شرح المفصل لابن يعيشفصل [تمييز المفرد]

فصل [تمييز المفرد]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "وتمييز المفرد أكثره فيما كان مقداراً: كيلاً كـ "قفيزان", أو وزناً كـ "منوان", أو مساحةً كـ "موضع كف", أو عددًا كـ "عشرون" أو مقياساً كـ "ملؤه" و"مثلها".
وقد يقع فيما ليس إياها, نحو قولهم: "ويحه رجلاً"، و"لله دره فارساً", و"حسبك به ناصراً"".

قال الشارح: تمييزُ المفرد أكثرُ ما يجيءُ بعد المقادير.
والمِقدارُ هو المقابِل للشيء، يعدِلُه من غيرِ زيادة ولا نُقْصانٍ.
والمقاديرُ أربعةُ أضرب: مَكِيلٌ، وموزونٌ، وممسوحٌ، ومعدودٌ، فالمكيلُ نحو قولك: "مَكُّوكان دَقِيقًا"، و"قَفِيزان بُرًّا".
والموزونُ: "مَنَوان سَمْنًا"، و"رَطْلان عَسَلاً"، والممسوحُ: "بلغتْ أرضُنا خمسين جَرِيبًا"، و"ما في السماء موضعُ كفّ سَحابًا".
والمعدودُ نحو: "عشرين درهمًا".
وكلُّها محتاجةٌ إلى إبانتها بالأنواع؛ لأنّها تقع على أشياء كثيرةٍ، فإذا قلت: "مكّوكان"، احتمل أنّ يكون حِنْطة، أو شَعِيرًا، أو غيرَهما ممّا يكال.
وإذا قلت: "منوان"، أحتمل أشياء كثيرةً مما يوزَن نحوَ "السمن"، و"العسل".
وإذا قلت: "بلغتْ أرضُنا"، وأردتَ المِساحةَ، احتمل أشياء من المقادير المتماسَح بها، نحو: " الجَرِيب"، و"الذراع"، و"المُدي"، ونحو ذلك.
وكذلك إذا قلت: "عندىِ عشرون"، احتمل دنانيرَ، ودراهمَ، وثِيابًا، وعَبِيدًا، وغيرَها من المعدودات، فوَجَبَ لذلك إبانتُها بالنوع.
وحقٌّ النوع المفسِّر أن يكون جمعًا معرَّفًا بالألف واللام، نحو"عشرين من الدراهم"؛ أمّا كونُه جمعًا، فلأنّه واقعٌ على كلّ واحد من ذلك النوع، فكان واقعًا على جماعةٍ، وأمّا كونُه معرَّفًا باللام فلتعريفِ الجنس، فإذا قلت: "عشرون من الدراهم"، كنتَ قد أتيتَ بالكلام على وَجْهه، ومقتضَى القياس فيه، وإن أردتَ التخفيفَ، قلت: "عشرون درهمًا"، فتحذِف لفظَ الجمع، وحرفَ التعريف، واكتفيتَ بواحد من ذلك منكورٍ, لأن الواحد المنكور شائعٌ في الجنس، فلشياعه جرى مجرى الجمع.
وأمّا قوله: "أو مقياسًا، فالمقياسُ: المقدارُ.
يقال: "قِسْتُ الشيءَ بالشيء" إذا قدّرتَه به، وقولُه: "مِلْؤُه ومثلُها"، فإشارةٌ إلى قولهم: "مِلءُ الإناء عسلًا"، و"على التمرة مثلُها زبدًا"، والفرق بين المقياس وغيره من المقادير المذكورة أنّ تلك المقادير المذكورة أشياءُ محقَّقةٌ محدودةٌ، والمقياسُ مقدارٌ على سبيلِ التقريب، لا التحديدِ.
ألا ترى أنّ مِلءَ الإناء، ومثلَ التمرة ليسا بكَيْلٍ معروفٍ، ولا ميزانٍ، ولا مساحةٍ، وإنّما هو تقريبٌ لمقداره.

وأمّا قوله: "وقد يقع فيما ليس إيّاها"، فيريد أنّ التمييز قد يأتي بعد مفرد ليس مقدارًا من المقادير المذكورة، نحوَ قولهم: "وَيْحَهُ رجلًا"، "ولله دَرُّه فارسًا"، و"حَسْبُك به ناصرًا"، فـ "ويحه" من المصادر التي لم يُنطَق لها بفعل، ومعناه الترحْمُ، و"لله درُّه فارسًا" جملةٌ اسميةٌ، ومعناها المَدْحُ، والمراد: لله عَمَلُه.
ومثلُه "حسبُك به ناصرًا".
فهذه الأشياءُ مبهَمةٌ, لأنّه لم يُعلَم المدحُ من أىّ جهة، فالنكرةُ فيها منصوبةٌ على التمييز، وهي الممدوحةُ في المعنى، ونحوهُ: "هو أشجعُ الناس فارسًا" إذا أردتَ أنّه هو الممدوح بالشَّجاعة، والمضافُ إليه المجرورُ ههنا بمنزلة النون في "عشرين"، والتنوينِ في "رطل" في مَنْعه الإضافةَ إلى المميّزِ، كما منعت النونُ في "عشرين"، والتنوينُ في "رطل" من ذلك، والتقديرُ: وَيْحَه من رجلٍ، ولله درُّه من فارسٍ، وحسبُك به من ناصرٍ.
فإن قيل: "كيف جاز دخولُ "منْ" ههنا على النكرة المنصوبةِ مع بقائها على إفرادها، فقلت: "من رجلٍ"، و"من فارسٍ"، و"من ناصرٍ"، وحسُن ذلك، وأنت لا تقول: "هو أَفْرَهُ منك من عبدٍ"، ولا "عندي عشرون من درهم"، بل تَرُدّه عند ظهورِ "مِنْ" إلى الجمع، نحوَ: "من العَبِيد"، و"من الدراهم"؟ فالجوابُ أنّ هذا الموضع ربّما التبس فيه التمييزُ بالحال، فأتوا بـ "منْ" لتخلصه للتمييز، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ويحه رجلًا"، و"لله درُّه فارسًا"، و"حسبُك به ناصرًا" جاز أنّ تَعْنِيَ في هذه الحالَ؛ فلمّا كان قد يقع فيه لبسُ مشتبِهَيْن، فُصل بينهما بدخول "مِن".

جارٍ التحميل