شرح المفصل لابن يعيشفصل [العَطْف بالجَزم على جواب الأمر المنصوب على تَوَهُّم سقوط فاء السَّبَبيّة]

فصل [العَطْف بالجَزم على جواب الأمر المنصوب على تَوَهُّم سقوط فاء السَّبَبيّة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وسأل سيبويه الخليل 1 عن قوله عز وجل: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ 2, فقال هذا كقول عمرو بن معد يكرب [من الكامل]: 994 - دعني فأذهب جانبَا... يومًا وأكفك جانبَا3 = المعنى: سأغادر منزلي تخلّصًا من مجاورة بني تميم الذين لا يرعون حق الجار، وأسكن الحجاز لعلي أجد هناك راحة لنفسي.
الإعراب:"سأترك": السين: حرف تنفيس، "أترك": فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا.
"منزلي": مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، والياء: ضمير في محل جرّ بالإضافة.
"لبنى": اللام: حرف جرّ، "بني": اسم مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم والجار والمجرور متعلقان بـ "أترك"، وهو مضاف.
"تميم": مضاف إليه مجرور.
"وألحق": الواو: حرف عطف، "ألحق": فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا.
"بالحجاز": جار ومجرور متعلقان "ألحق".
"فأستريحا": الفاء السببية عاطفة، "أستريحا": فعل مضارع منصوب بـ "أن " مضمرة، والألف: للإطلاق، والفاعل: أنا، والمصدر المؤوّل من "أن أستريح" معطوف على مصدر منتَزع ممّا قبل الفاء، والتقدير: لَحاق فاستراحة.
وجملة "سأترك منزلي": لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.
وجملة "ألحق بالحجاز": معطوفة على جملة "سأترك منزلي".
والشاهد فيه قوله: "فأستريحا" حيث نصبه بـ" أنْ" مضمَرة بعد فاء السببّية من دون أن تُسبق بنفى أو طلب، وهذا ضرورة.

وكقوله [من الطويل]: بدا لي إني لست مدرك ما مضي... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيَا 1 أي: كما جروا الثاني, لأن الأول قد تدخله الباء, فكأنها ثابتة فيه فكذلك جزموا الثاني, لأن الأول يكون مجزومًا, ولا فاء فيه, فكأنه مجزوم.

قال الشارح: "لَوْلا" معناه الطلب والتحضيض، فإذا قلت: "لولا تُعطيني"، فمعناه: أعْطِني، فإذا أُتي لها بجواب، كان حكمُه حكم جواب الأمر إذ كان في معناه، وكان مجزومًا بتقدير حرف الشرط على ما تقدّم.
وإذا جئت بالفاء، كان منصوبًا بتقديرِ "أن".
فإذا عطفت عليه فعلاً آخر، جاز فيه وجهان: النصب بالعطف على ما بعد الفاء، والجزم على موضع الفاء، لو لم 2 تدخل، وتقدير سقوطها.
ونظيرُ ذلك في الاسم "إن زيداً قائم وعمرٌو وعمرًا"، إن نصبت؛ فبالعطف على ما بعد "إنَّ" وإن رفعت؛ فبالعطف على موضعِ "إن" قبل دخولها، وهو الابتداء.
فأمّا قول عمرو بن مَعدِيكَرِبَ [من مجزوء الكامل]: دَعنِي فأذْهَبَ... إلخ فالشاهد فيه أنّه عطف على جواب الأمر، واعتقد سقوط الفاء، فجزم على المعنى؛ لأنه لو لم تدخل الفاء، لكان مجزومًا.
وقد شبّهه الخليل بقول الآخر [من الطويل]: بدا لي أني... إلخ البيت لصِرْمَةَ الأنصاري، وقيل: لزُهَيْر، والشاهد فيه أنه خفض "سابق" بالعطف على خبرِ "ليس" على توهم الباء؛ لأنّ الباء تدخل في خبر "ليس" كثيرًا.
فلمّا كان خبرها مَظِنةَ الباء، اعتقد وجودها، فخفض المعطوف عليه، وهو قوله: "ولا سابق"، ومثله [من الطويل]: مَشائِيمُ ليسوا مُصْلِحين عَشِيرَة... ولا "ناعِب" إلا ببَيْن غُرابُها 3 = ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا.
"جانبا": مفعول به منصوب.
وجملة "دعني": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه: أنه عطف الفعل "أكفك" مجزومًا، على فعل جواب الأمر "فأذهب" المنصوب بـ"أن" المضمرة بعد فاء السببية، وذلك على توهم سقوط الفاء، وجزم "أذهب" في جواب الأمر.

بجر "ناعب" على توهُم الباء في الخبر الذي هو "مصلحين".
وقريبٌ من ذلك قوله [من الرجز]: أُمُ الحُلَيْس لَعَجوز شَهْرَبَهْ... تَرْضَى من اللحْم بعَظْمِ الرَقَبَهْ (1) فإنه توهم "إن"، فاَدخلَ اللام في الخبر، حتى كأنه قال: "إن أمّ الحليس"، إذ كان ذلك مما يستعمل كثيرًا.
وعكسُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (2)، قدّر حذفَ "إنْ" عند سيبويه (3)، ثم أدخل الفاء في خبرِ "الذين".
وحاصلُه أنه غلط، فاعرفه.

جارٍ التحميل