فصل [تعريفه]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: هو ما يجري على "يَفْعَلُ" من فعله كضارب، ومكرم، ومنطلق، ومستخرج، ومدحرج, ويعمل عمل الفعل في التقديم والتأخير والإظهار والإضمار، كقولك زيد ضارب غلامه عمراً، وهو عمراً مُكْرِمٌ، وهو ضارب زيد وعمراً، أي وضارب عمراً.
قال الشارح: اعلم أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل هو الجاري مجرى الفعل في اللفظ والمعنى؛ أمّا اللفظُ فلأنه جار عيه في حركاته وسكَناته، ويطّرِد فيه، وذلك، نحو: "ضارب"، و"مُكْرِم"، و"منطلِق"، و"مستخرِج"، و"مُدَحْرِج"، كله جارٍ على فعله الذي هو"يضْرِب"، و"يُكْرِم"، و"ينطلِق"، و"يستخرِج"، و"يُدَحرِج".
فإذا أريد به ما أنت فيه، وهو الحال أو الاستقبال.
صار مثله من جهة اللفظ والمعنى، فجرى مجراه، وحُمل عليه في العمل، كما حمل فعلُ المضارع على الاسم في الإعراب لما بينهما من المُشاكلة، فاسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، يعمل عمل الفعل إذا كان منوّنًا، أو فيه الألف واللام, لأنّ التنوين مانعٌ من الإضافة، والألفُ واللام تُعاقِب الإضافةَ، فتقول مع التنوين: "زيدٌ ضاربٌ غلامُه عمرًا غدًا"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ضارب" الخبر، و"غلامه" مرتفع به ارتفاعَ الفعل، و"عمرًا" منصوب على أنّه مفعول؛ لأنّه جار مجرى "يضرِب غلامُه عمرًا".
وتقول: "هذا الضارب زيدًا"، ففي "الضارب" ضميرٌ يرجع إلى مدلول الألف واللام, لأنها تدل على الذي، ولذلك كانت موصولة.
وقد يحذف التنوين من اسم الفاعل تخفيفًا، وإذا زال التنوين عاقَبَته الإضافةُ، والمعنى معنى ثباتِ التنوين، ولذلك لا يكون إلَّا نكرة.
قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 1، فلو لم يُرِد به التنوين لم يكن صفة لـ"هَدْي"، وهو نكرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ 2 وصف "عارضًا" وهو نكرة بقوله: "ممطرنا".
ومنه قوله
تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ 1 و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ 2.
وإنّما قلنا: إن التنوين مراد, لأنّه لو لم يكن مرادًا؛ لكان معرفة، ولو كان معرفة؛ لكنت قد أخبرت عن النكرة بالمعرفة، وذلك قلبُ القاعدة، فالتقديرُ: "إلَّا آتٍ الرحمنَ عبداً"، و"كلُّ نفس ذائقة الموتَ".
والتنوين هو الأصل، والإضافة دخلت تخفيفًا، ولو لم يكن التنوين هو الأصل، لما جاز دخول التنوين؛ لأنّه ثقيل.
وممّا يدل على إرادة التنوين وأنفصاله ممّا أضيف إليه، أنك قد تجمع بين الإضافة والألف واللام، فتقول: "هذا الضارب الرجلِ والضاربا زيدٍ"، ولا تقول: "الغلام الرجلِ" ولا "الغلاما زيدٍ".
وإذ كان التنوين مرادًا حكمًا، وهو الأصل، كانت الإضافة منفصلة، وكان المخفوض منصوبًا في الحكم, لأنّه مفعول، وذلك أن اسم الفاعل لا يضاف إلَّا إلى المفعول، ولا يضاف إلى الفاعل كالمصدر، فلا تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ"، و"الضارب" هو"زيد", لأن الاسم لا يضاف إلى نفسه.
وقوله: "يعمل عملَ الفعل في التقديم والتأخير والإظهار والإضمار" إشارة إلى قوّة عمل اسم الفاعل لقوّة مُشابَهته للفعل من الجهات التي ذكرناها.
فمثالُ إعماله مقدَّمًا: "هذا ضارب زيدًا"، فـ"هذا" مبتدأ، و"ضارب" الخبر، و"زيد" منصوب بـ"ضارب"، وقد تقدّم الكلام عليه.
ومثالُه مؤخرًا: "هو عمرًا مكرمٌ "؛ فأمّا إعماله مضمرًا، فقد فسّره بقوله: "هو ضاربُ زيدٍ وعمرًا" بمعنى أنّك إذا عطفته على المخفوض، كان بتقدير ناصب، فبعضهم يقدره فعلاً، أي: ويضرب عمرًا, لأن اسم الفاعل في معنى الفعل، وبعضهم يقدره اسم فاعل منونًا، يكون الظاهر دليلاً عليه.
والحقُّ أن انتصاب المعطوف على معنى الأول، لأنّه مفعول والتنوين مراد، فهو كقول الشاعر في المصدر [من الرجز]:
مَخافةَ الإفلاسِ واللَّيّانا 3
وإذا كان في اللفظ ما ينصبه؛ لم تحتج إلى تقدير محذوف، ولذلك مثّله سيبويه بقوله [من البسيط]:
895 - جِئْني بمِثْلِ بني بَدْرٍ لِقَوْمهمِ... أو مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظُورِ بنِ سَيارِ4
قال 1: لأن "جئني" في معنى "هات"؛ فحمل النصب على معناه.
والنصبُ في الأوّل أقوى, لأن اسم الفاعل أصله التنوين والنصب، و"جئني" أصله الجرّ؛ لأنّه لا يتعدّى إلَّا بالباء، وقد تقدّم الكلام عليه.
وينبغي أن يكون إعماله مضمرًا في نحو قولك: "أزيدًا أنت ضاربُه" لما اشتغل اسم الفاعل عن مفعوله الذي هو"زيد" بضميره، لم يعمل فيه، وكان العامل مقدرًا دلّ عليه الظاهر، كأنّك قلت: "أضاربٌ زيدًا أنت ضاربُه".
ومثله "أَعمرًا أنت مكرمٌ أخاه"، والتقدير: "أمكرمٌ عمرًا أنت مكرمٌ أخاه".
فإن قيل: الهاء في "زيدًا أنت ضاربُه" في موضع خفض، فكيف تنصب ما ضميرهُ مجرور، قيل: لمّا كان هذا الضمير المجرور في حكم المنصوب من حيث كان التنوين مرادًا، و"ضاربٌ" في معنى الفعل، صار كقولك: "أزيدًا مررت به"، الضميرُ مجرور، وهو في الحكم منصوب.
[إعمال مبالغة اسم الفاعل]
قال صاحب الكتاب: قال سيبويه 2: وأجروا اسم الفاعل إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر مجراه, إذا كان على بناء "فاعل"، يريد نحو: شراب وضروب ومنحار وأنشد للقُلاخ [من الطويل]:
896 - أخا الحرب لباساً إليها جلالها... [وليس بولاج الخوالف أعقلا]3 = اللغة: بنو بدر: هم بيت فزارة وعدّهم، وكذلك منظور بن زبان بن سيار من فزارة أيضًا، وهم أخوال جرير.
المعنى: هل في قومك مثل بني بدر، أو مثل أهل منظور بن زبان بن سيار؟! فإن كان في قومك يماثلهم، تقدر على هجائي والوقوف أمامي.
الإعراب: "جئني": فعل أمر مبني على السكون، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت)."بمثل": جار ومجرور متعلقان بـ"جئني".
"بني": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
"بدر": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"لقومهم": "لقوم": جار ومجرور متعلقان بحال محذوفة، بتقدير (جئني بمثلهم كافين)، و"هم": ضمير متصل في محل جرّ بالإضافة.
"أو": حرف عطف.
"مثل": مفعول به منصوب بالفتحة لفعل محذوف تقديره (هات).
"أسرة": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"منظور": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ابن": صفة (منظور) أو (بدل منه) مجرورة بالكسرة.
"سيار": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "جئني": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "هات مثل" (المقدّرة) معطوفة عليها لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "جئني بمثل.. أو مثلَ" حيث عطف الاسم المنصوب (مثلَ) على الاسم المجرور (بمثل) ظاهرًا، وفي الحقيقة هو عطف جمل.
ولأبي طالب [من الطويل]:
1 - ضروب بنصل السيف سوق سمانها... [إذا عدموا زادًا فإنك عاقرُ] = سيبويه 1/ 363؛ وشرح التصريح 2/ 68؛ والكتاب 1/ 111؛ ولسان العرب11/ 83 (ثعل)؛ والمقاصد النحويَّة 3/ 535؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/ 319؛ وأوضح المسالك 3/ 220؛ والمقتضب 2/ 113؛ وهمع الهوامع 2/ 96. اللغة: أخو الحرب: خائض غمارها.
اللّبْاس: كثير اللبس.
الجلال: هو ما يوضع على ظهر الدابة، وهنا بمعنى الدرع.
ولاّج: كثير الولوج، أي الدخول.
الخوالف: جمع الخالفة، وهي عماد البيت، أو البيت مجازًا، أو النساء.
الأعقل: الكثير الخوف.
المعنى: أنه رجل حرب، ويلبس لبوسها، ويخوض غمارها، وليس بضعيف أو جبان يختبىء في البيوت بين النساء تلافيًا لمقارعة الأبطال.
الإعراب: "أخا": حال من الياء في "إنّني" في البيت السابق، منصوبة بالألف لأنّه من الأسماء الستة، وهو مضاف.
"الحرب": مضاف إليه مجرور.
"لبّاسًا": حال ثانية منصوبة.
"إليها": جار ومجرور متعلّقان بـ "لبّاس".
"جلالها": مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
"وليس": الواو: حرف عطف، و"ليس": فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، "بولاّج": الباء: حرف جرّ زائد، و "ولاّج": اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنّه خبر "ليس"، وهو مضاف.
"الخوالف": مضاف إليه مجرور.
"أعقلا": خبر ثانٍ لـ "ليس" منصوب.
وجملة "ليس بولاّج الخوالف": معطوفة على جملة سابقة.
والشاهد فيه قوله: "لبّاسًا إليها جلالها" حيث أعمل صيغة المبالغة "لبّاسًا" عمل الفعل، فنصب بها المفعول به "جلالها".
وحكي عن بعض العرب إنه لمنحار بوائكها وأما العسل فأنا شراب وأنشد [من الطويل]: 1 - [بكيت أخا اللأواء يحمد يومه]... كريم رؤوس الدارعين ضروب وجوز: هذا ضروب رؤوس الرجال وسوق الإبل.
قال الشارح: قد ذكرنا أن اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، إنّما أُعمل عمل الفعل المضارع، لجَرَيانه عليه في حركاته وسكناته وعدد حروفه.
وقد أجروا ضَرْبًا من أسماء الفاعلين ممّا فيه معنى المبالغة مجرى الفعل الذي فيه معنى المبالغة في العمل، وإن لم يكن جاريًا عليه في اللفظ، فقالوا: "زيدٌ ضَرّابٌ عَبِيدَه، وقتّالٌ أعداءَه"، كما قالوا: "زيد يُضرب عبيدَه، ويُقتل أعداءه"، إذا كثُر ذلك منه، وكان "ضرّاب"، و"قتّال" بمنزلة "ضاربٍ"، و"قاتل"، كما كان "يضرّب"، و"يقتل" بالتشديد بمنزلةِ "يَضرِب"، و"يَقتُل" من غير تشديد؛ لأنه يريد به ما أراد بـ"فاعِل" من إيقاع الفعل، إلاَ أن فيه إخبارًا بزيادة مبالغة، وتلك الأسماء "فَعُولٌ"، و"فَعالٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"فَعِلٌ"، و"فَعِيلٌ".
فجميعُ هذه الأسماء تعمل عمل "فاعِلٍ"، وحكمُها في العمل حكم، "فاعِلٍ" من التقديم والتأخير والإظهار والإضمار، فتقول: "هذا ضَرُوبٌ زيدًا"، كما تقول:"هذا ضاربٌ زيدًا"، = في محل جر بالإضافة.
وجملة "إنّك عاقر": لا محل لها من الإعراب لأنها جراب شرط غير جازم.
وجملة "إذا عدموا زادًا فإنك عاقر" الشرطية: استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "ضروب بنصل السيف سوق سمانها" حيث عملت صيغة المبالغة، وهي قوله: "ضروب" عمل الفعل، فرفعت الفاعل، وهو الضمير المستتر فيها، ونصبت المفعول، وهو قوله: "سوق".
و"ضَرّابٌ عمرًا، ومَنْحازٌ إبلَه، وحَذِرٌ عدوَّه، ورَحِيمٌ أباه".
والتقديم في ذلك كلّه والإضمار جائزٌ، كما كان في "فاعِلٍ".
وتقول: "هو ضَرُوبُ زيدٍ وعمرًا"، وإن شئت "وعمرو"، كما فعلت في "ضارب"، وتقول: "أزيدًا أنت ضَرُوبُه"، كما تقول: "أزيدًا أنت ضاربُه"، فأمّا قوله [من الطويل]:
أخا الحَرْب لَبّاسًا إليها جِلالَها... وليس بَولّاجِ الخَوالِفِ أَعْقَلَا
فإن البيت للقُلاخ بن حَزن التميميّ، والشاهد فيه نصب "الجلال" بـ"لَبَّاس".
و"لبّاس": تكثير "لابِس".
يصف رجلًا بالشجاعة، والمراد بالجلال الدُّروع، وما يُلْبَس للحرب، جعلها جلالًا.
والولّاج: الكثيرُ الولوج، وأراد بالخوالف البيوت، وهو جمع خالفةٍ، وأصلها الشقّة تكون في أسفل البيت.
والأعقل: الذي يضطرب رِجْلاه من الفَزَع.
قال سيبويه: وسمعنا من يقول: "أمّا العَسَلَ فأنا شَرّابٌ" فنصب العسل بـ"شَرّاب" كما تقول: "أمّا العسلَ فأنا شاربٌ" فهو شاهد على الإعمال، وجواز التقديم.
وأمّا قوله [من الطويل]:
ضروبٌ بنَصْل السيف سُوقَ سِمانِها... إذا عَدِمُوا زادًا فإنّك عاقِرُ
البيت لأبي طالب بن عبد المُطَّلِب، والشاهد فيه إعمال "فَعُول" كإعمال "فاعل"، فنصب "سوق سمانها" بـ"ضروب" كما تنصبه بـ"ضارب"، يرثي أبا أُمَيةَ بن المُغِيرَة بن عبد الله، ويصفه بالكرم، والمراد أنّه يعقِر الإبل السمان للأضياف عند عدم الزاد وشدّة السنة.
ومثله قول الآخر [من الطويل]:
بَكَيْتُ أخا اللأْواءِ يُحْمَدُ يومه... كريمٌ رُؤُوسَ الدارِعِينَ ضَرُوبُ
البيت لأبي طالب، والشاهد فيه إعمال "فَعول" كـ"فاعِل"، وفيه دلالةٌ على جواز تقديم معموله عليه, لأن المراد: ضروب رؤوسَ الدارعين، ثمّ قُدّم.
وحكى سيبويه عن العرب: "إنّه لَمِنْحارٌ بَوائكها"، نصب "البوائك" بـ"منحار"، وهذا نصٌّ على إعمال "مِفْعال".
والبوائك: جمع بائكةٍ، وهي السمينة الفَتِيّة.
قال الكسائي: باكت الناقة تبوك إذا سمِنت.
وقد أنشد سيبويه في إعمال "فَعِل" [من الكامل]:
1 - حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ... ما ليس مُنْجِيَهُ من الأَقْدارِ
نصب "الأمور" بـ"حَذِر"، لأنّه تكثيرُ "حاذرٍ" يعمل عملَ الفعل؛ لأنّه في معناه، وإنّما غير عن بنائه للتكثير، ومنه قول ابن أحمر [من الكامل]:
1 - أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضادَةَ سَمْحَجٍ... بِسَراتِه نَدَبٌ لها وكُلُومُ
الشاهد فيه نصب عضادة بـ "شنِج"، وهو تكثير "شانجٍ".
وشانجٌ: في معنى مُلازِم، وفعلُه: "شنجته" كـ"لزمته".
وأنشد في إعمال "فَعِيلٍ" لساعِدةَ بن جؤيَّة [من البسيط]:
2 - حتى شَآها كَلِيلٌ مَؤهِنًا عَمِلٌ... باتتْ طِرابًا وباتَ الليلَ لم يَنَمِ = الإعراب: "حذر": خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هو".
"أمورًا": مفعول به.
"لا": نافية.
"تضير": فعل مضارع مرفوع بالضمّة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: "هي".
"وآمن": الواو حرف عطف، "آمن": معطوف على "حذر" مرفوع.
"ما": اسم موصول في محل نصب مفعول به لـ"آمن".
"ليس": فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: "هو".
"منجيه": خبر "ليس" منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء ضمير في محل جر بالإضافة.
"من الأقدار": جار ومجرور متعلقان بـ"منجيه".
وجملة "هو حذر": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لا تضير": في محل نصب نعت "أمورًا".
وجملة "ليس منجيه": صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "حذر أمورًا" حيث عملت صيغة المبالغة "حذر" عمل فعلها، فنصبت مفعولًا به "أمورًا".
والشاهد فيه نصب الـ"موهن" بـ"كليل", لأنه بمعنى "مُكِل"، أو "كال"، وإنّما غيره للتكثير والمبالغة.
وخالف سيبويه أكثر النحويين في بناءين من هذه المُثُل الخمسة، وهما "فَعِلٌ" و"فَعِيلٌ".
قالوا: لأن "فَعِلًا" و"فعيلًا"، بناءان موضوعان للذات والهيئة التي يكون الإنسان عليها، لا لأن يجريا مجرى الفعل، فهما كقولك: "رجل كريم وظريف"، و"رجل عَجلٌ ولَقِنٌ"، إذا كان ذلك كالطبيعة، وحملوا ما احتجّ به من الأبيات على غير ما ذكره.
فَأمّا البيت الأول فقالوا: لم يصحّ عن العرب، ورُوي عن المازني أنّ اللاحقيّ قال: سألنى سيبويه عن شاهدٍ في تعدّي "فَعِلِ"، فعملت له هذا البيت.
ويروى أيضًا أن البيت لابن المقفَّع.
وأما البيت الثاني.
أو مسحل شنج عضادة سمحج
فهو للبيد، فقالوا: انتصاب "عضادة سمحج" على الظرف لا على المفعول، ومعنى "عضادة سمحج": قوائمُها، وشنجٌ: لازم.
ومسحل: هو العَيْر.
وسمحجٌ: الأتان، كأنّه قال: أو عَيرٌ لازم يَمْنَةَ أتان، أو يَسْرَةَ أتان، فيكون المراد بالعضادة الناحية.
وأمّا البيت الثالث وهو:
حتى شآها كليل موهنًا عمل = اللغة: شآها: دفعها وساقها.
الكليل: الضعيف المتعب.
المَوْهِن: منتصف الليل.
طرابًا: جمع طَرِبَة وهي المشتاقة.
المعنى: إن السحاب يمشي تعبًا يدفعه الريح طورًا، ويزجره البرق طورًا، والمطر يهطل لم يتوقف طيلة الليل.
الإعراب: "حتى": حرف غاية وجر.
"شآها": فعل ماضٍ مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، و"ها": ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول من "أن" المضمرة والفعل بعدها في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بلفظ في بيت سابق.
"كليل": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"موهنًا": مفعول فيه ظرف زمان متعلق باسم الفاعل "كليل".
"عمل": صفة مرفوعة بالضمة الظاهرة.
"باتت": فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتحة الظاهرة، والتاء: للتأنيث، واسمها ضمير مستتر جوازًا تقديره: هي.
"طرابًا": خبرها منصوب بالفتحة الظاهرة.
"وبات": الواو: عاطفة، "بات": فعل ماض ناقص مبني على الفتحة الظاهرة، واسمها ضمير مستتر تقديره: هو.
"الليل": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل "ينم".
"لم ينم": "لم": حرف نفي وقلب وجزم، "ينم": فعل مضارع مجزوم، وحرّك بالكسر لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو.
جملة "باتت طرابًا": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "بات الليل لم ينم": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لم ينم": في محل نصب خبر "بات".
والشاهد فيه قوله: "كليلٌ موهنًا" حيث عمل "كليل" في قوله "موهنًا"، إذ "كليل" مبالغة "كالّ"، وإذا حوّل "فاعل" إلى "فعيل" فإنه يعمل.
فقالوا: هو البرق الضعيف، ومنه قولهم: "رجلٌ كَلِيلٌ"، إذا كان مُعْيِيًا، من "كلّ يَكِلُّ"، فهو فعل غير متعدّ، ألا ترى أنّه لا يقال: "كل زيدٌ عمرًا"، والمَوْهِن: الساعة من الليل، فهو لا ينتصب في غير الظرف، وإذا كان انتصابه على الظرف؛ لم يكن فيه حجّةٌ.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، وهو القياس, لأن صفات المبالغة إذا كانت معدولة؛ جاز أن تتعدّى.
فمن ذلك "فَعُولٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"فَعّالٌ"، فهكذا سبيلُ "فَعِيلٍ" إذا كان معدولًا، كقولك: "رَحِيم" من "راحمٍ"، و"عليم" من "عالم"، فيجوز: "زيدٌ رحيمٌ عمرًا"، كما تقول: "راحمٌ عمرًا"؛ لأنه معدول عنه، هذا مع السماع؛ فأمّا قولهم عن البيت الأول، وهو:
حَذِرٌ أمورًا... إلخ
فإن سيبويه رواه عن بعض العرب وهو ثقةٌ، لا سبيلَ إلى رَد ما رواه.
وأمّا البيت الثاني فإنّ ما ذهب إليه سيبويه هو الظاهر، وما ذكروه تأويلٌ، وذلك أن "شنجًا" في المعنى لازم، والمراد بـ"العضادة" القوائم، وليست ظرفًا، فالمراد أنّه لازمٌ عضادة سمحج، وقد جاء عنهم هذا المعنى مصرَّحًا به في قول الآخر [من الرجز]:
1 - قالت سُلَيْمَى لَسْتَ بالحادي المُدِلْ... مالك لا تَلْزَمُ أَعْضادَ الإبِلْ
فـ"أعضادٌ" هنا بمعنى "عضادة سمحج"، وقد نصبها بـ "تلزم".
و"شنج" في معنى ذلك على أنه قد جاء لزيد الخَيل [من الوافر]:
1 - أتاني أنّهم مَزِقُونَ عِرْضِي... جحاشُ الكِرْمِلَيْن لها فَدِيدُ
قال: "مزقون عرضي" كما ترى، فأجراه مجرى "مُمّزِقين"، وهذا لا يحتمل غيرَ هذا التأويل، وعليه معنى الشعر، لأنّه وصف المِسْحَل، وهو عَيْر الوحش، بالنشاط والهِياج، وشبّه ناقتَه به في هذا الحال، ولو كان المعنى على التفسير الآخر، لقصّر في وصف ناقته.
وأمّا البيت الثالث، فإنّ "كليلًا" بمعنى "مُكِلٍّ"، وإنّما غُيّر عنه للتكثير، و"فَعِيلٌ" بمعنى "مُفْعِلٍ" كثيرٌ.
قالوا: "عَذابٌ ألِيمٌ" بمعنى مُؤْلِمٍ، و"داعٍ سَمِيعٌ" بمعنى مُسْمِعٍ.
قال عمرو بن معديكرب [من الوافر].
2 - أَمِنْ رَيحانَةَ الداعِي السَّمِيعُ... [يُؤَرِّقُنى وأصْحَابِي هُجُوعُ]
أي؛ المُسْمِع، والمراد أنّه يصف وحشيًّا، وأنّها نظرت إلى برق مستمطر دالّ إلى الغَيْث يُكِل المَوْهِنَ بدَوِيه وتَوالي لَمَعانه، كما يقال: "أتعبتَ ليلتَك"، أي: سرتَ فيها سيرًا مُتعِبًا، والمَوْهِن: وقتٌ من الليل، فشآها ذلك البرقُ، أي: شاقها، وأزعجها، فباتت طَرِبَةَ إليه منقلِبةً نحوه، وهذا واضح.