في موضع النصب، من ذلك ما أنشده أبو زيد [من الرجز]:
إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فطَلِّقِ... ولاتَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ (1)
ومن ذلك قول عبد يَغُوثَ [من الطويل]:
وتَضحَكُ مِنِّي شَيخَةٌ عَبشَمِيّةٌ... كأنّ لم تَرَى قبلي أَسِيرًا يَمانِيا (2)
ومثله [من الطويل]:
ما أنس لا أنساه... إلخ
ومنهم من يقدّر الحركة في الألف في موضع النصب والرفع، فحذفها للجزم، وفيه
بُعْدٌ, لأنّ الألف لا يمكن حركتُها, ولكن على التشبيه بالياء، وقد ذهب ابن جِني في:
كأن لم ترى قبلي
إلى أنّه قد جاء مخفّفًا على "كأن لم تَرْءَ"، ثمّ إنّ الراء لما جاورت الهمزةَ، وهي متحرّكةٌ، صارت الحركة كأنّها في التقدير قبل الهمزة، واللفظُ بها: "كأن لم تَرَأْ"، ثمّ أُبدلت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها على حد "راسٍ"، و"فَاسٍ"، فصارت "تَرَى".
فالألفُ على هذا التقدير بدلٌ من الهمزة التي هي عينُ الفعل، واللامُ محذوفة للجزم على مذهب التخفيف.
وعلى القول الأول هي لام الكلمة والعينُ التي هي الهمزة محذوفة، و"ما" في البيت الآخر للمجازاة، وهي جازمة، و"لا أنساه" الجوابُ، وأثبت الألف لما ذكرناه.
والرَّيْعُ بالفتح: الفضل والزيادة، فاعرفه.