شرح المفصل لابن يعيشفصل [إعراب "كم"]

فصل [إعراب "كم"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وتقع في وجهيها مبتدأة، ومفعولة، ومضافاً إليها, تقول: كم درهماً عندك؟ وكم غلام لك! على تقدير أي عدد من الدراهم حاصل عندك؟ وكثير من الغلمان كائن لك، وتقول كم منهم شاهد على فلان؟، وكم غلاماً لك ذاهب! تجعل لك صفة لـ "الغلام"، و"ذاهباً" خبراً لـ "كم".
وتقول في المفعولية: كم رجلاً رأيت؟ " و"كم غلام ملكت! وبكم مررت! وعلى كم جذعاً بني بيتك؟ وفي الإضافة: رزق كم رجلاً وكم رجل أطلقت.

قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "كَمْ" اسمٌ بدليلِ دخولِ حرف الخفض عليها، والإخبارِ عنها، إلا أنّها مبنيّةٌ لما ذكرناه من أمرها، فلا يظهر فيها إعرابٌ، إنّما يُحكَم على محلّها بالرفع والنصب والخفض.
فإذا كانت مرفوعةَ الموضع؛ فالابتداء لا غيرُ، ولا تكون فاعلةً؛ لأن الفاعل لا يكون إلا بعد فعل، و"كَمْ" لا تكون إلا أوّلاً في اللفظ، فإذا كان الفعلُ لها، فإتما يرتفع ضميرُها به، وهي مرفوعةٌ بالابتداء.
فمثالُ كونها مبتداة قولُك في الاستفهام: "كم درهمًا عندك؟ " فـ "كَم" في موضع رفع مبتدأةٌ، و"درهمًا" منصوبٌ بـ "كَمْ"؛ لأئها في تقديرِ عدد منوّنٍ، أو فيه نونٌ، و"عندك" الخبرُ.
والمعنى: أيُّ عددٍ من الدراهم كائنٌ عندك، أو حاصلٌ، ونحو ذلك.
وتقول: "كم رجلًا جاءك؟ " فتكلون "كم" أيضًا في موضع مرفوع بالابتداء، و"جاءك" الخبرُ، وفيه ضميرٌ يرجع إلى المبتدأ، وتقول في الخبر: "كم غلام لك! " فـ "كَمْ" في موضع رفع بالابتداء، و"غلام" مخفوضٌ بإضافةِ "كَمْ" إليه، و"لَكَ" الخبرُ، والمعنى: كثير من الغِلْمان لك: لأنّ كم في الخبر للتكثير.
هذا تفسيرُ المعنى، وأمّا تقديرُ الإعراب، فكأنّك قلت: "مائةُ غلامٍ لك"، ونحوه من العدد الكثيرِ، نحو: "مائة" و"ألف" وغيرهما من الذي قد حُذف تنوينه للإضافة.

وقالوا: "كم رجلٍ أفضلُ منك؟ " حكاه يونُس 1 عن أبي عمرو عن العرب، جعل "أفضل" خبرًا.
وتقول: "كم منهم شاهدٌ على فلان؟ " فتكون "كم" في موضع رفع بالابتداء، و"شاهدٌ" الخبر، و"عَلَى" متعلّقةٌ بـ "شاهد"، والمميّزُ محذوفٌ.
وتقول في الخبر "كم غلام لك ذاهبٌ! " فـ "كَمْ" في موضع مبتدأ أيضًا، و"ذاهبٌ" الخبر، و"لَكَ" في موضع الصفة لـ"غلام"، ويتعلّق بمحذوفٍ تقديره: استقرّ لك، أو مستقِرٌّ لك.
وإذا كانت منصوبة، فعلى ثلاثة أضرب: مفعولٌ به، ومفعولٌ فيه، ومصدرٌ.
فمثالُ المفعول به قولك: "كم رجلًا رأيتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "رأيتَ"، وهي استفهامٌ هنا، ولذلك نصبتْ مميِّزَها، وتقديمُ المفعول هنا لازمٌ؛ لأنّ "كَم" استفهامٌ، والاستفهائم له صدرُ الكلام، والتقديرُ: أعشرين رجلاً رأيتَ، ونحوه.
وتقول في الخبر: "كم غلامٍ ملكتُ! " فـ "كَمْ" في موضع نصب بـ "ملكت"، وقُدّم لِما تقدّم من كونِ "كَمْ" لها صدرُ الكلام أيضًا في الخبر على حدّها في الاستفهام، وحملاً على "رُبَّ" لمضارَعتها إيّاها على ما تقدّم.
وأمّا المفعول فيه، فقولك: "كم يومًا عبدُ الله ماكِثٌ؟ " فـ "عبدُ الله" مبتدأ، و"ماكثٌ" الخبر، فـ "كَمْ" هنا زمانٌ، وهي في موضع نصب مفعولٌ فيه، ومثل ذلك: "كم شَهْرًا ضُمْتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "صمت".
وتقول: "كم فَرْسَخًا سِرْتَ؟ "، و"كم مِيلاً قطعتَ؟ " فـ "كَمْ" هنا مكان.
ومثالُ المصدر: "كم ضَرْبَةً ضربتُ؟ " و"كم وَففَةً وقفتُ؟ " فتكون "كم" في موضع مصدر منصوب بما بعده من الفعل.
والمرادُ عددُ المرّات.
فـ "كَمْ"، يُسأل بها عن كل مقدار، فلذلك جاز أن يسأل بها عن الزمان والمكان، وعن المصادر، وعن الأسماء، فعَنْ أيِّ شىء سُئل بها عنه، صارت من ذلك الجنس، وُيوضح أمرَها مميِّزها.
وأمّا إذا كانت مجرورة، فإنَّ ذلك يكون بحرف جر، أو بإضافة اسم مثله إليه، فمثالُ حرف الجرّ: "بكَمْ رجلاً مررتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع مخفوض بالباء، والجارُّ والمجرور في موضع نصب بـ "مررت"، و"رجلاً" منصوبٌ بـ "كَمْ"؛ لأنّها استفهامٌ.
فإن أردتَ الخبر، خفضتَ "رجلاً"، وقلت: " بكم رجلٍ مررت! ". والفرقُ بينهما أنّه في الاستفهام يسأل عن عددِ من مرّ بهم من الرجال، وفي الثاني يخبر أنّه مرّ بكثير من الرجال، فالمسألةُ الأُولى تقتضي جوابًا، والثانية لا تقتضي جوابًا.
وتقول: "على كم جِذْعًا بُني بيتُك؟ " فـ "كم" أيضًا مخفوضةٌ بـ "عَلَى"، و"عَلَى" وما بعده في موضع نصب بما بعده من الفعل، وهو فعلٌ بُني للمفعول، و"جذعًا" منصوبٌ بـ "كَمْ".
وقد حكى الخليلُ 2 أنّ من العرب من يخفض "جدْعًا"، ويقول: "على كم

جذع بيتُك مبنيٌّ".
والوجه النصب؛ لأنّه ليس موضعَ تكثير، وإنّما هو سؤالٌ واستفهامٌ عن عدة الجُذوع.
والذين خفضوا فإنّما خفضوا بإضمارِ "مِنْ"، وحسُن حذفُها ها هنا؛ لأنّ "عَلَى" في أوّل الكلام صارت عوضًا منها (1)، كما حسُن حدفُ حرف القَسَم في قولهم: "لا ها الله لا أفعلُ"، و"اللهِ لتَفْعَلَنَّ"، حيث جعلوا هاء التنبيه وألفَ الاستفهام عوضًا من واو القسم، كذلك ها هنا.
وتقول في الإضافة: "رِزدْقَ كم رجلًا أطلقتَ"؟ فـ "رزق" منصوب بأنّه مفعولُ "أطلقت" وهو مضاف إلى "كم"، والتقديرُ: أَرِزْقَ عشرين رجلًا أطلقت؟ ونحوه من العدد ممّا فيه نونٌ، أو تنوين مقدّرٌ، نحو: "خمسةَ عشرَ" وبابِه، وبإضافته إلى "كَمْ" سرى إليه الاستفهامُ، فصار مستفهمًا عنه.
ألا تراك تقول: "من عندك؟ " ويكون الجوابُ "زيدٌ"، أو "عمرٌو"، أو"هندٌ" ونحو ذلك ممّا يعقل، ولو قلت: "غلامُ مَنْ عندك؟ " لم يكن الجوابُ إلا "غلامُ زيد"، أو"غلامُ عمرو"، فعلمتَ أنّ السؤال إنما وقع عن المضاف لا المضاف إليه، وتقول إذا كانت خبرًا: "رزقَ كم رجلٍ أطلقتُ" بخفضِ "رجل"، فيكون التكثيرُ للرزق دون العدد؟ فاعرفه.

جارٍ التحميل