شرح المفصل لابن يعيشفصل [الاقتصار على أحد المفعولين]

فصل [الاقتصار على أحد المفعولين]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ومن خصائصها أن الاقتصار على أحد المفعولين في نحو: كسوت وأعطيت مما تغاير مفعولاه غير ممتنع, تقول أعطيت درهماً ولا تذكر من أعطيته، وأعطيت زيداً ولا تذكر ما أعطيته.
وليس لك أن تقول حسبت زيداً ولا منطلقاً وتسكت، لفقد ما عقدت عليه حديثك.

قال الشارح: قد تقدّم القول: إن الأفعال المتعدّية إلى مفعولَيْن على ضربَيْن: ضرب لا يكون الفعل فيه 1 من أفعال الشكّ واليقين، ولا يدخل 2 على مبتدأ وخبر، نحوُ: "أَعطيت"، و"كسوت".
تقول: "كسوت زيدًا ثوبًا"، و"أعطيته درهمًا"، فالمفعولُ الأول مُغايِر للمفعول الثاني من طريق المعنى، وهو فاعل، ألا ترى أن زيدًا يكتسي الثوبَ، أنّه آخِذ للدرهم، وليس الدرهم بزيدٍ، ولا زيدٌ بالثوب؟ ألا ترى أنك لو أسقطت الفعل والفاعل، لم يجز أن تقول: "زيدٌ ثوبٌ" ولا "زيد درهمٌ" لأنّ الثاني ليس

الأوّل؟ فلذلك قال: "ممّا تَغاير فيه المفعولان".
وإذا كان ذلك كذلك، جاز في هذه المسألة ثلاثة أوجه: منها الاكتفاء بالفاعل مع الفعل، فتقول: "أعطيت"، و"كسوت"؛ لأنّ الفعل والفاعل جملةٌ يحسن السكوت عليها، ويحصل بها فائدةٌ للمخاطب.
وذكرُ المفعول فائدة أُخرى تزيد على إفادة الجملة، فإن ذكرت المفعولَيْن، كان تناهِيًا في البيان والفائدةِ بذكر المُعْطِي وهو الفاعل، ومن أُعطي، وهو المفعول الأوّل، وما أُعطي، وهو المفعول الثاني.
ولك أن تقتصر على أحد المفعولين، ويكون توسُطًا في البيان والفائدة.
فتقَول: "أعطيت درهمًا"، فأفدت المخاطبَ جنسَ ما أعطيت من غير تعيينِ مَن أعطيت.
وأما الضرب الآخر، فإنه يتعدّي إلى مفعولين، وهو من أفعال الشكّ واليقين، وتدخل على المبتدأ والخبر، نحوُ: "ظننت زيدًا قائمًا"، و"حسبت بكرًا منطلقًا"، وقد تقدّم ذكرها قبلُ.
فما كان من هذه الأفعال، فليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين فيها دون الآخر، وذلك لأنها تدخل على المبتدأ والخبر، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه؛ لأنّ بمجموعهما تتمّ الفائدةُ للمخاطب، فالمفعولُ الثاني معتمَدُ الفائدة، والمفعول الأوّل معتمد البيان.
ألا ترى أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا قائمًا" فالشك إنما وقع في قيام زيد، لا في ذاته؟ وإنما ذكرت المفعول الأوّل لبيان مَن أُسْنِد إليه هذا الخبرُ، فلمّا كانت الفائدة مرتبطةً بهما جميعًا، لم يجز إلّا أن تذكرهما معًا، فلو قلت: "ظننت زيدًا"، وسكتّ، أو "ظننت قائمًا"، لم يجز كما جاز في "أعطيت" لِما ذكرناه.
وهذا معنى قوله: "لفقد ما عقدت عليه حديثك"، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: فأما المفعولان معاً فلا عليك أن تسكت عنهما في البابين.
قال الله تعالى: ﴿وظننتم ظن السوء﴾ 1، وفي أمثالهم: "من يسمع يخل" 2, وأما قول العرب ظننت ذاك، فـ "ذاك" إشارة إلى الظن, كأنهم قالوا ظننت فاقتصروا.
وتقول ظننت به إذا جعلته موضع ظنك كما تقول ظننت في الدار.
فإن جعلت الباء زائدة بمنزلتها في ألقى بيده لم يجز السكوت عليه.

قال الشارح: أما باب "أعطى"، و"كسا"، فقد تقدّم الكلام عليه في جواز السكوت على الفاعل؛ لأنها جملة من فعل وفاعلٍ يحصل للمخاطب منها فائدةٌ، وهو وجود الإعطاء والكسوة، إذ قد يجوز أن يوجَد منه ذلك.
وأمّا أفعال القلوب، وهي باب "ظننت" وأخواتها، فقد اختلف النحويون في جواز السكوت على الفاعل.
فامتنع قومٌ من جوازِ ذلك، وقالوا: لأنه لا فائدة فيه؛ لأنه قد عُلم أن العاقل لا يخلو من ظن أو علم.
فإذا قلت: "ظننت"، أو"علمت"، لم يجز؛ لأنك أخبرتَه بما هو معلوم عنده.
والوجهُ جوازُه؛ لأنك إذا قلت: "ظننت"، فقد أفدت المخاطب أنه ليس عندك يقين.
وإذا قلت: "علمت"، فقد أخبرت أنه ليس عندك شك.
وكذلك سائرها، وهذا فيه من الفائدة ما لا خَفاءَ فيه، وعليه أكثر النحويين.
قال الله تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ 1، فأتي بالمصدر المؤكد، وكأنّه قال: "وظننتم"؛ لأنّ التأكيد كالتكرير.
ومن أمثال العرب "مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ"، ففي "يخل" ضمير فاعل، ولم يجىء بالمفعولَيْن، فعلى هذا تقول: "ظننت ظَنًا"، و"ظننت يومَ الجمعة"، و"ظننت خَلفَك".
كل ذلك جائز، وإن لم تذكر المفعولين.
وأما قول العرب: "ظننت ذاك"، فإنما يعنون ذلك الظن، فيكون "ذا" إشارة إلى المصدر لدلالة الفعل عليه.
وقد جاز أن تقول: "ظننت" من غير مفعولين.
وإذا جئت بـ"ذاك" وأنت تعني المصدر؛ فإنمّا أكدت الفعل، ولم تأتِ بمفعول يُحْوِج إلى مفعول آخر، فـ "ظننت" ها هنا يعمل في "ذاك" عملَه في الظنّ، كما يعمل "ذهبت" في "الذهاب".
وتقول: "ظننت به" إذا جعلته موضعَ ظنك، كما تقول: "نزلت به"، و"نزلت عليه" مجراه ها هنا مجرى الظرف، فلا يحوج إلى ذكر مفعول آخر.
فإن جعلت الباء زائدة، كان الضمير مفعولاً، ولم يكن بد من ذكر المفعول الثاني؛ لأنك ذكرت المفعول الأوّل، وصار التقدير: "ظننت زيدًا"، كما كان التقدير في "ألْقَى بيَده": ألْقَى يَدَه.
والباءُ تزاد مع المفعول كثيرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 2، و ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ 3. ولو لم تكن الباء زائدة، لَما جاز أن يكون الاسم معها فاعلًا في نحو قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ 4. والتقدير: كفى الله.
والذي يدل على زيادتها أنها إذا حذفت، يرتفع الاسم بفعل، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]: كَفَى الشيْبُ والإِسلامُ للمَرْء ناهِيًا 5

جارٍ التحميل