شرح المفصل لابن يعيشفصل [أوجه إعراب عبارة "حسن وجهه"]

فصل [أوجه إعراب عبارة "حسن وجهه"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وفي مسألة حسن وجهه سبعة أوجه: حسن وجهه، وحسن الوجه، وحسنٌ وجهاً قال أبو زبيد [من البسيط]: 911 - هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة... مخطوطة جدلت شنباء أنيابا123

وحسن الوجه قال النابغة [من الوافر]: 912 - ونأخذ بعده بذناب عيش... أجب الظهر ليس له سنام وحسن وجه قال حميد [من الرجز]: 913 - لاحق بطن بقراً سمين12 = المعنى: يصف امرأة بأنها جمعت من صفات الحسن ضمور الخصر وكِبَر العجيزة، وحسن الخلقة وبَرْد الفم.
الإعراب: "هيفاء": خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بالضمة.
"مقبلة": حال منصوبة بالفتحة.
"عجزاء": خبر ثانٍ، مرفوع بالضمة.
"مدبرة": حال منصوبة بالفتحة.
"محطوطة": خبر ثالث مرفوع بالضمة."جدلت": فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هي" والتاء: للتأنيث لا محل لها.
"شنباء": خبر خامس مرفوع بالضمة.
"أنيابًا": اسم منصوب بـ "شنباء" على التشبيه بالمفعول به أو تمييز منصوب.
وجملة "هي هيفاء عجزاء... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "جُدلتْ": في محل رفع خبر رابع.
والشاهد فيه قوله: "شنباء أنيابًا" حيث نصب "أنيابًا" بالصفة المشبهة "شنباء"، كلما نصب "وجهًا" بـ "حَسَن" في "حَسَنٌ وَجهًا".

وحسن وجهه قال الشماخ [من الطويل]: 1 - أقامت على ربعيهما حارتا صفاً... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما وحسن وجهه قال [من الرجز]: 2 - [أنعتها إني من نعاتها]... كوم الذري وادقة سراتها = العرب 13/ 179 (رزن)، 15/ 400 (وقى).
اللغة: اللاحق: الضامر.
القرا: الظهر.
المعنى: وصَف فرسًا بضمور البطن، ثم نَفى أن يكون ضموره ناجمًا عن الهزال بدليل أن ظهره سمين.
الإعراب: "لاحق": صفة مجرورة لموصوف مجرور في بيت سابق، وهو مضاف.
"بَطْنٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"بِقرًا": جار ومجرور متعلقان بـ "لاحق"، فـ "قرًا" مجرور بالكسرة المقدرة على الألف المحذوفة لفظًا.
"سمين": صفة لـ "قرًا" مجرورة بالكسرة.
والشاهد فيه قوله: "لاحقِ بطنٍ" حيث أضاف "لاحق"، وهي الصفة المشبهة، إلى "بطن"، كما أُضيف "حسن" إلى "وجه".

قال الشارح: اعلم أن هذه المسألة يجوز فيها عدّةُ أوجه: فأولّها "هذا رجلٌ حسنٌ وجهُه، وكثيرٌ مالُه"، فهذا هو الأصل, لأن الحُسْن إنّما هو للوجه، والكثرة إنّما هي للمال، ولذلك ارتفعا بفعلهما, وليس فيه نقل، ولا تغييرٌ.
والهاء في "وجهه"، و"ماله" هو العائد إلى الموصوف الذي هو رجلٌ.
الثاني: "مررت برجل حسن الوجهِ" بالإضافة وإدخال الألف واللام في المضاف إليه، وهو المختار بعد الأول.
وإنّما كان المختار من قِبَل أنّك لمّا نقلت الفعل عن "الوجه"، وأسندته إلى ضمير الموصوف الذي كان متصلًا بالوجه للمبالغة، ووجهُ المبالغة أنك جعلتَه حسن العامّة بعد أن كان الحسن مقصورًا على الوجه؛ كان المختار الإضافة وإدخال الألف واللام في المضاف إليه.
أمّا اختيار الإضافة؛ فلأنّ هذه الصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين غيرُ مُعْتَدّ بفعلها، لأنّ أفعالها غير مؤثِّرة كـ "ضارِب" و"قاتِلٍ"، وإنّما حدث لها هذا المعنى والشَّبَهُ بأسماء الفاعلين بعد أن صارت أسماءً، وَكانت غير مستغنِية عن الاسم الذي بعدها، فأضيفت إلى ما بعدها كسائر الأسماء إذا اتّصلت بأسماء، نحو: "غلامُ زيدٍ"، و"دارُ عمرٍو"، فلذلك اختير فيها الإضافة؛ وأمّا اختيار الألف واللام في "الوجه"؛ فلأنّه إنّما كان معرفة بإضافته إلى الهاء التي هي ضمير الأوّل، فلمّا نزعوا ذلك الضمير، وجعلوه فاعلًا مستكنًّا، عوّضوا عنه الألف واللام، لئلّا يخرج عن منهاج الأصل في التعريف.
وأما الثالث: وهو "هذا رجلٌ حسن وجهًا"، فيحتمل نصبُ "وجه" أمرَيْن: أحدهما: أنه منصوب بِـ "حسن" على حدّ المفعول، كما يعمل "ضاربٌ" في "زيد" = وهي أعلى السنام هنا.
وادقة: من ودق: أي: دنا, لأن الإبل إذا سمنت دَنَت إلى الأرض من سمنها، يقال بعير وديق السرة أي: سمينها.
المعنى: يصف الإبل، وهو من وَصَّافيها العارفين بها جيدًا.
الإعراب: "أنعتها": فعل مضارع مرفوع، و"ها": ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا.
"إنّي": حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم "إن".
"من نعَّاتها": جار ومجرور متعلّقان بخبر "إنّ"، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"كوم": مفعول به لفعل محذوف تقديره: أخصّ، وهو مضاف.
"الذرى": مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
"وادقةً": حال منصوبة "سراتها": امم منصوب على التشبيه بالمفعول به، وهو مضاف.
و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
وجملة "أنعتها": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "إني من نعاتها": استئنافية لا محل لها من الإعراب، وكذلك جملة "أخصّ كوم الذرى".
والشاهد فيه قوله: "وادقةً سرّاتِها" حيث نصب "سرّاتها" بالصفة المشبهة "وادقة"، كما نُصب "وجهه" بـ "حسن" في "حَسَن وجْهَهُ".

إذا قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا" على التشبيه به، كما رُفع "الوجه" في قولك: "حسنٌ وجهُه" على التشبيه به.
والثاني: أن يكون منصوبًا على التمييز، كما تقول: "هذا أحسنُ منك وجهًا"، و"ما في السماء موضعُ راحةٍ سَحابًا"؛ لأنّك بيّنت بِـ "الوجه" موضع الحسن، كما بين "السحابُ" نوع المقدار، وهو نكرةٌ كما أنّه نكرة.
فأمّا قوله [من البسيط]: هيفاء مُقْبِلة... إلخ البيت لأبي زُبَيْد الطائي، والشاهد فيه نصب "أنيابًا" بـ "شنباء" لِما فيه من نيّة التنوين، إلَّا أنّه لا ينصرف، فامتناعُ التنوين منه لعدم الصرف، لا للإضافة، فهو كقولك: "هؤلاء حواجُّ بيتَ الله".
وصف امرأة، قال: إذا أقبلت رأيتَ لها خَصْرًا أَهْيَف- والهَيَفُ: ضُمْرُ البطن والخصر- وإذا أدبرت رأيت لها عجيزة مُشْرِفة.
والمحطوطةُ: المَلْساء الظَّهْر، يريد أنّها غير متغضنةِ الجِلْد من كِبَرٍ، وجُدلت: أُحكم خَلْقُها من الجَدِيل، وهو زِمامٌ من أَدَمٍ.
الرابع: قولهم: "هذا حسنُ وجه".
ومنه قولهم: "هو حديثُ عَهْدٍ بالنِّعمة".
وهو مثل "حسنُ الوجهِ"، إلَّا أنّهم حذفوا الألف واللام تخفيفًا، ولأنه موضعٌ أُمِنَ فيه اللبسُ لعلم السامع أنّه لا يعني من الوجوه إلَّا وجهه، ولأنّ الوجه لا يُعرَّف حَسَنًا لأنّه في نيّة الانفصال.
ويدل على تنكيره مع إضافته إلى المعرفة جوازُ دخول الألف واللام عليه في قولهم: "مررت بالرجل الحسن الوجه".
فأمّا قوله [من الرجز]: لاحِق بَطْنٍ بقَرًا سَمِينِ البيت لحُمَيْدٍ الأَرْقَطِ، والشاهد فيه إضافة "لاحق" إلى "البطن" مع حذف الألف واللام، فهو بمنزلة "حسنُ وجهٍ".
واعلم أن قوله "لاحق بطن" وإن كان أصله اسم فاعل كـ "ضارب" و"خارج"، فإنّما ذُكر في هذا الباب لانّه أُجْرِي مجرى الصفة المشبّهة، فقُدّر بـ "لاحقٍ بطنُه"، كما قدّر "حسنُ وجه" بـ "حسنٍ وجهُه" فـ "البطنُ" فاعلٌ في المعنى كما أن "الوجه" فاعل في المعنى، واسمُ الفاعل لا يضاف إلى الفاعل.
لا تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ"، و"زيدٌ" فاعل؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وليس كذلك الصفة, لأنها نُقلت النقلَ الذي لا يكون في اسم الفاعل.
وصف فرسًا بضُمْر البطن.
واللاحقُ: الضامر، وحقيقتُه أن يلحق بطنُه ظهرَه ضُمْرًا، ثم نفى أن يكون ضُمْرُه من هُزالٍ، فقال: "بقَرًا سمينٍ".
والقرا: الظَّهْر.
الخامس: قولهم: "هو حسنٌ الوجهَ"، وذلك على رأي من يقول: "هو حسنٌ وجهًا"، فانتصاب "الوجه" هنا على التشبيه بالمفعول، وذلك لأنّه لما أضمر الفاعلَ في الصفة؛ جعل الثاني كالمفعول، فصار بمنزلة قولك: "هذا الضارب الرجلَ"، و"القائل

الحقَّ".
حملوا هنا الصفة على اسم الفاعل، فنصبوا بها، وإن كانت غير متعدّية، كما حملوا اسم الفاعل على الصفة المشبهة، حيث قالوا: "مررت بالضارب الرجلِ".
وإنّما قلنا ذلك لأنّه معرفة لا يحسن نصبه على التمييز.
وقد أجاز أبو علي، ومن وافقه، أن يكون منصوبًا على التمييز، وإن كان فيه الألف واللام، وذلك أنّه قال: لا فرقَ بين دخول الألف واللام وعدمها، لو قال: "هو حسنٌ وجهًا"، وإذا قد جاء "الجَمّاء الغفير"، و"فَاهُ إلى فِيَّ"، و"أرسلها العِراكَ"، فلم يمتنع من كون مثل هذا منصوبًا على الحال؛ لأنّ فائدته فائدةُ النكرة، فلم يمتنع أن يكون هذا منه، وهو وجةٌ حسنٌ لولا شناعةٌ في اللفظ.
فاقا قوله [من الوافر]: ونأخذ بعده... إلخ فإن الشاهد فيه نصب "الظهر" مع الألف واللام بـ "أجَبَّ", لأنّه في نيّة التنوين، ولو كان في غير نيّة التنوين لانجرّ ما بعده بالإضافة.
وصف النغمان بن المُنْذر، وأنّه إن هلك صار الناس بعده في أَسْوَأ حالٍ، وأضيَقِ عيشٍ، وتَمسَّكوا بمثل ذنبِ بَعِيرٍ أجبَّ، وهو الذي لا سَنَام له من الهُزال، والذِّناب والذُّنابَى: هو الذَّنَبُ.
السادس: وهو قولك: "مررت برجل حسنِ وَجْهِه"، بإضافة "حسن" إلى "وجهه"، كما تقول: "حسنِ الوجهِ" أجازه سيبويه 1، قال: شبهوه بـ "حَسَنِ الوجهِ"، يعني جعلوا الإضافة مُعاقبة للألف واللام.
قال: وهو رديء، يعني أنه قد جاء عن العرب مع رداءته، وذلك أن الأصل "كان زيدٌ حسن وجهُه"، فالهاء تعود إلى "زيد"، فنُقلت الهاء إلى الصفة، وصارت الصفة مُسْنَدة إلى عامّة بعد أن كانت مسندة إلى خاصّة، واستكنّ الضمير في الصفة، وصار مرفوعَ الموضع بفعله، بعد أن كان مجرور الموضع بالإضافة، فلا يحسن إعادتُها مع إسناد الصفة إليها؛ لأن أحدهما كاف، فلذلك كان رديئًا.
ووجهُ جوازه جعلُ الضمير مكان الألف واللام, لأنهما يتعاقبان، وبقي الضمير الأول على حاله، فعاد إلى الأوّل ضميران: أحدهما مرفوع، والآخر مجرور بمنزلة قولك: "زيد ضاربُ غلامِه"، ففي "ضارب" ضميرٌ يعود إلى "زيد" مرفوعٌ، وفي "الغلام" ضميرٌ يعود إليه مجرورٌ.
وأنشد [من الطويل]: أَمِنْ دمْنَتَيْنِ عَرَّجَ الرَّكْبُ فيهما... بحَقْلِ الرُّخامَى قد عَفَا طَلَلاهما أقامت على رَبْعَيهما جارَتا صَفًا... كُمَيْتَا الأعَالِي جَوْنَتا مُصْطَلاهما البيتان للشمّاخ، والشاهد في البيت الثاني في قوله: "جونتا مصطلاهما" فـ "جونتا" مثنّى بمنزلة "حسنا"، وقد أضيف إلى "مصطلاهما"، فـ "مصطلاهما" بمنزلة "وجوههما"

إذا قلت: "جاءني رجلان حسنًا وجوهِهما"، فالضمير الذي في "مصطلاهما" يعود إلى قوله "جارتا صفا".
أعاده بعد وإسناد الصفة إليه، فلذلك كان رديئًا.
يصف الأثافي، والصَّفَا: الجَبَلُ؛ لأن الأُثفِيّتَيْن تُبْنَى في أصل الجبل في موضعَيْن، والجبل الثالث.
وقوله: "كميتا الأعالي" يعني أن أعالي الأثفيّتَيْن لم تسود لبُعْدها عن مباشرَة النار، فهي على لون الخَيْل.
وقوله: "جونتا مصطلاهما" يعني مُسْوَدَّتَا المصطلى، وهو موضع الوقود منهما.
وقد أنكر بعض النحويين هذا الاستدلالَ، وزعم أن الضمير من "مصطلاهما" غير عائد إلى "الجارتين"، إنّما يعود إلى "الأعالي"، كأنّه قال: "كميتا الأعالي جونتا مصطلَى الأعالي"، فهو بمنزلة: "زيدٌ حسن وجهِ الأخِ جميلُ وجهِ الأخ".
وذلك جيد بلا خلاف.
ويجوز أن تكني عن "الأخ"، فتقول: "زيد حسنُ وجهِ الاخ جميلُ وجهِه"، والهاء تعود إلى "الأخ" لا إلى "زيد"، فإن أعدته إلى "زيد"، لم يجز، وإن أعدته إلى "الأخ"؛ جاز.
كذلك قوله: "كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما" إن أعدته إلى "الأعالي" جاز، وإن أعدته إلى "الجارتَيْن"، لم يجز.
فإن قلت: كيف يجوز أن يعود الضمير إلى "الأعالي" وهو جمعٌ، والمضمر مثنّى، والضمير إنّما يكون على حسبِ ما يرجع إليه؟ قيل: "الأعالي" هنا في موضع "الأعْلَيَيْن"، وذلك أن الجمع في هذا النحَو معناه التثنية، كقوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ 1 والحقيقة قلبان, لأنّه لا يكون لكلّ واحد إلاّ قلبٌ واحدٌ، فجاز أن يعود إليه الضمير مثنّى على الأصل، ونحوه قول الشاعر [من الوافر]: متى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ... رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُستَطارا 2 فرد الضمير في "تستطارا" إلى "الرانفتَيْن" على الأصل.
والأول: مذهب سيبويه، واستدلاله صوابٌ؛ لأنّه الظاهر، وما ذكرناه تأويلٌ على خلاف الظاهر، والأخذُ بالظاهر هو الوجه.
السابع: قولهم: "مررت برجل حسنٍ وجهَهُ"، بنصب "الوجه" مع إضافته إلى ضمير الموصوف وانتصابه على التشبيه بالمفعول به، ومن نصب الوجه في قولهم: "مررت برجلٍ حسنٍ الوجهَ" على التمييز نصب هذا على التمييز، فلم يعتد بتعريفه, لأنّه قد عُلم أنّهم لا يعنون من الوجوه إلَّا وجهَ المذكور، وأنشد قولهم [من الرجز]: أَنْعَتُها إنِّيَ من نُغاتِها... كُومَ الذُرَى وادِقةً سُرّاتِها 3

هكذا أنشده أبو عمر الزاهد بكسر التاء من "سرّاتها"، جعله منصوبًا بـ "وادقة"، فهو مثلُ "زيدٌ حسنٌ وجهَه".
ويجوز إدخال الألف واللام على الصفة، ويجوز فيها بعدُ أكثرُ الوجوه المتقدّمة، فتقول: "مررت بالرجل الحسنِ وجهُه" برفع "الوجه" هنا كما كنت ترفعه قبلُ، و"مررت بالرجل الحسنِ الوجهِ".
قال سيبويه 1: وليس في العربيّة مضافٌ تدخل عليه الألف واللام غير المضاف إلى المعرفة في هذا الباب، والعلّةُ في جواز ذلك أن الإضافة لا تكسوها تعريفًا ولا تخصيصًا إذ كانت في تقدير الانفصال، وإن لم تكسها الإضافةُ تعريفًا؛ لم تمنعها من دخول الألف واللام عليها إذا احتيج إلى التعريف.
وتقول: "مررت بالرجل الحسن وجهًا"، فتنصب "وجهًا" على التمييز، أو التشبيه بالمفعول به، كما كان يُنْصَب قبل دخول الألف واللام مع التنوين.
ولا يجوز أن تقول: "مررت بالرجل الحسنِ وجهٍ"، كما جاز "حسنِ وجهٍ"، كرهوا أن تضاف المعرفة في اللفظ إلى نكرة، إذ كان في ذلك تناقضٌ في الظاهر مع أنّه مخالِفٌ لسائر أبواب العربيّة.
وتقول: "مررت بالرجل الحسنِ الوجهَ" بنصب الوجه.
قال سيبويه 2: وهي عربية جيّدة، تنصبه مع الألف واللام كما كنت تنصبه مع التنوين إذا قلت: "حسنٌ الوجهَ"؛ لأن الألف واللام بدلٌ من التنوين.
قال الشاعر [من الوافر]: 916 - فما قَوْمي بثَعْلَبَةَ بن سَعْدٍ... ولا بفَزارَةَ الشعْرِ الرّقابَا3

يروى: "الشُعْرَى" بألف، وهو مؤنّث "الأشعَر" كـ "الكُبْرَى".
ويروى: "الشعْرِ" بغير ألف، وهو جمع "أشعر"، كـ "أحمر وحُمْرٍ".
فمن أنّث أراد القبيلة، ومن جمع أراد كلّ واحد منهم هذه صفتُه.
وكانت العرب تمدح الجَلَى وخفّةَ الشَّعْر؛ كأنّه يهجوهم بكثرة شعر القَفا والوجهِ.
وينشد: "الشُّعْرَى رِقابَا" من غير ألف ولام، و"الرقابا" بالألف واللام.
فمن قال: "الرقابا" بالألف واللام، كان كـ "الحسن الوجهَ"، ومن قال: "رقابَا" كان كـ "الحسن وجهًا".
وتقول: "مررت بالرجل الحسنِ الوجهُ" برفع "الوجه"، وفيه نظر لخُلُوّه من العائد، وهذه الصفاتُ إنّما عملُها في ضمير الموصوف، أو فيما كان من سببه، وجوازُه عند الكوفيين على تنزيل الألف واللام منزلةَ الضمير، فيكون قولهم: "الحسن الوجهُ" بمنزلِة "الحسن وجهُه".
ويتأوّلون قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ 1 على أن المراد: مأواه، والذي عليه الأكثرُ أنَّه على حذف العائد للعلم بموضعه.
والمراد: "مررت بالرجل الحسن الوجهُ منه"، وكذلك الآيةُ، أي: "المأوى له"، والعائدُ قد يحذف تخفيفًا للعلم به، وموضعُ حذفه الصلة للطول، نحوُ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ 2 وقد يحذف من الصفة من نحو ما حكاه سيبويه من قولهم 3: "الناس رجلان؛ رجلٌ أكرمتُ، ورجلٌ أهنتُ"، والمراد: أكرمتُه، وأهنتُه، وأنشد [من الوافر]: 917 - فما أدري أغيَّرَهم تناءٍ... وطولُ العهدِ أم مال أصابوا4 = لأنّه معطوف على "ثعلبة".
"الشعر": صفة مجرورة بالكسرة.
"الرقابا": مفعول به منصوب بالفتحة للصفة المشبّهة بالفعل "الشعر"، ويمكن إعرابه تمييزًا على رأي من يجيز أن يكون التمييز معرفة.
والشاهد فيه قوله: "الشعر الرقابا" حيث نصب بجمع "أفعل" التفضيل مفعولًا به، مستدلًا على أنه إذا كان الجمع "الشعر" قد نصب، فالمفرد "الأشعر" أولى بالعمل لأن الجمع يباعده عن مشابهة الفعل.

أراد أصابوه، فحذف الهاء وهو يريدها.
وقد يحذف من الخبر أيضًا، وهو قليل.
قال الشاعر [من الرجز]: قد أصبحث أُمُّ الخِيار تَدَّعِي... على ذَنبًا كُلُّهُ لم أَصْنَعِ 1 أراد: أصْنَعْهُ، والكثير حذفُه من الصلة للطول، ثمّ حذفُه من الصفة في الحُسْن بعد الأول، تُشبَّه الصفة بالصلة من حيث كانت الصفة والموصوف كالشيء الواحد، وهو في الخبر قليل.
فأمّا قوله تعالى.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ 2، فقال بعضهم: إن الألف واللام أغنت عن المضمر العائد، إذ كانت مُعاقِبة للإضافة، والمراد: أبوابها.
وهو ضعيف، إذ لو جاز مثل هذا، لجاز "جاءني الذي قام الغلامُ" على إرادةِ "غلامُه".
وذلك لا يجوز بلا خلاف.
وقال قوم -وهو رأي أكثر البصريين- إن العائد محذوف، والمراد: مفتّحةً لهم الأبواب منها.
واختيارُ أبي عليّ أن تكون الصفة مسندة إلى ضمير الموصوف، فيكون على هذا في "مفتّحة" ضميرُ "الجنّات", لأنّه يقال: "فُتحت الجنّات"، إذا فُتحت أبوابُها.
وفي التنزيل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ 3، وتكون "الأبواب" مرتفعة على البدل من الضمير في "مفتّحة" بدلِ البعض من الكلّ، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 4. وقد أنشدوا بيت امرئ القيس [من الطويل]: 918 - كبِكْرِ المُقَانَاة البَياضِ بصُفْرَةٍ... غَذاها نَمِيرُ الماء غيرَ مُحلَّلِ5 = وجملة "ما أدري" بحسب ما قبلها.
وجملة "أغيرهم تناء": سدت مسد مفعولي "أدري".
وجملة "أصابوا": في محلّ رفع نعت "مال".
والشاهد فيه قوله: "مال أصابوا" حيث حذفت الهاء من الفعل لوقوع الجملة نعتًا "أصابوا".
وهذا جائز، والتقدير: "مال أصابوه".

على ثلاثة أوجه: الجرّ، والنصب، والرفع، فالجرّ كقولك: "الحسن الوجهِ"، والنصب كقولك: "الحسن الوجهَ " على التشبيه باَلمفعول به، والرفع كقولك: "الحسن الوجهُ" على ما ذكرناه من إرادة العائد.
فاعرفه.
= مفعول به.
"نمير": فاعل مرفوع بالضمّة، وهو مضاف.
"الماء": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"غير": حال منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"محلل": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "غذاها": في محل جرّ صفة لبكر.
والشاهد فيه قوله: "المقاناة البياض" على أنه يروى بثلاثة أوجه: الجرّ، كقولك: "الحسن الوجهِ" كما رأينا في الإعراب، والنصب، كقولك: "الحسن الوجه" على التشبيه بالمفعول به، والرفع، كقولك: "الحسن الوجهُ".

جارٍ التحميل