شرح المفصل لابن يعيشفصل [إضافة أفعل التفضيل]

فصل [إضافة أفعل التفضيل]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وأفعل التفضيل يضاف إلى نحو ما يضاف إليه "أي".
تقول: "هو أفضل الرجلين, وأفضل القوم".
وتقول: "هو أفضل رجل"، و"هما أفضل رجلين"، و"هم أفضل رجال".
والمعنى في هذا إثبات الفضل على الرجال إذا فضلوا رجلاً رجلاً, واثنين اثنين, وجماعة جماعة.
= بالكسرة.
"الذي": اسم موصول مبني في محلّ جر صفة للسيف.
"ضربت": فعل ماض للمجهول مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: هي.
"به": جاز ومجرور متعلقان بـ "ضربت".
"على دهش": جاز ومجرورمتعلّقان بـ" ألقاه".
"ألقاه": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذّر، والهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"باثنين": جاز ومجرور متعلقان بـ "ألقاه".
"صاحبه": فاعل "ألقى" مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
وجملة "كلا... ألقاه": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ضربت": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ألقاه": في محل رفع خبر "كلا".
والشاهد فيه قوله: "كلا السيف والساق" حيث أضاف "كلا" إلى مفرد، ثم عطف عليه مفردًا آخر، فصارت بحكم الإضافة إلى المثنى.

قال الشارح: و"أفْعَلُ" الذي يراد به التفضيلُ يضاف إلى ما بعده، وحكمُه في الإضافة حكمُ "أَيٍّ"، لا يضاف إلّا إلى ما هو بعضُه، نحوَ قولك: "زيدٌ أفضلُ الناس، وأفضلُ القومُ"، أضفتَه إليهم، لأنه واحدٌ منهم.
وتقول: "حِمارُك أفْرَهُ الحَمِير"، و"عبدُك خيرُ العَبِيد".
فإضافةُ "أفعل" إلى ما بعده إضافةُ البعض إلى الكل، والواحد إلى الجنس، ولو قلت: "عبدُك أحسنُ الأحرار"، و"حمارُك أفرهُ البِغال" لم يجز، لأئك لم تُضِفْه إلى ما هو بعضٌ له.
وإنّما وجبت إضافتُه إلى ما هو بعضٌ له، لأنك إذا أردت تفضيلَ الشيء على جنسه، فلم يكن بدٌّ من أن تُضيفه إلى الذي تُفضِّله عليه، ليُعلَم أنّه قد فضل أمثالَه من ذلك الجنس.
ولو أردتَ تفضيلَه على غيرِ جنسه، لأَتَيْتَ بِ "منْ " فاصلةَ له عن الإضافة، ويكون الأوّل في حكم المنوَّن، فقلت: "عبدُك أحسنُ من الأحرار"، و"حمارُك أفرهُ من البغال".
والذي يدل على أن الأول في حكم المنوّن، إلَّا أنّه لا ينصرف لوزن الفعل والصفةِ أته إذا نقص عن وزن الفعل، يدخله التَنوينُ، نحوَ قولك: "عبدُك خيرٌ من الأحرار"، و"بَغْلُك شرٌّ من الحَمِير"، لمّا حذفت الهمزة تخفيفًا، نقص الاسمُ عن لفظ الفعل، فانصرف، والذي يدل على أن ما لا ينصرف في حكم المنؤن، وإن لم يكن فيه تنوينٌ قولُك: "هؤلاء حَواجُّ بيتَ الله، وضوارِبُ زيدًا".
واعلمْ أن إضافةَ " أفعلَ" هذه التي يراد بها التفضيلُ من الإضافات المنفصِلة غير المحضة، فلا تفيد تعريفًا, لأن النُيَّة فيها التنوينُ والانفصالُ، لتقديرك فيها "مِنْ".
وإنما كانت "مِنْ" فيها مقدرةً، لأن المراد منها التفضيلُ.
فإذا قلت: "زيدٌ أفضلُ من عمرو"، فقد زعمتَ أن فَضْلَ زيد ابتدأ من فضلِ عمرو راقِيًا صاعدًا في مَراتِبِ الزيادة، فعُلم بهذا أته أفضلُ من كل مَنْ كان مقدارُ فضله كفضلِ عمرو، وأنه علا من هذا الابتداء، ولم يُعلَم موضعُ الانتهاء، كما تقول: "سار زيدُ من بغدادَ " فعلِم المخاطَبُ ابتداءِ مَسِيره، ولم يعلم أَيْنَ انتهى.
فلفا كان معنى الباب الدَلالةَ على ابتداءِ التفضيل على مقدارِ المفضَّل عليه وكل مَن كان في منزلته؛ لم يكن بد من الدلالة على هذا المعنى.
وقد تُحذف "مِنْ" من اللفظ تخفيفًا، ويضاف الاسم الأول إلى الثاني، وهي مرادةٌ مقدَّرةٌ، وإذا كانت "مِنْ" مقدَّرةً، فصلته مما قبله، فلذلك كانت إضافتُه منفصلة، ولا يضاف إلَّا إلى ما هو بعضُه، نحوَ قولك: "زيدٌ أفضلُ الرجال", لأنه واحدُ منهم.
وتقول: "هو أفضلُ رجلٍ"، وأصله: أفضلُ الرجال، إلَّا أنك خففتَ فنزعتَ الألفَ واللام، وغيرتَ بناءَ الجمع إلى الواحد الشائع دالًّا على النوع مُغْنًى عن لفظ الجمع الدالِّ على ذلك المعنى.
وإن أتيتَ بالألف واللام والجمع، فقد حقّقتَ، وجئت بالأصل، وأعطيتَ الكلامَ حقه، وإن آثرتَ التخفيف والاختصارَ، اكتفيتَ بالواحد المنكورِ, لأنه يدل على الجنس، فكان كقولك: "أفضلُ الرجال"، إذ المرادُ بالرجال الجنسُ، لا رجالٌ معهودون، فهو كقولهم: "أهْلَكَ الناسَ الدرهمُ والدينارُ"، أي: حسن الدراهم والدنانيرِ.

ومثلُ ذلك في تركِ الألف واللام، والاستغناء عن الجمع بالواحد المنكورِ، قولُك: "كل رجلٍ"، والمرادُ الرجال، ومثلُه قولهم: "عشرون درهمًا"، والمرادُ: من الدراهم.
وتقول: " هما أفضلُ رجلَيْن"، و"هم أفضلُ رجالٍ"، والمعنى أنّهما يفضُلان هذا الجنسَ إذا مُيزوا رجلَيْن رجلَيْن، ويفضلونه إذا مُيّزوا جماعة جماعة فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وله معنيان: أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليهم في الخصلة هو, وهم فيها شركاء.
والثاني أن يؤخذ مطلقاً له الزيادة فيها إطلاقاً, ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليهم, لكن لمجرد التخصيص، كما يضاف ما لا تفضيل فيه وذلك نحو قولك الناقص والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قلت عادلا بني مروان, فأنت على الأول يجوز لك توحيده في التثنية والجمع وأن لا تؤنثه قال الله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس﴾ 1، وعلى الثاني ليس لك إلا أن تثنيه وتجمعه تؤنثه.

قال الشارح: اعلم أنّ "أَفْعَل" على ضربَيْن: أحدُهما أن يكون مضافًا إلى جماعة هو بعضُهم، تزيد صفتُه على صفتهم، وجميعُهم مشترِكون في الصفة، فتقول: "عبدُ الله أفضلُ القوم"، فهو أحدُ القوم، وهم شُركاءُ في الفضل المذكور، يزيدُ فضلُه على فضلهم.
والذي قضى بذلك كلمةُ " أَفْعَلَ" من حيث كانت مقدرة بالفعل والمصدرِ.
فإذا قلت: "زيد أَفضلُ القوم"، فالتقديرُ أنه يزيد فضلُه عليهم، أو يرجَح فضلُه، والرجَحانُ إئما يكون بعد التساوي، وكذلك لفظُ الزيادة يقتضي مَزيدًا عليه، فلذلك من المعنى اشترطوا الشرْكَةَ في الصفة.
وقد ذهب بعضُهِم إلى أنّ اشتراطَ الاشتراك في الصفة لا يلزمُه، واستدل على ذلك بقولهم: "ابنُ العَمّ أحَقُّ بالمِيراث من ابن الخال"، وإن كان لا حق لابن الخال الذي الميراث، ومثلُه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ 2، وإن كان لا خيرَ في مستقر أهلِ النار، ولا حُسْنَ في مقيلهم.
وهذا لا حُجةَ لهم فيه, لأنّ ذلك جاء على زَعْمهم واعتقادِهم، وذلك أنهم كانوا يعتقِدون أن مُطْلَقَ القَرابةِ يوجِب الميراثَ، سواء كانوا من ذوي الأرحامِ أو العَصَباتِ، فقيل: "ابنُ العم أحق بالميراث من ابن الخال"، لأنه أقربُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ جاء على زَعْمهم واعتقادِهم أنّ مقيلهم في الآخرة حسنٌ، ومستقَرهم جميل، فقال: إن نزلنا معكم نُزولَ نَظَرٍ، فاصحابُ الجنة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مقيلًا.

والثاني: أن تُؤْخَذ الزيادة مُطْلَقًا من غيرِ تعرُّض إلى ابتدائها، ولا انتهائِها، وتصير من صفاتِ الذات بمنزلةِ الفاضل، إلَّا أن في الأفضل مبالغةً ليست في الفاضل، وتُضيفه إلى ما بعده، لا لتَفْضيله عليهم، وتقديرِ "مِنْ" على ما كان في الأول، لكن للتخصيص، كما تكون إضافةُ ما لا تفضيلَ فيه، فتقول: "أَفْضَلُكم" كما تقول: "فاضِلُكم"، أىِ: الفاضلُ المختصُّ بكم.
ومنه قولهم: "الناقِصُ والأشَجُّ أَعْدَلَا بني مَرْوانَ"، فقولهم: "أعدلا" ها هنا بمعنَى العادلين منهم، ألا ترى أنّه ثنّاه، ولو كان المرادُ التفضيلَ لكان موحَّدًا على كلّ حال.
والأشَج ههنا عمرُ بن عبد العزيز بن مَرْوانَ، وكان يقال له: "أَشَجُّ بني أُمَيَّة" من أجلِ شَجَّةِ حافِرِ دابةٍ، كانت بجَبْهته، وكان أعدلَ أهلِ زمانه، وأُمُّه أمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
وكان يقول عمر بن الخطاب: "إنّ من وُلدِيَ رجلًا بوَجْهه أَثَرُ يَمْلأُ الأرضَ عَدْلًا كما مُلِئتْ جَوْرًا".
ولما نَفَحَه حمار برِجْله، فأصاب جَبْهَتَه، وأثرَ فيها، قيل: "هذا أشجُّ بني أُميَّةَ، يملِك ويملأ الأرضَ عدلًا"، فملك بعد سليمانَ بنِ عبد المَلِك سنةَ ست وتسعين، وكانت وِلايتُه سنتَيْن وتسعةَ أشْهُر.
والناقِص هو يزيدُ بن الوَلِيد بن يزيد بن عبد المَلِك بن مروان، وَلِيَ الخلافةَ ستةَ أشهر، أو أقَل، وَلِيَ سنةَ ست وعشرين ومائةٍ، وكان عادلًا، مُتكِرًا للمُنْكَر، وهو الذي قتل ابنَ عمّه الوليدَ، إذ كان مُسْرِفًا على نفسه، وكان يقال له: "الناقِصُ", لأنه نقص من أرْزاقِ الجُنْد، وحط منها.
يقال: "نقصتُه فأَنَا ناقِصُهُ، ونَقَصَ الشيءُ فهو ناقِصٌ".
يكون متعدّيًا وغيرَ متعدّ.
فالنوع الأول: منهما لا يُثنَّى، ولا يُجمع، ولا يُؤنث؛ لأنّه مقدر بالفعل والمصدر، فإذا قلت: "زيدُ أفضلُ القوم"، كان معناه يزيد فضلُه عليهم، فكل واحد من الفعل والمصدرِ لا يصح تثنيتُه، ولا جمعُه، ولا تأنيثُه، فكذلك ما كان في معناهما، ولذلك لا يدخله ألف ولامُ، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ 1 فوحّد، وإن كانوا جماعةَ.
وقال بعضهم: إنما لم يُثَن "أفعلُ" ولم يُجمع، ولم يؤنث؛ لأنه مضارعٌ لـ "بَعْض" الذي يقع للتذكير، والتأنيثِ، والواحدِ، والاثنين، والجمع، إذ كان بعضًا لِما أضيف إليه، ولا يكون إلَّا نكرة، كما أن الفعل كذلك، إذ حل محلَّهَ.
وقال الكوفيون: إذا أضيف على معنَى "مِنْ"، فهو نكرة، وهو رأيُ أبي علي، وإذا أضيف على معنى اللام، فهو معرفة.
وقال البصريون هو معرفة بالإضافة على كلّ حال إلَّا أن يضاف إلى نكرة.

وأما النوع الثانيِ: فإنّك تُثنيه، وتجمعه، وتؤنّثه، وتُدخِل فيه الألفَ واللام، فتقول: "زيدٌ الأفضلُ أبًا، والأكرمُ خالًا".
وتقول في التثنية: "هما الأفضلان"، وفي الجمع: "هم الأفضلون، والأفاضِل".
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ 1، ويكون بناء المؤنث على غيرِ بناءِ المذكر، فتقول: "هندٌ الفُضْلَى"، وفي التثنية: "الفُضْلَيان"، وفي الجمع: "الفُضْلَياتُ"، و"الفُضَلُ"، كما تقول: "الفاضلُ", و"الفاضلة"، و"الفاضلان"، ولا يصحّ دخولُ "مِنْ" فيه، لا تقول: "الأفضلُ منك"؛ لأن "مِنْ" إنما يُؤْتَى بها إذا كان "أفضل" بمعنَى الفضل، فتدخل لابتداءِ الغاية التي منها ابتداء الفضل، فإذا نقلتَه إلى الذات، بطل ذلك المعنى.
فأمّا قوله [من السريع]: 364 - ولستَ بالأكثَرِ منهم حصَى... وإنما العِزةُ للكاثِر فإن "مِنهُم" لا يتعلق بـ "الأكثر" الملفوظِ بها، ويحتمِل أمرَيْن: أحدُهما: أن يتعلق بـ "أكثر" محذوفة، دل عليها قوله: "بالأكثر" كأنه قال: "ولست بالأكثر بأَكْثَر منهم" لأنه إذا جاز أن تقول: "زيدٌ الأفضلُ أَبًا"، جاز أن تقول: "زيدٌ أفضلُ أبًا" لأن كل واحد يدل على الآخر.2

والثاني: أن يكون معناه التبيين، فيتعلق بمحذوفٍ، كأنه قال: "أعني منهم"، ويكون المعنى: ولست بالأكثر من قبيلتك، أي: فيهم من هو أكثر منك.

قال صاحب الكتاب: وقد اجتمع الوجهان في قوله عليه السلام:"ألا أخبركم بأحبكم إليَّ, وأقربكم مني مجالس يوم القيامة, أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافاً الذين يألفون, ويؤلفون, ألا أخبركم بأبغضكم إليّ, وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة, أساوئكم أخلاقاً الثرثارون المتفيهقون" 1.

قال الشارح: هذا الحَدِيث عن أبي هُرَيْرةَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يحُثّ فيه على حُسْنِ الخُلُق، ولِينِ الجانب، فالمُوَطؤُونَ: الليّنونَ، من قولهم: "وَطَّاْتُ الفِراشَ" أي: لينتُه، ومَهْدتُه.
والأكناف: جمعُ كَنَفٍ، وهو الجانِبُ، ومنه كَنَفَا الطائر: جَناحاه، وقوله: "الذين يَألَفون ويُؤْلَفون" أي: يصحَبون الناس بالمعروف، فيُرغَب في صُحْبَتهم للِينهم، ورِفْقِهم، من قوله: "المؤمنون هَينون ليّنون" أي منقادون.
وقوله: "الثرْثارون المُتَفَيهِقُون" يريد الذين يُكثِرون الكلامَ، ويتكلفون فيه، فيخرِجون عن القصد والحق.
يقال: "رجلٌ ثَرثارٌ"، وهو المِكثار في الكلام، ومنه "عَينٌ ثرَّةٌ، وثَرْثارَة" إذا كانت واسعةَ الماء، ويقال: "الثرثارُ: نهرٌ بعينه"، كأنّه سُمي بذلك لكثرةِ مائه، وليس الثرثارُ من لفظِ الثرّة، إنّما هو من معناه، وان وافَقَه في بعضِ حروفه، إنّما هو كسَبط وسِبَطْر، ودَمِث ودِمَثْرٍ، فـ "ثَرَّة"، من باب "حَبّ"، و"دَرّ"، و"ثَرْثارَة": من بابِ "زَلزَل"، و"قَلْقلَ"، والمُتَفْيهِق: هو الذي يتوسع في كلامه ويُفْهِق به فَمَه.
وقد جاء تفسير للحديث فيه: قيل: ما المُتفَيهِقون؟ قال: المتكثرون، وكأنّه يؤُول إلى الأول، لأنه يكون من التكثير.
والشاهد فيه أنه وحد "أَحَبَّكُم"، و"أقربَكم" لأنه أراد المعنى الأولَ، وهو و"أفعلُ" الذي بمعنى التفضيل، لأنه يكون في جميع الأحوال بلفظ واحد، لا يُثنى، ولا يُجمع، ولا يؤنث.
وجَمَعَ "أحاسنكم" وهو جمعُ "أحسَنَ" لأنه لم يُرِد به التفضيلَ، وإنّما المرادُ به الذاتُ نحو"الحَسَنُ".
وكذلك "أبغضكم" و"أقربكم" وحّدهما، لأنّ المراد بهما التفضيلُ، وجَمَعَ "أساوِئكم" وهو جمعُ "أَسوَأَ" لأنه بمعنى السَّيئ.

قال صاحب الكتاب: وعلى الوجه الأول لا يجوز أن تقول: "يوسف أحسن

أخوته"؛ لأنك لما أضفت "الإخوة" إلى ضميره, فقد أخرجته من جملتهم من قبل أن المضاف حقه أن يكون غير المضاف إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: "هؤلاء إخوة زيد",لم يكن "زيدٌ" في عداد المضافين إليه، وإذا خرج من جملتهم, لم يجز إضافة "أفعل" الذي هو هو إليهم، لأن من شرطه إضافته إلى جملة هو بعضها.
وعلى الوجه الثاني لا يمتنع.
ومنه قول من قال لنصيب: "أنت أشعر أهل جلدتك", كأنه قال: أنت شاعرهم:

قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إن أفعل على ضربَيْن، أحدُهما: أن يكون بمعنى الفعل، نحوَ: "زيدٌ أفضلُ القوم"، أي: يفضُلهم.
والثاني: أن يكون من صفاتِ الذات بمعنَى الفاضل فيهم، فإذا قلت: "زيدُ أفضلُ القوم"، وأردتَ تفضيلَه عليهم، فلا بدّ من تقديرك "مِنْ" فيه، وإن لم تكن ملفوظًا بها, لأن التفضيل لا بد أنْ يُذَكَر فيه ابتداء الغاية التي منها بَدْءُ الفضل راقيًا، وذلك إنّما يكون بِـ "منْ"، فإن أظهرتَها، فهو حقُّ الكلام، وإن حذفتَها، فلعِلْمِ المخاطَب أن التفضيل لا يقع إلَّا بها، إلّا أنّك إذا أظهرتَها، فقد فضلتَه على غيره، وإذا أضفتَه، ولم تأتِ بِـ "منْ"، كنت قد فضلتَه على جنسه الذي هو بعضُه، وإذ قد عُلم أن "أفعل" إنما يضاف إلى ما هو بعضُه، فَلْيُعْلَمْ أنَّه لا يجوز أن تقول: "يوسف أحسنُ إخْوَتِه" وذلك أنك إذا أضفت "الإخوة" إلى "ضميره" خرج من جملتهم، وإذا كان خارجًا منهم؛ صار غيرَهم، وإذا صار غيرَهم، لم يجز أن تقول: "يوسف أحسن إخوته" كما لا يجوز أن تقول: "الياقُوتُ أفضلُ الزَّجاج"؛ لأنّه ليس من الزجاج، فحينئذٍ يلزم من المسألة أحدُ أمرَين، كل واحد منهما ممتنعٌ، أحدُهما ما ذكرناه من إضافةِ "أفعل" إلى غيره، إذ إخوةُ زيدٍ غيرُ زيد، والأمرُ الثاني إضافةُ الشيء إلى نفسه، وذلك أنّا إذا قلنا: إن زيدًا من جملةِ الأخوة نَظَرًا إلى مقتضَى إضافةِ "أفعلَ"، ثم أضفتَ "الأخوةَ" إلى ضميرِ "زيد"، وهو من جملتهم، كنت قد أضفتَه إلى نفسه بإضافتك إياه إلى ضميره، وذلك فاسدٌ.
فأمّا على النوع الثاني، وهو أن يكون "أفعلُ" فيه للذات بمعنَى "فاعلٍ"، فإنه يجوز أن تقول: "يوسف أحسنُ إخوتِه"، ولا يمتنع فيه كامتناعه من القسم الأول، إذ المرادُ أنّه فاضلٌ فيهم، لأنه لا يلزم في هذا النوع أن يكون "أفعلُ" بعضَ ما أضيف إليه، وعليه جاء قولهم لنُصَيْبٍ: "أنتَ أشعرُ أهلِ جِلْدتِك"؛ لأن أهلَ جلدته غيرُه، وإذا كانوا غيره، لم تسغ إضافةُ "أفعلَ" إذا كان هو إيّاه إليهم، لِما ذكرتُه.
ويجوز على الوجه الثاني، لأنه بمعنَى الشاعر فيهم، أو شاعرهم فاعرفه.

[إضافة الاسم إلي غيره بأدني مناسبة]

قال صاحب الكتاب: ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما,كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه: "خذ طرفك", وقال [من الطويل]: 1 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرةٍ... [سهيلٌ أذاعت غزلها في القرائب] أضاف "الكوكب" إليهم لجدِّها في عملها إذا طلع, وقال [من الطويل]: 2 - إذا قال قدني قال بالله حلفة... لتغني عني ذا إنائك أجمعا لملابستة له في شربه, وهو لساقي اللبن.

قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إن الإضافة المحضة على ضربين: إضافةُ اسم إلى اسم هو بعضُه لبيان جنس المضاف لا لتعريف شخصه، ويقذر لذلك بـ "مِنْ" نحوَ قولك: "ثوبُ خزّ وبابُ ساج"، والثاني: إضافة اسم إلى اسم غيرِه بمعنى اللام، لتعريف شخصِ المضاف وتخصيصِه بالتعريف، نحو: "غلامُ زيد"، عرّفتَ "الغلامَ" بإضافتك إياه إلى معرفة، والتخصيصُ نحو قولك: "راكبُ فرس" فإضافتُه ههنا إلى نكرةٍ، لا تفيد التعريفَ، وإنّما تفيد ضربًا من التخصيص، وإخراج المضاف من نوع إلى نوع أخَص منه.
ألا ترى أن "راكب فرس" أخص من "راكب".
فالمراد بالإضافة الأُولى التبعيضُ، وأن الثاني أعم من الأول، وأنّ له اسمَه.
والمرادُ بالإضافة الثانية المِلْكُ، أو الاختصاص، فالملكُ نحو: "غلامُ زيد"، ومعناه أنه يملِكه، والاختصاصُ نحو: "سيدُ الغلام"، أي: يختص به بما بينهما من المُلابَسة والاختلاطِ.
ومنه "جُلّ الدابَّة"، و"سَرج الفَرَس".
ويضاف الشيء إلى الشيء بأدنَى مُلابسة، نحو قولك: "لَقِيتُه في طريقي"، أضفتَ "الطريقَ" إليك لمُجردِ مُرورِك فيه، ومثلُه قولُ أحدِ حامِلَي، الخَشَبَةِ: "خُذ طَرَفَك"، أضاف "الطرفَ" إليه، لملابسته إياه في حالِ الحَمل، فأما قول الشاعر [من الطويل]: إذا كَوكَبُ الخَرقاءِ لاحَ بسُحرَةٍ... سُهَيل أَذاعَت غَزلَها في القَرائبِ = المعنى: إذا قال ضيفه: يكفيني ما شربت، حلف عليه بالله مرة: لا بد أن تصرف عني كل ما في وعائك، أي أن تشربه جميعًا.
الإعراب: "إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب.
"قال": فعل ماضٍ مبني على الفتح الظاهر، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو."قدني": "قد": اسم فعل مضارع بمعنى "يكفيني"، والنون: للرقاية، والياء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"قال": فعل ماضٍ مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى المضيف.
"بالله": الباء: حرف جر، و"الله": لفظ الجلالة، اسم مجرور بالكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف، ويمكن تعليقهما بـ "قال" مع تضمينه معنى "حلف"، وتكون "حلفة" مفعولامطلقًا.
"حلفة": مفعول مطلق منصوب بالفتحة، بتقدير: "حلف بالله حلفة".
"لتغني": اللام: حرف جر وتعليل، و"تغني: فعل مضارع منصوب بـ "أن" مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
والمصدر المؤول من "أن" والفعل بعدها مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل "تشرب" المقدر.
"عني": جار ومجرور متعلقان بـ "تغني".
"ذا": مفعول به منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة."إنائك": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والكاف: ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"أجمعا": توكيد "ذا" منصوب بالفتحة، والألف: للإطلاق.
وجملة "إذا قال... قال... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "قال" الأولى: في محل جر بالإضافة.
وجملة "قال" الثانية: جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
وجملة "قدني": في محل نصب مفعول به (مقول القول).
والشاهد فيه قوله: "إنائك" لا حيث أضاف الإناء إلى الضيف لأدنى ملابسة، وهي الشرب.

فالشاهد فيه أنه أضاف "الكوكبَ" إليها لجدِّها في عَمَلهاعند طُلوعه، وذلك أن الكَيّسة من النساء تستعِدّ صَيْفًا، فتنامُ وقتَ طلوعِ سُهَيْل، وهو وقتُ البَرد، والخرقاءُ ذاتُ الغَفْلة تكسَل عن الاستعداد، فهذا طلع سهيل، وبردتْ تَجِد في العمل، وتفرق قُطنَها في قَبِيلتها تستَعِين بهت، فخصّصها لذلك.
وكذلك قولُ الآخر [من الطويل]: إذا قال فَدني... إلخ كذا أنشده أبو الحسن باللام للقَسم، وفتحِ آخِرِ الفعل على إرادةِ نونِ التأكيد، وحَذْفِها ضرورة، وأنشد أحمدُ بن يَحْيَى: "لَتُغْنن عنّي" بنون التأكيد الشديدة.
والبيت الشاهدُ فيه أنه أضاف "الإناءَ" إلى المخاطَب لمُلابَسته إياه وقتَ أَكله منه، أو شُرْبِه ما فيه من لَبَنٍ، أو مأكولٍ.
والعربُ تقول: "أَغنِ عني وَجهَك"، أي: اجعله بحيثُ يكون غنيًّا عني، لا يحتاج إلى رُؤيَتي.
يقول له الضيفُ: "قَدنِي"، أي: حَسبِي ما أكلتُ، أو شرِبتُ، فيقول المُضِيفُ: "لَتُغنين عني جميعَ ما في الإناء، ولا تَرُده على بل اشرَبه كله".
يصفُ رجلًا مِضيافًا.

جارٍ التحميل