شرح المفصل لابن يعيشتخفيف الهمزة

تخفيف الهمزة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فصل قال صاحب الكتاب: تشترك فيه الأضراب الثلاثة 1, ولا تخفف الهمزة إلا إذا تقدمها شيءٌ، فإن لم يتقدمها, نحو قولك ابتداء: "أب" "أم", "إبل" فالتحقيق ليس إلا.
وفي تخفيفها ثلاثة أوجه: الإبدال، والحذف، وأن تجعل بينَ بين، أي: بين مخرجها وبين مخرج الحرف الذي منه حركتها.

قال الشارح: اعلم أنّ الهمزة حرفٌ شديدٌ مستثقلٌ يخرج من أقصى الحلق، إذ كان أدخلَ الحروف في الحلق، فاستُثقل النطقُ به، إذ كان إخراجُه كالتهوع 2، فلذلك من الاستثقال ساغ فيها التخفيفُ، وهو لغةُ قريش، وأكثر أهل الحجاز.
وهو نوعُ استحسان لثقل الهمزة.
والتحقيقُ لغةُ تميم وقَيْس، قالوا: لأنّ الهمزة حرفٌ، فوجب الإتيانُ به كغيره من الحروف.
وتخفيفُها كما ذُكر بالإبدال والحذفِ، وأن تجعل بين بين.
فالإبدالُ بأن تزيل نَبْرَتَها، فتلين، فحينئذ تصير إلى الألف والواو والياء على حسب حركتها وحركةِ ما قبلها على ما سيوضَح بعدُ.
ولذلك كان أبو العبّاس يُسْقِطها من حروف المُعْجَم، ولا يعُدّها معها، ويجعل أوّلها الباء، ويقول: الهمزة لا تثبت على صورة واحدة، ولا أعدُّها مع الحروف التي أشكالُها معروفةٌ محفوظةٌ.
وأمّا الحذف، فأن تُسْقِطها من اللفظ ألبتّة.
وأمّا جعلُها بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتُها.
فهذا كانت مفتوحة، تجعلها بين الهمزة والألف، وإذا كانت مضمومة بين الهمزة والواو، وإذا كانت مكسورة بين الياء والهمزة، وسيوضَح ذلك بعدُ بأَكْشَفَ من هذا القول.
وقوله: "ولا تخفّف الهمزة إلّا إذا تقدّمها شيء" يريد أنّها إذا وقعت أوّلاً، فإنّها لا

تُخفَّف سواء كانت مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة، نحو: أَبَ، وأَحْمَد، وإبراهيم، وإبِل، وأُمّ، وأُتْرُجَّة.
وذلك لضعفها بالتخفيف، وقُرْبها من الساكن.
فكما لا يُبتدأ بساكن، كذلك لا يُبتدأ بما قرُب منه، وإنّما تُخفَّف الهمزة حيث يجوز أن يقع فيه الساكنُ، وذلك إذا كانت غير أوّل، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: ولا تخلو إما أن تقع ساكنة فيبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها كقولك "راسٌ" و"قرات" و"إلى الهداتنا" 1, وبير وجيت والذيتمن 2 ولوم وسوت ويقولوذن 3.

قال الشارح: اعلم أنّ الهمزة والألف تتقاربان في المخرج، فالهمزة أدخلُ إلى الصدر، ثمّ تليها الألف.
ولذلك إذا حرّكوا الألفَ، اعتمدوا بها على أقرب الحروف منها إلى أسفلَ، فقلبوها همزةً، فالهمزةُ نَبْرَةٌ شديدةٌ، والألفُ ليّنةٌ.
فإذا سكنت الهمزةُ، وأُريد تخفيفها, دبرها حركةُ ما قبلها.
فإن كان ما قبلها فتحةً صارت الهمزة ألفًا، وإن كان ضمّة صارت واوًا، وإن كان كسرة صارت ياءً؛ لأنّك، إذا خفّفتها فأنت تُزيل نبرتَها، وإذا زالت نبرتُها لانت وصارت إلى جنس الألف؛ لأنّها أقربُ الحروف إليها من فَوْق.
وسوّغ ذلك الفتحةُ قبلها؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا.
وإذا انضّم ما قبلها صارت واوًا، وإذا انكسر ما قبلها صارت ياءً.
كذلك الهمزةُ إذا ليّنتها صارت من جنس الألف لسكونها وقُرْبِها منها، وتبعت حركة ما قبلها، فصارت إليها.
وذلك نحو قولك في "رَأْس": "رَاسٌ"، وفي "فَأْس": "فَاسٌ"، وفي "قَرَأتُ": "قَرَاتُ".
تقلب الهمزة ألفًا للفتحة قبلها.
وتقول في "جُؤْنَة": "جُونَةٌ"، وهي للعَطّار كالخَريطة من أَدَمِ، وفي "لُؤْم": "لُومٌ"، وفي "سُؤْتُ": "سُوتُ".
وتقول في "ذِئْب": "ذِيبٌ"، وفي "بِئْر": "بِيرٌ"، وفي "جِئْتُ"، "جيتُ".
وهو قياس مطّرد في كلّ ما كان بهذه الصفة، ولا تجعلها ها هنا بين بين لأنّها ساكنةٌ، ولا يتأتّى ذلك في الساكنة.
ولا تحذفها أيضًا؛ لأنّه لا يبقى معك ما يدلّ عليها، وكان الإبدال أسهلَ، وحكمُ المنفصل في ذلك كحكم المتّصل.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إلَى الهُدَاتِنَا﴾ 4، و ﴿يَقُولُوذَنْ﴾ 5،

و ﴿الَّذِيتُمِنَ﴾ 1، والأصل: ﴿إلَى الهُدَى اَئْتِنَا﴾ 2، بهمزتَين الثانيةُ فاء الفعل ساكنةً، والأولى همزةُ الوصل جيء بها وصلة إلى النطق بالساكن.
فلمّا اجتمع همزتان الأولى مكسورةٌ، والثانيةُ ساكنةٌ؛ قلبوا الثانية ياءً على حدّ "بِير"، و"جِيتُ"، إلّا أنّ البدل يقع ها هنا لازمًا لاجتماع الهمزتَيْن، وليس كذلك في "بير"، و"جيت".
هذا إذا بدأت به من غير تقدُّم كلام.
فلما تقدّم "الهدى"، سقطت همزة الوصل للدرج؛ لأنّ هذه الهمزة لا تثبت في الوصل لزوال الحاجة إليها، وإمكانِ النطق بالساكن حين اتّصل بما قبلها.
فلمّا سقطت الهمزة الأولى، عادت الياء همزةً ساكنةً على ما كانت عليه؛ لزوال سبب انقلابها، ثمّ اجتمعت مع ألف "الهدى"، فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار اللفظ "الهُدَأْتِنَا" بهمزة ساكنة بعد الدال المفتوحة.
فإذا خُفّفت الهمزة حينئذ، تُقْلَب الهمزة ألفًا على حد "راس" و"فاس"، وصار اللفظ "الهُدَاتِنَا" بألف ليّنة بعد الدال.
وتكون هذه الألف بدلاً من الهمزة التي هي فاء الفعل، وليست التي هي لام "الهدى".
وكذلك ﴿يَقُولُوذَنْ﴾، و ﴿الَّذِيتُمِنَ﴾ فالعملُ فيهما واحد أن قلبت الهمزة في ﴿يَقُولُ ائْذَنْ﴾ واوًا لانضمامِ ما قبلها، وفي ﴿الَّذِى اؤْتُمِنَ﴾ ياءً لانكسار ما قبلها, فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وإما أن تقع متحركة ساكناً ما قبلها، فينظر إلى الساكن: فإن كان حرف لين نظر: فإن كان ياء أو واواً مدتين زائدتين أو ما يشبه المدة كياء التصغير قلبت إليه وأدغم فيها كقولك: خطية ومقروة وأفيس.
وقد التزم ذلك في نبي وبريه.

قال الشارح: متى كانت الهمزة متحرّكة، فلا يخلو ما قبلها من أن يكون ساكنًا، أو متحرّكًا.
فإن سكن، فلا يخلو من أن يكون صحيحًا، أو حرفًا من حروف المدَّ واللين.
فإن كان من حروف المدّ واللين، نُظر: فإن كان ياءً أو واوًا، فإنّ تخفيفها على وجهين: أحدهما أن تقلب الهمزةَ من جنس الواو إن كان قبلها واوٌ، ومن جنس الياء إن كان قبلها ياءٌ، وتَدّغِم فيها ما قبلها.
والوجه الآخر أن تُلقِي حركتها على ما قبلها من الواو والياء، وتحذفها كسائر الحروف.
فأمّا الواو والياء اللتان تُبْدَل الهمزة بعدهما من جنسهما، وتدّغمان، فإذا كانتا ساكنتْين مزيدتَيْن غيرَ طَرَفَيْن، وقبلهما حركةٌ من جنسهما، وذلك نحو قولك في "خَطِيئة": "خَطيَّةٌ"، وفي "النَّبِيء": "النَّبِيُّ" وفي "مَقْرُوءَة": "مَقْرُؤَّةٌ"، وفي "أَزْدُ شَنُوءَةَ": "شَنُوَّة".
وإنّما كان كذلك؛ لأنّه لا يُقدَر على إلقاء حركة الهمزة عليهما؛ لأنّ الواو والياء هنا مزيدتان للمدّ، فأشبهتا الألفَ لسكونهما وكون حركةِ ما قبلهما من

جنسهما، وأنّهما شريكتان في المدّ، فكرهوا الحركة فيهما لذلك، ولأنّ تحريكهما يُخِلّ بالمقصود بهما؛ لأن تحريك حرف المدّ يصرفه عن المدّ.
ولم تجعل الهمزة هنا بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، وقبلها ساكنٌ، فكانت الواو والياء تُدّغمان، ويُدّغم فيهما، فصارتا إلى ذلك؛ لأنّه أخفُّ.
وياء التصغير تجرى مجرى هذه الياء إذا كان بعدها همزةٌ، وإن كان ما قبلها مفتوحًا، كقولك في "أُفَيْئِس": "أُفَيِّسٌ" تصغيرُ "أَفْؤُسٍ"، وأَفْؤُسٌ: جمعُ فأسٍ جمعَ قلّةٍ.
وكذلك قولك في "سُوَيْئل": "سُوَيِّلٌ" تصغيرُ "سائلٍ"؛ لأنّ ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة إذ كانت رسيلةَ ألف التكسير, لأنّ موقعها من المصغر كموقع الألف من المجموع، كقولنا: "دِرْهَمٌ"، و"دَراهِم".
وقوله: "قد التزم ذلك في نَبِيّ وبَرِيَّة"، يريد تَركَ الهمزة وقَلْبَها إلى ما قبلها وادّغامَها على حدّ "خَطِيَّةٍ"، إلّا إنّه في "نبيّ" و"بريّة" لازمٌ لكثرة الاستعمال بحيث صار الأصل مهجورًا، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وإن كان ألفاً جعلت بين بين كقولك: سأل وتساؤل وقائل.

قال الشارح: وإذا كان قبل الهمزة ألفٌ، وأريد تخفيفُها، فحكمُها أن تجعل بين بين.
إن كانت مفتوحة جعلتها بين الهمزة والألفُ, وإن كانت مضمومة جعلتها بين الهمزة والواو، نحو: "تساؤُلٌ"، وإن كانت مكسورة جعلتها بين الهمزة والياء؛ نحو: "قايلٍ".
وذلك لأنّه لا يمكن إلقاء حركتها على الألفُ إذا الألفُ لا تتحرّك، ولو قلبتَ الهمزة ألفًا، وأخذتَ تدّغم فيها الألفَ على حدّ "مقرؤة"، لاستحال ذلك، إذ الألفُ لا تُدّغم، ولا يُدّغم فيها، وكان في جعلها بين بين ملاحَظةٌ لأمر الهمزة إذ فيها بقيّةٌ منها، وتخفيفُها بتليينها وتسهيل نَبْرتها.
فإن قيل: فهلا امتنع جعلُها بين بين لسكون الألف وقُرْبها من الساكن، قيل: الذي سهّل ذلك أمران: أحدهما خفاء الألف، فكأنّه ليس قبلها شيءٌ، والآخر زيادةُ المدّ في الألف قام مقامَ الحركة فيها كالمدّغم فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وإن كان حرفاً صحيحاً أو واواً أو ياء أصليتين أو مزيدتين لمعنى, ألقيت عليه حركتها وحذفت كقولك: مسلةٌ والخب ومن بوك ومن بلك وجيل وحوبة وأبويُّوب وذو مرهم واتبعي مره وقاضوبيك.

قال الشارح: إذا كان قبل الهمزة المتحرّكة حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ، نحو: يَسْأَلُ، ويَجْأر والمَسأَلَةُ، والخَبْءُ، والكَمأَةُ، والمَرْأَةُ، والمِرْآةُ، فالطريق في تخفيفها أن تُلْقِي

حركتَها على ما قبلها وتحذفها.
وتقول في "مسأَلَة": "مَسَلَةٌ"، وفي "الخَبْء": "الخَبُ"، وفي "الكَمْأَة": "الكَمَةُ"، وفي "المَرْأَة": "المَرَةُ"، وفي "المِرْآة": "المِرَاةُ".
وذلك أنّ الحذف أبلغ في التخفيف، وقد بقي من أعراضها ما يدلّ عليها، وهو حركتُها المنقولةُ إلى الساكن قبلها.
ولم يجعلوها بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، فكرهوا الجمعَ بين ساكنَيْن، كيف والكوفيون يزعمون أنّها ساكنة ألبتّة 1، وهي عندنا، وإن كانت في حكم المتحرّكة، فهي ضعيفةٌ يُنْحَى بها نَحْوَ الساكن، ولذلك لا تقع همزةُ بين بين في أوّل الكلام، ولا تقع إلّا حيث يجوز وقوعُ الساكن غيرُ الألف.
ولم يقلبوها حرفًا ليّنًا لأنّ قبلها ساكنًا، فكان يلتقي ساكنان.
قال سيبويه 2: ولم يُبْدِلوا؛ لأنّهم كرهوا أن يُدْخِلوها في بنات الياء والواو اللتَيْن هما لامان.
ومن ذلك قولهم في المنفصل: "مَنَ بُوكَ".
وذلك أنّهم ألقوا حركة الهمزة التي هي الفتحة على النون، ثمّ حذفوها تخفيفًا لدلالة الحركة عليها.
وقالوا: "مَنُ مُّكَ" في "مَنْ أمُّكَ".
وقالوا: "مِنِ بِلِكَ" في "مِنْ إبِلِكَ"، فنقلوا كسرة الهمزة إلى النون، ثمّ حذفوها.
وكذلك لو كانت الياء والواو مزيدتَيْن لمعنى، كان حكمهما في ذلك حكمَ الصحيح، فيجوز إلقاء حركة الهمزة عليهما حينئذ، نحو قولك في "هذا أبُو إسْحاق": "أبُوِ سْحاقَ"، وفي "مررت بأبِي إسْحاق": "أبِي سْحاقَ"، فتُلْقِي حركةَ الهمزة على الواو المضمومِ ما قبلها، وعلى الياء المكسور ما قبلهَا, لأنهما أصلٌ، ولم تمتنعا من الحركة.
ومثله قولك في "قَاضِي أَبِيكَ": "قاضِيَ بِيكَ"، وفي "ذُو أَمْرِهِمْ": "ذُوَ مْرِهِمْ".
وكذلك تقول في "يَغزُو أُمَّه": "يَغزُوُ مَّهُ".
وكذلك لو كانتا للإلحاق، فإنّهما تجريان مجرى الأصليّة، فيسوغ نقلُ حركة الهمزة إليهما، نحو قولك في "الحَوْأَب" و"الحَوْأَبَةِ": "الحَوَبُ"، و"الحَوَبَةُ".
والحَوْأَبُ: المكان الواسع، وواوُه زائدة للإلحاق بجَعْفَرٍ.
وكذلك الواو إذا كانت مزيدة لمعنًى، نحو واو الجمع، كقولك: "اتَّبِعُوَ مرَهُ"، و"قَاضُوَبِيكَ" في "اتبِعُوا أَمْرَه"، و"قاضُو أبيك"، حيث كانت لمعنى الجمع والاسميّة صارت بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، نحو واوِ "يَدْعُو".
وكذلك تقول: "اتَّبِعِيَ مْرَهُ" في "اتَّبِعِي أَمْرَهُ".
وتُشبَّه بياءِ "يَرْمِي"، وما هو من نفس الكلمة، إذ لم تكن مزيدة للمدّ كواو "مَقرُوءة"، فلم تمتنع من الحركة.

قال صاحب الكتاب: وقد التزم ذلك في باب "يري" و"أري يرى"، ومنهم من يقول: "المراة" و"الكماة" فيقلبها ألفاً وليس بمطرد، وقد رآه الكوفيون مطرداً.

قال الشارح: أمّا "يَرى" و"يُري" و"أَرى"، فإنّ الأصل: "يَرْأى" و"يُرْئِي" و"أَرْأى"؛ لأنّ الماضي منه "رَأى"، والمضارع "يَرْأى" بالفتح لمكان حرف الحلق، وإنّما حذفوا الهمزة التي هي عين الفعل في المضارع، ويحتمل ذلك أمرَيْن: أحدهما: أن تكون حُذْفت لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وذلك أنّه إذا قيل: "أَرْأى"، اجتمع همزتان بينهما ساكنٌ، والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصين، فكأنّهما قد تَوالتا، فحُذفت الثانية على حدّ حذفها في "أُكْرِمُ"، ثمّ أُتْبع سائرَ الباب، وفُتحت الراء لمجاوَرة الألف التي هي لامُ الكلمة، وغلب كثرةُ الاستعمال هاهنا الأصلَ حتّى هُجر ورُفض.
والثاني: أن يكون حذفُ الهمزة للتخفيف القياسيّ بأن أُلقيت حركتها على الراء قبلها، ثمّ حُذفت على حد قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الخَبَ﴾ 1، و ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ 2، فصار "يرى" و"يُرِي" و"أَرى"، ولزم هذا التخفيفُ والحذفُ لكثرة الاستعمال على ما تقدّم.
وإلى هذا الوجه يُشير صاحب الكتاب، وهو أوجهُ عندي لقُرْبه من القياس، وقد ذكره ابنُ جِنِّي مع التخفيف غير القياسيّ؛ لأنّ التخفيف لزم على غير قياس حتى هُجر الأصل، وصار استعمالُه والرجوعُ إليه كالضرورة، نحو قوله [من الوافر]: 1246 - أُرِي عَيْنَىَّ ما لم تَرْأَيَاهُ... [كِلانا عَالِمٌ بالتُّرَّهاتِ]3

وقد رُوي: تَرَيَاهُ، بالتخفيف عن أبي الحسن.
وقال الآخر [من البسيط]: 1 - ثمَّ اسْتَمرَّ بها شَيْحَانُ مبتجِحٌ... بالبَيْنِ عَنْكَ بِمَا يَرْآك شَنْآنا وهو قليلٌ.
وأمّا "المَرَاةُ" و"الكَمَاةُ" بألف خالصة، حكى ذلك سيبويه عن العرب، قال: وذلك قليل (2)، فإنّهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة ألفًا، ثمّ فُتح ما قبل الألف؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا.
وهو عند سيبويه شاذّ, لأنّ طريق تخفيف هذه الهمزة بإلقاء حركتها على ما قبلها، وحذفِها على ما بيّنّاه.
وكان الكسائي والفراء يَطْرُدان ويَقيسان عليه.
وطريقُ قَلْب هذه الهمزة ألفاً أن الميم والراء في "الكمأة" و"المرأة" لمّا جاورتا الهمزةَ المفتوحة، وكانتا ساكنتين، صارت الفتحتان اللتان في الهمزتَيْن كأنّهما في الراء = ضمير متصل في محلّ جر بالإضافة.
"ما لم": "ما": اسم موصول في محل نصب مفعول به ثان، و"لم": حرف نفي وقلب وجزم.
"ترأياه": فعل مضارع مجزوم بحذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
كلانا": مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى، و"نا": ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و"كلا": مضاف.
"عالم": خبر موفوع بالضمة الظاهرة.
"بالترهات": جار ومجرور متعلّقان بالخبر (عالم) وهو اسم فاعل.
وجملة "أري عيني": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لم ترأياه": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "كلانا عالم" استئنافية لا محلّ، لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "لم ترأياه" وقد أظهر الهمزة ضرورةً برد الفعل إلى أصله.
والصواب حذفها، ويقال إن الإظهار من لغة تميم.

والميم، فصارت الراء والميم كأنّهما مفتوحتان، والهمزتان كأنهما ساكنتان لمّا قُدّر حركتُهما في غيرهما، فصار التقدير: "المَرَأة" و"الكَمَأْة"، بفتح الراء والميم وسكون الهمزة، فأُبدلت الهمزتان ألفين لسكونهما وانفتاح ما قبلهما على حدّ القلب في "رأس"، و"فأس" إذا أريد التخفيف.
وعليه قوله [من الطويل]: كَأَنْ لم تَرَى قبْلِي أَسِيرًا يَمانِيَا 1 أراد: تَزءَى، فجاء به مخفّفًا.
ثُمّ إن الراء لمّا جاورتْ وهي ساكنةٌ الهمزةَ متحرّكةً، صارت الحركةُ كأنها في التقدير قبل الهمزة؛ فقُلبت ألفًا لذلك، فالألفُ عينُ الفعل، واللامُ محذوفة للجزم على مذهب التحقيق، ويجوز أن يكون الأصل "المَرْأَة" و"الكَمْأَة"، ثمّ نُقل حركة الهمزة إلى الساكنْ قبلها فتَحرّك، وبقيت الهمزة ساكنةً، فقلبوا الهمزة ألفًا على "راسٍ"، و"فاسٍ"، فقيل: "المَراة"، و"الكَماة"، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وإما أن تقع متحركة متحركاً ما قبلها فتجعل بين بين كقولك: سأل ولؤم وسئل، إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واواً محضة كقولك "ميرٌ" و"جونٌ".
والأخفش يقلب المضمومة المكسورة ما قبلها ياء أيضاً فيقول يستهزيون، وقد تبدل منها حروف اللين فيقال منساة ومنه قول الفرزدق [من الكامل]: [راحت بمسلمة البغال عشيةً]... فارعي فزارة لا هناك المرتع 2 وقال حسان [من البسيط]: سالت هذيل رسول الله فاحشة... [ضلت هذيل بما سالت ولم تصب] 3 وقال ابنه عبد الرحمن [من الوافر]: 1248 - [وكنت أذلَّ من وتدٍ بقاعٍ]... يشجج رأسه بالفهر واجي4

قال سيبويه 1: وليس ذا بقياس متلئب 2, وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيء الذي تبدل التاء من واوه نحو: "أتلج".

قال الشارح: وأمّا إذا كانت الهمزة متحرّكةً متحرّكًا ما قبلها، وأريد تخفيفها، فحكمُها أن تجعل بين بين، أي: بين مُخرج الهمزة، وبين مُخرج الحرف الذي منه حركةُ الهمزة.
وهذا القياسُ في كل همزة متحرّكة؛ لأنّ فيه تخفيفًا للهمزة بإضعاف الصوت، وتليينه وتقريبه من الحرف الساكن مع بقيّةٍ من آثار الهمزة؛ ليكون ذلك دليلاً على أنّ أصله الهمزة، ويكون فيه جمعَ بين الأمرَيْن.
ولا تخلو الهمزة من ثلاثة أحوال: إمّا أن تكون مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة.
فإذا كانت مفتوحة وقبلها مفتوح، جعلتها متوسّطة في إخراجها بين الهمزة والألف, لأنّ الفتحة من الألف، وذلك قولك في "سَأَلَ": "سال"، وفي "قَرَأ": "قرا".
والمنفصلُ في ذلك كلّه كالمتّصل، نحو: "قال أَحْمَدُ"، إذا أردتَ التخفيف، قلت: "قال أحمد".
ولا يظهر سِرُّ هذه الهمزة ولا ينكشف حالُها إلّا بالمشافَهة.
فإن كان قبلها ضمّةٌ أو كسرةٌ، فإنّك تُبْدِلها مع الضمّ واوًا ومع الكسر ياءً، وذلك قولك في تخفيف "جُؤَنٍ" جمع جُؤْنَةٍ: "جُوَنٌ" بواو خالصة، وفي تخفيف "تُؤَدَة": "توَدَةٌ".
وتقول في المنفصل: "هذا غُلَاموَبِيكَ" بالواو أيضًا.
وتقول مع الكسرة: "مِيَرٌ" بتخفيف "مِئَرٍ"، وهو جمعُ "مِئْرَةٍ"، وهو التضريب بين القوم بالفَساد.
وتقول: "يريد أن يُقرِيَكَ"، وفي المنفصل: "مررت بغُلامِيَ بِيكَ".
وإنّما كان كذلك من قبل أنّ الهمزة المفتوحة لو جعلتَها بين بين وقبلها ضمّةٌ أو = والوجي: أصله: واجىء من "وَجأ الوتد في الأرض" إذا ضربه ليرسب تحت الأرض.
المعنى: يقول الشاعر لمهجوِّه: لو لم تكن الخلفاء منكم، لكنت أذل من وتد في الأرض.
الإعراب: "وكنت": الواو: حرف عطف.
"كنت": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرّك، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع اسم "كان".
"أذل": خبر "كان" منصوب بالفتحة.
"من وتد": جار ومجرور متعلقان بـ "أذلّ".
"بقاع": جار ومجرور متعلقان بصفة لـ"وتد".
"يشجِّج": فعل مضارع مرفوع بالضمّة.
"رأسه": مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"بالفهر": جار ومجرور متعلقان بـ"يُشَجِّجُ".
"واجي": فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الهمزة المبدلة ياءً.
وجملة "كنت أذلَّ": معطوفة على جملة جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يشجِّج واجي": صفة لـ"وتدٍ" محلها الجر.
والشاهد فيه: إبدال الياء من همزة "واجىء"؛ لأن الهمزة هنا طرف، والطرف مما يُسكن في الوقف، والهمزة تقلب ياءً إذا سكنت وانكسر ما قبلها.

كسرة، لنحوتَ بها نحو الألف، والألفُ لا يكون ما قبلها مضمومًا أو مكسورًا، بل ذلك مُحالٌ، فلذلك عدلوا إلى القلب.
وإذا كانت مكسورة وقبلها متحرّكٌ، وأريد تخفيفها، جُعلت بين بين، سواءً كانت الحركة فتحةً أو ضمّةً أو كسرةً، فتقول فيما كان قبلها فتحةٌ: "سَئيمَ" في تخفيفِ "سَئِمَ"، وبَيس" في تخفيفِ "بَئِسَ"، وفي المنفصل: ﴿وَإذْ قَالَيْبراهِيمُ﴾ 1. وذلك لأنّها مكسورة تقرّبها في التخفيف من الياء، كما كانت مع الفتحة بين الألف والهمزة.
والياء ممّا يسلم بعد الفتحة المحضة، فما ظَنُّك فيما قرُب منها؟ وتقول فيما كان قبلها ضمّةٌ، نحو.
"سئُيْلَ"، و"دُئيلَ"، و"عبدُ يئبْراهيمَ".
تجعلها بين بين في التخفيف.
وقياسُ مذهب الأخفش أن تُخلِّصها ياءً على ما سنوضِح في الهمزة المضمومة إذا انكسر ما قبلها.
قياسُهما واحدٌ.
فأمّا إذا انكسر ما قبلها، فإنّ تخفيفها بأن تكون بين بين بلا خلاف من نحو: "عَبْدِئيِبراهيمَ"، إذ لا مانعَ من ذلك.
فإن كانت الهمزة المتحرّكة مضمومة، وما قبلها متحرّكٌ، فأمرُها كذلك في التخفيف، وذلك أن تجعلها بين بين، وذلك بأن تضعّف صوتَها, ولا تُتِمّه، فتقرُب حينئذ من الواو الساكنة سواءَ كان ما قبلها مفتوحًا أو مضمومًا أو مكسورًا.
هذا مذهب سيبويه، قال 2: وهو كلام العرب، وذلك قولك فيما كان قبلها فتحةٌ: "لَؤُمَ"، و"أكرمتُ عَبْدَؤُختِهِ"، وفيما كان قبلها ضمّةٌ قولك: "مُؤُونٌ"، و"رُؤُوسٌ"، وفي المنفصل: "هذا عبدُ أُخْتِك"، و"أكلتُ أترُجَّةً"، وفيما كان قبلها كسرةٌ، نحو: يَسْتَهزِؤُونَ، و"من عبدِ أُخْتِك".
كلُّ ذلك تجعله بين بين عند سيبويه، وكان الأخفش يقلبها ياء إذا كان قبلها كسرةٌ، ويحتجّ بأنّ همزة بين بين تُشْبِه الساكنَ للتخفيف الذي لحقها, وليس في الكلام كسرةٌ بعدها واوٌ ساكنةٌ.
قال: فلو جُعلت بين بين، لنُحي بها نحو الواو الساكنة وقبلها كسرةٌ، وهو معدوم.
وهو قول حسن، وقولُ سيبوية أحسنُ؛ لأنّ الواو الساكنة لا يستحيل أن يكون قبلها كسرةٌ كما استحال ذلك في الألف، وإنّما عدولُهم عن ذلك لضرب من التثقيل.
وإذا لم يستحل ذلك في الواو الساكنة، لم يمتنع فيما قارَبَها.
وقومٌ من العرب يُبْدِلون من هذه الهمزات التي تكون بين بين حروفَ لين، فيبدلون من المفتوحة المفتوحِ ما قبلها ألفًا، فيقولون في "سَأَلَ": "سالَ"، وفي "قَرَأ": "قَرا"، وفي "مِنْسَأَةٍ"، "مِنْسَاةٌ"، ومن المضمومة المضمومِ ما قبلها واوًا، ومن المكسورة المكسورِ ما قبلها ياءٌ.
وذلك شاذ ليس بمُطّرِد.
قال سيبويه 3. وليس بقياس متلئبّ،

وإنّما هو بمنزلةِ "أَثلجتُ"، في "أوْلَجْتُ"، ولا يقاس عليه فيقالَ في "أَوْغَلْتُ": "أَتْغَلْتُ"، وإانّما بابُ ذلك الشعرُ ضرورةَ.
وأنشد الفرزدق [من الكامل].
راحتْ بمَسْلَمَةَ البِغالُ عَشِيّةً... فَارْعَيْ فَزارةُ لا هَناكِ المَرْتعُ 1 الشاهد فيه قلبُ هذه الهمزة ألفًا، والقياسُ أن تجعل بين بين، لكنّه لمّا لم يَتّزن له البيتُ بحرف متحرّك، أبدل منها الألفَ ضرورةً.
وهذا أحدُ ما يدلّ على أنّ همزة بين بين متحرّكةٌ، وليست ساكنة كما زعم الكوفيون 2. وممّا يدل أنّها متحرّكةٌ قول الشاعر [من الطويل]: 1249 - أَأَن زُمَّ أَجْمالٌ وفارَقَ جيرَةٌ... وصاحَ غرابُ البَيْنِ أنتَ حَزِينُ فالهمزة ها هنا بين بين, لأنّه لا يُجمع بين همزتَين محقّقتين، فلو كانت الهمزة هاهنا ساكنةً، لانكسر البيت, لأنه لا يُجْمَع في الشعر بين ساكنين إلّا في قَوافٍ مخصوصة.
يقول هذا حين عُزل مَسْلَمَةُ بن عبد الملك عن العراق.
ومن ذلك قول حسّان [من البسيط]: سالتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشَةً... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سالَتْ ولم تصِبِ 4 الشاهد فيه قوله: "سالت"، والمراد: سَأَلَتْ بالهمزة، ولا يقال: إن "سَالَ يَسالُ"3

لغةُ قوم من العرب, لأنّ هذين الشاعرين ليس من لغتهما تركُ الهمزة، وقولُ ابنه عبد الرحمن يُهاجِي ابن الحَكَم بن أبي العاص بن أُميّة [من الوافر]: فأمّا قولُك الخُلَفاء منَّا... فهُنم مَنَعُوا وَرِيدَكَ مِن وِداجي ولَوْلاهُمْ لَكنتَ كحُوتِ بَحْرٍ... غَدا في مُظْلِمِ الغَمَراتِ داجي وكنتَ أَذَلَّ من وَتَدٍ بِقاعٍ... يُشَجِّجُ رَأسَه بالفِهْر واجي (1) الشاهد فيه قوله: "واجي".
والإبدالُ ها هنا أسهلُ؛ لأن الهمزة هنا طَرَفٌ، والطرفُ ممّا يسكن في الوقف، والهمزةُ إذا سكنت وانكسر ما قبلها، قُلبت ياءً، نحو قولك في "بِئْرٍ": "بيرٌ"، فاعرفه.

جارٍ التحميل