فصل ["الآن", و"متي", و"أين", و"أيّان" و"لمّا"]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: ومنها "الآن" وهو للزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم.
وقد وقعت في أول أحوالها بالألف واللام، وهي علة بنائها, و"متى" و"أين", وهما يتضمنان معنى الاستفهام ومعنى الشرط، تقول: "متى كان ذاك؟ " و"متى تأتني أكرمك" و"أين كنت؟ " و"أين تجلس أجلس".
ويتصل بهما "ما" المزيدة فتزيدهما إبهاماً.
والفصل بين "متى" و"إذا" أن "متى" للوقت المبهم, و"إذا" للمعين.
و"أيان" بمعنى "متى" إذا استفهم بها, و"لما" في قولك: "لما جئتَ جئتُ" بمعني "حين".
قال الشارح: "الآنَ" ظرف من ظروف الزمان معناه الزمنُ الحاضرُ، وهو الذي يقع فيه كلامُ المتكلم الفاصلُ بين ما مضى، وما هو آتٍ.
وهو مبني على الفتح.
وفي علّةِ بنائه إشكال، فذهب قوم إلى أنه بُني؛ لأنه وقع في أول أحواله معرفة بالألف واللام، وحكمُ الأسماء أن تكون منكورةً شائعةً في الجنس، ثم يدخل عليها ما يعرفها من إضافة وألف ولام، فلما خالفت أخواتِها من الأسماء، بأنْ وقعت معرفة في أول أحوالها, ولزمت موضعًا واحدًا، بُنيت لذلك؛ لأن لزومها بهذا الموضع، ألحقها بشَبَه الحروف.
وذلك أنّ الحروف لازمة لمواضعها التي وُضعت لها غيرُ زائلة عنها.
وهذا رأيُ أبي العباس المبرد، وإليه أشار صاحبُ الكتاب.
وقال الفرّاء: أصله "آنَ" مِن "آنَ الشيء يَئِينُ"، إذا أنى وقتُه، يقال: "آنَ لك أن تفعل كذا"، و"أنى لك".
قال الشاعر [من الوافر]:
1 - تَمَخضَتِ المَنُونُ له بيَوْمٍ... أَنَى ولكُل حامِلةٍ تَمامُ = (ددا)؛ وبلا نسبة في الخصائص 1/ 70؛ وشرح شواهد الإيضاح ص 539؛ ولسان العرب 15/ 477 (ها).
شرح المفردات: الحدوج: جمع حِدج وهو مركب من مراكب النساء.
المالكية: امرأة من بني مالك.
الغدوة والغداة: ما بين الفجر وطلوع الشمس.
الخلايا: جمع خلية وهي السفينة العظيمة.
والسفين: جمع سفينة.
النواصف: جمع ناصفة وهي مجرى الماء في الوادي، أو موضع متسع منه.
دد: موضع.
الإعراب: "كأن": حرف مشبه بالفعل.
"حدوج": اسم "كأن" منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"المالكية": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"غدوة": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ "حدوج".
"خلايا": خبر "كأن" مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذّر، وهو مضاف "سفين": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"بالنواصف": جارّ ومجرور متعلّقان بحال محذوفة لـ"خلايا".
"من دد": جارّ ومجرور معلّقان بصفة محذوفة للنواصل.
جملة "كأن حدوج.. خلايا": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "غدوة" حيث نصبها على الظرفية الزمانيّة، ونكّرها.
و"آنَ" فعل ماض، فلما أُدخل عليه الألف واللام، تُرك على ما كان عليه من الفتح، كما جاء في الحديث أنَّه - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قِيلَ وقَالَ 1. و"قيل"، و"قال" فعلان ماضيان، فأدخل الخافضَ عليهما، وتركهما على ما كان عليه، وله قولٌ آخرُ أنّ أصله "أوَان"، فحذفوا الواو، وصار "آنَ"، كما قالوا: "رَيَاحٌ"، و"رَاحٌ".
وكلا القولَيْن فاسدٌ، أما الأوّل؛ فلأنه لو كان أصلُه "آنَ"، لافتقر إلى فاعل مع أن الأفعال المحكيّة يدخل عليها العواملُ ولا تُؤثر فيها، نحو: "تَأَبطَ شَرا"، و"بَرَقَ نَحْرُهُ"، ولا يدخل عليها الألفُ واللام.
فأما الثاني، فحاصلُه راجع إلى المعنى، وليس بعلة للبناء.
وذهب أبو إسحاق إلى أن "الآن" إنما تعريفُه بالإشارة، وأنه إنّما بُني لمّا كانت فيه الألفُ واللام لغيرِ عهد متقدم؛ لأنك تقول: "الآنَ فعلت"، ولم يتقدم ذكرُ الوقت الحاضر.
وهذا فاسدٌ، أما قوله: إِن تعريفه بالإشارة؛ فإن أسماء الإشارة لا تدخلها لام 2، نحو: "هذا"، و"تِلْكَ".
وأما قوله إنه بُني لأن الألف واللام فيه لغير عهد متقدّم، ففاسدٌ أيضًا؛ لأنّا نجد الألفَ واللام في كثير من الأسماء على غيرِ عهد مع كونِ الأسماء معربة، وتلك الأسماء قولك: "يا أيها الرجلُ"، و"نظرتُ إلى هذا الغلام".
وقد ذهب جماعة ممن ينتمي إلى التحقيق والحِذْق بهذه الصناعة إلى أنه مبني لتضمنه لامَ التعريف، وتلك اللامُ غيرُ اللام الظاهرة فيه، على حد بنائه في "أَمْسِ".
وتلك اللامُ المقدرةُ هي المُعرفة، وذلك لأنه معرفة.
وتعريفُه لا يخلو إمّا أن يكون بما فيه من اللام الظاهرة كما يظن بعضُهم، أو أنه من قبيل سائر المعارف، فلا جائزٌ أن يكون تعريفه بما فيه من اللام؛ لأنّا استقرينا جميعَ ما فيه لامُ التعريف، فإذَا إسقاطُ لامه جائزٌ، = 230 (مخض)، 13/ 417 (منن)؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص 3، 342؛ وجمهرة اللغة ص 608؛ وشرح عمدة الحافظ ص 836؛ ولسان العرب 11/ 177 (حمل)، 14/ 48 (أني).
اللغة: تَمَخضَ: تحرَك.
المنون.
الموت: أنى: أدرك وبلغ مداه.
المعنى: لقد أوشك أن يلقى حتفه ويقترب أجله بعد أن وصل إلى ذروته، وانظر بحكمة وتعقل؛ فإن لكل حياة نهاية، ولكل أجل كتاب، ولكل حمل مدة ينتهي فيها وتتم مدته.
الإعراب: "تمخضت": فعل ماض مبني على الفتح، والتاء: تاء التأنيث لا محل لها من الإعراب.
"المنون": فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
"له": جار ومجرور متعلقان بالفعل تمخضت.
"بيوم": جار ومجرور متعلقان بالفعل تمخضت.
"أنى": فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
"ولكل": الواو: استئنافية، "لكل": جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
"حاملة": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"تمام": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
جملة "تمخضت المنون": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أنى": في محل جر صفة لـ"يوم".
وجملة "لكل حاملة تمام": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه مجيء "أنى" فعلًا بمعنى: حان وقت الشيء.
نحو: "الرجل", و"رجل", و"الغلام", و"غلام"، ولم يقولوا: "أفعلُ آنَ ذلك" كما قالوا: الآنَ، فدل ذلك على أن اللام فيه ليست للتعريف.
وإذا لم تكن للتعريف، كانت زائدة على حد زيادتها في "الذِي" و"التِي".
ألا ترى أن تعريفَ "الذي" و"التي" بالصلة لا بما فيه من اللام.
يدل على ذلك أنّ "مَنْ"، و"مَا" معارفُ، وليس فيهما لام، فعلمتَ بذلك أن التعريف بالصلة لا باللام.
وإذا ثبت أنها زائدةٌ، لم تكن المُعرفةَ، وليس بمضمرِ؛ لأن المضمرات محصورة، وليس "الآنَ" منها؛ وليس أيضًا بعَلَم؛ لأن العَلَم يقع على كلّ شيء بعينه، و"الآنَ" يقع على كل وقتٍ حاضر لا يخصّ بعضَ ذلك دون بعض.
وليس من أسماء الإشارة لِما ذكرناه من دخول اللام عليه، واللامُ لا تدخل على أسماء الإشارة.
وليس بمضافٍ، لأنّا لا نُشاهد مضافًا إليه.
وإذا ثبت أنّه معرفة، وليس من أنواع المعارف الأربعة، تَعين أن يكون معرفة باللام المقدرة فيه، كما قلنا في "أَمْسِ"، لتعذرِ أن يكون التعريف بهذه اللام الظاهرة فيه.
والذي أراه أن تعريفه بما فيه من اللام الظاهرة، وأما لزومُها، فعلى حسبِ إرادة معنى التعريف فيها بخلاف "الرجل" و"الغلام"، فإنه لم تلزمهما اللامُ؛ لأنهما يُستعملان معرفة ونكرة، فإذا أُريد النكرة، لم يأتوا باللام، وإذا أرادوا المعرفة، ألحقوهما اللامَ، وكذلك نظائرُهما.
وأما "الآنَ"، فلما أُريد به المعرفة ألبتّة، لزمت أداتُه.
وأمّا علةُ بنائه؛ فلإبهامه ووُقوعِه على كلّ حاضر من الأزمنة، فإذا انقضى، لم يصلح له، ولزمه حرفُ التعريف، فجرى مجرى "الذي" و"التي"، فاعرفه.
وأما "مَتَى"، فسؤالٌ عن زمانٍ مبهم يتضمن جميعَ الأزمنة، فإذا قيل: "متى الخروجُ؟ " فتقول: "اليومَ"، أو"الساعةَ"، أو"غدًا".
والمرادُ بها الاختصار، وذلك أنّك لو سألت إنسانًا عن زمنِ خروجه، لكان القياسُ: "اليومَ تخرج، أم غدًا، أم الساعة؟ " والأزمنةُ أكثرُ من أن يحاط بها، فإذا قلت: "مَتَى"، أغنى عن ذكر ذلك كلّه.
وهي مبنيّة على السكون؛ لأنها وقعت موقعَ حرف الاستفهام، وهو الألف، وأصلُ الاستفهام بحروف المعاني، وبُنيت على السكون على أصل البناء، ولم يلتق في آخرها ساكنان، فيجبَ التحريكَ لذلك.
وأما "أَيْنَ"، فظرف من ظروف الأمكنة، وهو مبني لتضمنه همزة الاستفهام.
والغرضُ به أيضًا الإيجازُ والاختصار، وذلك أنّ سائلًا لو سأل عن مستقَر زيد، فقال: "أفي الدار زيدٌ، أفي المسجد زيد؟ " ولم يكن في واحد منهما، فيُجيب المسؤول بـ "لا"، ويكون صادقًا.
وليس عليه أن يُجيب عن مكانه الذي هو فيه؛ لأنه لم يُسأل إلَّا عن هذَيْن المكانَيْن فقط.
والأمكنةُ غيرُ منحصرة، فلو ذهب يُعدِّد مكانًا مكانًا، لقَصَرَ عن استيعابها،
وطال الأمرُ عليه، فجاؤوا بـ "أيْنَ" مشتملاً على جميع الأمكنة، وضمنوه معنى الاستفهام، فاقتضى الجوابَ من أولِ مرة.
ووجب أن تُبنَى على السكون، لوقوعها موقع همزة الاستفهام، إلَّا أنه التقى في آخره ساكنان، فحُركت النون لاجتماعهما، وفُتحت طلبا للخفة واستثقالًا للكسرة بعد الياء، فآثروا تخفيفَها لكثرة دَوْرها، وسعةِ استعمالها.
وفيهما معنى المجازاة لإبهامهما ووقوعِهما على كل اسم يقع بعد حرف الجزاء، ألا ترى أنك إذا قلت: "متى تَقُمْ أَقُمْ"، كان معناه: "إنْ تقم يومَ الجمعة، أقم فيه، إنْ تقم يومَ السبْت أقم فيه"؟ وكذلك إذا قلت: "أيْنَ بيتُك آتِه"، معناه: أين بيتُك، إنْ أعرفه آتِه، و"أين تكن أكن" معناه: إن تكن في المسجد، أكن فيه، إن تكن في السوق، أكن فيه.
فلما كانت "مَتَى" و"أيْنَ" يشتمِلان على كل اسم من أسماء الزمان والمكان، ويقع الجوابُ عنهما معرفة ونكرة، ولم يكونا مضافَيْن إلى ما بعدهما كـ"إذْ" و"إذا"، جازت المجازاةُ بهما.
قال الشاعر [من الوافر]:
أنا ابنُ جَلَا وطَلاع الثنايَا... متى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُوني 1
وقال [من الخفيف]:
646 - أَيْنَ تَصْرِفْ بها العُداةَ تَجِدْنا... نصرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتلاقِي2
وقد تدخل "ما" "أَيْنَ" و"مَتَى" للجزاء زائدة مُؤكدة، نحو: "متى ما تَقُمْ أَقُمْ"، و"أَيْنَمَا تَجْلِسْ أَجْلِسْ معك".
قال الشاعر [من الطويل]:
647 - متى ما يَرَ الناسُ الغَنِي وجارُه... فَقِيرٌ يقولوا: عاجِز وجَلِيدُ
وقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (2)، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (3). فإذا دخلت عليهما "مَا"، زادتْهما إبهامًا, وازدادت المجازاةُ بهما حُسْنًا.
فإن قيل: ولِمَ جُوزِيَ بـ "مَتَى"، ولم يُجاز بـ"إذا"؟ وما الفصلُ بينهما؟ قيل: قد تقدم أنّ "إذا" للزمان المعين، وهو الآتي، و"مَتَى" لزمان مبهم، فلذلك جوزي بـ "متى"، ولم يجاز بـ "إذا".
ألا ترى إلى قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (4) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (5)، لو وُضع مكانَ "إذا" "إنْ"، فقيل: "إن الشمسُ كوّرت"، و"إن السماء انشقت"، لم يحسن، لأنك تجعل ما هو متيقنُ الوجودِ مشكوكًا فيه؟
وأمّا "أيانَ"، فظرف من ظروف الزمان مبهمٌ بمعنى "مَتَى".
والفرقُ بينها وبين "مَتَى" أنّ "مَتَى" لكثرة استعمالها صارت أظهرَ من "أيانَ" في الزمان.
ووجهٌ آخرُ من الفرق أن "مَتَى" يُستعمل في كلّ زمان، و"أيانَ" لا يُستعمل إلَّا فيما يراد تفخيمُ أمره وتعظيمُه، نحو قوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (6)، أي: متى مرساها؟ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (7).1
وبُني لتضمنه همزةَ الاستفهام، وحرك آخِره لالتقاء الساكنين, وفُتح على طريق الإتباع لما قبله، إذ الألفُ من جنس الفتحة، أو إتباعًا للفتحة قبله، إذ الألفُ حاجر غيرُ حصين، كما فعلوا فى "شَتانَ" كذلك.
وأما "لَما" فظرف زمان إذا وقع بعده الماضي، نحو قولك: "جئت لما جئتَ".
ومعناه معنى "حينَ"، وهو الزمان المبهم.
وهو مبني لإبهامه واحتياجِه إلى جملة بعده، كبناءِ "إذْ" و"إذَا".
وهو مركب من "لِمَ" النافية و"ما"، فحصل فيها بالتركيب معنى لم يكن لها، وهو الظرفية.
وخرجتْ بذلك إلى حيّز الأسماء، فاستحالت بالتركيب من الحرفية إلى الاسمية، كما استحالت "إذ" بدخول "مَا" عليها من الاسمية إلى الحرفية، وتغير معناها بالتركيب من المُضي إلى الاستقبال.
[أمس]
قال صاحب الكتاب: و"أَمسِ" وهي متضمنة معنى لام التعريف مبنية على الكسر عند الحجازيين، وبنو تميم يمنعونها الصرفَ، فيقولون: "ذَهَبَ أَمْسُ بما فيه"، و"ما رأيتُه مُذ أمسَ".
قال [من الرجز]:
1 - لَقَد رأيتُ عَجَبًا مُذ أَمسَا... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا
قال الشارح: اعلم أن "أمْسِ" ظرف من ظروف الزمان أيضًا، وهو عبارة عن اليوم الذي قبلَ يومك الذي أنت فيه، ويقع لكلّ يوم من أيام الجُمْعة.
وللعرب فيه خِلافٌ، فأهلُ الحجاز يبنونه على الكسر، فيقولون: "فعلتُ ذاك أَمْسِ"، و"مضى أمسِ بما فيه".
واحتجّ أبو العباس وأبو بكر بن السَّراج بأنه مبهمٌ، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفتُه قبل نكرته، فجرى مجرى "الآنَ".
والصوابُ أنه إنما بُني لتضمنه لام المعرفة، وبها صار معرفة، والاسمُ إذا تضمن معنى الحرف، بُني.
وكان حقُه تسكينَ الآخِر على ما يقتضيه البناء، وإنما التقى في آخِره ساكنان، وهما السين والميمُ قبلها، فكُسرت السين لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: فلِمَ حُذفت اللام من "أمس"، وضُمن معناها، وأُلْزِمت "الآنَ"، وهما سواء في التعريف والظرفية؟ قيل: لأن "أمس" يقع على اليوم المتقدّم ليومك من أوله إلى آخِره، فأمرُه واضحٌ، فاستغنى بوُضوحه عن علامة التعريف، وليس كذلك "الآنَ"؛ لأنه الحَدّ الفاصل بين الزمانَيْن، وهو من أَلْطَفِ ما يُدرَك، فلم يستغن لذلك عن علامةِ تكون فيه.
فإن قيل: ولِمَ وجب تعريفُ "أمس"، ولم يجب تعريفُ "غَدٍ"، وهما سَواء، فـ "أمس" اسم لليوم الذي قبل اليوم الذي أنت فيه, و"غَد" اسم لليوم الذي يَلِي اليومَ الذي أنت فيه؟ فالجواب أن "أمس" قد حضر وشوهد، فحصلت معرفتُه بالمشاهدة، فأغنى ذلك عن علامة، وليس كذلك "غد"، فأقاموا المشاهدةَ في "أمس" مقامَ أداة التعريف.
ولم يكن في "غد" مثلُ ذلك ما يقوم مقامَ علامة التعريف، فهو نكرة حتى تدخل عليه العلامةُ المُعرفةُ.
وأما بنو تميم، فيعربونه ويجعلونه معدولاً عن اللام، فاجتمع فيه التعريف والعدلُ، فيُمنعُ من الصرف لذلك، فيقولون: "مضى أمسُ بما فيه"، بالرفع من غيرِ تنوين، و"فعلتُه أمسَ" بالنصب، قال الراجز، أنشده سيبويه:
لَقَدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا
يَأْكُلْنَ ما في رَحْلهن نَهْسَا... لا تَرَكَ الله لَهُن ضِرْسَا
الشاهد فيه أنه خفض بـ"مُذْ"، واعتقد فيها الحرفيةَ، والفتحةُ علامةُ الخفض.
والفرق بين المعدول عن الحرف والمتضمّن له، أنك إذا عدلتَ عن الحرف، جاز لك إظهارُه واستعمالُه، وإذا ضمنتَه إياه، لم يجز إظهارُه.
ألا ترى أنه لا يجوز إظهارُ همزة الاستفهام مع "أيْنَ" و"كَيْفَ" ونظائرِهما؟ وقد حكى بعضهم أن من العرب من يعتقد فيه التنكيرَ، ويعربه، ويصرفه، ويُجْريه مُجْرى الأسماء المتمكنة، فيقول: "مضى أمس بما فيه" على التنكير، وهو غريب في الاستعمال دون القياس، فاعرفه.
[" قطّ "و"عوض"]
قال صاحب الكتاب: "قَط"، و"عَوضَ"، وهما لزماني المُضِي والاستقبالِ على
سبيلِ الاستغراق، تقول: "ما رأيته قَط"، و"لا أَفْعَلُه عَوْضَ" ولا يُستعملان إلَّا في موضع النفي.
قال [من الطويل]:
1 - رَضِيعَي لِبان ثَدْيَ أُم تَقاسَمَا... بأَسْحَمَ داج عَوْضَ لا نَتَفَرقُ
وقد حُكي "قُط" بضم القاف، و"قَطُ" خفيفةَ الطاء، و"عَوْضُ" مضمومة.
قال الشارح: اعلم أنّ قَط بمنى الزمان الماضي، يقال: "ما فعلتُه قَط"، ولا يقال: "لا أفعلُه قطّ".
وهي مبنية على الضم؛ لأنها ظرفٌ.
وأصلُ الظروف أن تكون مضافة، فلما قُطعت عن الإضافة، بُنيت على الضم كـ"قَبْلُ" و"بَعْدُ".
قال الكسائي: كان "قَطُط" على زنةِ "فَعُل" كـ"عَضُد"، فلما سكن الحرفُ الأول للادّغام، حُرك الآخر بحركته.
والذي أراه أنه "فَعْل" كـ"قَبْل" و"بَعْد"؛ لأنّ الحركة زيادة، ولا يُحكَم بها إلَّا بدليل، ولأن أكثرَ ظروف الزمان كذلك، نحو: "يَوْم"، و"شَهْر"، و"دَهْر".
ومنهم منٍ يقول: "قُط"، بضم القاف والطاء، يُتْبع الضم الضم، مثلَ "مُدُّ" و"شُدُّ"، ومنهم من يُخفف، فيحذف إحدى الطاءين تخفيفًا، ويُبقِي الحركةَ بحالها دلالة وتنبيها على أصلها، كما قالوا: "رُبَ" حين خففوها، أبقوا الفتحةَ دلالة على المحذوف.
ومنهم
من يُتبع الضم الضم في المخفف أيضًا، فيقول: "قُطُ"، وهو قليل.
وأمّا "عَوْضَ"، فهو اسم من أسماء الدهر، وهو للمستقبل من الزمان، كما أن "قط" للماضي.
وأكثرُ استعماله في القَسَم، تقول: "عَوْضَ لا أُفارِقُك"، أي: لا أُفارِقك أبدًا، كما تقول: "قط ما فارقتُك".
و"عَوْضَ" مبنية لقَطْعها عن الإضافة، وفيها لغتان: الفتحُ والضمُّ، فمَن فتح,.
فطلبًا للخفة، ومن ضم، فتشبيهَا بـ "قَبْلُ" و"بَعْدُ"، كما قالوا: "حَوْثَ"، و"حَوْثُ".
قال الأعشى [من الطويل]:
رضيعَي لبان... إلخ
الشاهد فيه قوله: "عوض لا نتفرق"، أي: لا نتفرّق أبدًا، يريد أنهما تَحالفا في بطن أُمّهما.
ودل عليه قوله: "بأسحم داج".
والأسحمُ: الأسودُ، ويقال: الدمُ تُغمَس فيه اليَد عند التحالُف، ويقال بالرحِم.
فإن أضفته، أعربتَه، تقول: "لا أفعلُه عوضَ العائِضين"، أي: دَهْرَ الداهِرِينَ، فيكون معربًا.
وانتصابُه على الظرف، لا على حده في "عَوْضَ لا نتفرق".
و"عوض" من لفظ العِوَض ومعناه، وذلك أنّ الدهر لا يمضي منه جزءٌ إلَّا ويخلُفه جزء آخر، فصار الثاني كالعِوَض من الأول.