شرح المفصل لابن يعيشفصل [أوجه الرفع إن لم يُقصد الجزاء]

فصل [أوجه الرفع إن لم يُقصد الجزاء]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وإن لم تقصد الجزاء, فرفعت, فكان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه: إما صفة كقوله تعالى: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني﴾ 1، أو حالاً, كقوله تعالى: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ 2، أو قطعاً واستئنافاً, كقولك: "لا تذهب به تغلب عليه"، و"قم يدعوك".
ومنه بيت الكتاب [من البسيط]: 990 - وقال رائدهم أرسوا نزاولها... [فكل حتف امرئ يجري بمقدار] ومما يحتمل الأمرين: الحال والقطع قولهم: "ذره يقول ذاك"، و"مره يحفرها", وقول الأخطل [من البسيط]: 991 - كروا إلى حرتيكم تعمرونهما... [كما تكر إلي أوطانها البقر]34

وقوله عزّ وجل: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ 1.

قال الشارح: يريد أن هذه الأشياء التي تجزم على الجواب في الأمر والنهي وأخواتهما، إذا لم تقصد الجواب والجزاء، رفعت.
والرفع على أحد ثلاثة أشياء: إمّا الصفة إن كان قبله ما يصح وصفه به؛ وإمّا حالاً إن كان قبله معرفة؛ وإمّا على القطع والاستئناف.
مثالُ الأوّل قولك: "أعْطِني درهمّا أُنْفِقه"، إذا لم تقصد الجزاء، رفعت على الصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ 2، فقُرىء بالجزم والرفع، فالجزمُ على الجواب، والرفغ على الصفة، أي: هب لي من لدنك وليا وارثًا.
والرفع هنا أحسن من الجزم، وذلك من جهة المعنى، والإعراب؛ أمّا المعنى فلأنه إذا رفع فقد سأل وليا وارثًا؛ لأن من الأولياء من لا يرث.
وإذا جزم، كان المعنى إن وهبته لي، ورثني، فكيف يُخْبِر الله سبحانه بما هو أعلمُ به منه.
ومثله قوله تعالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ 3 بالرفع والجزم.
=الإعراب: "كروا": فعل أمر مبني على حذف النون، لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
"إلى حرّتيكم": جار ومجرور متعلّقان بـ "كرّوا"، وهو مضاف، و"كم": ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
"تعمرونهما": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
و"هما": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"كما": الكاف: حرف جر، و"ما": مصدرية.
"تكرّ": فعل مضارع مرفوع.
والمصدر المؤول من "ما" والفعل بعدها في محل جرّ بحرف الجرّ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، والتقدير: "كرّوا كرّا ككرّ البقر".
"إلى أوطانها": جار ومجرور متعلقان بـ"تكرّ"، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
"البقر": فاعل مرفوع بالضمّة.
وجملة "كرّوا": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تعمرونهما": في محل نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "تعمرونهما" حيث رفع الفعل إمّا على القطع والاستئناف، وإما على الحال.

ومثال الثاني: "خَلِّ زيدًا يمزَحُ" أي: مازحًا, لأنه لا يصلح أن يكون وصفًا لما قبله لكونه معرفة، والفعلُ نكرة، ومثله قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ 1 فهو حالٌ من المفعول في "ذرهم" ولا يكون حالاً من المضمر في "خوضهم" لأنه مضاف، والحالُ لا يكون من المضاف إليه.
والثالث: أن يكون مقطوعًا عما قبله مستأنفًا، كقولك: "لا تذهب به تُغلبُ عليه".
وذلك أن الجزم ها هنا على الجواب لا يصح لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: إن لا تذهب به تُغلَب عليه، فيصير عدمُ الذهاب به سببَ الغَلَب عليه، وليس المعني عليه، فكان مستأنفًا، كأنك أخبرت أنه ممن يُغْلَب عليه على كل حال.
وكذلك "قُمْ يَدعُوك"، أي: إنه يدعوك، فأمرتَه بالقيام، وأخبرته أنه يدعوه ألبتة، ولم ترد الجواب على أنه إن قام دعاه، وأمّا بيت الكتاب وهو [من البسيط]: وقال رائدُهم أرسوا نُزاوِلُها... فكُلُّ حَتْفِ امْرِىءٍ يُقْضَى بِمقْدارِ البيت للأخطل، والشاهد فيه رفعُ "نزاولُها" على القطع والاستئناف، ولو أمكنه الجزمُ على الجواب، لجاز.
يصف شَرْبًا ذهب رائدُهم في طلب الخمر، فظفر بها، فقال لهم: "أرسوا"، أي: انزلوا نشربها.
نُزاوِلها، أي: نُخاتِل صاحبها عنها، فكل حتف امرئ يُقْضى بمقدار، أي: الموت لا بد منه، فلنحصل على لذة النفس قبل الموت.
قال: وممّا يحتمل الأمرَين: الحال والقطع: "ذَرْهُ يقول ذاك".
يجوز الرفع في "يقول" على الحال، أي: ذره قائلاً، ويجوز أن يكون مستأنفًا، كأنه قال: ذَرهُ فإنّه ممْن يقول ذاك.
وأما قولهم: "مُرْهُ يَحْفِرها"، فيجوز فيه الجزم والرفع، فالجزم من وجه واحد، وهو الجواب، كأنه قال: "إن أمرتَ يحفرْها"، وأما الرفع فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون "يحفرها" على معنَى "فإنّه ممن يحفرها"، كما كان في "لا تدنُ من الأسد يأكلُك".
والثاني: أن يكون على الحال، كأنه قال: "مُرْه في حال حَفْرها"، ولو كان اسمًا لَظهر النصب فيه، فكنتَ تقول: "مُره حافرًا لها".
والثالث: أقلّها، وذلك أن تريد: "مُرْه أن يحفرها"، فتحذف "أنْ"، وترفع الفعل، لأنّ عامله لا يضمر، وقد أجاز بعض الكوفيين النصب على تقديرِ "أنْ"، وعليه قوله [من الطويل]: ألا أيُّهذا الزاجري أحْضُرَ الوَغَى... وأن أشْهَدَ اللَّذّاتِ هل أنت مُخلِدِي 2

والجزم أظهر، ومنه قول الأخطل [من البسيط]: كُرّوا إلى حَرَّتيكم تَعمرونَهما... كما تَكرُّ إلى أوْطانها البَقَرُ (1) الشاهد فيه رفع "تعمرونهما" إمّا على الاستئناف، وقَطْعه عمّا قبله، وإمّا على الحال، كأنه قال: "عامرين"، أي: مقدرين ذلك وصائرين إليه.
ولو أمكنه الجزمُ على الجواب، لجاز.
الحرّة: أرضٌ ذاتُ حجارة سود، وكأنّه يعيّرهم بنزولهم في الحرّة لحَصانتها، وهي حرّة بني سُلَيْم، وثَنّاها لحرّةٍ أُخرى تُجاوِرها.
وأما قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (2)، فيجوز أن يكون رفعُ "لا تخاف"، و"لا تخشى" على الحال من الفاعل في "اضربْ لهم طريقًا في البحر غيرَ خائف دركًا ولا خاشِيًا".
ويُقوي رفعَ "لا تخاف" إجماعُ القُرّاء على رفعِ "ولا تخشى"، وهو معطوف على الأوّل، ويجوز أن يكون رفعه على القطع والاستئناف، أي: أنت لا تخاف دركًا.
ويجوز أن يكون صفة لـ"طريق"، والتقدير: لا تخاف فيه دركًا، ثمّ حذف حرف الجرّ، فوصل الفعل، فنصب الضمير الذي كان مجرورًا، ثم حذف المفعول اتّساعًا، كقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ (3)، والتقدير: لا يجزي فيه.
ومن جزم "لا تخاف"، جعله جوابًا لقوله: "واضربْ لهم"، على تقديرِ: إن تضرب لا تَخَفْ دركًا ممن خَلْفَك، ويرفع "تخشى" على القطع، أي: وأنت غير خاشٍ، فاعرفه.

جارٍ التحميل