شرح المفصل لابن يعيشتوالي ضميرين ثانيهما منفصل

توالي ضميرين ثانيهما منفصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وإذا انفصل الثاني لم تراع هذا الترتيب، فقلت: "أعطاه إياك" و"أعطاك إياي" وقد جاء في الغائبين أعطاهاه وأعطاهوها ومنه قوله [من الطويل]: 457 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ... لضغمهماها يقرع العظم نابها وهو قليل, والكثير: "أعطاها إياه"، و"أعطاه إياها"، والاختيار في ضمير خبر كان وأخواتها الانفصال, كقوله [من الطويل]: 458 - لئن كان إياه لقد حال بعدنا... [عن العهد والإنسان قد يتغير]123

وقوله [من مجزوء الرمل]: ليس إياي وإيا... ك ولا نخشى رقيبا 1 وعن بعض العرب: "عليه رجلاً ليسني" وقال [من الرجز]: 459 - [عددت قومي كعديد الطيس]... إذ ذهب القوم الكرام ليسي 2 = الأشموني 1/ 53؛ والمقرب 1/ 95. اللغة: حال: تغير.
عن العهد: عمّا كنّا عليه سابقًا.
المعنى: لئن كان هو الشخص الذي كنّا نعرفه؟! لقد تغيّر، والدهر قد يغيّر الإنسان، ويبدّل أحواله.
الإعراب: "لئن": اللام: الموطئة لجواب القسَم، و"إن": حرف شرط جازم.
"كان": فعل ماضٍ ناقص، وهو فعل الشرط، واسم "كان" ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"إيّاه": ضمير منفصل مبنيّ في محلّ نصب خبر "كان".
"لقد": اللام: رابطة لجواب القسم، و "قد": حرف تحقيق.
"حال": فعل ماضٍ مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"بعدنا": ظرف زمان منصوب متعلّق بـ "حال"، وهو مضاف و"نا": ضمير متصل مبنيّ في محل جرّ بالإضافة.
"عن العهد": جار ومجرور متعلّقان بـ "حال".
"والإنسان": الواو: حالية، و"الإنسان": مبتدأ مرفوع بالضمة.
"قد": حرف توقُّع.
"يتغَيَّرُ": فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
وجملة "أقسم" المحذوفة: ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "حال... ": لا محلّ لها من الإعراب لأنّها جواب القسم.
والجملة الشرطية "إن كان... " مع الجواب المحذوف: اعتراضية بين القسم وجوابه، لا محل لها من الإعراب وجملة: "كان إياه"؛ جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب.
وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم.
وجملة "الإنسان قد يتغيّر": في محلّ نصب حال.
وجملة "يتغيّر": في محل رفع خبر المبتدأ.
والشاهد فيه قوله: "لئن كان إياه" حيث جاء خبر "كان" ضميرًا منفصلاً، وهو الاختيار كما أشار المصنّف.

قال الشارح: ومتى انفصل الضميرُ الثاني عن الأول، لم يلزم فيه هذا الترتيب، بل يجوز لك أن تبدأ بأيهما شئتَ، فتقول: "أعطاه إيّاك"، و"أعطاه إيّايَ"، و"أعطاك إيّايَ"، فتكون مخيَّرًا: أيُّهما شئتَ قدّمتَ.
وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ الضمير المنفصل يجري مجرى الظاهر لاستقلاله بنفسه، وعدم افتقاره إلى غيره، فكما أنّ الأسماء الظاهرة لا يُراعَى فيها الترتيبُ، بل تُقدِّم أيَّها شئت، فكذلك الضميرُ المنفصل.
فإذا كان الضميران غائبَيْن، جاز لك الجمعُ بينهما متّصلَيْن، فتقول: "أعطاهُوها"، و"أعطاهاهُ"، وكنتَ مخيَّرًا في أيّهما بدأتَ به.
وذلك من قِبَل أنّهما كِلاهما غائبٌ، وليس فيهما تقديمُ بعيدٍ على قريبٍ.
قال سيبويه 1: وهو عربيٌّ جيّدٌ، وليس بالكثير في كلامهم، بل الأكثرُ في كلامهَم: "أعطاه إيّاها"، و"أعطاها إيّاهُ"، فتأتي بضميرِ المفعول الثاني منفصلاً.
وإنّما قَلَّ في كلامهم؛ لأنّه ليس فيه تقديمُ الأقرب على الأبعد لتَساويهما في المرتبة.
فأمّا قولُ مُغَلِّس بن لَقِيط الأَسَديّ [من الطويل]: وقد جعلتْ نفسي... إلخ فالشاهد فيه أنّه جمع بين ضميريَن بلفظِ الغيبة، الأوّلُ مجرورٌ بإضافةِ المصدر إليه، والثاني في محلِّ نصب بالمصدر.
والجيدُ الكثيرُ: "لضغْمِهما إيّاها"، فيأتي به منفصلاً.
واتّصالُ الضميرَيْن في البيت أقبحُ؛ لأنّهما اتّصلا بالمصدر، وهو اسمٌ، ولم يستحكم في اتّصال الضمير به استحكامَ الفعل.
يصف حالَه مع بني أخيه مُدْرِكٍ ومُرَّةَ، وهو من أبيات أوّلها: وأَنقَتْ لِيَ الأيامُ بَعْدَكَ مُدْرِكَا... ومُرَّةَ والدُّنْيَا كَريهٌ عِتابُها قَرِينَيْنِ كالذئْبَيْنِ يَقْتَسِمانني... وشَرُّ صحَاباتِ الرجالِ ذِئابُها الضَّغْم: العَضُّ.
والضمير الأوَّلُ المثنّى يعود إلى "قرينين"، والضميرُ الثاني يعود إلى النفس.
وقوله: "يقرعُ العظمَ نابُها"، يصف شدّة العض بحيث يصل نابُه إلى العظم.
= ظرف زمان مبنى في محل نصب متعلّق بـ "عددت".
"ذهب": فعل ماضٍ.
"القوم": فاعل مرفوع.
"الكرام": نعت "القوم" مرفوع.
"ليسي": فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، والمعنى: ليس الذاهبُ إياي، والياء: ضمير متصل مبني في محل نصب خبر "ليس".
وجملة "عددت... ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ذهب... ": تعليلية لا محل لها من الإعراب، أو في محل جر بالإضافة باعتبار "إذ" ظرف زمان وجملة "ليسي": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "ليسي"، حيث حذف النون تشبيهًا لها بالحرف، لقلّة تمكنها، وعدم تصرّفها.
وهذا شاذّ.
ومن الشاذ أيضًا حذف نون الوقاية فيه.

فأمّا ضميرُ خبرِ "كَانَ" وأخواتِها، ففيه وجهان: أحدهما: الاتّصالُ، نحو قولك: "كَانَهُ"، و"كَانَني".
قال أبو الأسوَد [من الطويل]: 1 - [دعِ الخَمْرَ يَشرَبْها الغُواةُ فإنّني... رأيتُ أخاها مُجْزيًا لمكانِها] فإنّ لم يَكُنْهَا أو تَكُنْهُ فإنّه... أَخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلبانِها

والثاني: أن يأتي منفصلًا، نحو: "كان زيدٌ إياه"، و"كان إيّايَ".
قال الشاعر [من مجزوء الرمل]: لَيْتَ هذا اللَّيْلَ شَهْرٌ... لانَرَى فيه عَرِيبَا لَيْسَ إيّايَ، وإيّا... كِ ولانَخْشَى رقيبا (1) وقال عمر بن أبي رَبِيعَةَ [من الطويل]: لَئنْ كان إيّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا... عن العَهْدِ والإنسانُ قد يَتَغَيَّرُ (2) وهذا هو الوجهُ الجيّدُ؛ لأنّ "كَانَ" واْخواتها يدخلن على المبتدأ والخبر، فكما أنّ خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ، كان الأحسنُ أن تفصِله ممّا دخلن عليه.
فأمّا الاسمُ المُخبَرُ عنه، فإنّ ضميره متّصلٌ؛ لأنّه بمنزلةِ فاعِل هذه الأفعال، ولا يكون إلّا اسمًا، فصار مع الفعل كشيء واحد، ولذلك تتغيّرُ بِنْيةُ الفعل له.
ولمّا كان الخبرُ قد يكون جملةً، وظرفًا غيرَ متمكّن، وهذه الأشياء لا يجوز إضمارُ, ولا تكون إلّا منفصلةٌ من الفعل، اختير في الخبر الذي يمكن إضمارُه إذا أضمر أن يكون على منهاجِ ما لا يصحّ إضمارُه من الأخبار في الانفصال من الفعل.
ووجهٌ ثانٍ أنّا لو وصلنا ضميرَ الخبر بضميرِ الاسم، نحو: "كُنْتُكَ"، و"كَانَهُ"، و"كَانَنِي"، فالفاعلُ في هذا الباب والمفعولُ لشيء واحد، وفعلُ الفاعل لا يتعدّى إلى نفسه متّصلًا، ويتعدّى إلى نفسه منفصلًا، فلا يجوز "ضربتُنِي"، ولا "ضربتَكَ"، ويجوز "إيّايَ ضربتُ"، و"إيّاك ضربتَ".
فأمّا وجهُ جوازِ "كُنْتُهُ"، و"كَانَنِي"، فعلى التشبيه بالفعل الحقيقي حين جُعل الاسم والخبر بمنزلة الفاعل والمفعول.
فأمّا قولهم: "عليه رجلاً لَيْسَنِي"، فهو حكاية عن بعض العرب، قال ذلك لرجلٍ ذُكر له أنّه يريده بسُوءٍ، فوصل الضمير بنونِ الوقاية على ما ذكرنا من التشبيه بالأفعال الحقيقية.
فأمّا قول الشاعر [من الرجز]: عَدَذتُ قَوْمِي كَعدِيدِ الطَّيْسِ... إذْ ذهَبَ القَوْمُ الكِرامُ لَيْسِي (3) فوصله بغيرِ نون تشبيهًا لها بالحرف، لقلّةِ تمكنها، وعدمِ تصرُّفها.

جارٍ التحميل