شرح المفصل لابن يعيشفصل [المصادر المنصوبة بأفعال مُضمرة]

فصل [المصادر المنصوبة بأفعال مُضمرة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "والمصادر المنصوبة بأفعال مضمرة على ثلاثة أنواع: ما12 = والشاهد فيه قوله: "يعجبه.. حبًا ما له مزيد" حيث نصب المصدر الذي من معنى الفعل، وليس من لفظه على أنّه مفعول مطلق, لأنّ الحب بمعنى الإعجاب.

يُستعمل إظهار فعله وإضماره، وما لا يستعمل إظهار فعله، وما لا فعل له أصلاً.
وثلاثتها تكون دعاء وغير دعاء, فالنوع الأول قولك للقادم من سفره: "خير مقدم", ولمن يقرمط في عداته: "مواعيد عرقوب" 1, وللغضبان: "غضب الخيل على اللجم" 2, ومنه قولهم: "أو فرقًا خيرًا من حُبّ" 3 بمعني "أو أفرقك خيرًا من حبّ"".

قال الشارح: قد تقدّم من قولنا أنّ المصدر ينتصب بالفعل، وهو أحدُ المفعولات.
وقد يُحْذفَ فعله لدليلِ الحال عليه.
وهو في قولك على ثلاثة أضرب: منها ضربٌ يُحْذَف فعله ويجوز ظهوره، فأنتَ فيه بالخيار، إن شئتَ أظهرتَه وإن شئت أضمرتَه.
وضربٌ لا يجوز استعمال فعله، ولا إظهارُه.
وضربٌ ليس له فعلٌ ألبتّة.
فالضرب الأوّل، نحو قولك لمن لَقِيتَه وعليه وَعْثاء السَّفَر، ومعه آلتُه، فعلمتَ أنّه آئبٌ من سفره، فقلت: "خيرَ مَقْدَم"، أي: قدِمتَ خير مقدم، فـ "خيرَ" منصوبٌ على المصدر لأنّه أَفْعَلُ، وإنَّما حُذفت ألفه تخفيفًا، و"أفعل" بعضُ ما يضاف إليه، فلمّا أضفته إلى مصدر صار مصدرًا، ومن ذلك إذا رأيتَ رجلًا يَعِدُ ولا يَفِي قلت: "مَواعِيدَ عُرْقُوب"، أي: وعدتَني مواعيدَ عرقوب، فهو مصدرٌ منصوبٌ بـ"وَعَدْتَنِي"، ولكنه تُرِك لفظه استغناء عنه بما فيه من ذكرِ الخُلْف، واكتفاء بعلم المخاطب بالمراد.
قال الشَّمّاخ [من الطويل]: وواعَدْتني ما لا أُحاوِلُ نَفْعَهُ... مَواعِيدَ عُرْقُوبٍ أخاهُ بيَترَبِ ويُروى للأشجَعيّ: 156 - وعدتِ وكان الخُلْفُ منكِ سَجِيَّةً... مَواعِيدَ عرقوبٍ أخاه بيَترَبِ4

وهذا عرقوبٌ وعد وَعْدًا، فأخلفَ، فضُربَ به المَثَلُ، وذلك أنّه أتاه أخٌ له يسأله شيئًا، فقال عرقوبٌ: "إذا أَطْلَعَ نَخْلي".
فلمّا أطلع قال: "إذا أَبْلَحَ".
فلمّا أبلح قال: "إذا ازْهَى".
فلمّا أزهى قال: "إذا أَرْطَبَ".
فلمّا أرطب، قال: "إذا صار تَمْرًا".
فلمّا صار تمرًا أخذه من الليل ولم يُعْطِه شيئًا.
أنكرَ أبو عُبَيْد "يثرب" لأنّ عرقوبًا رجلٌ من العَمالِيق، وكانوا بالبُعْد من "يثرب" مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنّما هي يَتْرَبُ بتاءٍ مُعْجَمة ثِنْتَيْن من فوقها، وراءٍ مفتوحة، وهي موضعٌ قريبٌ من اليَمامة.
ومن ذلك قولهم: "غَضَبَ الخَيْلِ على اللُّجُم" وذلك مَثَلٌ يُضْرَب لِمَن يغضَب على من لا يُرْضِيه.
والمراد: غضِبتَ غَضَبَ الخيل على اللجم.
ويجوز أن يكون المرادُ شِدّة الغضب، فنُصب المصدر بالفعل المحذوف، ومن العرب من يرفع هذا كلَّه، فيقول للقادم من سَفَره: "خيرُ مَقْدَمٍ"، أي: قُدومُك خير مقدم، فيكون "خيرُ مقدم" خبرَ مبتدأ محذوف، وكذلك "مواعيدُ عرقوب" أي: عِداتُك مواعيدُ عرقوب.
ومثله "غضبُ الخيل على اللجم"، أي: غضبُك غضبُ الخيل على اللجم؛ وأمّا قولهم: "أَوَ فَرَقًا خيرًا من حُبّ" فتكلَّم بذلك رجلٌ عند الحجّاج، وذلك أنّه كان قد صنع عملًا، فاستجاده، فقال الحجّاج: "أكُلُّ هذا حُبًّا"؟ فقال الرجلُ مُجِيبًا: "أوفرقًا خيرًا من حبّ"؟ أي فعلتُ هذا لأنّي أَفْرَقُك فَرَقًا خيرًا من حبّ، فهو أنبلُ لك، وأجلُّ.
ولو رفع لجاز، كأنّه قال: أَوَ أَمْرِي فَرَقٌ خيرٌ من حبّ.
فهذا النوع أنتَ مخيَّر فيه بين إظهار العامل وحذفه، فإن أظهرتَه فزِيادةٌ في البيان، وإن حذفتَه فثِقَةَ بدليل الحال عليه.
قال صاحب الكتاب: "والنوع الثاني قولك: "سقيًا ورعيًا, وخيبة, وجدعًا, = الإعراب: "وعدت": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء ضمير متّصل مبنيّ في محلّ رفع فاعل.
"وكان": الواو: حرف عطف، "كان": فعل ماضٍ ناقص.
"الخلف": اسم "كان" مرفوع بالضمّة.
"منك": حرف جرّ، والكاف ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جرّ بحرف الجرّ، والجار والمجرور متعلّقان بالخلف.
"سجية": خبر "كان" منصوب بالفتحة.
"مواعيد": مفعول مطلق منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"عرقوب": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"أخاه": مفعول به لـ"مواعيد" منصوب بالألف لأنّه من الأسماء الستّة، وهو مضاف، والهاء ضمير متّصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
"بيترب": الباء حرف جرّ، "يترب": اسم مجرور بالفتحة لأنّه ممنوع من الصرف للعلميّة والتأنيث ووزن الفعل، وحرّك بالكسر مراعاة للرويّ، والجار والمجرور متعلّقان بـ"مواعيد".
وجملة "وعدت": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "وكان الخلف منك سجيَّة" استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "وعدت مواعيد عرقوب أخاه" حيث أعمل المصدر المجموع "مواعيد" مضافًا إلى فاعله "عرقوب" وناصبًا المفعول به "أخاه"، وهذا دليل على أنّ المصدر المجموع يجوز أن يعمل كما لو كان مفردًا.

وعقرًا, وبؤسًا, وبعدًا, وسحقًا, وحمدًا, وشكرًا لا كفرًا, وعجبًا, وافعل ذلك وكرامة, ومسرَّة, ونعم, ونُعمةَ عينٍ, ونعام عينٍ, ولا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا همًّا, ولا فعلن ذلك ورغمًا وهوانًا".

قال الشارح: اعلم أنّ هذه المصادر قد وردت منصوبة بإضمار فعل، وذلك الفعلُ لم يظهر مع هذه المصادر، وذلك قولك في الدُّعاء للإنسان: "سَقيًا ورَعْيًا"، والمراد: سقاك الله سقيًا ورعاك اللهُ رعيًا، فانتصبا بالفعل المضمر، وجعلوا المصدر بَدَلًا من اللفظ بذلك الفعل.
وذلك أنّهم قد استغنوا بذكرِ المصدر عن ذكرِ الفعل، كما قالوا: "الحَذَرَ"، والمعنى احْذَرِ الحَذَرَ، ولم يذكروا "احْذَرْ"، فلمّا استغنوا بذكر هذه المصادر عن ذكرِ الفعل، صار قولُك: "سَقْيًا ورَعْيًا" كقولك "سَقاك الله، ورعاك اللهُ"، فلو أظهرتَ الفعلَ صار كتَكْرارِ الفعل، ومن ذلك قولك للمَدْعُوّ عليه: "خَيْبَة، وجَدْعًا، وعَقْرًا، وبُؤْسًا، وبُعْدًا، وسُحْقًا".
فقولك: "خيبة" بَدَلٌ عن "خَيَّبَك اللهُ"، وهو مصدرٌ منصوبٌ به، وكذلك "جَدْعًا" معناه: جَدَعَكَ اللهُ.
ومثله "عقرًا، وبؤسًا، وبعدًا، وسحقًا" أي: عَقَرَهُ الله عقرًا، وأَبْأَسَهُ اللهُ بُؤْسًا، وأبعدَه اللهُ بعدًا، وأسحقَه اللهُ سحقًا، على حذفِ الزوائد، وكلُّ هذه المصادر دُعاءٌ عليه أو له، وهي منصوبةٌ بفعل مضمر متروكٍ إظهاره، لأنّها صارت بدلًا من الفعل، وبعضهم يُظهِر الفعلَ تأكيدًا، فيقول "سقاك الله سَقْيًا، ورَعاك الله رَعْيًا" وليس بالكثير، ومنهم من يرفع فيقول: "سَقْىٌ لك، ورَعْيً"، والمعنى مفهومٌ كما يقال: "سلامٌ عليكم"، وإِنما يُخْرِجه مُخرَجَ ما قد ثَبَتَ.
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - أَقامَ وأَقْوَى ذاتَ يَوْمٍ وخَيْبَةٌ... لأوّلِ من يَلْقَى وشَرُّ مُيَسَّرُ

يصف أَسَدًا؛ وأمّا قولهم: "حَمْدًا وشُكرًا" إلخ، فهذه المصادر ليست من المصادر اقي قبلها من وجهٍ، وهي منها من وجهٍ آخر.
وذلك أنّ هذه المصادر أفعالُها الناصبةُ لها المضمرةُ أخبارٌ يُخْبِر بها المتكلّمُ عن نفسه، وليست بدُعاء لأحدٍ، أو عليه، فلم تكن منها من هذا الوجه.
ومن جهة أنّ الفعل المضمر مستقبلٌ أشبهت الدعاء لاستقباله، فمعناهما: أَحْمَدُ الله حمدًا، وأشكُره شكرًا، وأعْجَبُ عَجَبًا، وأُكْرِمُك كَرامةً، وأَسُرُّك مَسَرَّةً؛ وأمّا قولهم: "لا كَيْدًا، ولا همًا" فمعناه؛ لا أكادُ كَيْدًا أن أفعلَ، وهو من "كِدْتُ أكادُ" من أفعالِ المقارَبة، وليس من الكَيْد الذي هو المَكْر، ولا "أَهْمُّ به همًّا" من الهِمّة لا من الهَمّ الذي هو الحُزْن، كأنّه يُؤكد ما ينقي أن يفعل.
وقوله: "لأفعلنّ ورَغْمًا وهوانًا" أي: أُرْغِمُك بفعله رَغْمًا وأُهِينُك به هوانًا، وأصلُ الرَّغْم لُصوقُ الأَنْف بالتُّراب، وهو كنايةٌ عن الذُلّ، وقد جاء بعضُ هذه المصادر مرفوعًا بأنّه خبرُ مبتدأ محذوف.
قال رُؤْبَةُ [من الكامل]: 1 - عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةَ وإقامتِي... فيكم على تلك القضيَّةِ أَعْجَبُ = وجملة "أقام": ابتدائية لا محل لها.
وجملة "أقوى": حالية محلها النصب، والتقدير: أقام وقد أقوى، أي: مقويًا.
وجملة "خَيْبةٌ لأول": استئنافية لا محل لها.
وجملة "يَلْقى": صلة الموصول لا محل لها.
والشاهد فيه: رفع "خيبة" على الابتداء, لأنه مصدر نائب عن فعله يُدْعى به، والوجه في المصادر التي يُدْعى بها أن تنصب على المفعولية المطلقة.

حكاه يُونُسُ مرفوعًا، كأنِّه قال: "أمري عجبٌ".
قال سيبويه 1: وسمعنا من العرب الموثوقِ بعَرَبيّتهم مَن يقال له: "كيف أصبحتَ"، فيقول: "حمدُ الله، وثَناءٌ عليه" بالرفع، كأنّه قال: "أمري، وشأني حمدُ الله وثناءٌ عليه"، والنصب هو الوجه على الفعل المتروكِ إظهارهُ.

قال صاحب الكتاب: "ومنه إنما أنت سيراً سيراً, وما أنت إلا قتلاً قتلاً, وإلا سير البريد, وإلا ضرب الناس, وإلا شرب الإبل",ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 2, ومنه مررت فإذا له صوت صوت حمار، وإذا له صراخ صراخ الثكلى، وإذا له دقٌ دقك بالمنحاز حب القلقل" 3.

قال الشارح: إنّما يُقال هذا لِمن يكثُر منه ذلك الفعلُ، ويُواصِله، فاستغنى بدلالةِ الصدر عن إظهاره، وليس ذلك ممَّا يختصّ بالمخاطَب، بل تستعمله في الإخبار عن الغائب، كما تستعمله في المخاطب، فتقول: "زيدٌ سَيْرًا سَيْرًا" إذا أخبرتَ عنه بمثلِ ذلك المعنى.
وتقول: "أنتَ الدَّهْرَ سَيْرًا سَيْرًا"، و"أنتَ هذا اليومَ سيرًا سيرًا"، و"كان عبدُ الله سيرًا سيرًا" إذا أخبرتَ بشيء متّصِلٍ بعضُه ببعضٍ.
وإن رفعتَ، وقلت: "ما أنت إلا سيرٌ سيرٌ" على معنَى "ما أنت إلَّا صاحبُ سير"، وحذفتَ الصاحب، وأقمتَ السير مُقامَه، لم يدل على كثرةِ ومواصلةٍ كما دلّ النصبُ، إنّما أخبرتَ أنّه صاحبُ سير لا غير.
واعلم أنّك إذا رفعتَ كان على وجهَيْن: أحدُهما: أن يكون على حذفِ مضاف، وهو صاحبٌ، على ما تقدّم.
والثاني: أن تجعله نفسَ السير والقتلِ، لمّا كثُر ذلك منه توسُّعًا ومَجازًا، كما يُقال: "رجلٌ عَدْلٌ ورِضَى" إذا كثُر عدلُه والرضى عنه، كما يُقال [من البسيط]: 159 - تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حتى إذا اذَّكَرَتْ... فإنّما هي إقبالٌ وإدبارُ4 = والشاهد فيه قوله: "عجب" حيث رفع "عجب" على الابتداء مع أنّه نكرة، أو على إضمار مبتدأ تقديره: "أمري عجب" فكلمة عجب تفارق "سبحان الله" من جهة أنّها تتصرّف فتستعمل مرفوعة.

جعلها نفسَ الإقبال والإدبار مبالغةً وتوسّعًا، فالرفع في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ لك، والنصبُ على تقديرِ فعل مضمر لا يظهَر، إذ قد صار المصدرُ بَدَلًا منه، فقولُك: "إنّما أنت سيرًا سيرًا، وما أنت إلَّا قتلًا قتلًا" معناه: تسِير سيرًا سيرًا، وتقتل فتلًا قتلًا.
وقوله: "إلَّا سيرَ البَرِيد، وإلَّا ضربَ الناس، وإلَّا شُرْبَ الإبِل" معناه ما أنت إلا تسِير سيرًا مثلَ سيرِ البريد، وما أنت إلَّا تشرَب شُرْبًا مثلَ شُرْب الإبل، ثمّ حذف الموصوفَ، وأقام الصفةَ مقامَه، ثمّ حذف المضافَ، وهو "مِثْلَ" وأقامَ المضافَ إليه مقامَه على حدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 1، وهذا الحذفُ، والإضمارُ، وإن كثُر، فهو فاشٍ في كلام العرب مطّرِدٌ؛ وأمّا "ضَرْبَ الناس"؛ فتقديرهُ: ما أنت إلَّا تضرِب الناسَ ضربًا.
ويجوز في هذا وحدَه التنوينُ، ونصبُ "الناس" لأنّه مصدرٌ مضافٌ إلى مفعول ولا يكون مضافًا إلى الفاعل لأنّه يصير معناه: يضربه مثل ضربِ الناس، وهو من الناس إلَّا أن يريد أن يضربه الضربَ المعهودَ المتعارَفَ، فحينئذ يكون من قبيلِ "شُرْبِ الإبل" و"سيرِ البريد".
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 2 فالمعنى: فإمّا أن تَمُنُّوا مَنَّا، وإمّا أن تُفادوا فِداء، فهما مصدران منصوبان بفعل مضمر.
وأمّا قولهم: "مررتُ فإذَا له صوتٌ صوتَ حمارٍ" إلخ، فهو منصوبٌ، وفي نصْبه وجهان: = 431، 2/ 34؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 282؛ والشعر والشعراء 1/ 354؛ والكتاب 1/ 337؛ ولسان العرب 7/ 305 (رهط)، 11/ 538 (قبل)، 14/ 410 (سوا)؛ والمقتضب 4/ 305؛ والمنصف 1/ 197؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 387، 4/ 68؛ وشرح الأشموني 1/ 213؛ والمحتسب 2/ 43. اللغة: ترتع: ترعى.
اذَّكرْت: تذكَّرَتْ.
المعنى: تريد الخنساء أنَّ حالها وقد فَقَدَتْ أخاها صخرًا كحال ناقة فقدت وليدها فَمَا تشغل عنه بالرعي حتى تتذكره، فتهيج مقبلة، ومدبرة.
الإعراب: "ترتَعُ": فعل مضارع مرفوع، فاعله مستتر تقديره: "هي".
"ما": مصدرية زمانية.
"غفلت": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث لا محل لها، والفاعل مستتر تقديره: "هي".
"حتى": حرف غاية وابتداء.
"إذا": ظرفية شرطية غير جازمة محلها النصب متعلقة بجوابها.
"اذَّكرت": مثل "غفلتْ".
"فإنما": الفاء: رابطة لجواب الشرط، "إنما" كافة ومكفوفة.
"هي": مبتدأ محله الرفع.
"إقبالٌ": خبر مرفوع.
"وإدبار": الواو: حرف عطف، "إدبار" معطوف على "إقبالٌ".
والمصدر المؤول من "ما" والفعل "غفلت" منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل "ترتع".
جملة "تَرْتَع": صفة لـ"عجولٌ" محلها الرفع، وجملة "غفلت": صلة الموصول الحرفي لا محل لها من الإعراب، وجملة "إذا اذَّكرت فإنما هي إقبال وإدبار": استئنافية لا محل لها، وجملة "اذَّكرت": في محل جر بالإضافة.
وجملة "هي إقبال": جواب شرط غير جازم لا محل لها.
والشاهد فيه: أنَّ اسم المعنى يصح وقوعه خبرًا عن اسم العين إذا لزم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي.
وهذا واضحٌ في قول الخنساء: هي إقبال وإدْبار.

أحدُهما: أن يكون منصوبًا بالمصدر المذكورِ، إذ كان في معنى الفعل، وذلك أنّ قولنا: "له صوتٌ" في معنَى "يُصَوِّتُ"، فالمصدرُ نائبٌ عن الفعل، وانتصابُ "صوتَ حمار" على هذا إمّا على المصدر، وإمّا على الحال.
وعلى كِلا الوجهَيْن في "صوتَ حمار" معنى التشبيه، فإذا نصبتَه على المصدر، فتقديرُه: فإذا هو يُصوِّت تصويتًا مثلَ صوتِ حمار، ثمّ حذفتَ على ما ذكرنا متقدِّمًا.
وإذا كان حالًا، فتقديرُه: فإذا هو مُشْبِهًا صوتَ حمار، أو مُمثلًا صوتَ حمار.
والوجه الثاني: أن يكون نصبه بإضمار فعل يجوز أن يكون الفعلُ من لفظِ الصوت، ويجوز أن يكون من غير لفظه، فإذا كان من لفظه، فتقديرُه: فإذا له صوتٌ يَصوت صوتَ حمار، ويكون نصبُ "صوتَ حمار" على المصدر، أو على الحال نحوَ ما تقدّم.
وإذا قدّرتَ الفعلَ العاملَ من غيرِ لفظِ الأول، لم يكن نصبُ "صوت حمار" إلَّا على الحال لا غيرُ، كأنّك قلت: "له صوتٌ يُخْرِجه صوتَ حمار، أو يُمثِّله صوتَ حمار".
ومثله: "له صُراخٌ صُراخَ الثَّكْلَى"، و"له دَقٌّ دَقَّك بالمِنْحاز حَبّ القِلْقِل"، والمنحاز: الهاوُونُ، والقِلقِلُ بالكسر وقافَيْن: حَبٌّ أسودُ، وهو أصلُ ما يكون من الحبُوب، والعامّةُ تقول فُلْفُلٌ بالضمّ والفاءِ، وهو تصحيفٌ منهم.
والكلامُ عليها كالكلام في المسألة المتقدِّمة، والنُّكْتَة في ذلك أنّه يريد: مررتُ به وهِو يُصوِّت، ولم يُرِدْ أن يصِفه بذلك أو يُبْدِله منه فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "ومنه ما يكون توكيداً؛ إما لغيره كقولك: "هذا عبد الله حقاً، والحق لا الباطل"، و"هذا زيدٌ غير ما تقول"، و"هذا القول لا قولك"، و"أجدَّك لا تفعل كذا"؛ أو لنفسه كقولك: "له عليَّ ألف درهم عُرفاً، وقول الأحوص [من الكامل]: 1 - إني لأمنحك الصُّدود وإنني... قسماً إليك مع الصدود لأميل

وقوله تعالي: ﴿صنع الله﴾ 1، و ﴿وعد الله﴾ 2، و ﴿كتاب الله عليكم﴾ 3، و ﴿صبغة الله﴾ 4، وقولهم: "الله أكبر دعوة الحق"".

قال الشارح: اعلم أنّ "حَقًّا" و"الحَقَّ" ونحوَهما مصادرُ، والناصبُ لها فعلٌ مقدَّرٌ قبلها دلّ عليه معنى الجملة، فتُؤكِّد الجملةَ، وذلك الفعل أحُقُّ، وما جرى مجراه، وذلك أنَّك إذا قلت: "هذا عبدُ الله" جاز أن يكون إخبارُك عن يَقِين منك وتحقيقٍ، وجاز أن يكون على شَكّ، فأكّدتَه بقولك: "حَقًّا"، كأنّك قلت: "أحُقُّ ذلك حقًّا".
وهذه المصادر يجوز أن تكون نكرةً، نحوَ: "حقًّا"، ويجوز أن تكون معرفة، نحوَ: "الحق لا الباطلَ"، وذلك لأنّ انتصابها انتصابُ المصدر المؤكِّد لا على الحال التي لا يجوز أن تكون إلَّا نكرةٌ، وإذا قلت: "هذا عبدُ الله الحقُّ، لا الباطلَ"، فـ"الحقَّ" منصوبٌ على المصدر المؤكِّد لِما قبله، والباطلَ عطفٌ عليه بـ"لَا"، كما يُقال: "رأيتُ زيدًا لا عمرًا".
وإذا قال "هذا عبدُ الله غيرَ ما تقول" فـ"غيرَ" منصوب على المصدر، وتحقيقُه: هذا عبدُ الله حقًّا غيرَ ما تقول، أي: غيرَ قولك، فحذفتَ الموصوفَ، وأقمتَ الصفةَ مقامَه، والمفهوم من هذا الكلام أنّ المتكلّم قد اعتقد أنّ قولَ المخاطَب باطلٌ.
وتلخيصُ معناه: هذا عبد الله حقًّا لا باطلًا.
وإذا قال: "هذا القولُ لا قولَك"، فكأنّه قال: "هذا القولُ لا أقول قولَك"، أي: مثلَ قولك، يعني أنني أقول الحقَّ، ولا أقول باطلًا مثلَ قولك.
ولو أسقطتَ الإضافةَ، وقلت: "هذا القولُ لا قولًا"، و"هذا القولُ غيرَ قولٍ"، لم يحسُن الحذفُ لسُقوطِ الفائدة؛ لأنّه لم يكن فيما بقي ما يدل على البُطْلان، فلو وصفتَه بما يدل على البطلان، نحوَ: "هذا القولُ لا قولًا = مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
"وإنني": الواو: حالية، و"إنني": حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم: ضمير متصل مبنيّ في محل نصب اسم "إنّ.
"قسَمًا": مفعول مطلق لفعل محذوف منصوب بالفتحة.
"إليك": جار ومجرور متعلقان بـ"أميلُ".
"مع": ظرف منصوب متعلق بحال محذوفة من الضمير في "إنني".
"الصدود": مضاف إليه مجرور "لأميلُ": اللام: المزحلقة للتوكيد، و"أميلُ": خبر "إن " مرفوع بالضمة.
وجملة "إني لأمنحكَ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أمنحك": في محلّ رفع خبر "إن".
وجملة "إنني لأميل": في محلّ نصب حال.
وجملة "أقسم قسمًا": اعتراضية لا محل لها من الإعراب، اعترضت بين "إن" وخبرها "أميل".
والشاهد فيه: نصب "قَسَمًا" على المصدر المؤكد لما قبله من الكلام الدال على القسم, لأنه لما قال: إني لأمنحك الصدود، عُلم أنه مقسم، فقال: قَسَمًا، مؤكدًا لذلك.

كذِبًا"، أو "غيرَ قِيلٍ ضعيفٍ"، ونحوِ ذلك، ممّا يدلّ على ضِدّه أو صحّتِهِ.
لَجاز لحُصولِ الفائدة والتوكيدِ، وهذا هو المطلوبُ من هذا الفصل.
وقال الزَّجّاج إذا قلت: "هذا زيدٌ حقًّا"، و"هذا زيدٌ غيرَ قِيل باطل"، لم يجز تقديمُ "حقًّا".
لا تقول: "حقًّا هذا زيدٌ" فإن ذكرتَ بعضَ هذا الكلامِ، فوسّطتَه، وقلت: "زيدٌ حقًّا أخوك"، جاز.
وأمَّا سيبويه فلم يمنع من جَوازِ تقديمِ "حقًّا"، بل قال في الاستفهام: "أجِدَّكَ لا تفعلُ كذا وكذا"، كأنّه قال: "أحَقًّا لا تفعل كذا وكذا".
ففي ذلك إشارةٌ إلى جَوازه.
واعلم أنّ قولهم في الاستفهام: "أجدّك لا تفعل كذا" أصلُه من الجِدَّ الذي هو نقيضُ الهَزْل، كأنه قال: أنُجِدُّ ذلك جِدًّا" غيرَ أنّه لا يُستعمل إلَّا مضافًا حتى يُعْلَم مَن صاحبُ الجِدّ، ولا يجوز تركُ الإضافة، نحوَ: "لَبَّيْكَ"، و"مَعاذَ الله" على ما سيأتي.
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - [خليلىَّ هُبّا طالما قَدْ رَقدْتُما]... أجِدَّكما لا تَقْضِيانِ كَراكُمَا وأمّا ما يكون تأكيدًا لنفسه، فنحوُ قولهم: "له عليّ ألفُ درهم عُرْفًا"، ومثلُه قوله: إني لأمنحُك الصدودَ..........

وذلك أنَّه لمّا قال: "له عليّ ألف درهم"، فقد أقَرَّ واعترف، فإذا قال: "عُرْفًا" بمعنَى: "اعتراف"، فلم يزد بذكره عمّا تقدّم من الكلام، فكان تأكيدًا، نحوَ: "ضربتُ ضَرْبًا".
والفرق بين هذا والذي قبله حتّى جُعل هذا تأكيدًا لغيره، وجُعل هذا تأكيدًا لنفسه، أنّك إذا قلت: "هذا عبدُ الله حقًّا" فقولُك من قَبْلِ أن تذكر "حقًّا" يجوز أن يُظَنّ أنّ ما قلتَه حقٌّ، وأن يظُن أن ما قلتَه باطلٌ، فتأتي بـ"حَقَّا"، فتجعل الجملةَ مقصورة على أحد الوجهَيْن الجائزَيْن عند السامع.
وقولُه: "له عليّ ألفُ درهم" هو اعترافٌ حقًّا كان، أو باطلًا، فصار هذا توكيدًا لنفسه إذ كان الذي ظهر هو الاعترافَ.
وأمّا قوله في البيت: "قَسَمًا"، فهو مصدرٌ مؤكّدٌ، وذلك أن قوله: "وإنّني إليك مع الصدود لأمْيَلُ" يُفْهَم منه القَسَمُ؛ فإذا قال: "قسمًا"، كان تأكيدًا لنفسه.
وأمّا قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ 1، فهو مصدرٌ من هذا القبيل، وذلك أن قبله ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ 2 فـ "صُنْعَ الله" منصوبٌ على المصدر المؤكّد لأنّ ما قبله صُنْعُ الله في الحقيقة.
وكذلك ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ 3 لأن قبله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5 وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (4) نصب "وعدَ الله" لأنّ ما قبله وعدٌ من الله، فكان تأكيدًا لذلك.
وأمّا قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (5) فقد اختلف النحويون فيه 6، وذهب أصحابُنا والفرّاءُ من الكوفيين إلى أنّه نصب على المصدر المؤكّد، وذلك أنّه لمّا تقدّم من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ 7 إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ 8. فقولُه: "كتابَ الله عليكم" بمنزلةِ "فَرْضَ الله عليكم"، و"تحريمَ الله عليكم"؛ لأنّ الابتداء تحريمُ المذكورات من النساء إلَّا مَن سُبي وأُخرج من دارِ الحرب، فإنّها تَحِلُّ لمَن ملكها، وإن كان لها زَوْجٌ لأنّه تقع الفرقةُ بينها وبين زوجها، فهذه شريعةٌ شَرَعَها اللهُ، وكتابٌ كَتَبَه عليكم، فانتصب المصدرُ بما دلّ عليه سِياقُ الآية، كأنّه فعلٌ تقديُره: كَتَبَ اللهُ عليكم، فأُضيف المصدرِ إلى الفاعل.
وقال الكسائيّ: "كتابَ الله" منصوبٌ بـ"عَلَيْكُمْ" على الإغراء، كأنّه قال:

"عليكم كتاب الله"، فقدّم المنصوبَ، قال: وذلك جائزٌ، قد ورد به السَّماعُ وهو القياسُ، فالسماعُ قولُ الراجز: 1 - يَا أَيّهَا المائحُ دَلْوِي دُونَكَا... إنّي رأيتُ الناسَ يَحْمَدونكا والمراد: دونك دلوي.
وأمّا القياس فإنّ الظرف نائبٌ عن الفعل تقديرُه: الْزَمُوا كتابَ الله، ولو ظهر الفعلُ، لَجاز تقديمُ معموله عليه، فكذلك ما ناب عنه، والحقّ المذهب الأوّل, لأنّ هذه الظروف ليست أفعالًا، وإنّما هي نائبةٌ عن الفعل، وفي معناه، فهي فروعٌ في العمل على الأفعال، والفروعُ أبَدًا منحطّةٌ عن دَرَجاتِ الأُصول، فإعمالُها فيما تقدّم عليها تَسْوِيَةٌ بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز.
وأما ما أنشده من البيت فلا حُجةَ فيه، لأنّا نقول "دلوي" رفعٌ بابتداء، والظرفُ الخبر كما تقول: دلوي عندك.
وأمّا القياس الذي ذكروه فليس بصحيح لأنّه يؤدّي إلى التسوية بين الأصل والفرع.
وقد أجاز بعضُ النحويّين أن يكون "دلوي" منصوبًا بإضمار فعل، كأنّه قال: امْلأْ دلوي، ويؤيِّد ذلك أنه لو قال: يا أيها المائح دلوي، ولم يَزِد عليه، جاز لدليلِ الحال عليه.
ومن ذلك قولهم: "الله أكبرُ دَعْوَةَ الحَقِّ", لأن قولك: "الله أكبر"، إنّما هو

دُعاءٌ إلى الحقّ، وأن يَثْنِيَ السامعُ إلى جملةِ القائلين بالتَّوْحِيد، وإلى مَن شِعارُهم قولُ: "الله أكبرُ"، فيكون دعوةً يتداعون بها، كأنّه قال: دعوا دُعاءَ الحقّ، ومثله قوله [من الرجز]: 1 - إنّ نِزارًا أصبحتْ نِزارَا... دَعْوَةَ أبْرارٍ دَعَوْا أبْرارَا نصب "دعوة" على المصدر, لأنّ معنَى "أصبحتْ نزارًا"، أي: يتداعون نزارًا، وذلك أنّ نزارًا، وهو أبو رَبِيعَةَ ومُضَرَ، لمّا وقع بين ربيعةَ ومضرَ تبايُنٌ وحروبٌ بالبصرة، وصارت ربيعةُ مع الأزْد في قِتالِ مضرَ، وكان رَئِيسُهم مسعودَ بن عمرو الأزديَّ، ثمَّ إنّ ربيعةَ صالحتْ مضرَ، فصار كأنّ نزارًا تفرّقتْ، ثم اجتمعتْ، فقال: أصبحتْ نزارًا، أي: أصبحت مجتمِعةَ الأولاد إذ دعا بعضُهم بعضًا.
وفي حالِ التبايُن كان يقول: المُضَرِيّ بالمضر، ويقول الرَّبِيعيُّ بالربيعة, لأنّ أحدَ الفريقَيْن ما كان ينصُر الآخرَ، فقوله: "أصبحت نزارًا" بمنزلةِ قوله: "دعا بعضُهم بعضًا بهذا اللفظ"، ثمّ جاء بالمصدر، وهو "دعوةَ أبرار"، وأضافه إلى الفاعل, لأنه أبْينُ، إذ لو قال: تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب صُنْعًا، أو كِتَابًا، لم يكن فيه من البيان ما فيه مع الإضافة، وفي الجملة هذا الفصَلُ الذي فيه المصدرُ المؤكّدُ لغيره، نحوُ: "هذا زيدٌ حقًّا".
وما أكّد نفسَه، نحوُ: "له عليّ ألفُ درهم عُرْفًا" ينتصب على إضمار فعلٍ غيرُ كلامك الاْوّلِ, لأنه ليس بحالٍ، ولا مفعولٍ لَهُ، كأنّه قال: أحُقُّ حقًّا، وأتَجِدُّ جِدًّا، ولا أقول قولَك، وكَتَبَ اللهُ عليكم كتابًا.
ولا يظهر الفعلُ كما لم يظهر في بابِ "سَقْيًا لك وحَمْدًا"، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "ومنه ما جاء مثنى, وهو "حنانيك", و"لبيك" و"سعديك",

و"دواليك", و"هذاذيك", ومنه ما لا يتصرف نحو: سبحان الله, ومعاذ الله, وعمرك الله وقعدك الله"".

قال الشارح: اعلم أنّ هذه المصادر التي وردت بلفظ التثنية الغرضُ من التثنية فيها التكثيرُ، وأنّه شيءٌ يعود مرّةً بعد مرّة، وليس المرادُ منها الاثنَيْن فقط، كما تقول: "ادْخُلُوا الاْوّلُ فالأوّلُ"، والغرضُ أن يدخل الجميعُ، وجئتَ بـ"الأوّلُ الأوّلُ" حتّى يعْلَم أنّه شيءٌ بعد شيء.
ومنه يُقال: جاءني القومُ رجلًا فرجلًا، على هذا المعنى.
ولا يُحْتاج إلى أكثرَ من تكريره مرةً واحدةً، وانتصابه على المصدر الموضوع موضعَ الفعل، والتقديرُ: تَحَنَّنْ علينا تحنُّنًا، وثَنّى مبالغةً وتكثيرًا، أي: تحنُّنًا بعدَ تحنُّنٍ، ولم يُقْصَد بها قصدُ التثنية خاصّةً، وإنّما يُراد بها التكثيرُ، فجُعلت التثنيةُ عَلَمًا لذلك لأنّها أوّلُ تضعيفِ العَدَد وتكثيرِه، وهذا المثنّى لا يتصرّف، ومعنَى عَدَمِ التصرُّف أنّه لا يكون إلَّا مصدرًا منصوبًا، ولا يكون مُثَنًّى إلَّا في حال الإضافة، كما لم يكن "سُبْحانَ اللهِ"، و"مَعاذَ اللهِ" إلَّا مضافَين.
وإنّما لم يتمكّن إذا ثنّيتَ؛ لأنّه دخله بالتثنية لفظًا معنى التكثير، فدخل هذا اللفظَ هذا المعنى في موضع المصدر فقط، فلذلك لم يتصرّفوا فيه، وربّما وحّدوا "حَنانًا".
قال الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ 1. وقال الشاعر [من الطويل]: 164 - فقالتْ حَنانٌ ما أتَى بك ههُنَا... أذُو نَسَبٍ أم أنتَ بالحَيِّ عارِفُ2

فرفع لمّا أفْرَدَ, لأنّه لم يدخله معنًى غيرُ الذي يوجِبه اللفظُ كما كان ذلك في حالِ التثنية، فإذا قلت: "حَنانَيْكَ"، فهو منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: تَحَنَّنْ تحنُّنًا بعد تحنُّن، لكنّهم حذفوا الفعلَ, لأنّ المصدر صار بدلًا منه كما كان ذلك في "سَقْيًا لك ورَعْيًا".
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا... حَنانَيْك بَعْضُ الشَّرّ أَهْوَنُ مِن بعضِ والتحنُّن: الرحْمةُ والخيرُ، فمعنَى قول القائل: "حنانَيْك": تحنُّنًا بعد تحنُّنٍ، أي كلَّما كنتَ في رحمة وخير، فلا تقطعنّ ذلك، وَلْيكنْ موصولًا بآخَرَ من رحمتك.
وأمّا "لَبَّيْكَ" و"سَعْدَيْكَ"، فهما مثنَّيان، ولا يُفْرَد منهما شيءٌ، ولا يُستعملان إلَّا مضافَيْن لِما ذكرتُه لك من إرادةِ معنى التكثير، فلمّا تَضمَّن لفظُ التثنية ما ليس له في الأصل من معنى التكثير، لزم طريقةً واحدةٌ ليُنِّبىء عن ذلك المعنى، فـ"لَبَّيْكَ" مأخوذٌ من قولهم: ألَبَّ بالمكان إذا أقام به، وألبَّ على كذا إذا أقام عليه، ولم يُفارِقه.
= منفصل في محلّ رفع مبتدأ.
"بالحي": جار ومجرور متعلّقان بـ"عارف".
"عارف": خبر المبتدأ.
جملة "فقالت": بحسب ما قبلها.
وجملة "أمري حنان": في محلّ نصب مفعول به.
وجملة "ما أتى بك": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أتى بك": في محلّ رفع خبر المبتدأ "ما".
وجملة "أذو نسب": المؤلفة من المبتدأ المحذوف والخبر استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أنت بالحي عارف": معطوفة على جملة "أذو نسب".
والشاهد فيه قوله: "حنان" المرفوع بتقدير مبتدأ، فرفع لما أفرد؛ لأنه لم يدخله معنى غير الذي يوجبه اللفظ كما كان ذلك في حال التثنية.

و"سَعْدَيْكَ" مأخوذ من المساعدة والمتابعة، وإذا قال الإنسانُ: "لَبَّيْك"، فكأنّه قال: دَوامًا على طاعتك، وإقامةً عليها مرّةً بعد مرّة.
وكذلك "سَعْدَيْك" أي: مساعدةً بعد مساعدة، ومتابعةً بعد متابعة، فهما اسمان مثنَّيان، وهما منصوبان على المصدر بفعل مضمر تقديرُه من غير لفظه، بل من معناه، كأنّك قلت في "لبّيك": داومتُ وأقمتُ، وفي "سعديك": تابعتُ، وطاوعتُ، وليسا من قبيل "سَقْيًا لك ورَعْيًا"، تقديرُه: سقاك اللهُ، ورعاك اللهُ، إذ لا يحسن أن يُقال: ألُبُّ لَبَّيْك، وأسْعَدُ سَعْدَيْك، إذ ليس لهذه المصادر أفعالٌ مستعملةٌ تنصبهما، إذ كانت غيرَ متصرِّفة، ولا هي مصادرُ معروفةٌ كـ"سَقْيًا" وَ"رَعْيًا".
وأمّا قولهم: "لَبَّى يُلَبِّي"، فهو فعلٌ مشتقٌّ من لفظِ "لَبَّيْك"، كما قالوا: "سَبْحَلَ" وَ "حَمْدَلَ" مِن "سُبْحانَ اللهِ" و"الحمدُ للهِ".
وقد ذهب يُونُس 1 إلى أنّ "لبَّيك" اسمٌ مفردٌ غيرُ مثنَّى، وأنّ الياء فيه كالياء التي في "عَلَيْك " وَ "لَدَيْك"، وأصلَه "لَبَّبٌ" "فَعْلَلٌ"، ولا يكون "فَعَّلًا" لقلّةِ "فَعَّلٍ" في الكلام، وكثرِة "فَعْلَل"، فقُلبت الباء التي هي لامٌ من "لَبَّبٍ" ياءً هَرَبًا من التضعيف، فصارت لَبَّيٌ، ثمَّ أُبدلت الياء ألفًا لتحرُّكها، وانفتاحِ ما قبلها، فصارت "لَبًّا"، ثمّ لمَّا أُضيفت إلى الكاف في "لَبَّيْك"، قُلبت الألف ياءً كما قُلبت الألف في "إلَى" و"لَدَى" إذا وصلتَهما بالضمير، فقلتَ: "إليك"، و"عليك"، و"لديك".
ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ "لبّيك" اسمٌ ليس له تصرُّفُ غيره من الأسماء، لأنّه لا يكون إلَّا مضافًا كما أنّ "إليك" و"عليك" و"لديك" لا تكون إلَّا منصوبةَ المواضع ملازِمةَ الإضافة، فقلبوا ألفَه ياءً، فقالوا: "لبّيك" كما قالوا "لديك"، و"عليك".
واحتجّ سيبويه على يونس فقال 2: لو كانت الياءُ في "لبّيك" بمنزلةِ ياءِ "لديك" و"إليك" لَوجب أنّك متى أضفتَها إلى ظاهرٍ، أقررتَ ألفَها بحالها كما أنّك إذا أضفت "لَدَى" و"عَلَى" و"إلَى" إلى الظاهر، أقررتَ ألفَها، وكنتَ تقول: هذا لَبَّى زيدٍ، ولَبَّى جعفرٍ، كما تقول: لدى زيد، وإلى عمرو، وأنشد [من المتقارب]: 166 - دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا... فَلَبَّى فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ3

فجَعْلُ "لبّي يدي مسور" بالياء، وإن كان مضافًا إلى الظاهر الذي هو "يَدَيْ" دليلٌ على أنّه تثنيةٌ، ولو كان مفردًا من قبيلِ "لَدَى" وَ "كِلا" لكان بالألف، وبعضُ العرب يقول: "لَبِّ لَبِّ" مبنيّةً على الكسر، ويجعله صَوْتًا معرفة مثلَ "غاقِ" كأنّه على صوتِ المُلبِّي، فاعرفه.
ومن ذلك قولهم: "دَوَالَيْكَ" كأنّه مأخوذ من المداوَلة وهىِ المناوَبةُ، فـ "دواليك" تثنيةُ "دَوالٍ"، كما أنّ "حَوَالَيْك" تثنيةُ "حَوَالٍ"، وَ "دَوالٌ" وقع موقعَ "مداوَلةٍ"، والمرادُ الكثرةُ، لا نفسُ التثنية، قال الشاعر عبدُ بني الحَسْحاس [من الطويل]: 1 - إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْد مِثْلُهُ... دَوَالَيْكَ حتّى ليس للبُرْد لابِسُ = الإعراب: "دعوت": فعل ماضٍ، والتاء: فاعل.
"لما": جار ومجرور متعلّقان بـ"دعوت".
"نابني": فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: ضمير في محل نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو".
"مسورًا": مفعول به.
"فلبّى": الفاء: حرف عطف، "لبّى": فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو".
"فلبّي": الفاء: استئنافية، "لبّي": مفعول مطلق منصوب بالياء لأنّه مثنّى، وهو مضاف.
"يدي": مضاف إليه مجرور بالياء لأنّه مثنى، وهو مضاف.
"مسور": مضاف إليه مجرور.
وجملة "دعوت مسورًا": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "نابني": صلة الموصول لا محلّ لها عن الإعراب.
وجملة "لبى": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة ".. لبّيْ": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "فلبّي يدي" حيث أضاف "لبّي" إلى الاسم الظاهر "يدي"، وبقيت ياؤه وهذا دليل على أنّه مثنى.

فـ "دواليك" في البيت في موضع الحال، ومعناه: إذا شُقّ بردٌ شُقَّ بالبُرد مثلُه دواليك، أي: متداوِلَيْن.
وذلك أنّ من عادةِ العرب كانت إذا أرادت عقدَ تأكيدِ المَوَدَّة بين الرجل والمرأة لبِس كلُّ واحد منهما بُرْدَ الآخَر، ثمّ تَدَاوَلَا على تخريقه هذا مرّة، وهذه مرة، فهو يصف تداوُلَهما على شَقِّ البرد حتّى لا يبقى فيه مَلْبَسٌ.
وقالوا: "هَذاذَيْكَ"، والكلام عليه على ما تقدّم، وهو مأخوذ من "هَذَّ يَهُذُّ" إذا أسرع في القِراءة والضَّرْبِ.
قال العَجّاج [من الرجز]: 1 - ضَرْبًا هذاذَيْك وطَعْنًا وَخْضَا كأنّه يقول: هذًّا بعد هَذٍّ من كلِّ جهة، فـ"ضَرْبًا" منصوبٌ على المصدر، أي: يضرب ضربًا، و"هذاذَيْك" نصبٌ على المصدر، وهو بدلٌ من الأوّل، وثُنّي للتكثير، كأنّه يقطع الأعناقَ بضَرْبه، ويبلُغ الأجوافَ بطَعْنه.
والوَخْض: الطَّعْنُ الجائف.
وأمّا قولهم: "سُبْحانَ اللهِ"، فهو مصدرٌ منصوبٌ غيرُ متصرِّفٍ، ولا منصرِفٍ؛ وأمّا كونُه غيرَ متصرّف فإنّه لم يُستعمل إلَّا منصوبًا، ولا يدخله رفعٌ ولا جَرٌّ ولا ألفٌ ولامٌ، كما تدخل على غيره من المصادر، نحوِ "السَّقْي" و"الرعْي".
وهو من المصادر، التي لا تُستعمل أفعالُها، كأنّه قال: "سَبَحَ سُبْحانًا" بتخفيف الباء، كقولك: "كَفَرَ كُفْرانًا"، و"شَكَرَ = والشاهد فيه قوله: "دواليك" حيث جاء في موضع الحال.. ملاحظة: رُوي عجز البيت: دوالَيْكَ حتْى كلُّنا غيرُ لابس

شُكْرانًا".
ومعناه التنْزِيهُ والبَراءةُ، وقد استُعمل مضافًا، وغيرَ مضاف، وإذا لم يُضَف، تُرك صرفُه، فقيل: "سبحانَ من زيدٍ"، كأنّه جُعل عَلَمًا على معنَى البراءة، وفيه الألِف والنونُ زائدتان، نحو قول الأعشى [من السريع]: أقولُ لمّا جاءني فَخْرُه... سُبْحانَ من عَلْقَمَةَ الفاخِرِ 1 وهو مثلُ "عُثْمانَ" في منعِ الصرف للعَلَميّة وزيادةِ الألف والنون، فأمّا "سَبَّحَ يُسبِّح" فهو فعلٌ ورد على "سبحان" بعد أن ذُكر وعُرف معناه، فاشتقّوا منه فعلًا.
قالوا: "سَبَّحَ زيدٌ"، أي: قال: "سبحانَ اللهِ"، كما تقول: "بَسْمَلَ" إذا قال: "بسم الله"، وقد يجيء "سبحان" منوَّنًا في الشعر.
قال الشاعر [من البسيط]: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ به... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ 2 وفي تنوينه وجهان: أحدُهما: أن يكون نكرةً.
والثاني: أن يكون معرفةً إلَّا أنّه نوّنه ضرورةً، ويُروى: "نَعُودُ به" بالدال غيرِ المعجمة، أي: نُعاوِده مرّةً بعد مرّة.
وقالوا: "مَعاذَ الله"، و"عِياذَ الله" وكِلاهما منصوبٌ على المصدر.
تقول: "أعُوذُ بالله" أي: ألْجَأُ إلى الله عَوْذًا وعِياذًا، فهذان مصدران متصرِّفان، تقول: العَوْذُ بالله، والعِياذُ بالله، وأمّا "مَعاذَ الله" فلا يكون إلَّا منصوبًا، ولا يدخله الألفُ واللامُ، ولا الرفعُ والجرُّ.
وأمّا قولهم: "عَمْرَكَ الله" فهو مصدرٌ لم يُستعمل إلَّا في معنى القَسَم، ونصبُه على تقدير فعلٍ، وفي تقديرِ ذلك الفعل وجهان: منهم من يُقدِّر: أسْألُك بعَمْرِك الله، وبتَعْمِيرِك الله، أي: وَصْفِك الله بالبَقاء والعَمْرِ.
والعَمْرُ: البقاءُ.
تقول: "بعَمْرِ الله".
كأنّك تحلِف ببقاء الله.
قال [من الوافر]: 169 - إذا رَضِيَتْ عَلَىَّ بنو قِشَيْرٍ... بعَمْرِاللهِ أعْجَبَني رِضاها3

ومنهم من يقدّر: أنْشُدُك بعَمْرِ الله، فيكون الناصبُ "أنشدك"، وهم يستعملون "أنشدك" في هذا المعنى كثيرًا، ثمّ حُذف الباء، فوصل الفعلُ، فنصب "عمرك"، ثمّ حُذف الفعل، فبقي "عمرك الله"، و"الله" منصوبٌ بالمصدر الذي هو "عمرك"، كأنّه قال: بوَصْفك الله بالبقاء، وقد أجاز الأخفشُ الرفعَ في "الله" بالمصدر كأنّه: قال بذِكْرٍ اللهُ إيّاك بالبقاء.
وقالوا: "قِعْدَكَ الله" بمعنَى: عمرك الله، وفيه لغتان: قِعدك الله، وقَعْدك الله، ومعناه: أسألُك بقعدك أي بوَصْفك الله بالثبات والدوامِ، مأخوذٌ من قَواعِدِ البيت، وهي أُصولُه.
والأصل في ذلك القُعودُ الذي هو ضِدُّ القيام لثُبوته، وعدمِ الحركة معه، ولا يُستعمل "عمرك الله" و"قعدك الله" إلَّا في القَسَم.

قال صاحب الكتاب: "والنوع الثالث نحو دفرًا وبهرًا وأُفَّةً وتُفَّةً وويحك وويسك وويلك وويبك".

قال الشارح: وأمّا القِسْم الثالث وهو، نحوُ: "دَفْرًا" وَ "بَهْرًا" و"اُفَّةً" و"تُقَّةً"، فهذه أيضًا من قبيلِ ما قبلها من المصادر من حيثُ إِنَّها غيرُ متصرِّفة بأن تكون مرفوعةً، أو مجرورةً، أو بالألف واللام، وأنّها منصوبةٌ بأفعالٍ غيرِ مستعمَلة، إلَّا أنّ الفرق بينهما أنّ ما قبلها لها أفعالٌ، ولم تُستعمل.
وهذه لا يُؤْخذ منها فعلٌ ألبتّةَ، فإذا سُئِلتَ عنها مثّلتَ بقولك: "نَتْنًا" لقُرْبِ معناهما.
وليس مِن "أُفَّةً" و"تُقَّةً" و"بَهْرًا" و"دَفْرًا" فعلٌ، وإنّما تَرُدّها = والمحتسب 1/ 52، 348؛ ومغني اللبيب 2/ 143؛ والمقتضب 2/ 320؛ وهمع الهوامع 2/ 28. اللغة: بنو قشير: هم قوم قشير بن كعب بن ربيعة بن صعصعة، اشتركوا في الفتوحات الإسلاميّة.
المعنى: إذا رضيت عنِّي بنو قشير سرّني رضاها، وأراح بالي لما له من تأثير عظيم عليّ.
الإعراب: "اذا": ظرف زمان يتضمّن معنى الشرط، متعلّق بجوابه.
"رضيت": فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث.
"عليّ": جار ومجرور متعلّقان بـ"رضيت".
"بنو": فاعل مرفوع بالواو لأنّه ملّحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
"قشير": مضاف إليه مجرور.
"بعمر": الباء: حرف جرّ وقسم، "عمر": اسم مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلّقان بفعل القسم المحذوف، و"عمر" مضاف.
"الله": اسم الجلالة مضاف إليه مجرور.
"أعجبني": فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: ضمير في محلّ نصب مفعول به.
"رضاها": فاعل مرفوع، و"ها": ضمير في محلّ جر مضاف إليه.
وجملة "إذا رضيت... ": ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "رضيت": في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة القسم "بعمر... ": اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أعجبني": لا محل لها من الإعراب لأنّها جواب شرط غير جازم.
والشاهد فيه قوله: "بعمر الله" حيث أقسم ببقاء الله -جلّ وعزَّ-، كأنّه قال: أنشدُك بعمر الله.

إلى "نتنًا", لأنّه مصدرٌ لفعل معروف، وهو "نَتَنَ نَتْنًا"، وقد قالوا: "بَهَرَ القَمرُ الكواكبَ" إذا غطّاها، ومنه قولُ ذي الرُّمّة [من البسيط]: 1 - حتى بَهَرْتَ فما تَخْفَى على أحدٍ... إلَّا على أحدٍ لايَعْرِفُ القَمَرَا ويُقال: "بَهْرًا" في معنَى "عَجَبًا".
ومنه قولُ عمر بن أبي رَبِيعَةَ [من الخفيف]: 2 - ثُمَّ قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْرًا... عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرابِ

ويُقال: "بَهْرًا لفُلان" إذا دُعي عليه بسُوءٍ، كأنّه قال: "تَعْسًا له".
ولا أعلمُ أحدًا تَعرَّض لتفسيرِ ذلك إلَّا سيبويه 1. وتفسيرُ "دفرًا" "نتنًا" أيضًا.
والدَّفْرُ: النَّتْنُ، ولذلك سُميت الدُّنْيا "أُمَّ دَفارِ"، ولم يُستعمل منه فعلٌ.
وأمّا قولهم: "وَيْحَك"، و"وَيْسَك"، وَ "وَيْلَك"، وَ "وَيْبَك"، فهي من المصادر التي لا أفعالَ لها، كأنّهم كرِهوا أن يبنوا منها فعلًا لاعتلالِ عينها وفائها، لِما يلزَم من الثِّقَل في تصريِف فعلها لو استُعمل، فاطُّرح لذلك، وأجروها مُجْرَى المصادر المفردة المدعوِّ بها، وجعلوا الإضافةَ فيها بمنزلةِ اللام في قولهم: "سَقْيًا لك"؛ لانّه لولا اللامُ في "سقيًا لك"، لَمَا عُلم مَن يُعْنَى.
وكذلك لولا الإضافةُ في هذه المصادر، لم يعلم المكلَّمُ مَن يُعنَى، والإضافةُ فيها مسموعةٌ، ولا يجوز القياسُ عليها، فلا يجوز أن تقول: "سَقْيَكَ" قياسًا على "وَيْحَكَ", لأنّ العرب لم تَدْعُ به، وإنّما وجب اتّباعُ العرب فيما استعملوه ههنا، ولم يُجاوِزوه, لأنّها أشياءُ قد حُذف منها الفعلُ، وجُعلتْ بدلًا من اللفظ به على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوُزُه, لأن الإضمار والحذف اللازمَ، وإقامةَ المصادر مُقامَ الأفعال حتّى لا تظهر الأفعالُ معها، ليس بقياسٍ مستمِرِّ، فتُجاوِزَ فيه الموضعَ الذي لزِموه، فقد شَبَّهَ سيبويه 2 هذا الموضعَ بقولهم: "عددتُك"، و"عددتُ لك"، و"وزنتُك"، و"وزنتُ لك"، و"كِلْتُك"، و"كِلْتُ لك".
لا تُتجاوز هذه الأفعالُ، فلا يُقال: "وهبتُك" في معنَى "وهبتُ لك".
واعلم أن مذهبَ سيبويه والبصريين أجمعين أنّ أصلها "وَيْحٌ"، و"وَيْلٌ" و"وَيْسٌ"، و"وَيْبٌ"، دخلتْ عليها كافُ الخِطاب.
وقال الفرّاء: أصلُها كلُّها "وَيْ"، فأمّا "ويلك" فهىِ "وَيْ" عنده زيدت عليها لامُ الجرّ، فإذا كان بعدها مضمرٌ كانت اللامُ مفتوحةً، كقولك: "وَيْلَكَ"، وَ "وَيْلَهُ" وإن كان بعدها ظاهرٌ، جاز فتحُ اللام وكسرُها، ففتحُ اللام مع الظاهر لغةٌ، وهو الأصلح فيها، والكسرُ على قياس الاستعمال.
وأنشد [من الكامل]: 172 - يا زِبْرِقانُ أخَا بَنِي خَلَفٍ... ما أنتَ وَيْلِ أبِيك والفَخْرُ3 = "بهرني بهرًا": في محل نصب صفة أولى للمفعول المطلق المحذوف (أحبها حبًا).
وجملة "أحبها حبًا": المحذوفة مقول القول محلها النصب.
والشاهد فيه قوله: "قلت: بهرًا" حيث استعمل المصدر "بهرًا" بمعى "عجبًا".

وأنشده بفتح اللام وكسرِها، فالذين كسروا اللامَ تركوها على أصلها، والذين فتحوها خلطوها بـ"وَيْ"، كما قالت العربُ: "يَالَ تَيْم"، ثمَّ أُفردت هذه اللام فخُلطت بيائها كأنّها منها، ثمّ كثُر استعمالُها، فأدخلوا عليها لامًا أخرى، فقالوا: "وَيْلٌ لك".
وأمّا "وَيْحٌ" وَ "وَيْسٌ" وَ "وَيْبٌ" فكناياتٌ عن الوَيْل، فـ"وَيْلٌ" كلمةٌ تُقال عند الشَّتْم والتوبيخ معروفةٌ، وكثُرت حتّى صارت للتعجّب.
يقولها أحدُهم لِمن يُحِبّ ولِمن يُبْغِض، وكنّوا بـ"الوَيْس" عنها، ولذلك قال بعضُ العُلماء: "وَيْسٌ" ترحُّمٌ، كما كنوا عن غيرها، فقالوا: "قَاتَلَهُ الله! " ثمّ استعظموا ذلك، فقالوا: "قَاتَعَهُ اللهُ، وكَاتَعَهُ"، وله نظائرِ، والقول ما قاله سيبويه، ولو كان الأمرُ على ما قال الفرّاءُ، لَمَا قيل: "ويلٌ لزيدٍ" بضمّ اللام والتنوين.
واعلم أنّ هذه المصادر إذا أُضيفت لم تَتصرَّف ولم تكن إلَّا منصوبةً لِما ذكرناه، ولأنّك لو رفعتَها بالابتداء لم يكن لها خبرٌ، فإن أفردتَها، وجئتَ باللام جاز الرفعُ، فتقول: "وَيْلٌ لك، وَوَيْحٌ له"، فيكون الجارّ والمجرور الخبرَ، ويجوز النصب مع اللام فتقول: "ويحًا له، وويلًا له" قال جَرِير [من الطويل]: 1 - كَسَا اللُؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً في جُلودها... فَوَيْلًا لتَيْمٍ من سَرابِيلها الخُضْرِ = 150؛ والمؤتلف والمختلف ص 179؛ وبلا نسبة في الكتاب 1/ 299؛ وهمع الهوامع 2/ 142. اللغة: ويب: ويل.
المعنى: يهجو الشاعر الزبرقان بن بدر بأنه ليس أهلًا للمفاخر.
الإعراب: "يا": حرف نداء.
"زبرقان": منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب.
"أخا": بدل من "زبرقان" منصوب بالألف على المحل، وهو مضاف.
"بني": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف "خَلف": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ما": "اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
"أنت": ضمير رفع منفصل مبنيّ في محل رفع خبر.
"وَيْلَ": مفعول مطلق منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"أبيك": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف، والكاف: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ بحرف الجر.
"والفخر": الواو: حرف عطف، و"الفخر": معطوف على "أنت" مرفوع بالضمة.
وجملة "يا زبرقان": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ما أنت": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ويلَ" مع عامله المحذوف: اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه: فتح لام "ويل" مع الاسم الظاهر، والكسر جائز.

والفرق بين النصب والرفع أنّك إذا رفعتَها فكأنّك ابتدأتَ شيئًا قد ثَبَتَ عندك واستقرّ، وفيها ذلك المعنى، أعني الدعاءَ، كما أنّ "حَسْبُكَ" فيه معنى النَّهْي، وإذا نصبتَ كنتَ تَرّجَّاه في حالِ حديثك، وتعمل في إثباته، فاعرفه.

جارٍ التحميل