شرح المفصل لابن يعيشفصل [أسباب منع الصرف]

فصل [أسباب منع الصرف]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "والاسم يمتنع من الصرف متى اجتمع فيهب اثنان من أسباب تسعة أو تكرر واحدٌ؛ وهي: العلمية, والتأنيث اللازم لفظًا أو معنى, في نحو: "سعاد" و"طلحة".
ووزن الفعل الذي يغلبه في نحو: "أفعل", فإنه فيه أكثر منه في الاسم, أو يخصه, في نحو: "ضُرِبَ", إن سمي به.
والوصفية, في نحو: "أحمر".
والعدل من صيغة إلى أخرى, في نحو: "عمر" و"ثلاث".
وأن يكون جمعًا ليس علي زنته واحدٌ، كـ"مساجد", و"مصابيح", إلا ما اعتل آخره, نحو: "جوارٍ", فإنه في الرفع والجر كـ "قاضٍ", وفي النصب كـ "ضوارب"، و"حضاجر", و"سراويل" في التقدير؛ جمع "حضجر", و"سروالة".
والتركيب, في نحو: "معد يكرب" و"بعلبك".
والعجمة, في الأعلام خاصّةً.
والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث, في نحو: "سكران", و"عثمان",إلا إذا اضطر الشاعر, فصرف.

قال الشارح: الأسباب المانعةُ من الصرف تسعة؛ وهي: العَلَميّة، والتأنيث، ووزن الفعل، والوصف، والعدل، والجمع، والتركيب، والعُجْمة، والألف والنون الزوائد.
فهذه التسعةُ متى اجتمع منها اثنتان في اسم، أو واحدٌ يقوم مقامَ سببَيْن، امتنع من الصرف، فلم يدخله جرٌّ ولا تنوينٌ، ويكون في موضع الجرّ مفتوحًا؛ وذلك قولك: "هذا أحْمَدُ وعمرُ"، و"مررت بأحمدَ وعمرَ".
وإنّما كان كذلك لشَبَهه بالفعل لاجتماع السببَيْن فيه.
وذلك أن كل واحد فرعٌ على غيره، فإذا اجتمع في الاسم سببان، فقد اجتمع فيه فرعان، فصار فرعًا من جهتَيْن:

أحدهما: أنّه لا يقوم بنفسه، ويفتقر إلى اسم يكون معه، والاسمُ لا يفتقر إلى فعل، فكان فرعًا عليه.
والآخَرُ: أنَّه مشتقّ من المصدر الذي هو ضربٌ من الأسماء، فلمّا أشبهَه في الفرعية، امتنع منه الجرُّ والتنوينُ، كما امتنعا من الفعل.
والتعريفُ فرعٌ على التنكير, لأنّ أصل الأسماء أن تكون نكرات، ولذلك كانت المعرفةُ ذاتَ علامةٍ وافتقارٍ إلى وَضْع لنقْله عن الأصل؛ كنقلِ "جَعْفَرٍ" عن اسمِ النهر الذي هو نكرةٌ شائعٌ إلى واحد بعينه.
فالتعريفُ المانعُ من الصرف هو الذي ينقل الاسمَ من جهةِ أنَّه متضمَّنٌ فيه، من غير علامةٍ تدخل عليه، وهو تعريف العلمية.
والتأنيث فرعٌ على التذكير لوجهَيْن: أحدهما: أنّ الأسماء قبل الاطلاع على تأنيثها وتذكيرها يعبَّر عنها بلفظ مذكَّر، نحوِ: "شَيْءٍ"، و"حَيَوانٍ"، و"إنسان".
فإذا عُلم تأنيثُها، رُكب عليها العلامةُ.
وليس كذلك المؤنث.
الثاني: أن المؤنّث له علامةٌ على ما سبق، فكان فرعًا.
وقوله: "التأنيث اللازم" وصفٌ احترز به عن تأنيث الفَرْق؛ وهو الفارقُ بين المذكّر والمؤنّث في مثل: "قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"، ونحوهما من الصفات؛ و"امرئٍ"، و"امرأةٍ"، ونحوهما من الأجناس.
ومن ذلك ما كان من التأنيث فارقًا بين الواحد والجمع، مثلَ: "قَمْحٍ"، و"قَمْحَةٍ"، و"شَعِيرٍ"، و"شَعِيرَةٍ".
فهذا التأنيثُ لا اعتدادَ به، وإنمّا المانعُ من الصرف التأنيثُ اللازمُ.
فإن سُمّي بشيء ممّا ذُكر، وفيه تاءُ التأنيث العارضةُ، لزِمه التأنيثُ بالتسمية، فلم يجز سقوطها، واعتُدّ بها سببًا مانعًا من الصرف إذا انضمّ إليه غيره، نحوَ: "طَلْحَةَ"، و"حَمْزَةَ"، فإنّهما لا ينصرفان لاجتماع التأنيث والتعريفِ، فإذا نُكر انصرف, لأنه لم يبقَ فيه إلَّا التأنيثُ وحدَه.
فأمّا ألف التأنيث المقصورة والممدودة، نحو: "حُبْلَى"، و"بُشْرَى"، و"سَكْرَى"، و"حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ"، فإنّ كلّ واحدة منهما مانعةٌ من الصرف بانفرادها، من غيرِ احتياج إلى سبب آخر، فلا ينوَّن شيء من ذلك في النكرة.
فإذا لم ينصرف في النكرة، فأحْرَى أن لا ينصرف في المعرفة، لأنّ المانع باقٍ بعد التعريف، والتعريفُ ممّا يزيده ثقلاً.
وإنّما كان هذا التأنيث وحده كافيًا في منع الصرف لأن الألف للتأنيث، وهي تزيد على تاء التأنيث قوةٌ, لأنّها يُبْنَى معها الاسم، وتصير كبعضِ حروفه، ويتغير الاسم معها عن بنْيةِ التذكير، نحو: "سَكْرانَ"، و"سَكْرَى"؛ و"أحْمَرَ"، و"حَمْراءَ"؛ فبنيةُ كلّ واحد من المؤنَث غيرُ بنيةِ المذكّر.
وليست التاء كذلك، إنّما تدخل الاسمَ المذكّرَ من غير تغيُّرِ بِنْيته دلالةً على التأنيث، نحوَ: "قائم"، و"قائمةٌ".

ويؤيِّد عندك ذلك وُضوحًا أن ألف التأنيث إذا كانت رابعةً، تثبت في التكسير، نحو: "حُبْلَى"، و"حَبَالَى"؛ و"سَكْرَى"، و"سُكَارَى"؛ كما تثبت الراءُ في "حَوافِرَ"، والميمُ في "دَراهِمَ".
وليست التاء كذلك، بل تُحْذَف في التكسير؛ نحو"طَلْحَةَ"، و"طِلاح"؛ و"جَفْنَةِ"، و"جِفَانٍ".
فلمّا كانت الألف مختلطة بالاسم الاختلاطَ الذي ذكرناه، كانت لها مَزِيَّةٌ على التاء، فصارت مشاركتُها لها في التأنيث علَّة، ومزيّتُها عليها علّة أُخرى، كأنّه تأنيثان.
فلذلك قال صاحب الكتاب: "متى اجتمع سببان أو تكرّر واحد".
ويعبَّر عنها بأنّها علّةٌ تقوم مقامَ علّتَيْن، والفِقْهُ فيها ما ذكرناه.
فأمّا الألف الزائدة للإلحاق، نحو: "أرْطًى"، و"حَبَنْطًى"، وما أشبه ذلك من الأسماء المذكرة التي في آخرها ألفٌ زائدةٌ، فهي تنصرف في النكرة، نحو: "هذا أرْطى"، و"رأيت أرطًى"، و"مررت بأرطى".
فتنوينُه دليل على تذكيره وصرفِه.
فإن سمّيت به رجلًا، لم ينصرف للتعريف وشَبَهِ ألفِه بألف التأنيث، من حيثُ إنّها زائدةٌ، وإنها لا تدخل عليها تاءُ التأنيث؛ لأنّ العلمية تحظر الزيادةَ، كما تحظر النقصَ، فتقول: "هذا أرطَى مُقْبلًا"، من غير تنوين.
وقوله "لفظًا أو معنى" يريد باللفظ: أن يكون فيه علامةُ تأنيث في اللفظ، وإن لم يكن مسمّاه مؤئثا كـ "طلحةَ"، و"حمزةَ"، فإنّهما لا ينصرفان للتعريف ولفظِ التأنيث، وإن كان مسمَّى كل واحد منهما مذكرًا.
ويريد بالمعنى: أن يكون مسمّاه مؤنّثًا، وإن لم يكن فيه علامةُ تأنيث ظاهرةً، وإنمّا يقدَّر فيه علامةُ التأنيث تقديرًا، نحوَ: "هِنْدَ"، و"جُمَلَ"، و"سُعادَ"، و"زَيْنَبَ".
والذي يدل أنّ علم التأنيث مقدَّرٌ أنَّه يظهر في التصغرِ؛ فتقول: "هُنَيْدَةُ"، و"جُمَيْلَةُ"، فتظهر التاءُ.
فأمّا "زينب"، و"سعاد"، فإنّ تاء التأنيث لا تظهر في تصغيرهما, لأن الحرف الزائد على الثلاثة يتنزّل منزلةَ علم التأنيث.
ولو سمّيت رجلًا بـ "زينب، وسعاد"، لم تصرفهما أيضًا، لغلبةِ التأنيث على الاسم، فكذلك لو سمّيته بـ "عَناق"، لكان حكمُه حكمَ "سعاد" في غلبة التأنيث، فلا ينصرف.
وأمّا وزن الفعل فهو من الأسباب المانعة للصرف.
وهو فرعٌ, لأنّ البناء للفعل؛ إذ كان يخُصّه، أو يغلب عليه، فكان أوْلى به.
وجملةُ الأمر أن وزن الفعل على ثلاثة أضرب: وزنٌ يخصّ الفعلَ، لا يوجَد في الأسماء؛ وضربٌ يكون في الأفعال والأسماء، إلَّا أنّه في الأفعال أغلبُ؛ وضربٌ يكون فيهما من غير غلبةٍ لأحدهما على الآخر.
فالأولُ؛ نحوُ: "ضُرِبَ"، و"ضُورِبَ".
فهذان بناءان يخصّان الأفعالَ, لأنّه بناءُ ما لم يسمَّ فاعلُه، فلا يكون مثلُه في الأسماء، وإنما جاء "دُئِلُ"، وهو اسم قبيلةِ أبي

الأسْوَدَ 1، وقد تقدّم الكلام عليها في الأعلام.
فإذا سمّيت بـ "ضُرِبَ"، أو"ضُورِبَ"، لم ينصرف ذلك الاسم في المعرفة، للتعريف ووزن الفعل.
فلو خُفّف هذا الاسم، أعني "ضُرِبَ" ونحوهُ، بأن أسكنتَ عينَه، فقلت: "ضُرْبَ"، على حد قولهم في "كَتِفٍ": "كَتْفٌ"، بسكون التاء؛ فسيبويه، رحمه الله، يصرفه لزَوالِ لفظِ بناء الفعل 2. ولأبي العبّاس فيه تفصيلٌ ما أحسنَه! وهو: إن كان التخفيف قبل النقل والتسميةِ انصرف للزُوم الإسكان له، ومَصِيرِه إلى زنة الاسم، نحوِ: "قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"؛ وإن كان الإسكان بعد النقل والتسميةِ لم ينصرف، إذ الإسكان عارضٌ، بدليلِ جوازِ استعمال الأصل.
فالحركةُ وإن كانت محذوفة من اللفظ، فهي في حكمِ المنطوق بها.
ولو سمّيت بمثلِ "ردَّ"، و"شُدَّ"، و"قِيلَ"، و"بِيع"، لانْصرف.
لأنّ هذا إعلالٌ لازمٌ لرَفْضِ أصله، وهو عدمُ استعماله، فصار كأنّه لا أصلَ له غيرَ البناء الذي هو عليه.
والتحق "رُدَّ" و"شُدَّ" بـ "حُبّ"، و"دُرّ"؛ و"قِيلَ"، و"بيع" بـ "فِيلٍ"، و"دِيكٍ".
ومن ذلك "فَعَّلَ" مثلُ "ضَرَّبَ"، و"كَسَّرَ" بتضعيف العين؛ إذا سمّيت بشيء من ذلك لم ينصرف في المعرفة، للتعريف ووزِن الفعل.
وينصرف في النكرة، لزوالِ أحد السببَيْن، وهو التعريف؛ لأن هذا أيضًا بناءٌ خاصٌّ للفعل، لا حَظَّ فيه للأسماء.
وإنمّا وردت ألفاظٌ في الأعلام.
قالوا: "خَضَّمُ"، وهو اسمُ رجل، وهو خضّم بن عمرو بن كِلاب بن تميم.
قال الثماعر [من الرجز]: لولا الإلهُ ما سَكَنَّا خَضَّمَا... ولاظَلِلْنَا بالمَشائي قُيَّمَا 3 يريد بلاد "خضّم"، أي بلاد "بني تميم"؛ قالوا: "عَثرُ"، و"بَذرُ"؛ فـ "عَثَّرُ": اسم مكان، و"بذَّرُ" ماءٌ معروف.
قال الشاعر، وهو زُهَيْر [من البسيط]: 100 - لَيْثٌ بِعَثرَ يصطادُ الرجالَ إذا... ما كَذبَ اللَّيْثُ عن أقْرانِه صَدَقَا4

وقال الآخر، وهو كُثَيَّرٌ [من الطويل]: 1 - سَقَا الله أمْواهًا عَرَفْتُ مَكانَها... جُرابًا ومَلْكُومًا وَبذَّرَ والغَمْرا وهذه أعلامٌ؛ ولا اعتدادَ بالأعلام في الأبنية، وقد تقدّم شرحُ ذلك.
فأمّا "بَقَّمُ"، للنبت المصبوغ به، و"شَلَّمُ" لبيتِ المقدسِ؛ فهما أعجميّان (2). وأمّا الضرب الثاني؛ وهو ما يغلب وُجودُه في الأفعال، نحوُ: "أفْكَلٍ": وهو اسمٌ للرَّعْدَة، و"أيَدَعٍ": وهو صِبْغٌ، و"أرْمَلٍ"، و"أكْلُبٍ"، و"إِصْبَعٍ"، و"يَرْمَعٍ": وهي حجارةٌ دِقاقٌ تلمَع؛ و"يَعْمَلٍ": وهو جمع "يَعْمَلَةٍ"، وهي الناقةُ السريعةُ؛ و"يَلْمَقٍ": وهو من أسماء القَباء؛ فهذه الأبنيةُ في الأسماء، وإن كانت صالحةَ العدّةِ، فهي في الأفعال أعمُّ وأغلبُ, لأن في أوّلها هذه الزوائد، وهي تكثر في أوائلِ الأفعال المضارعة، فكأنّ البناء للفعل.
لذلك فـ "أفْكَلٌ"، و"أيْدَعٌ"، و"أرْمَلٌ"، بمنزلةِ "أذْهَبُ"، و"أشْرَبُ"، من الأفعال.
و"أكْلُبٌ" بمنزلةِ "أقْتُلُ"، و"أخْرُجُ".
و"إصْبَعٌ" بمنزلةِ "اعلَمْ "، و"اسْمَعْ " في الأمر، وفي المضارع فيمن يكسِر حرفَ المضارعة ما = متعلّقان بالفعل "كذب"، والهاء: ضمير متصل في محل جرَّ مضاف إليه.
"صدقا": فعل ماضٍ مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو.
والألف للإطلاق.
وجملة "ليث يصطاد": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يصطاد": في محلّ رفع خبر "ليث".
وجملة "كذّب": في محل جرّ مضاف إليه.
وجملة "صدقا": جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "بعثر" حيث جاء اسمًا ممنوعًا من الصرف على وزن الفعل "فَعَّل"، ويريد: ببلاد عثَّر.

عَدَا الياءَ.
و"يَرْمَعٌ"، و"يَعْمَلٌ"، و"يَلْمَقٌ" بمنزلةِ "يَذْهَبُ"، و"يَرْكَبُ".
فإذا سُمّي بشيء من ذلك، لم ينصرف في المعرفة، للتعريف ووزنِ الفعل.
لأنّه لمّا غلب في الفعل، كان البناءُ له؛ والأسماء دخيلةٌ عليه.
وأمّا الضرب الثالث، وهو البناء الذي يشترك فيه الأسماءُ والأفعالُ، وذلك بأن يسمَّى بمثلِ "ضَرَبَ"، و"عَلِمَ"، و"ظَرُفَ"؛ فإنّه منصرفٌ، معرفة كان أو نكرةً, لأنّه يكثر في الأسماء كثرتَه في الأفعال من غير غلبةٍ.
فنظيرُ "ضَرَبَ" في الأفعال من الأسماء "جَبَلٌ"، و"قَلَمٌ".
ونظيرُ "عَلِمَ": "كَتِفٌ"، وَ "رَجِلٌ".
ونظيرُ "ظَرُفَ": "عَضُدٌ"، وَ "يَقُظٌ".
وليس ذلك في أحدهما أغلبَ منه في الآخر، فلم يكن الفعلُ أوْلى به، فلم يكن سببًا.
وقد ذهب عيسى بن عمر إلى منعِ صرفِ ما سُمّي بشيء من ذلك، واحتجّ بقول الشاعر [من الوافر]: 1 - أنَا ابنُ جَلَا وطَلّاعُ الثَّنَايَا... متى أَضعِ العِمامةَ تَعْرِفُونِي

قال الروايةُ: "جَلَا"، من غير تنوين، وهو فعلٌ سُمي به أبوهُ.
وليس في ذلك حجّةٌ عند سيبويه 1، لاحتمالِ أن يكون سُمّي بالفعل، وفيه ضميرُ فاعلٍ، فيكون جملة؛ والجُمَلُ تُحْكَى إذا سُمّي بها، نحوَ "بَرَقَ نَحْرُهُ"، و"شَابَ قَرْنَاهَا"؛ أو يكون جملة غيرَ مسمًّى بها، في موضع الصفةِ لمحذوفٍ، والتقديرُ: "أنا ابنُ رجلٍ جَلَا"، كما قال [من الوافر]: 103 - كأنّك من جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ بينَ رِجْلَيْه بَشنِّ والمراد جَمَلٌ من جمال بني أقيش، فلا يكون منه على كِلا الوجهين حجّةٌ.
وأمّا الوصف فهو فرع على الموصوف، وهو علّةٌ في منع الصرف, لأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، كاحتياج الفعل إلى الفاعل.
فالموصوفُ متقدّمٌ على الصفة، كقولك: "مررت برجلٍ أسمرَ، وثَوْبٍ أحمرَ".
والصفةُ مشتقةٌ، كما أن الفعل مشتقٌّ، فكان فرعًا، كما أنّ الفعل فرعٌ.
فإذا انضمّ إليه سببٌ آخرُ، مَنَعَا الصرف، نحوَ: "أحْمَرَ"،2 = لموصوف محذوف.
وجملة الشرط استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تعرفوني": لا محل لها من الإعراب لأنّها جواب شرط جازم غير مقترن بالفاء أو بـ "إذا".
والشاهد فيه قوله: "أنا ابن جلا" حيث منعه الشاعِرُ من الصرف.

و"أصْفَرَ"، و"عَطْشانَ "، و"سَكْرانَ".
فـ "أحمرُ"، وشِبْهُهُ، لا ينصرف للصفة ووزنِ الفعل.
وكذلك لو صغّرته، لكان غيرَ منصرف أيضًا؛ لأنّ هذا الفعل قد صُغّر في التعجّب.
قال الشاعر [من البسيط]: 1 - يا ما أُمَيْلِحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لَنَا... من هؤُلَيائكُن الضالِ والسَّمُرِ وأمّا العَدْل فهو اشتقاقُ اسم عن اسم، على طريق التغيير له.
نحوُ اشتقاق "عُمَرَ" عن "عامِرٍ".
والمشتقُّ فرعٌ على المشتقّ منه.
والفرق بين العدل وبين الاشتقاق، الذي ليس بعدل، أنّ الاشتقاق يكون لمعنى آخر، أُخذ من الأول، كـ"ضارِب" من "الضَّرْبِ"؛ فهذا ليس بعدل، ولا من الأسباب المانعة من الصرف, لأنّه اشتُقّ من الأصل بمعنى الفاعل، وهو غيرُ معَى الأصل الذي هو"الضّرْبُ".
والعدلُ هو أن تريد لفظًا، ثمّ تعدِل عنه إلى لفظ آخر، فيكون المسموعُ لفظًا، والمرادُ غيره.
ولا يكون العدلُ في المعنى، إنما يكون في اللفظ، فلذلك كان سببًا, لأنّه فرعٌ على المعدول عنه.
فـ "عُمَرُ" عَلَمٌ معدولٌ عن "عَامِرٍ" عَلَمٍ أيضًا.
وكذلك "زُفَرُ" معدولٌ عن "زافرٍ" عَلَمٍ أيضًا.
وفي الأعلام

"زافرٌ"، وإليه تُنْسَب "الزافريّة"، و"الزافرُ" من "زَفرَ" الحِمْلَ "يَزْفِرُه" إذا حمله.
و"قُثَمُ" معدول عن "قاثمٍ" عَلَمًا، وهو منقول من "القاثم"، وهو اسمُ الفاعل من "قَثَمَ" إذا أَعطَى كثيرًا.
و"زُحَلُ" معدول عن "زاحلٍ"، سُمّي بذلك لبُعْده.
فهذه الأسماءُ كلّها معدولة.
ألا ترى أن ذلك ليس في أُصول النكرات.
و"فُعَل" يأتي على ضروبٍ منها ما ذكرناه من المعدول، ومنها أن يجيء جنسًا، نحوَ "صُرَدٍ"، و"نُغَرٍ"، و"سُبَدٍ" لطائر.
ويجيء صفةٌ كـ "حُطَمٍ".
قال الشاعر [من الرجز]: 1 - قد لَفَّها الليلُ بسَوّاقٍ حُطَمْ و"زُفَر" من قوله [من البسيط]: يَأْبَى الظُلامةَ منها النَّوْفَلُ الزُّفَرُ (2) ويجيء جمعًا نحوَ "ثُقْبَةٍ"، و"ثُقَبٍ"؛ و"رُطْبَةٍ"، و"رُطَبٍ".
فلو سُمّي بشيء من ذلك لانصرف، لأنه منقولٌ من نكرة.
واعتبارُ العدل من ضروب "فُعَلَ" بامتناعِ الألف واللام منه.
وعرفنا أنّة معدول أنّه ورد في اللغة غيرَ منصرفَ، وليس فيه من موانعِ الصرف سوى التعريف.
وكان "عُمَرُ" علمًا معدولاً عن "عامِرٍ" وصفًا، وهو مصروفٌ على أصلِ ما ينبغي أن يكون عليه الأسماءُ، و"عُمَرُ" لفظةٌ من لفظِ "عامر"، وهو غيرُ مصروف، فعُلم أن سببه مع التعريف كونُه مغيَّرًا عنه.

والمعدولُ بابُه السماعُ.
ألا ترى أنهم لم يقولوا في "مالِكٍ": "مُلَكُ"، ولا في "حارِثٍ": "حُرَثُ"، كما قالوا: "عُمَرُ"، و"زُفَرُ".
والمعدول على ضربَيْن: معرفةٌ، ونكرةٌ.
فالمعرفةُ قد تقدّم ذِكْرُها، وهو نحو "عمر"، و"زفر"، وهو من قبيل المرتجَل, لأنّه يُغير في حال العلميّة، فلو نكر لانصرف، نحوَ قولك: "مررت بزُحَلَ، وزحلٍ آخرَ؛ وعُمَرَ، وعُمَرٍ آخر"، لبَقائه بلا سبب؛ لأنه لمّا زال التعريفُ بالتنكير، زال العدلُ أيضًا؛ لأنه إنما كان عُدل عن معرفة علمٍ؛ فإذا نُكّر، لم يكن ذلك العَلَمُ مرادًا فانصرف.
وأمّا المعدول في حال التنكير، فنحو: "أُحَادَ"، و "ثُلَاثَ"، و"رُبَاعَ"، وما كان منها نكراتٍ، بد ليل قوله تعالي: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (1)، فـ "مثنى"، و"ثلاث"، و"رباع"، في موضع الصفة لـ "أجنحة"، وهي نكرةٌ.
قال الشاعر [من الطويل]: 106 - ولكِنَّما اْهْلِي بِواب أنِيسُهُ... ذِئابٌ تَبَغى الناسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ 1 فأجراه وصفًا لـ "ذئاب"، وهو نكرةٌ؛ وصفة النكرة نكرةٌ.
والمانع له من الصرف2 فاطر: 1.

على هذا الوصفُ، والعدلُ عن العدد المكرَّر.
فأمَّا الوصف فظاهرٌ؛ وأمّا العدل فالمرادُ بـ "مثنى": اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
وكذلك "ثُلاثُ"، و"رُباعُ"، فالعدلُ هنا يوجِب التكريرَ، فإذا قال: "جاء القومُ ثُلاثَ ورُباعَ"، فمعناه أنهم تحزَّبوا وقتَ المجِيء ثلاثةً ثلاثةً، وأربعةً أربعةً.
وقالوا: "مَوْحَدُ" كـ "مَثْنَى"، و"مَثْلَثَ".
فأمّا "مَثْلَثُ"، و"مَرْبَعُ" إلى العَقْد، فقياسٌ؛ ولم يُسْمَع.
ونظيرُ "ثُلاثَ"، و"رُباعَ" في الصفة والوزنِ "أُحَادُ" و"ثُنَاءُ"؛ وقد سُمِعَا.
قال الشاعر [من الوافر]: 1 - مَنَتْ لك أن تُلاقِينِي المَنايا... أُحادَ أُحادَ في شَهْرٍ حَلالِ وأمّا ما وراءَ ذلك إلى "عُشارَ"، فغيرُ مسموع، والقياسُ لا يدفعه، على أنّه قد جاء في شعر الكُمَيْت [من المتقارب]: 2 - [ولمْ يَسْتَريثُوكَ حَتَّى رمَيتَ... فوقَ الرجال] خِصالًا عُشارا

فإن سُمّي رجلٌ بـ "مَثْنَى"، و"ثُلاث"، و"رُباع" ونظائِرها، انصرف في المعرفة؛ فتقول فيه: "هذا مَثْنى وثُلَاثٌ" بالتنوين, لأنّ الصفة بالتسمية قد زالت؛ وزال العدلُ أيضًا لزَوالِ معنى العدد بالتسمية، وحَدَثَ فيه سببٌ آخر غيرُهما، وهو التعريف، فانصرف لبَقائه على سبب واحد.
فإن نكّرته بعد التسمية لم ينصرف، على قياسِ قول سيبويه: لأنّه أشبه حالَه قبل النقل.
وينصرف على قياسِ قول أبي الحسن؛ لخُلُوّه من سببٍ ألبتة.
وحُكي أن ابن كَيْسان قال: قال أهلُ الكوفة: "مَثْنَى"، و"مَوْحَدُ"، بمنزلة "عُمَرَ"، وإن هذا الاسم معرفةٌ، فإذا سمّيت به رجلاً لم ينصرف، كما لم ينصرف، "عمر" اسمُ رجل.
ولسائرِ المعدولة فصولٌ يأتي الكلامُ عليها هناك مفصَّلًا، إن شاءَ الله تعالى.
وأمّا الجمع المانع من الصرف، فهو كلُّ جمع يكون ثالثُه ألفًا وبعدها حرفان أو ثلاثةُ أحرف أوْسَطُها ساكنٌ، كـ "دَوَابَّ"، و"مَخَادَّ"، و"مَساجِدَ"، و"مَنابِرَ"، و"دَنانِيرَ"، و"مَفَاتِيحَ".
فكلُّ ما كان هذا النوع، فإنّه لا ينصرف نكرةً ولا معرفة.
قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ 1. وقال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ 3. فهذا الجمع، وما كان مثله ممّا فيه شَبَهٌ بالتصغير؛ ووجهُ الشبه بينهما أنّ ثالِثَه حرفٌ لين زائدٌ، وبعد الثالث مكسورٌ، كما أنّه في التصغير كذلك، فـ "دَراهِمُ" في الجمع كـ "دُرَيْهِم"، و"دَنَانِيرُ" كـ "دُنَيْنِيرٍ"، ليس بينهما فرقٌ إلا ضَمُّ أوّل الاسم المصغّر، وفتحُ أوّلِ هذا الجمع.
وهو غيرُ مصروف، والذي منعه من الصرف كونُه جمعًا لا نظير له في الآحاد، فصار بعدمِ النظير كأنّه جُمع مرّتَيْن؛ وذلك أن كل جمع له نظيرٌ من الواحد، فحكمُه 4 في التكسير والصرف كحكم نظيره.
فـ "كِلابٌ" منصرفٌ في النكرة والمعرفةِ, لأنّ نظيرَه في الواحد "كتابٌ"، و"إتان" كذلك، فلو كان "كِلابٌ" ممّا يُجْمَع، لكان قياسُ جَمْعه "كُلُبٌ"، على حدّ "كِتابٍ"، و"كُتُبٍ".
وكذلك باقي الجموع.
وهذا الجمعُ، أعني "مساجد"، و"دراهم" لما كان الجمعَ الذي ينتهي إليه الجموعُ، = الفاعل، والتاء: محلها الرفع.
"فَوْق": مفعول فيه ظرف مكان متعلّق بالفعل "رميت".
"الرجال": مضاف إليه مجرور بالكسرة "خِصالًا": مفعول به للفعل "رميت"."عشارًا": صفة لـ"خصالًا" وصفة المنصوب منصوبة مثله.
جملة "يستريثِوك": بحسب الواو.
وجملة "رميت": استئنافية لا محل لها.
والشاهد فيه أن "عُشار" المعدول عن "عَشرة" قد جاء في قول الكميت هذا.

ولا نظيرَ له في الآحاد، مكسَّرٌ على حدّه، صار كأنّه جُمع مرّتَيْن، نحوَ: "كَلْبٍ، وأَكْلُبٍ، وأَكالِبَ"؛و"رَهْطٍ، وأَرْهُطٍ، وأَرَاهِطَ".
وكُرّرت العلّةُ، وقامت مقامَ علّتَيْن كما قلنا فيَ ألف التأنيث.
وليس في الأسباب ما يمنع الصرفَ وحده، ويقوم مقامَ علّتين، سوى ألف التأنيث، وهذا الضرب من الجموع، فإذا كان هذا الجمع صحيحًا غيرَ معتَلّ، فإنّه غيرُ منصرف، نحو: "هذهَ مساجدُ ودراهمُ".
ويكون في موضع الجرّ مفتوحًا، فإن كان معتلًا بالياء، نحو: "جَوَارٍ"، و"غَوَاشٍ"، فإنّه ينوَّن في الرفع والجرّ، ويُفْتَح في النصب من غير تنوين، نحو: "هذه جوارٍ وغواشٍ"، و"مررت بجوارٍ وغواشٍ"؛ و"رأيت جَوارِيَ وغواشِيَ"؛ كما تقول: "رأيت ضواربَ".
وفيه مذهبان؛ أحدهما: قولُ الخليل وسيبويه أنّه لمّا كان جمعًا، والجمعُ أثقلُ من الواحد، وهو الجمعُ الذي ينتهي إليه الكثرةُ على ما تقدّم، نحو"أكالِب"، و"أَراهِطَ"، و"أَشافٍ"، وكان آخِرُه ياء مكسورًا ما قبلها، وكانت الضمّةُ والكسرةُ مقدَّرتَيْن فيهما، وهما مستثقَلتان، وذلك ممّا يزيده ثقلًا، فحذفوا الياء حذفًا تخفيفًا، فلمّا حذفوا الياء، نقص الاسمُ عن مثال "مَفَاعِل"، فدخله التنوينُ، على حدِّ دخوله في "قِصَاعٍ"، و"جِفَانٍ" لأنّه صار على وَزْنه؛ والذي يدلّ على ذلك أنك إذا صِرْت إلى النصب لم تحذف الياء، لخفّةِ الفتحة، ولأنّهم لما حذفوا الياء في الرفع والجرَّ، ودخله التنوينُ، وافَقَ المفردَ المنقوصَ، فصار قولُك: "هذه جوارِ وغواشٍ"؛ و"مررت بجوارٍ وغواشٍ"، كقولك: "هذا قاضٍ"، و"مررت بقاضٍ"، أرادوا أن يوافقه في النصب، لئلّا يختلف حالاهما.
وذهب أبو إسحاق الزجّاجُ إلى أنّ التنوين في "جوارٍ"، و"غواشٍ" ونحوه، بدلٌ من الحركة الملقاة عن الياء في الرفع والجرَّ لثِقلهما؛ ولمّا دخل التنوينُ، عوضًا على ما ذكرنا، حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، سكونها وسكون التنوين بعدها، على ما قلنا في: "قاضٍ"، و"غازٍ".
ولا يلزم ذلك في النصب، لثُبوت الفتحة، وهذا الوجهُ فيه ضعفٌ، لأَنّه يلزم أن يُعوَّض في نحوِ: "يَغْزُو"، و"يَرْمِي".
فإن قيل: إن الأفعال لا يدخلها تنوينٌ، فلذلك لم يعوّضوا في: "يغزو"، و"يرمي".
فالجواب: إن الأفعال إنّما يمتنع منها تنوينُ التمكين، وهو الدالُّ على الخفّة؛ فأمّا غير ذلك من التنوين فإنّه يدخلها.
ألا ترى إلى قوله [من الوافر]: وقُولِي إنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصابَنْ 1

وقولِه [من الطويل]: 1 - ألا أَيُّهَا الليْلُ الطويلُ ألا انْجَلِنْ... [بصُبْحٍ وما الإصباحُ مِنْكَ بأَمْثَلِنْ] وقولِ العَجّاج [من الرجز]: 2 - [ما هاجَ أحْزانًا وشَجْوّا قد شجا]... مِن طَلَلٍ كالأَتْحَمِى أَنْهَجَنْ وتنوينُ "جوارٍ" و"غواشٍ" ليس بتنوينِ تمكين، إنّما هو عوضٌ؛ فلا يمتنع من الأفعال، كما لا يمتنع تنوينُ الترنُّم.

وكان يُونُسُ، وعِيسَى، وأبو زيد، والكسائيُّ، فيما حكاه أبو عثمان، ينظرون إلى "جوارٍ"، ونحوه من المنقوص؛ فكلّ ما كان له نظيرٌ من الصحيح مصروفٌ، صرفوه؛ وما لم يكن نظيرُه مصروفًا، لم يصرفوه، وفتحوه في موضع الجرّ، كما يفعلون في غيرِ معتلّ 1، ويسكنونه في موضع الرفع خاصةً.
قال الفَرَزْدَق [من الطويل]: 111 - ولَوْ كان عبدُ الله مَوْلًى هَجَوْتُهُ... ولكن عبدَ الله مولَى مَوالِيَا ففتح في موضع الجرّ، وهو قول أهلِ بغداد؛ والصرفُ قولُ الخليل، وسيبويه 3، وأبي عمرو بن العَلاء، وابن أبي إسحاق، وسائرِ البصريّين.
فأمّا قول صاحب الكتاب: "وحَضاجِرُ، وسَراوِيلُ، في التقدير جمعُ حِضجْر، وسِرْوالَةٍ"، فإشكالٌ أورده على نفسه, لأنّه قد تقدّم من قاعدةِ هذا الباب أن يكون جمعًا لا نظيرَ له في الآحاد؛ و"حضاجرُ" على زنةِ "دَراهِمَ"، و"سَواهِمَ": الضَّبُع 4 مفردٌ.
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: هَلاَّ غَضِبْتَ لرَحْلِ جا.... رِك إذ تُجرَّده حَضاجِرْ 52

و"سراويلُ": اسمٌ مفردٌ لهذا اللباس، فكأنّ في ذلك هَدْمَ هذه القاعدة، بإيرادِ نظير لهذا الجمع من الآحاد، ثّم انفصل عنه بأن قال: "أمّا حضاجرُ، فجمعٌ عند سيبويه، سُميت به الضبعُ"؛ وهو معرفةٌ، والمعارفُ من أسماءِ المُدُن والناسِ، قد سُمّي بالجموع، نحوَ قولهم للقبيلة: "كِلابٌ"، وقالوا: "المَدائنُ" لموضع معروف، وهو كثير.
فواحدُ "حضاجر": "حِضجْز"، وقد تقدّم الكلام عليه.
وأمّا "سراويل" فهو عند سيبويه 1، والنحويّين، أعجميٌّ وَقَعَ في كلام العرب، فوافق بناؤه بناء ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرةٍ؛ وهو"قَنادِيلُ"، و"دَنانيرُ".
قال الشاعر، وهو ابن مُقْبِل [من الطويل]: 112 - يُمَشي بها ذَبُّ الرَّيادِ كأنّه... فَتى فارِسيٌّ في سراويلَ رامِحُ ويروى: "أتَى دُونها ذلك الرياد"، هكذا أنشده صاحب الصَّحاح 3. قوله: "ذبُّ الرياد": الثورُ الوحشيُّ.
والمراد: فتى فارسيٌّ رامحٌ في سراويل.
ومن الناس من يجعله جمعًا لـ "سِرْوالَةٍ"، وهي قطعةُ خِرْقَةٍ منه، كـ "دَخارِيصَ"، وأنشدوا [من المتقارب]: 113 - عليه من اللُّؤْم سِرْوالَةٌ... فليس يَرِقُّ لِمُستعْطِفِ24

فيكون كـ "عِثْكالَةٍ"، و"عَثاكيلَ"، وهو رأيُ أبي العَباس.
ويضعف من جهة المعنى, لأنه لا يريد أن يكون عليه من اللؤم قطعةٌ، وإنِّما هو هَجْوٌ، والسراويلُ: تمامُ اللباس، فأراد أنّه تامُّ التَّرَدِّي باللؤم.
قال أبو الحسن: من العرب من يجعله واحدًا، فيصرفه، والسماعُ حجّةٌ عليه.
قال أبو عليّ: الوجه عندي أن لا ينصرف في النكرة, لأنّه مؤنّث علي بناءٍ لا يكون في الآحاد، فمن جعله جمعًا، فأمره واضحٌ؛ ومن جعله مفردًا، فهو أعجمىٌّ، ولا اعتدادَ بالأبنية الأعجمية.
وأمّا التركيب فهو من الأسباب المانعةِ من الصرف، من حيث كان المركَّبُ فرعًا على الواحد، وثانيًا له, لأنّ البَسِيط قبل المركب، وهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون من اسمَيْن، ويكون لكلّ واحد من الاسمين معنًى، فيكون حكمُهما حكمَ المعطوف أحدهما على الآخر؛ فهذا يستحقّ البناء لتضمُّنه معنى حرف العطف، وذلك نحو: "خمسَة عشرَ"، وبابِه.
ألا ترى أن مدلولَ كل واحد من الخمسة والعشرة مرادٌ؛ كما لو عطفت أحدهما على الآخر، فقلت: "خمسةٌ وعشرة"، فلمّا حذفتَ حرف العطف، وتَضمّن الاسمان معناه، بُنِيَا كما بُني "كَيْفَ"، و"أَيْنَ"، لما تضمّنا معنى همزة الاستفهام: وكما بُني "مَنْ" حين تضمّن معنى حرف الجزاء، وهي "إن".
وأمّا القِسم الثاني، وهو الداخل في بابِ ما لا ينصرف، فهو أن يكون الاسمان كشيء واحد، ولا يدلّ كلُّ واحد منهما على معنى، ويكون موقع الثاني من الأوّل موقعَ هاء التأنيث.
فما كان من هذا النوع، فإنّه يجري مجرى ما فيه تاء التأنيث، من أنّه لا ينصرف في المعرفة، نحو"حَضْرَمَوْتَ"؛ تقول: "هذا حضرموتَ"، و"مررت بحضرموتَ"، فلا ينصرف؛ لأنّه معرفة مركَبٌ، والاسمُ الثاني من الصدر بمنزلةِ تاء =وشرح التصريح 2/ 212؛ وشرح شافية ابن الحاجب 1/ 270؛ وشرح شواهد الشافية ص. 100؛ ولسان العرب 11/ 334 (سرل)؛ والمقتضب 3/ 346؛ وهمع الهوامع 1/ 15. اللغة: السروالة: قطعة، أو خرقة.
اللؤم: شُحُّ النفس ودناءة الآباء.
المعنى: يريد أنّه رجل لئيم لا يَحِنُّ قلبه على أحد وإن كان ضعيفًا طالبًا العطف.
الإعراب: "عليه": جار ومجرور متعلقان بالخبر المقدم.
"من اللؤم": جار ومجرور متعلقان بحال من "سروالة".
"سروالة": مبتدأ مؤخر "فليس": الفاء: حرف استئناف، "ليس": فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: هو.
"يرق": فعل مضارع مرفوع، فاعله مستتر تقديره: هو.
"لمستعطف": جار ومجرور متعلقان بـ "يرق".
جملة "عليه سروالة": ابتدائية لا محل لها، من الإعراب، وجملة "ليس يرق" استئنافية لا محل لهما من الإعراب، وخبر "ليس" محلها النصب.
والشاهد فيه: أن "السراويل" عربيٌ، وهو جمع سروالة.

التأنيث ممّا دخلت عليه.
ألا ترى أنّك تفتح آخرَ الأول منهما، كما تفتح ما قبل تاء التأنيث؛ فإن نكرته صرفته، تقول: "هذا حضرَموتُ وحضرَموتٌ آخَرُ"، منعتَ الأولَ الصرفَ؛ لأنّه معرفةٌ، وصرفتَ الثاني؛ لأنه لماّزال التعريفُ، بقيت علّةٌ واحدةٌ، وهو التركيبُ، فانصرف، وفُتح الاسم الأوّل للتركيب.
وينزل الثاني من الأوّل منزلةَ تاء التأنيث، ويمتنع الثاني من الصرف للتركيب والتعريف.
وكلُّ ما كان من ذلك، كان على ما ذكرنا مع منع الصرف.
ويجوز فيه إضافةُ الأوّل إلى الثاني، فإذا أضفت، أعربت الأوّل بما يستحقّه من الإعراب؛ ونظرت في الثاني، فإن كان ممّا ينصرف، صرفته؛ وإن كان ممّا لا ينصرف، لم تصرفه.
فتقول فيما يضاف إلى المنصرف: "هذا حَضْرُمَوْتِ وبَعْلُ بَك"؛ وإن أضفت إلى ما لا ينصرف، قلت: "هذا رَامُ هُرْمُزَ ومارُ سَرْجِسَ"، و"رأيت رامَ هرمزَ ومارَ سرجسَ"؛ و"مررت برامِ هرمزَ وبمارِ سرجسَ".
قال جَريرٌ [من الوافر]: 1 - لَقِيتُم بالجَزِيرَة خَيْلَ قَيْسٍ... فَقُلْتُم مارَ سَرْجِسَ لاقِتالَا أنشد على قول من أضاف.
فمن لم يضف يقول: "مارَ سرجسُ" بالضمّ, لأنّه يجعله كالاسم الواحد حكمًا؛ يقول: "يا مارَسرجسُ".
وأمّا "مَعْدِيكرِبُ" ففيه الوجهان؛ التركيب والإضافة.
فإن ركّبتهما، جعلتهما اسمًا واحدًا، وأعربتهما إعراب ما لا ينصرف، فتقول: "هذا معديكربُ"، و"رأيت معديكربَ"، و"مررت بمعديكربَ"، كما تقول: "هذا طلحةُ"، و"رأيت طلحةَ"، و"مررت بطلحةَ".
وإذا أضفت، كان لك في الثاني منعُ الصرف، وصرفُه.
فإذا صرفته اعتقدت فيه

التذكيرَ، وإذا منعته الصرفَ، اعتقدت فيه التأنيثَ؛ فتقول في المنصرف: "هذا معدِي كرب"، و"رأيت معدِي كربٍ"، و"مررت بمعدِي كرب"، كما تقول: "هذا غلامُ زيد"، و"رأيت غلام زيد"، و"مررت بغلامِ زيدٍ".
وتقول في غير المنصرف: "هذا معدِي كربَ"، و"رأيت معدِي كربَ"، و"مررت بمعدِي كربَ"، كما تقول: "هذا غلامُ زَيْنَبَ"، و"رأيت غلامَ زينبَ"، و"مررت بغلام زينبَ".
واعلم أنّ في "معديكرب" شذوذَيْن: أحدهما: من جهة البِنْية؛ لأنهّم قالوا: "مَعْدِي"، بالكسر، على زنة "مَفْعِل"، والقياسُ "مَفْعَلٌ"، بالفتح، نحو: "المَرْمَى"، و"المَغْزَى".
وما اعتلّت فاؤه يجيء المكان منه على "مَفْعِلٍ"، بالكسر، نحو: المَوْرِد، و"المَوْضِع"؛ فهذا وجهٌ من الشذوذ.
والوجه الثاني: سكونُ الياء من "معديكرب"، وهو في موضع حركة؛ ألا ترى أنك إذا ركّبت فقلت: "هذا معديكربُ"، كانت الياء بإزاء الراء من "حَضْرَمَوْتَ"، واللام من "بَعْلبَك"، وكِلاهما مفتوحٌ.
وإذا أضفت كان ينبغي أن تُسكَّن في موضع الرفع والجرّ، وتفتح في موضع النصب، كما في سائر المنقوصة من نحو: "هذا قاضي زيد"، و"مررت بقاضي زيد"، و"رأيت قاضِيَ زيد".
ولم يجز الأمرُ في "معديكرب" كذلك، بل سكنت في حال النصب، كما سكنت في حال الرفع والجرّ؛ وذلك لأتهم شبّهوها في حال التركيبِ وحصولها حشوا بما هو من نفس الكلمة، نحو الياء في "دَرْدَبيسٍ"؛ 1، والياء في "عَيْضَمُوزٍ" 2. قال الخليل: شبّهوها بالألف في "مَثنَى"، و"مَعْنًى"؛ وأمّا في حال الإضافة، فسكنوها أيضًا تشبيهًا لها بالمركّبة، للزوم هذا الاسم الإضافة؛ ولأنهّم لما سكّنوها في المركّب، وهو موضعٌ لا تكون 3 فيه إلاّ مفتوحةٌ، سكنوها ها هنا, لأنه موضعٌ قد تسكن فيه؛ ألا ترى أنّها قد تسكن في الرفع والجرّ، فحُمل النصب في مثل هذا على الرفع والجرّ، لجواز إسكانه في ضرورة الشعر، حملًا على المرفوع والمجرور، تشبيهًا لها بالألف.
فاعرفه.
وأمّا العُجْمَة، فإنها من الأسباب المانعة من الصرف, لأنّ المعجمة دخيلةٌ على كلام العرب؛ لأنّها تكون أوّلاً في كلام العجم، ثمّ تُعرَّب، فهي ثانيةٌ له، وفرعٌ عليه.
واعلم أن قولهم: "المعجمة"، ليس المراد منه لغة فارِسَ لا غيرُ، بل كلَّ ما كان خارجًا عن كلام العرب، من رُومٍ ويُونانَ وغيرهم.
وتنقسم العجمةُ إلى قسمين: أحدهما: ما عُرّب من أسماء الأجناس، فنُقل إلى العربي جنسًا شائعًا، واستُعمل استعمالَ الأجناس، فجرى مجرى العربيّ، فلا يكون من أسباب منعِ الصرف.
واعتباره

بدخول الألف واللام عليه، وذلك كـ "الإبْرِيسَم"، و"الديباج"، و"الفِرِنْد"، و"اللجام"، و"الإِستبْرَق"، فهذا النوعُ من الأعجميّ جارٍ مجرى العربيّ، يمنعه من الصرف ما يمنعه، ويُوجبه له ما يوجبه.
والثاني: من المعرَّب ما نُقل عَلَمًا، نحو: "إسحاق"، و"يَعْقُوبَ"، و"فِرْعَوْنَ"، و"هَامَانَ"، و"خُتْلُخَ"، و"تَكِينَ"؛ فهذه في لغتها الأعجميّة أعلامٌ، والأعلامُ معارفُ، والمعرفةُ أحدُ الأسباب المانعة من الصرف، وقد عُرّبت بالنقل، فزادها ذلك ثِقلًا.
والأسماء الأعجميّة تُعْرَف بعلاماتٍ؛ منها: خروجها عن أبنية العرب، نحو: "إسماعيل"، و"جِبْرِيلَ".
ومنها: مُقارَبَةُ ألفاظِ العجم، إلَّا أنها غُيرت إلى المُعْرَبة، نحو: "أَبْرَاهام" إذ قالوا: "إِبْراهِيمُ" على الإخلاص.
ومنها: تركُ الصرف، نحو: "إبْلِيسَ"، ولو كان عربيًّا لانصرف.
ومن زعم أنّه من "أَبْلَسَ"، إذا يَئِسَ، فقد غلط؛ لأنّ الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجميّة.
وأمّا الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث، فهي من الأسباب المانعة من الصرف، من حيث كانتا زائدتَيْن، والزائدُ فرغٌ على المَزِيد عليه.
وهما مع ذلك مضارعتان لألفي التأنيث، نحو: "حَمْراءَ"، و"صَحراءَ"، والألف في "حمراء" و"صحراء" يمنع الصرفَ، فكذلك ما أشبَهه، وذلك نحو: "عَطْشانَ"، و"سَكْرانَ"، و"غَرْثان"، و"غَضْبانَ"، واعتبارُه أن يكون "فَعْلَانَ"، ومؤنّثُه "فَعْلَى"، نحو قولك في المذكّر: "عَطْشانُ"، وفي المؤنّث: "عَطْشَى"، و"سَكْرانُ"، وفي المؤنّث: "سَكْرَى"، و"غَرْثانُ"، وفي المؤنّث: "غَرْثَى"؛ لا تقول: "سَكْرانَة"، ولا "عطشانة"، ولا "غرثانة" في اللغة الفُصْحَى.
وإنّما قلنا: "فَعْلَانُ"، ومؤنّثه "فَعْلَى"، احترازًا من "فَعْلَان" آخر، لا "فَعْلَى" له في الصفات.
قالوا: "رجل سَيْفان"، للطويل الممشوقِ؛ وقالوا: "امرأة سَيفانةٌ"، ولم يقولوا: "سَيْفَى"، وقالوا: "رجلٌ نَدْمانٌ"، و"امرأة ندمانةٌ"، ولم يقولوا: "نَدْمَى".
فهذا ونحوه مصروفٌ لا محالة.
ووجه المضارعة بين الألف والنون في "سكران" وبابه، وبين ألفي التأنيث في: "حمراء"، و"قصباء"؛ أنهما زِيدتَا زَيْدًا معًا، كما أنّهما في "حمراء" كذلك؛ وأنّ الأوّل من الزائدَيْن في كل واحد منهما ألفٌ؛ وأنّ صيغة المذكّر فيهما مخالفةٌ لصيغة المؤنّث؛ وأنّ الآخر من كلّ واحد منهما يمتنع من إلحاق تاء التأنيث.
فكما لا تقول في "حمراء"، و"صفراء": "حمراءةٌ، وصفراءةٌ"، كذلك لا تقول في "عطشان": "عطشانةٌ"، ولا في: "غضبان": "غضبانةٌ".
بل تَقول في المؤنّث: "غَضْبَى"، و"عَطْشَى".
وقولنا: "في اللغة الفُصْحَى" احترازٌ عمّا رُوي عن بعض بني أسدٍ: "غضبانةٌ"، و"عطشانةٌ"، فألحق النون تاء التأنيث، وفرق بين المذكّر والمؤنث بالعلامة، لا بالصيغة.

وقياس هذه اللغة الصرف في النكرة كـ "ندمانٍ"، فتقول: "هذا عطشانٌ"، و"رأيت عطشانًا"، و"مررت بعطشانٍ".
وأمّا الأعلام، نحو: "مَرْوانَ"، و"عَدْنانَ"، و"غيْلانَ"، فهي أسماءٌ لا تنصرف للتعريف وزيادة الألف والنون.
واعلم أن هذه الألف والنون في هذه الأعلام، وما كان نحوها، محمولاتٌ على باب "عطشانَ"، و"سكران"، لقُرْب ما بينهما، ألا ترى أنّهما زائدتان كزيادتهما، وأنه لا يدخل عليها تاءُ التأنيث؛ لا تقول: "مروانةْ"، ولا "عدنانةٌ"، لأن العلمية تحظُر الزيادة، كما تحظر النقص.
وليس المانعُ من الصرف كونه على زنةِ "فَعْلَان"، ألا ترى أنّ "عُثْمان"، و"ذُبْيان"، و"سُفْيان" حكمها حكم "عَدْنان "، و"غَيْلان".
فإن قيل: فأنت تقول: "سَلْمان"، و"سَلْمَى"، فهلّا كان كـ "عَطْشان"، و"عطْشى" قيل: ليس "سلمان، وسلمى"، من قبيل "عطشان، وعطشى"؛ إنّما ذلك من قبيلِ تَلاقِي اللغة، وأمرٌ حصل بحكم الاتّفاق، لا أئه كان مقصودًا.
وقد كثرت زيادة الألف والنون آخرًا على هذا الحدّ، فإن جُهل أمرُها في موضعٍ، قُضي بزيادة النون فيه، إلى أن تقوم الدلالةُ بخلافه؛ فإن سمّيت رجلًا بـ "سِرْحانٍ"، أو امرأةً، منعتَه الصرف؛ لانّه صار حكمه حكمَ "عَدْنانَ"، و"ذُبْيانَ".
فإن نكّرته، انصرف لا محالةَ.
فإن سمّيت بـ "رُمّانٍ"؛ فسيبويه والخليلُ لا يصرفانه 1، ويحكمان على الألف والنون بالزيادة، حملًا على الأكثر؛ وأبو الحسن يصرفه، ويحملها على أنّها أصلٌ، وحجّته أنّه قد كثُر في النَّبات "فُعَّالٌ"، نحو: "سُمّاقٍ"، و"حُمّاضٍ"، و"عُنّابٍ"، و"جُمّارٍ".

وقوله: "إلَّا إذا اضُطر الشاعر فصرف"؛ يعني أنّ الاسم إذا اجتمع فيه سببان من الأسباب التسعة، امتنع من الصرف، ولم يجز صرفُه، إلا في ضرورة الشعر، فإنّ ضرورة الشعر تُبيح كثيرَا ممّا يحظره النَّثْرُ، واستعمالَ ما لا يسوغ استعمالُه في حال الاختيار والسعة.
فجميعُ ما لا ينصرف يجوز صرفُه في الشعر لإتمام القافية، وإقامة وزنه 2 بزيادة التنوين.
وهو من أحسن الضرورات, لأنّه رَدٌّ إلى الأصل، ولا خِلافَ في ذلك، إلَّا ما كان في آخره ألفُ التأنيث المقصورةُ، فإنّه لا يجورُ صرفه للضرورة, لأنّه لا ينتفع بصرفه لأنّه لا يسُدّ ثُلْمَة في البيت من الشعر، وذلك أنك إذا نوّنت مثلَ "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، فقلت: "حُبْلى"، و"سَكْرى"، فتحذف ألف التأنيث لسكونها، وسكون التنوين، بعدها، فلم يحصل بذلك انتفاعٌ, لأنّك زدتَ التنوين، وحذفت الألف، فما ربحت إلَّا كَسْوَ قياسٍ، ولم تَحظَ بفائدة.
واعلم أنّك إذا نوّنت اسمًا غير منصرف ضرورةً، جررته أيضًا؛ لأنّك تردّه إلى

أصله، فتحرِّكه بالحركات الثلاث التي تنبغي له، نحو قوله [من الطويل]: 1 - إذا ما غَزَوْا بالجَيْش حَلَّقَ فَوْقَهم... عَصائبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بعَصائبِ فخفض "عصائبَ" لمّا ردّها إلى أصلها.

قال صاحب الكتاب: أما السبب الواحد, فغير مانع أبداً, وما تعلَّق به الكوفيون في إجازة منعه في الشعر ليس بثبت.
قال الشارح: السبب الواحد لا يمنع الصرفَ في حال الاختيار والسعةِ.
وقد أجاز الكوفيون، والأخفش، وجماعةٌ من المتأخِّرين البصريين؛ كأبي عليّ، وابن بُرْهان وغيرهما، تركَ صرف ما ينصرف.
وأباه سيبويه، وأكثر البصريين.
وقد أنكر المنعَ أبو العَبّاس المبرّدُ، وقال: "ليس لمنعِ الصرف أصلٌ يُرَدّ إليه"، وقد أنشد من أجاز ذلك أبياتًا صالحةَ العدة.
قال عبّاس بن مِرْداس [من المتقارب]: 2 - فما كان حِصْنٌ ولا حابِسٌ... يَفُوقان مِرْداسَ في مَجْمَعِ

فلم يصرف "مرداسًا"، وهو أبوه.
ومن ذلك قول ذي الإِصبع 1 العَدْواني [من الهزج]: 117 - ومِمَّن ولدُوا عامرُ... ذو الطُّولِ وذُو العَرْضِ ولم يصرف "عامرًا".
وأنشدوامن مجزوء الوافر]: 118 - ومُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمرُ... أَكْبَرُها وأَطْيَبُها إلى أبياتٍ أُخَر غير هذه، جاءت في أشعار العرب أضعافَ ما ذكرناه.
وقد تَأوَّلها أبو العبّاس، ورَوَى شيئًا منها على غير ما رووه.
فأمّا بيتُ عبّاس فإنّ الرواية الصحيحة:23 = المعنى: ليس أبو حصن والأقرع أفضل وأعظم شأئا من أبي، فقد كنت الأعز.
الإعراب: "فما": الفاء: بحسب ما قبها، "ما": نافية لا عمل لها.
"كان": فعل ماضٍ ناقص.
"حصن": اسمها مرفوع بالضمة.
"ولا": الواو عاطفة، "لا": حرف زائد لتأكيد النفي.
"حابس": اسم معطوف على حصن.
"يفوقان": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف فاعل.
"مرداس": مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
"في مجمع": جار ومجرور متعلقان بالفعل "يفوقان".
وجملة "ما كان حصن ولا حابس يفوقان": بحسب ما قبلها.
وجملة "يفوقان": خبرية في محل نصب.
والشاهد فيه قوله: "مرداس" حيث منع من الصرف للضرورة الشعريّة.

"يفوقان شَيْخِيَ في مجمع"؛ وشيخُه: هو مرداسٌ.
وإن صحّت روايتهم، فإنّه جعله قبيلةً لتقدُّمه، وكثرةِ أشياعه.
وأمّا "عامرُ ذو الطول" فأبو القبيلة، ويجوز أن يكون جعله القبيلة نفسها، فلم يصرفه، ثم ردّ الكلامَ في الصفة إلى اللفظ.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ 1، صرف الأول؛ جعله أبا القبيلة، ومنعه الصرفَ ثانيًا؛ لأنّه جعله نفس القبيلة.
وأمّا قوله مُصْعَبُ: "حين جدّ الأمر"، فإنّ الرواية الصحيحة: "وأَنْتُمْ حينَ جدّ الأَّمر".
وإن صحّت تلك الروايةُ، حمله على إرادة القبيلة.
وكان أبو بكر بن السَّرّاج يقول: "لو صحّت الرواية في ترك صرف ما ينصرف 2، ما كان بأبعد من قوله [من الطويل]: 119 - فبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَه قال قائلٌ... لِمَن جَمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ نَجِيبُ إنما هو"فبَيْنَا هو"، فحذف الواو من "هُوَ"، وهي متحرّكةٌ، من نفس الكلمة؛ وإذا جاز حذفُ ما هو من نفس الحرف، كان حذف التنوين، الذي هو زيادةٌ، للضرورة أولى.
والذي ذكره ابن السرّاج لا أراه؛ لأن التنوين حرفٌ دخل لمعنى، فإذا حُذف، أَخَلَّ بذلك المعنى.
وليس كذلك ما هو من نفس الكلمة؛ ألا ترى أنَّه لمّا اجتمع التنوين مع ياء3

المنقوص، في مثل "قاضٍ"؛ ومع المقصور في مثل "عَصًا"، واقتضت الحال حذف أحدهما، حذف لام الكلمة، وبقي التنوين: لأن حذف التنوين ربّما أوقع لَبْسًا, وليس كذلك حذف الواو من قوله: "فبيناه يشري رحله".
واعلم أن النصوص الواردة في هذا الباب ليس ردُّها بالسَّهْل.
والمذهبُ فيه منعُ صرف المنصرف من الأسماء، إذا كان فيه علّةٌ واحدةٌ من العِلَل التسع؛ حتّى لو اجتمع معها علّةٌ أخرى، امتنع من الصرف في حال الاختيار والسعةُ.
فللضرورة اعتُبر مُطْلَقُ الثِّقَل.
وفي حال الاختيار اعتُبر ثقلٌ مخصوصٌ.
فإذا أعتبرت النصوص الواردة في هذا الباب، كان أكثرها أعلامًا معارف، فامتنع الصرفُ للضرورة بسبب واحد من سببَيْن.
فلو جاء مثل "رجل"، و"فرس" وأريد منعُه الصرفَ للضرورة، لم يجز عندي.
فأمّا صاحب الكتاب فإنّه اختار منعَ جوازِ صرفِ ما ينصرف في الضرورة، وهو مذهب سيبويه، والأكثر من البصريين، وقد ذكرتُ حجّتهم في ذلك.

قال صاحب الكتاب: "وما أحد سببيه, أو أسبابه, العلمية؛ فحكمه الصرف عند التنكير, كقولك: "رُبَّ سعادٍ, وقطامٍ" لبقائه بلا سبب, أو على سبب واحد".

قال الشارح: قد ذكرنا أنّ العَلَميّة أحدُ الأسباب المانعة من الصرف، من حيث كان التعريفُ فرعًا، والتنكير أصلًا، على ما مضى.
والعلميّةُ تجامع ستّةَ أسباب من موانعِ الصرف: أحدُها: العجمة، في مثل "إبراهيم"، و"إسماعيل"، و"إسحاق"، و"يعقوب"، فهذه الأسماء لا تنصرف للتعريف والعجمة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ 1. وقال عَزَّ من قائلٍ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ 2 الثاني: وزنُ الفعل، نحو: "يَزِيدَ"، و "تَغْلِبَ"، و"يَشْكُرَ"، و"يَغمَرَ"، و"خَضَّمَ"، و"ضُرِبَ"، إذا سُمي به، فهذا، وما كان مثله، لا ينصرف، للتعريف ووزن الفعل.
الثالث: العدلُ، في مثل: "عُمَرَ"، و"زُفَرَ"، و"حَذَامَ"، و"قَطَامَ"، عُدل من "عامِرٍ"، و"زافِرٍ"، و"حاذِمَةَ"، و"قاطِمَةَ"، أعلامًا.
الرابع: زيادةُ الألف والنون، في نحو: "عُثْمانَ"، و"ذُبْيانَ"، و"سَلْمانَ"، و"عَدْنانَ"، فهذا لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون.
الخامس: التركيب، نحو: "بَعْلَبَك"، و"مَعْدِيكَرِبَ"، و"رَامَ هُرْمُزَ"، وما كان مثلها، ممّا جُعل الاسمان فيه اسمًا واحدًا؛ فهذه الأسماءُ لا تنصرف للتعريف والتركيب.

السادس: التأنيث، في مثل: "طَلْحَةَ"، و"حَمْزَةَ"، و"سُعادَ"، و"قَطَامَ"، فهذه لا تنصرف للتعريف والتأنيث؛ فالتانيثُ في نحو: "طلحة"، و"حمزة" بالتاء، وفي "سُعادَ" بتقدير التاء، إلَّا أنه لا يظهر لكون الحرف الزائد على الثلاثة ينزل منزلة علامة التأنيث، ولذلك يتعاقبان، إلَّا فيما لا يُعْتدّ به؛ وذلك في تصغير "وَراء"، و"قُدّامٍ"، فقد قيل: "وُرَئئَةْ"، و"قُدَيْدِيمَةٌ"، وهو قليل.
وأمّا "سَقَرُ"، وما كان مثله، فإنّ حركة عينه قامت مقامَ الحرف الرابع على ما سنذكر.
فهذه الستّة إحدى علّتَيْها: التعريف.
فإذا نُكرت، زالت إحدى العلّتَيْن، وهو التعريف، فبقيت علّةٌ واحدةٌ، فينصرف، فتقول: "هذا إبراهيمُ وإبراهيمٌ آخر، وأحْمَدُ وأحمدٌ آخرُ، وعُمَرُ وعمرٌ آخر، وعثمانُ وعثمانٌ آخر"، وهذا بعلبكُّ وبعلبكُّ آخرُ"، وهذا حمزةُ وحمزةٌ آخر".

وقوله: "نحو رُبَّ سُعادٍ وقَطامٍ، لبقائه بلا سبب، أو على سبب واحد"؛ فالمراد أنّ "سعادَ"، وما كان مثله، مثلَ: "طلحةَ"، فيه التعريفُ والتأنيثُ، فهذا نُكّر، انصرف لزوالِ التعريف.
و"قَطامُ" فيه ثلاثُ عِلَل: التعريفُ والتأنيثُ، والعدلُ.
فإذا نُكر زال التعريفُ، وزال أيضًا العدلُ، لزوالِ التعريف؛ لأنّه إنّما كان معدولًا في حال التعريف، فبقي في كلّ واحد منهما سببٌ واحدٌ، وهو التأنيث، وهذا الضربُ من التأنيث لا أثَرَ له إلَّا مع التعريف، فإذا زال التعريفُ، بطل حكمه، وصار الاسمُ في حكمِ ما لا سبب فيه، فإن شئتَ أن تقول: بقي بلا سبب, لأن السبب الباقي لا أثرَ له، وإن شئت أن تقول: بقي على سبب واحد، وهو التأنيث لفظًا.
ومثله: "عُمَرُ"، إذا نكّرته، زال التعريفُ، وزال العدلُ بزواله أيضًا.
وهذا إنّما يطّرد فيما مَثلَ به من "سعادَ"، و"قطامَ"، ونظائرهما، إلا في كلَّ ما أحد سببيه التعريفُ، ألا ترى أنّ "أَذَرْبَيجانَ" قد اجتمع فيه التعريفُ، والتركيبُ، والعجمةُ، وزيادةُ الألف والنون، فإذا زال التعريف جاز أن يقال: لبقائه بلا سبب، إذ كان لا أثرَ لهذه الأسباب إلَّا مع التعريف، ولا يقال: بقي على سبب واحد؛ لأنه لمّا زال التعريفُ، بقي فيه أكثرُ من سبب واحد، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "إلا نحو: "أحمر", فإن فيه خلافاً بين الأخفش, وصاحب الكتاب" 1.

قال صاحب الكتاب: لمّا أطلق، وقال وما أحد سببيه، أو أسبابه، العلميةُ، فحكمه الصرفُ عند التنكير.
استثنى "أَحْمَرَ"، ونحوه من الصفات، إذ كان فيه خلافٌ، إذا سُمّي به، ثمّ

نُكّر؛ فإن سيبويه يمنع من صرفه بعد تنكيره 1، كما كان يمنعه في حالِ تعريفه؛ إلَّا أنّ المانع من الصرف مختلِفٌ؛ ففي حال التعريفِ المانعُ من الصرف التعريفُ ووزنُ الفعل، وفي حال التنكير شَبَهُه بحاله قبل التسمية.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى صرفه, لأنّه بالتسمية فارَقَ الصفة، وعرض فيه التعريفُ ووزنُ الفعل، على ما ذُكر.
فإذا نُكّر، زال التعريفُ، وبقي فيه عِلّةٌ واحدةٌ، وهي الوزنُ وحده، فانصرف.
وأرى القياسَ ما قاله أبو الحسن، وكذلك ما كان نحوه، مثلَ: "سَكْرانَ، وعَطْشانَ"، إذا سمي بشيء من ذلك، ثم نُكر، فهو على الخلاف.
قال صاحب الكتاب: "وما فيه سببان من الثلاثي الساكن الحشو- "كـ "نوح", و"لوط"- منصرفٌ في اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل, لمقاومة السكون أحد السببين.
وقوم يجرونه على القياس, فلا يصرفونه.
وقد جمعهما الشاعر في قوله [من المسرح]: 120 - لم تتلفع بفضل مئزرها... دعدٌ ولم تسق دعد في العلب

قال الشارح: اعلم أنّ ما كان ساكن الوسط من الثلاثيّ المؤنّث، إذا كان معرفة، فالوجهُ منعُه الصرفَ، لاجتماع السببين.
وقد يصرفه بعضُهم لخفته بسكون وسطه، فكأنّ الخفة قاوَمَتْ أحدَ السببَيْن، فبقي سببٌ واحدٌ، فانصرف عند هؤلاء.
وفيه رَدٌّ إلى الأصل.
وقد أنشد قول جَرِيرٍ: لم تتلفّعْ بفضل... إلخ2

والشاهد فيه صرفُ "دَعْدٍ" وتركُ صرفها.
و"التلفُّع": التقنُّعُ، والتَّرَدَّي.
و"العُلَبُ": جمعُ "عُلْبةٍ" كـ "ظُلْمَةٍ" و"ظُلَمٍ".
وهو إِناءٌ من جِلْد يشرب به الأعرابُ.
يصفها بأنّها حَضَريَةٌ 1، رقيقةُ العيش، لا تلبسَ ما يلبسه العربُ، ولا تشرب مما يشربون.
ومثله قول الآخر [من الطويل]: ألَا حَبَّذَا هِنْدٌ وأَرْضٌ بها هِنْدُ... وهندٌ أَتَى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ 2 فصرف "هندًا" في موضعين من البيت.
وليس ذلك من قبيل الضرورة؛ لأنه لو لم يصرف، لم ينكسر وزنُ البيت.
والقياسُ الصرف؛ لأنّ مُراعاةَ اللفظ فيما لا ينصرف هو البابُ.
ألا ترى أنهم قالوا: "ذَلَذِلًا"، و"جَنَدِلًا" فصرفوه، وإن كان المراد "ذَلاذِلَ"، و"جَنادِلَ" غير مصروفَيْن، لأنّهما بزنة "مَساجِدَ"، لكنّهم حذفوا الألف منهما تخفيفًا؛ وما حذف للتخفيف، كان في حكم المنطوق به؛ ويؤيّد وُضوحًا أن الألف مرادةٌ، أنّه قد اجتمع فيها أربعُ متحركاتٍ متوالياتٍ في كلمة، مع كون الألف مرادةّ، فهو مصروفٌ لمراعاة اللفظ.
وكان الزجّاج لا يرى صرفَ نحو: "هندٍ"، و"دعدٍ"، و"جُمْلٍ"، ولا صرفَ شيء من المؤنّث يسمّى باسم على ثلاثة أحرف أوْسطُها ساكنٌ.
فأمّا الاسم الأعجمي الثلاثيّ الساكنُ الوسطِ فمصروفٌ ألبتّة، نحوَ: "لُوطٍ"، و"نُوحٍ".
قال الله تعالى: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا﴾ 3. واعلم أنّ اعتمادهم في نحو: "هند"، و"دعد"، وما كان مثلهما الصرف ومَنْعَه؛ واعتمادَهم في نحو: "نوح"، و"لوط" الصرفَ ألبتّة، مع تَساويهما في الخفّة، لسكونِ أوسطهما، دليلٌ على أن حكمَ التأنيث أقوى في منعِ الصرف من العُجْمة.
وصاحبُ الكتاب لم يفرق بين "هند", و"جمل"وبين "لوط", و"نوح", وجعل حكم"نوح", و"لوط" في الصرف ومنعهِ كـ "هند","دعد"؛ وهو القياسُ,إلاَ أن المسموع ما ذكرنا.

قال صاحب الكتاب: "وأما ما فيه سببٌ زائدٌ, كـ "ماه" 4, و"جور" 5, فإن فيهما ما في "نوحٍ" مع زيادة التأنيث, فلا مقال في امتناع صرفه" قال الشارح: أمّا "مَاهُ"، و"جُورُ" إذا سُمّي بهما امرأتان، فلا كلامَ في منعِ

صرفهما؛ لأنّه قد اجتمع فيه ثلاثةُ أسباب: التعريف، والتسمية والتأنيث، والعجمة؛ ولذلك لو سمّيت امرأةَ بـ "دُكَّ"، أو "حُشَّ"، لكان غيرَ مصروف، لِما ذكرناه، ولو سمّيت بهما رجلاً، لكان حكمهما حكمَ "نُوحٍ"، و"لُوطٍ".

قال صاحب الكتاب: "والتكرر 1 في نحو: "بشرى", و"صحراء" و"مساجد", و"مصابيح", نزل البناء على حرف تأنيث لا يقع منفصلاً بحالٍ، والزنةُ التي لا واحد عليها منزلة تأنيثٍ ثانٍ, وجمع ثان".

قال الشارح: لما ذكر في أَثْناءِ هذا الفصل أن السبب الواحد لا يكون مانعًا من الصرف ألبتة، خاف أن متوهَّمٌ أنّ نحو: "حُبْلَى"، و"بُشْرَى"، و"صَحْراءَ"، وَ"مَسَاجِدَ" ناقضٌ لِما قَرَّرَه، فنَبَّهَ عليه، وعرّف أنّ العلّة ها هنا متكرّرةٌ؛ وذلك أنّ ألف التأنيث المقصورة والممدودة في نحو: "حُبْلَى"، و"سَكْرى"، و"حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ" هي المانعةُ من الصرف وحدها، وأن الصفة لا أثَرَ لها، بل هي سببٌ زائدٌ على المانع.
ألا ترى أنّ نحو: "حُبارَى"، و"بُهْمَى"، و"شُكاعَى" أسماءٌ غيرُ صفات، وليس فيها إلَّا الألف وحدها؛ وأن "صحراء"، و"طَرْفاءَ" ليست بصفة، وليس مع الألف الممدودة فيهما سِواها، وإنما منعت الصرفَ لأنهّا لازمةٌ للتأنيث، وقد بنيت الكلمة عليها، فتتنرّل منزلةَ الجُزء منها، فلذلك تثبت في التكسير، نحوَ: "حُبْلَى"، و"حَبالَى"؛ و"سَكْرَى"، و"سُكَارَى"؛ و"صَحْراءَ"، و"صَحارَى".
وليست التاء كذلك في نحو: "طلحةَ"، و"حمزةَ"، إنّما هي علامةٌ منفصلةٌ بمنزلةِ اسم ضُمَّ إلى اسم، ولذلك تحذف في التكسير في نحو: "قَرْيَةٍ"، و"قُرّى"؛ و"ظُلْمَةٍ"، و"ظُلَمٍ"؛ و"جَفْنَةٍ"، و"جِفانٍ"؛ و"طَلْحَةٍ"، و"طِلاحٍ".
فالألفُ تُشارِك التاءَ في التأنيث، وتزيدَ عليها باللزوم، فصار لزومُ التأنيث بمنزلة تأنيثٍ ثانٍ.
فهذا معنى تكرُّر العلّة.
وكذلك نحوُ: "مساجِدَ"، و"مَصابِيحَ"، وذلك أن هذا الجمع لمّا لم يكن له نظيرٌ في الآحاد، وليس في المجموع جمعٌ إلَّا ولَهُ نظيرٌ في الآحاد، على ما تقدّم، فصار هذا الجمعُ لعدمِ النظير كأنّه جُمع ثانيًا، فتكرّرت العلّةُ، وقد تقدّم ذلك مبسوطًا.

جارٍ التحميل