المستمعة فائزة محمد من ليبيا تقول البعض من الناس يعملون أشياء تخالف الشرع ويقومون بالنفاق أو الهمز أو اللمز وعندما أقول لهم بأن هذا حرام وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب على ذلك يقولون يوم الجحيم ربنا رحيم فماذا تقولون أنتم لمثل لهؤلاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لمثل هؤلاء الذين يعملون السيئات ويتكلون على مغفرة الله ورحمته إنهم على خطر عظيم فإن الله تعالى يقول في كتابه (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) ويقول جل وعلا (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) فهذا الاتكال الذي يحصل من بعض الناس المفرطين المهملين لاشك أنه من إيهام الشيطان ووحي الشيطان وما يدري هذا الرجل أتكون هذه المعاصي التي هي في نفسه سهلة بريداً لمعاصي أكبر منها ثم للكفر بالله عز وجل ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنكم تعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر وإنها يعني عند الصحابة لمن الموبقات) وقال أهل العلم الإصرار على الصغيرة كبيرة والكبائر لا تغفر إلا بتوبة مع أن الهمز واللمز إذا كان بالنسبة للمؤمنين فقد توعد الله عليه بالويل فقال (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) فالواجب على المؤمن أن يتقي الله عز وجل وليعلم أن الله شديد العقاب وأنه غفور رحيم ففي جانب المعاصي يجب أن ينظر من زاوية العقاب حتى يرتدع عن المعصية وفي جانب الأوامر إذا قام بها وحصل شيء من التقصير ينظر من زاوية المغفرة والرحمة وبهذا السير على هذا النحو يتحقق أن يكون سيره على الوجه المطلوب أي بين الخوف والرجاء فإن الإنسان إذا سار إلى الله عز وجل مغلباً جانب الرجاء فقد يغلب عليه الأمن من مكر الله وإذا سار إلى الله مغلبا جانب الخوف فقد يغلب عليه القنوط من رحمة الله وإذا سار إلى الله بين الخوف والرجاء فقد سار بجناحين متساويين فيخاف عند الهم بالمعصية ويرجو عند فعل الطاعة قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا فإن أيهما غلب هلك صاحبه وقال بعض أهل العلم الأولى أن يغلب جانب الرجاء لقوله تعالى في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) وقال آخرون ينبغي أن يغلب جانب الخوف حتى يعصمه ذلك من فعل الذنوب وقال بعض العلماء يغلب في حال المرض جانب الرجاء حتى يلقى الله عز وجل وهو يحسن الظن به وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف حتى يحمله ذلك على ترك المحرمات وفعل الواجبات وقال آخرون يغلب عند فعل الطاعة جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها منه كما يسر له فعلها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف حتى يردعه خوفه عن فعل هذه المعصية وهذا الأخير هو أقرب الأقوال أن يكون الإنسان عند فعل الطاعة مغلبا لجانب الرجاء وأن الذي يسرها له سيمن عليها بقبولها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف ليمنعه ذلك عن فعل هذه المعصية والإنسان في الحقيقة له أحوال أحيانا يجد نفسه منشرحا مقبلا على الله مغلبا جانب الرجاء وأحيانا بالعكس يكون خاملا ساكنا فيغلب جانب الخوف والإنسان كما يقول بعض الناس طبيب نفسه المهم أن لا يصل إلى درجة يقنط من رحمة الله ولا إلى درجة يأمن فيها مكر الله.
المستمع م. ج من الرياض يقول هناك أشخاص يعملون أشياء محرمة في الإسلام فماذا يترتب علي نحوهم هل أقوم بنصحهم وأكتفي بذلك أم ماذا علي مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تقوم بنصحهم وإرشادهم وتخويفهم من الله عز وجل وإذا كنت تخشى أن لا يثقوا بقولك فاستعن على ذلك بأقوال أهل العلم الذين يثق بهم هؤلاء وأعطهم شيئاً من كتبهم إن كان لهم كتب أو أجوبتهم أو أشرطتهم حتى يقتنعوا بهذا فإن لم تتمكن من ذلك أو تمكنت وفعلت ولكن لم يستفيدوا شيئا فحينئذ يجب عليك أن ترفع أمرهم إلى من له السلطة عليهم بحيث يلزمهم بما يجب عليهم في حق الله سبحانه وتعالى وليعلم أن من أهم حقوق الجيران بعضهم على بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) وإذا كان قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) فالواجب علينا أن نحرص على هداية جارنا لأن هدايته غذاء للروح وخير له في دينه ودنياه ولا يقول أحد أخشى إن نصحته أن يزعل علي أو يهجرني فإن هذا من تخويف الشيطان بل انصحه ومره بالمعروف وانهه عن المنكر لأن هذا هو الواجب عليك والواجب عليه قبول الحق من أي نفر كان فإن لم يقبل برئت ذمة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وصار الإثم على من خالف.
المستمع رمز لاسمه بـ ك ع يقول فضيلة الشيخ لي ولد متزوج وله طفل ويسكن معي في الدار إلا أنه يعاقر الخمر والعياذ بالله يوميا ويسبب المشاكل للعائلة إضافة إلى تلفظه بكلمات نابية وبالكفر والعياذ بالله وبالرغم من نصحي له بترك الخمر والسير مع العائلة السيرة الحسنة التي يرضاها الله عز وجل إلا أنه لم ينتصح فهل يحق لي أن أطرده من البيت لأنه ولد عاق وكيف أتصرف معه بحيث لا يغضب الله علي أو أتحمل الإثم لأنني رجل حاج إلى بيت الله الحرام وأخاف العقاب فأرجو نصحنا وتوجيهنا بذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إنني أقدم النصيحة أولاً لهذا الابن الذي ابتلي بهذه البلية وهي معاقرة شرب الخمر وأقول له إن شرب الخمر من كبائر الذنوب وإن الخمر مفتاح كل شر وهي محرمة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين قال الله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) وثبت عن النبي صلى الله علية وسلم أنه (لعن شارب الخمر) وثبت عنه أنه قال (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وجاء عنه صلى الله عليه وسلم (أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) والنصوص في ذلك كثيرة ومعلومة لكثير من الناس فالواجب على هذا الابن المبتلى بهذه البلية أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يقلع عنها وأن يبتعد عن شاربيها وأن لا تكون له على بال حتى يمن الله عليه بالهداية والله عز وجل إذا علم من عبده صدق النية في التوبة الخالصة فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه وييسر له التوبة ويسهلها عليه.
أما النصيحة الثانية فهي لك أنت أيها الأخ السائل ولأهل بيتك أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على نعمته حيث عافاكم مما ابتلى به هذا الشخص وأن تحاولوا نصحه مهما أمكن فإن تيسر وهداه الله فهذا لكم وله وإن لم يفعل فلا حرج عليكم في إخراجه من البيت بل قد يكون من الواجب أن تخرجوه من البيت لئلا يسري خبثه إلى من في البيت ولئلا يحصل منه ما لا تحمد عقباه من العدوان على أمه أو على أخواته أو عليك أنت أيها السائل أو غير ذلك المهم أنه إذا لم ينته عما كان عليه من هذه الخبائث فإن الواجب عليكم أن تخرجوه من البيت ولعلكم بإخراجه تكونوا سببا لهدايته إذا رأى الأمر أنه قد ضاق عليه وأنه أصبح طريدا مبعدا عن أهله فربما يرجع إلى الله عز وجل ويتوب إلى الله ولا أرى أن تبقوه في البيت إطلاقاً.
هذه السائلة من ليبيا أرسلت في الحقيقة برسالة مطولة تقول إنها فتاة تبلغ من العمر الثالثة والعشرون ملتزمة وتحمد الله على ذلك ولكن المشكلة في أن أباها يتعاطى الخمر والمسكرات فترة طويلة وذلك سرا ولكن بحكم عملي في البيت تعرفت على ذلك فما الواجب علي علما بأنني لا أستطيع المواجهة والنصح في مثل هذه الأمور؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على هذه المرأة أن تزجي النصيحة لأبيها بأي وسيلة لأن من بر الوالد أن يسجي ولده له النصيحة ألم تر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) وناصحه وكذلك نحن يجب علينا أن ننصح أمهاتنا وآبائنا بأي وسيلة فإذا كانت هذه السائلة لا تستطيع مواجهة أبيها فإن الواجب عليها أن تكتب له كتابا بدون توقيع تذكره بالله عز وجل وتبين له النصوص الدالة على تحريم الخمر والوعيد الشديد على شاربها فلعل الله سبحانه وتعالى أن ينقذه من ذلك ولا ينبغي لها أن تيأس من صلاح والدها فكم من إنسان كان فاسداً فأصلحه الله تعالى بأدنى سبب والله سبحانه وتعالى مقلب القلوب يقلبها كيف يشاء نسأل الله لأبيها الهداية ونسأل الله لها الإعانة.
هذه مستمعة للبرنامج تقول في هذا السؤال بأنها فتاة ملتزمة وتحمد الله على ذلك منذ ما يقارب من سنة ولكن قلبي في تغير مستمر وتقلب فأحيانا أشعر بقوة في إيماني وإقبال على الصلاة بخشوع وحب للخير وأحيانا تقل هذه القوة وأشعر بقسوة في قلبي فلا أبقى على حال واحدة لدرجة أني بدأت أشعر بالخوف على ديني وأخشى أن أعود كما كنت وأشعر بأن إيماني بدأ يقل تدرجيا وجهوني يا فضيلة الشيخ بما يقوي إيماني وادعو لي بالهداية والثبات على الحق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نسأل الله لنا ولها الهداية والثبات على الحق والإنسان بشر يتغير بحسب ما يرد على قلبه وما ينظر إليه بعينه ويسمع به بأذنه ولكن على المؤمن أن يسأل الله تعالى الثبات دائما وأن يفعل الأسباب التي يثبت بها إيمانه من كثرة مراقبة الله عز وجل وذكره بالقلب واللسان والجوارح وقراءة القرآن بتدبر وتفكر فإن قراءة القرآن على هذا الوجه تلين القلب وتزيده إيمانا وكذلك يكثر من مخالطة أهل الخير والصلاح الذين يعينونه إذا ضعف ويذكروه إذا نسى والمهم أن يسأل الله تعالى الثبات دائما مثل أن يقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) وما أشبه ذلك من الأدعية وسيجد الخير إن شاء الله تعالى ولكن لا يتقاعس ولا ييئس من رحمة الله ولا ينظر إلى ما وراءه مما كان عليه من معصية الله عز وجل بل ينظر إلى ما أمامه من الطاعة والخير والثواب الجزيل لمن أطاع الله.
هذا المستمع عيسى عبد اللطيف من بقيق يقول في سؤاله الكثير من الزوجات هداهن الله لا يردن من أزواجهن أن يتزوجوا عليهن فأريد بذلك نصيحة لهن من قبل الإذاعة في برنامج نور على الدرب جزاكم الله خيراً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم النصيحة في ذلك أن نقول: أولاً للأزواج لا ينبغي أن تتزوج بأكثر من واحدة إلا إذا كان الإنسان عنده قدرة في المال وقدرة في البدن وقدرة في العدل فإن لم يكن عنده قدرة في المال فإنه ربما يكون الزواج الثاني سبب لتكاثر الديون عليه وشغل الناس إياه بالمطالبة وإذا لم يكن عنده قدرة في البدن فإنه ربما لا يقوم بحق الزوجة الثانية أو الزوجتين جميعاً وإذا لم يكن عنده القدرة على العدل فقد قال الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) فإذا كان عند الإنسان قدرة في المال والبدن والعدل فالأفضل في حقه التعدد بأن يتزوج أكثر من واحدة لما في ذلك من المصالح الكثيرة التي تترتب على هذا كتحصين فرج المرأة الثانية وتكثير النسل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وإزالة ما في نفس الإنسان من الرغبة في التزوج بأخرى أما بالنسبة للمرأة السابقة فنصيحتي لها ألا تحول بين الإنسان وبين ما شرع الله له بل ينبغي لها إذا رأت من زوجها الرغبة في هذا وأنه قادر بماله وبدنه ومستطيع للعدل أن تكون مشجعة له على ذلك لما في هذا من المصالح التي أشرنا إليها وأن تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان معه عدة زوجات وأن تعلم أنه ربما يكون في ذلك خير لها فالمرأة الثانية قد تعينها على شؤونها وتقضي بعض الحقوق التي لزوجها مما تكون الأولى مقصرة فيه في بعض الأحيان والمهم إن نصيحتي للنساء ألا يغرن الغيرة العظيمة إذا تزوج الزوج عليهنّ بل يصبرن ويحتسبن الأجر من الله ولو تكلفن وهذه الكلفة أو التعب يكون في أول الزواج ثم بعد ذلك تكون المسألة طبيعية.
المستمع يقول إنه يعمل مع رجل يصر على ارتكاب بعض المخالفات ولا يعبأ بالنصيحة وقد أحضرت له بعض الكتب الشرعية عله يستنير بها ولكن دون جدوى فهل أترك العمل معه رغم ندرة العمل عندنا أم أن نصحي وإرشادي له قد يجعله يتراجع عن معاصيه نرجو النصيحة والإرشاد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة في هذا الشأن يمكن أن نوجهها إليك وإليه أما بالنسبة لك فالواجب عليك أن تتابع النصيحة ما دمت ترجو أن يكون لها أثر في إصلاح هذا الرجل ولا تمل ولا تسأم ولا تيأس فإن الباب قد لا ينفتح في أول محاولة وينفتح في المحاولة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو أكثر واسأل الله له الهداية فإن دعاءك لأخيك في ظهر الغيب حريٌ بالإجابة لأن الملك يقول آمين ولك بمثله واهده بالتي هي أحسن فإن أبى وأصر على ما هو عليه من المعصية فإن كان يفعل المعصية بحضورك لأن طبيعة العمل تقتضي أن تكون حاضراً وهو يعمل المعصية فلا يجوز لك أن تبقى في هذا العمل لأن الجلوس مع أهل المعاصي معصية ومشاركةٌ لهم في الإثم كما قال الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن قعدتم معهم فأنتم إذاً مثلهم أما إذا كانت المعاصي التي يعملها خارج العمل التي أنت مشاركٌ له فيه فإنه لا يضيرك أن تبقى في عملك لأنك لم تشاهد المعاصي التي يفعلها ولم ترضَ بها هذا بالنسبة للنصيحة لك أما نصيحتى له فإنني أقول عليه أن يتقي الله في نفسه وأن يتوب إلى الله عز وجل لأن الله عز وجل أوجب التوبة على عباده من جميع الذنوب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة إلى الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام (توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة) فالواجب عليه أن يقلع من الذنب ويندم عليه ويعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل حتى تكون توبته نصوحة لئلا يفجأه الموت وهو مقيمٌ على معصيته فلا تنفعه التوبة حينئذٍ لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) فالإنسان لا يدري متى يفجأه الموت فنصيحتي له ولكل مذنب مشفقٍ على نفسه أن يتوب إلى الله ويقلع عن ذنبه قبل أن لا يكون له مناص منه.
في رمضان يكثر القراء لكتاب الله عز وجل وهذا طيب وأجره كبير وعظيم ولكن بعد رمضان قد يهجر القرآن حتى يأتي رمضان الآخر ويبقى على الرفوف فماذا تنصحوننا وتنصحون المسلمين في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ننصح إخواننا المسلمين ولا سيما حفظة القرآن أن يتعاهدوا القرآن بالتلاوة لينالوا الأجر ويكونوا على ارتباط بكلام الله عز وجل وأن لا يدعوا وقتاً من أوقاتهم إلا ولهم فيه خير من قولٍ أو عمل وأحث إخواني حفاظ القرآن على تعاهده لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال (تعاهدوا القرآن والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) فينبغي لحفظة القرآن أن لا يهملوه لأن إهماله والإعراض عنه حتى ينسى قد يكون فيه إثمٌ كبير وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الشباب يتهيب من حفظ القرآن ويقول أنا لا أحفظه أخشى أن أنساه فأكون على إثم وهذا لا شك من وساوس الشيطان وتثبيطه عن الخير فأنت يا أخي ما دمت في زمن الشباب فاحفظ القرآن وتعاهدوه واستعن بالله عليه واحرص على ثباته في قلبك وإذا نسيت آيةً مع الاجتهاد فلا إثم عليك إطلاقاً فقد ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ذات ليلة وقرأ ونسي آيةً من القرآن فذكره بها أبي بن كعبٍ بعد الصلاة فقال هلا كنت ذكرتنيها) (ومر برجلٍ يقرأ القرآن فقال يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آيةً كنت نسيتها) فالحاصل أن الإنسان إذا اجتهد وحفظ القرآن وتعاهده ثم نسي منه ما نسي فلا إثم عليه بلاشك فعليك أيها الشاب أن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن تستعين بالله عز وجل على حفظ كتابه سبحانه وتعالى وأن تبدأ بحفظ القرآن وأن تحفظ أوقاتك من إضاعتها بلا فائدة وفي بلادنا ولله الحمد حلقات كثيرة من حلق تعليم القرآن حفظاً ونظراً فنسأل الله تعالى أن يعم بها جميع بلاد الإسلام وأن يحفظ بها عباده المؤمنين.
المستمعة أ. س. أم جويرية من دولة الكويت تقول بأنها فتاة منقبة تحمد الله على ذلك ولكن والدتي ترفض الخروج معي لزيارة الأهل والأقارب لأنها تعتقد بأنني مصدر إحراج لها وهي غير راضية عن تصرفاتي بلبس النقاب وعدم مصافحة الرجال وأمور الالتزام الأخرى فكيف أتصرف معها وبماذا ترشدونني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا من وجهين الوجه الأول بالنسبة لأمك فإنني أنصحها بأن تدع هذا الأمر وهو مضايقتك من أجل التزامك وأقول لها إن الواجب عليها أن تحرص على معونتك على البر والتقوى وأن تحمد الله عز وجل أن جعل من ذريتها ذريةً صالحة وكل إنسان بلا شك يفرح إذا كان أولاده صالحين من بنين أو بنات والولد الصالح ذكرٌ أو أنثى هو الذي ينتفع به والده بعد مماته لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالح يدعو له) ولا يحل لها أبداً أن تضايقك على فعل المعروف وترك المنكر.
أما الوجه الثاني فهو بالنسبة لك فأنت التزمي حدود الله ولا يهمك أحد لا أمك أو غيرها فأنت إذا فعلتي ما يرضي الله فلا يهمك أن يسخط عليك جميع الناس حتى أمك ومن سخط عليك بسبب طاعة الله فليسخط ولا تهتمي به أبداً وأما كونها تأبى أن تخرج معك وترى إن ذلك إحراجٌ لها فهذا من قلة بصيرتها فإنه ليس في النقاب ولا في الامتناع من مصافحة غير المحارم إحراجٌ أبداً بل هو من نعمة الله وينبغي للإنسان أن يفرح به وأن يحمد الله الذي أعانه على فعله لأن ذلك من طاعة الله عز وجل.
المستمع ع. ع. ص. من صنعاء باليمن يقول بأنه شابٌ مسلم ويحمد الله على هذه النعمة وعمري لا يتجاوز السابعة والعشرين أصبت منذ أحد عشر عاماً بمرض وذهبت إلى عدة مستشفيات في اليمن على أمل الشفاء ولكن دون جدوى وفوضت أمري إلى البارئ عز وجل فهو القادر على شفائي وتفريج كربتي وليس للمؤمن إلا ما كتب الله له ثم يقول والدي يلح علي بالزواج ولكنني أرفض خوفاً من تطور المرض خاصةً وله هذه المدة الطويلة فهل في رفضي هذا معصية لوالدي نرجو التوجيه مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن كلام هذا السائل كلامٌ طيب في كونه أثنى على ربه لهدايته إلى الإسلام وفوض أمره إلى الله لما أصابه من المرض وهكذا ينبغي للمؤمن إذا من الله عليه بالهداية والاستقامة أن يحمد الله على ذلك ويسأله الثبات عليها حتى يلقى ربه عز وجل وهكذا ينبغي للمؤمن إذا أصيب بمصيبة أن يفوض أمره إلى الله ولكن لا يدع الأسباب التي جعلها الله تعالى سبباً في إزالة هذه المصيبة وأما إلحاح والده عليه بالزواج وامتناعه عن ذلك فالذي أرى أن لا يمتنع من الزواج ما دام مرضه لا يخشى منه أن يتعدى إلى الزوجة فإن الذي أرى أن يتزوج فلعله أن يكون في زواجه خير وشفاءٌ من هذا المرض فإن بعض الأشياء قد لا يخطر بالبال أنها مفيدة مجدية ومع ذلك تكون مفيدةً مجدية بإذن الله فنصيحتي له أن يتزوج امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) وطاعةً لوالده الذي كان يلح عليه في الزواج إلا إذا كان فيه مرض يخشى منه أن ينتقل إلى الزوجة فيكون جانياً عليها فهذا له أن يمتنع ولكن ينبغي أن يبين لوالده السبب حتى يطمئن والده ويرضى.
السائلة تستفسر عن موانع الدعاء تقول لقد دعوت الله أن يرزقني بالزوج الصالح ولكن للأسف من يتقدم لي غير ذلك وقد تقدم لي أحد الأشخاص الذي يبدو عليهم الصلاح إلا أنه كان متزوجا فرفضته لأنني لا أقبل نفسيا أن أكون الزوجة الثانية وأن تكون سعادتي على حساب تعاسة الآخرين فهل آثم في رفضه كما أنها تقول يراودني شعور بأنني سأظل بلا زواج طول عمري ومهما دعوت فلن يستجاب لي هل هذا الشعور هو تحقيق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (قلب المؤمن دليله) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نقول لها ولغيرها إن الله سبحانه وتعالى قد يمنع إجابة دعوة الشخص لخير يريده لهذا الشخص فلا يستعجل الإنسان بل يلح في الدعاء والإنسان إذا دعا ربه فلن يخيب لأمور أولا أن الدعاء عبادة يؤجر عليها ويثاب عليها.
ثانيا أن الله تعالى إما أن يجيب دعوته أو يدخرها له يوم القيامة أو يصرف عنه من السوء ما يقابل ما دعا به أو أكثر ومع ذلك نقول ألح بالدعاء فإنك إنما تدعو غنيا كريماً جوادا ولا تيأس ولهذا جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول الله قال يدعو ويدعو ويدعو فيقول لم يجب لي أو كلمة نحوها فيستحسر عن الدعاء) فهذه المرأة نقول لا تيأسي من رحمة الله كرري الدعاء وأما كونها يتقدم لها رجل ذو دين ولكن معه زوجة أخرى فتمتنع من الإجابة من أجل الزوجة الأخرى فلا أرى لها ذلك ما دام الرجل صالحا ذا خلق ودين فلتجبه وقولها لا أحب أن تكون سعادتي بشقاء الآخرين هذا غلط فإن الآخرين لا ينبغي لهم أن يشقوا بذلك فلا ينبغي للمرأة أن تغلبها الغيرة بحيث تشقى إذا تزوج زوجها لأن تعدد الزوجات مما ينبغي أن يفعله العبد إذا كان ذا قدرة مالية وبدنية وآمنا من الجور والميل فإن في كثرة النساء كثرة الأولاد وكثرة الأمة وتحصين فروج كثير من النساء الباقيات في البيوت وهو من نعمة الله عز وجل
ولولا أن الحكمة في تعدد الزوجات ما شرعه الله عز وجل ولا أذن فيه نعم إذا كان الإنسان قليل المال أو ضعيف البدن أو خائفا ألا يعدل فهنا نقول الأفضل أن تقتصر على ما عندك وتسأل الله التوفيق.
هذه رسالة وصلت من إحدى الأخوات المستمعات تعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة والرسالة طويلة وسأقوم إن شاء الله تعالى باختصارها تقول أريد أن أستشيركم في أمر يخصني وأفراد أسرتي من البنات ألا وهو أني وأخواتي البنات كتب علينا أن نظل بلا زواج لأننا قد تخطينا سن الزواج إلى ما بعده بكثير جداً جداً إن لم يكن اقتربنا من سن اليأس بالفعل هذا مع العلم ولله الحمد والله على ما أقول شهيد أننا على درجة من الأخلاق وقد حصلنا على شهادات جامعية جميعنا ولكن هذا هو نصيبنا والحمد لله نسأل الله سبحانه وتعالى الصبر والإيمان والتقوى ولكن الناحية المادية هي التي لا تشجع أحداً بأن يتزوجنا لأن ظروف الزواج وخاصة في بلدنا تقوم على المشاركة بين الزوجين باعتبار ما سيكون في المستقبل والآن وبعد أن تعديت سن الزواج وفقني الله عز وجل للعمل في الإمارات العربية المتحدة إلا أنني سمعت في برنامجكم المفضل نور على الدرب عن حرمانية هذا السفر اتباعاً لسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقررت بمشيئة الله أن أقدم استقالتي للرجوع إلى بلدي مرة أخرى لأنه ليس هناك لدي من تسمح ظروفه بالسفر معي والآن أسألكم يا فضيلة الشيخ كيف نقي أنفسنا شر الألم الذي قدر لنا وكيف نحمي أنفسنا من كثرة الأسئلة التي توجه إلينا من الناس جميعاً عن السبب في عدم زواجنا فلقد أصبح اختلاطنا بالناس أمر محال بسبب هذا الأمر وأنا أعلم أن الصبر والصلاة والاستعانة بالله جل شأنه هو السبيل ولكن لاشك في أن في هذا الأمر مشقة على النفس أرجو نصيحتي وتوجيهي نيابة عن أخواتي وأسأل الله لي ولهنّ الخير بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة التي أوجهها إلى مثل هؤلاء النساء اللاتي تأخرن عن الزواج هي كما أشارت إليه السائلة أن يلجأن إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع إليه بأن يهيئ لهنّ من يرضى دينه وخلقه وإذا صدق الإنسان العزيمة في التوجه إلى الله واللجوء إليه وأتى بآداب الدعاء وتخلى عن موانع الإجابة فإن الله تعالى يقول (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فرتب سبحانه وتعالى الإجابة على الدعاء بعد أن يستجيب المرء لله ويؤمن به فلا أرى شيئاً أقوى من اللجوء إلى الله عز وجل ودعائه والتضرع إليه وانتظار الفرج وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) وأسأل الله تعالى لهن ولأمثالهن أن ييسر لهن الأمر وأن يهيئ لهن الرجال الصالحين الذين يعينوهنّ على صلاح الدين والدنيا.
يافضيلة الشيخ المستمعة تقول هل عدم زواجنا هذا بما يسببه لنا من ألم فيه تكفير لذنوبنا وهل هذا الحرمان ينطبق على حالنا أم هو نصيب ومكتوب فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا الذي حصل نصيب ومكتوب فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة وكتب على العبد أجله وعمله ورزقه وشقي أم سعيد وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ومع كونه مكتوباً مقدراً من الله عز وجل فإن الله تعالى يثيب المرء عليه إذا صبر واحتسب فإذا صبر الإنسان واحتسب على المصيبة كان في ذلك تكفير لسيئاته ورفعة لدرجاته وتكثير لثوابه قال الله تعالى (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) وقال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
يافضيلة الشيخ: تقول هل والدنا الفاضل يمكن أن يسأل عن ذلك الأمر يوم الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: والدكم لا يسأل عن ذلك يوم الدين إلا إذا كان سبب التأخير منه مثل أن يأتي الخطاب الذين يرضى دينهم وخلقهم ثم يردهم نظراً لما يحصل منكم من مادة له بهذه الوظائف فإذا كان الأمر كذلك أي أنه يرد الخطاب من أجل مصلحة مادية تعود عليه فلا شك أنه آثم بذلك وأنه لم يقم بواجب الأمانة فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره من هذا العمل وأن يبادر بتزوجيكنّ من حين أن يأتي الخاطب الذي يرضى دينه وخلقه.
أنا شاب في السادسة والعشرين من العمر تزوجت فتاة مسلمة والحمد لله لكن مشكلتي هي أن والدي وأمي لم يوافقوا على ذلك الزواج أما أنا فقد تزوجتها بموافقة أهلها ورضاها وبعد مدة قصيرة من الزواج بدأت مشاكل بين زوجتي وأهلي أمي وأبي وإخواني فهم يريدون من زوجتي الشغل خارج البيت في المزرعة ومعهم كثير من إخواني وأنا غير موجود معهم فأنا موظف والمشكلة أن جميع من في البيت ما عدا أنا وزوجتي يحبون صوفية هذا الزمان الذين تكثر فيهم البدع والخرافات ومن هذه البدع أنهم يذهبون إلى السيد ويعملون أوراق على شكل مربعات ويكتبون فيها أشكالاً وألواناً لا نعرف ما هي هذه الكتابة وليست من القرآن ويحرقونها في النار والكثير من البدع وأنا أنصح لهم ولا يفيد ذلك وجوابهم في ذلك أنهم يقولون أنت البارحة صرت في الدنيا وأنت اليوم تعلمنا بديننا والحقيقة أنني لم أستطع أنا وزوجتي أن نعيش في هذا البيت من كثرة المشاكل وهم يلحون علي أن أطلق زوجتي وأنا لا أقبل بذلك مما جعلني أترك هذا البيت وأسكن في بيت ثاني مع العلم أنهم لن يقبلوا أن أعيش معهم أو أن أرجع إليهم أبداً وإذا رجعت فإنهم يهددوني فماذا أعمل أرجو من فضيلتكم تفصيل ذلك ونصيحتكم جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا أولاً لأهلك ننصحهم أن يكفوا عما هم عليه من هذه الخرافات البدعية التي ما أنزل بها من سلطان والتي لا تزيدهم من الله تعالى ألا بعداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وحذر صلى الله عليه وسلم من البدع وقال (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وإذا كانوا صادقين في إرادتهم لله عز وجل والدار الآخرة فليتبعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فإن بذلك السعادة في الدنيا والآخرة قال الله تبارك وتعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهم إذا رجعوا إلى خالص السنة وصفائها عرفوا أن ما هم عليه ضلال وخطأ وانشرحت صدورهم للإسلام واطمأنت قلوبهم به وعرفوا قدر الحياة التي قال الله تعالى عنها (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وأما بالنسبة لك فإنني أوصيك بتقوى الله عز وجل أنت وزوجتك وأن تستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى وما صنعته من انفرادك عنهم في البيت أنت وزوجتك فإنه موافق للصواب فلتبق مع زوجتك في هذا البيت بعيداً عن البدع والخرافات ولتصل والديك وأقاربك بما يجب عليك ولتحرص على نصيحتهم دائماً وتبين لهم الحق ولا تيئس فإن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى وكم من إنسان كان بعيداً عن الحق وبكثرة النصح والإرشاد والتوجيه بالأدلة المنقولة والمعقولة حصل له الخير والفلاح
السؤال: السائل يقول أنا أعمل بالمملكة العربية السعودية وأسكن مع أخوة لي مصريين وكلنا والحمد لله على خلق ونحافظ على جميع أنواع العبادات ولكن يا فضيلة الشيخ يوجد بيننا رجل لا يصلى الفرض إلا لوحده منفرداً ولا يصلى إلا يوم الجمعة مع الجماعة ولقد نصحناه كثيراً بالصلاة معنا في الجماعة لكنه لم يمتثل لأي نصيحة أو توعية من إخوانه وكذلك إذا دخل علينا المنزل لا يقول السلام عليكم ورحمة الله أو السلام عليكم ويقول لن أقول لأحد السلام عليكم أنا حر أقول ما أشاء بمزاجي فوجهونا في ضوء ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نوجه الأخ المسئول عنه بالتوبة إلى الله عز وجل والقيام بما أوجب الله عليه من صلاة الجماعة وكذلك ننصحه بأن يسلم على إخوانه إذا دخل عليهم لأن هذا من حقهم عليه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (حق المسلم على المسلم ست وذكر منها إذا لقيته فسلم عليه) أما بالنسبة لهؤلاء فإن عليهم النصيحة لهذا الأخ الذي تخلف عن الجماعة ولا يصلى إلا يوم الجمعة وهو أيضا لا يسلم عليهم ويهددونه بأنه إذا لم يستقم طردوه من صحبتهم ولا حرج عليهم أن يطردوه من صحبتهم إذا أصر على ما هو عليه من المنكر اللهم إلا أن يخافوا أنه لو ذهب عنهم لارتكب إثماً أشد من الإثم الذي هو عليه فيما بينهم فهنا يتوجه أن يقال يبقى عندهم ويناصحونه لعل الله يهديه.
رسالة بعثت بها السائلة أم فيصل أختكم في الله من الرياض كتبت بأسلوبها الخاص وهي رسالة مطولة فهمت من هذه الرسالة شيخ محمد حفظكم الله بأن بينها وبين زوجها مشاكل حيث تذكر أنها تعاني من مرض نفسي وبأنها لا تستطيع أن تقوم برعاية زوجها الرعاية الكاملة الأسرية فما هو السبيل لبناء الحياة الأسرية السعيدة في مثل هذه الحالة وإذا كان التفاهم من جانب واحد وهو الزوج وأما والزوجة فمقصرة فبماذا تنصحونها وتطلب منكم أن تدعو لها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحها بأن تصبر وتحتسب وتحاول بقدر ما تستطيع أن تصلح العشرة بينها وبين زوجها وهي مع دعاء الله تعالى والاستعانة به وحسن النية ستنال مقصودها فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولا تتعجل بطلب الفراق وأما دعاؤنا لها فإني أسأل الله تعالى أن يصلح حالها مع زوجها ولكني أخبرها وأخبر غيرها أيضا أن دعاء الإنسان لنفسه أفضل من طلبه من غيره فكونه هو الذي يدعو الله تعالى خير له من أن يقول يا فلان ادع الله لي لأن الله تعالى يقول (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ومنة الله عليك خير من أن يمن عليك رجل مثلك أو امرأة مثل المرأة ولا شك أن من طلب السؤال من غيره سيناله شيء من الذل والتذلل لهذا المطلوب فكونك لا تطلب أحدا وتبقى عزيز النفس خير من أن تطلب شخصا يدعو لك فوصيتي لهذه المرأة ولغيرها أن يدعو ربهم عز وجل وألا يلتفتوا إلى غيرهم وأن يدعو الله وهم موقنون بالإجابة غير مستبعدين لها وليكرروا السؤال والدعاء فإن الله تعالى يحب الملحين بالدعاء وليعلموا أن الله تعالى قد يمنع عنهم ما دعوه به لمصلحتهم حتى يكرروا الدعاء ويخلصوا اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء نفسه عبادة يقرب إلى الله وانتظار الفرج من الله تعالى عبادة يوجب تعلق قلب العبد بربه عز وجل وكم من إنسان ازداد إيمانا بتأخر إجابته وازداد لجوءا وافتقارا إلى الله حين تأخرت إجابة الطلب ولا ينبغي للسائل أن يستحسر ويتعجل فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي بل يلح ويلح مرارا وتكرارا فإنه ليس بخائب إطلاقا لأن الله تعالى إما أن يستجيب له وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم مما هو فيه وإما أن يدخر ذلك له أجرا وثوابا يوم القيامة.
بعض الناس يجعل من يوم الجمعة موعدا لرحلاته ونزهاته هل لكم توجيه في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إني أوجه النصيحة لهؤلاء القوم الذين يجعلون يوم الجمعة محلا أو وقتاً للرحلات والبعد عن صلاة الجمعة أن يتقوا الله عز وجل وأن يحمدوا الله تعالى على نعمه وعلى ما نحن فيه من رخاء ورغد وأمن وأن يشكروا الله عز وجل ثم الحكومة التي جعلت للناس متسعا في الإجازة الأسبوعية حيث أضافت إلى يوم الجمعة يوم الخميس وبالإمكان أن يجعل الإنسان يوم الخميس هو يوم رحلاته ويجعل يوم الجمعة هو يوم شراء حاجاته الأسبوعية لأن بعض الناس يقول إني في يوم الخميس أتفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية فنقول اجعل يوم الجمعة هو يوم التفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية واجعل يوم الخميس يوم رحلات أما أن تجعل ذلك يوم الجمعة وتواظب على هذا وكل جمعة تخرج من بلدك وتترك صلاة الجمعة فهذا يفوتك خيراً كثيراً وربما تقع في إثم.
المستمع ع ح ط يقول في هذا السؤال ما هو توجيه فضيلتكم لمن أصر على عدم قبول الحق لأن المتحدث يصغره بالسن أولأن السامع في قلبه شيء على نفس المتحدث أرجو النصح والتوجيه في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي في هذا إذا كان هذا المصر على المعصية سواء كانت فعل محرم أو ترك واجب وكان أخوه أو صاحبه يصغره في السن ويعلم أنه لن يقبل منه نصيحتي للمنصوح أن يقبل النصيحة من أي شخص كان فالحق هو مراد المؤمن وهو ضالة المؤمن أينما وجده أخذه أما بالنسبة للناصح فإذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا سوف يحتقر النصيحة ولا يقبلها فيطلب ذلك ممن هو أكبر منه حتى يقوم بالنصيحة لهذا الرجل المصر على المعصية.
ما الطريقة المثلى لنصح الجار الذي يتخلف عن الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لنصح الجار أن تذهب إليه في البيت أو تدعوه إلى بيتك أو ترافقه في السوق وتتلطف معه وتخاطبه بالتي هي أحسن وتقول له أنت جاري ولك حق علي وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار خيرا ولك حق علي أن أساعدك في كل ما فيه منفعتك في الدين والدنيا وتأتي له بالأسلوب الذي تراه مناسبا ثم تنتقل بعد ذلك وتقول إن من خير ما أهدي إليك أن أنصحك بالمحافظة على الصلوات لأن الصلاة عمود الدين وتذكر له من فضلها وتحذره من إضاعتها ثم تقول ومن إقامتها والمحافظة عليها أن تصلىها مع الجماعة ثم تذكر له فضل الجماعة وتحذره من التخلف عنها وفي ظني أن الإنسان إذا نصح بطريق طيب لين فإنه سيؤثر قوله بلا شك إذا كان مخلصا لله تعالى في نصيحته غير شامت ولا منتقد فإن كلمة الحق إذا خرجت من قلب ناصح أثرت تأثيرا بليغا إما في الحاضر وإما في المستقبل ألا ترى إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما أحضر إليه السحرة في مجمع عظيم قال لهم موسى (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى) قال الله تعالى (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) يعني حل بينهم النزاع في الحال لأن الفاء في قوله (فَتَنَازَعُوا) تدل على الترتيب والتعقيب وعلى السببية أيضا إذا دخلت على الجمل فإنها تفيد السببية فانظر كيف أثرت هذه الكلمة في أولئك السحرة تنازعوا أمرهم بينهم وإذا حل التنازع في أمة أو طائفة فإن مآلها الفشل والخذلان قال الله تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) هذا ما أراه في نصيحة جارك حول تهاونه بصلاة الجماعة فإن أفاد فيه ذلك فهذا هو المطلوب وإن لم يفد فإن عليك أن ترفع الأمر إلى الجهات المسئولة وبذلك تبرأ ذمتك.
أبو معاذ من الرياض كتب رسالة مضمونها عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة يقوم أهل العروسة بالسؤال عن العريس وذلك عن طريق جيران العريس وزملائه في العمل عن دينه وأخلاق ذلك العريس فنجد البعض يخفون الحقيقة عن أهل العروسة فنجدهم يثنون على العريس ويصفونه بأوصاف ليست في الحقيقة موجودة فيه لدرجة أنهم يجعلونه من المحافظين على الصلوات في المسجد مع الجماعة وهو في الحقيقة قد لا يعرف طريق المسجد ولم يركع لله ركعة واحدة وغير ذلك من ارتكاب بعض الآثام وما خفي كان أعظم وكم من ضحية ذهبت في مثل هذه القضية يقول السائل وهذا ما حصل لإحدى الأخوات الملتزمات نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحداً ولكن بعد الزواج اكتشفت حقيقة هذا الزوج ومدى الغش والكذب الذي وقع لها من قبل هؤلاء الناس مما اضطرها إلى طلب الطلاق فأرجو توضيح حكم الشرع في نظركم في فعل هؤلاء وما نصيحتكم لهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نبين حكم اللفظ الذي قال عريس وعروسة الواقع أنهما ليس عروسين ولكنهما خاطبٌ ومخطوبة فينبغي للإنسان إذا تلفظ بالكلمات أن تكون كلماته محررة منقحة أما ما يتعلق بوصف بعض الناس للخطيب بأنه ذو خلق ودين وهو برئٌ من ذلك أو ناقصٌ في ذلك فهذا والله عين الغش وهو مخالفٌ للدين لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (الدين النصيحة) كررها ثلاث مرات (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة) قالوا لمن يا رسول الله قال (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وهؤلاء الذين يمدحون الخاطب وهم كاذبون والله ما نصحوا لعامة المسلمين بل غشوا وخدعوا ثم إن هؤلاء المساكين يظنون أنهم محسنون إلى الخطيب وهم أساؤا إليه حيث غشوا به الناس ثم هو سوف يتنكد فيما بعد إذا عرف أنه ليس ذا خلق ودين سوف يكون هناك نكد بينه وبين الزوجة وبين أهله وأهلها ويرجع الزواج جحيماً والعياذ بالله ونصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يبينوا الحقيقة ولو كان ابنهم حتى لو كان ابنهم وخطب من أناس وهم يعرفون من ابنهم أنه ذو كسلٍ في العبادة وذو سوءٍ في الخلق فيجب أن يبينوا ويقولوا والله ولدنا قليل الصلاة مع الجماعة وسيئ الخلق قريب الغضب بطئ الإفاقة من الغضب فإن شيءتم زوجوه وإلا اتركوه هذا هو الواجب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) وهذا الذي ذكر السائل من وقوع بعض الملتزمات في مشاكل من أجل هذا الغش أمرٌ واقع وكثيراً ما نسأل عنه وفي هذه الحال ينبغي عند العقد أن يقال نشترط عليه أن يكون مستقيماً في دينه وخلقه فإن لم يكن مستقيماً فلنا الفسخ حتى يرتاحوا فإذا لم يكن مستقيماً فلهم الفسخ لأن استقامة الدين والخلق من الأمور المطلوبة كما في الحديث (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ومفهوم الحديث إذا لم نرضَ دينه وخلقه فلا نزوجه فأقول إذا خفنا أن نقع في مثل هذه الحال وهو كثير نقول بشرط أن يكون مستقيم الخلق والدين فإن لم يكن كذلك فللمرأة الفسخ ويكون هذا شرطاً صحيحاً مقصوداً قصداً شرعياً إذا لم يكن مستقيم الدين والخلق بسم الله فسخت نكاحي منه وتسلم منه.
التوبة
بارك الله فيكم، المستمع خالد سليمان الواصل يسأل ويقول ما هي شروط التوبة النصوح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح من الذنوب واجبة فإن كان الذنب فعل محرم وجب الإقلاع عنه، وإن كان ترك واجب وجب تداركه بفعله إن كان مما يمكن فعله، أو بفعل بدله إن كان له بدل وإن لم يكن له بدل ولم يمكن فعله كفت التوبة، وللتوبة شروط خمسة:
الشرط الأول أن يكون الحامل لها الإخلاص لله عز وجل لا يقصد بها رياءً ولا سمعة ولا جاهاً ولا تزلفاً لمخلوق ولا غير ذلك من أمور الدنيا، بل لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
الشرط الثاني أن يكون عنده شيء من الندم على ما فعل بحيث لا يكون الفعل وعدمه سواء عنده بل يشعر بنفسه أنه متألم ونادم على ما وقع منه من الذنب، لأن هذا الندم والألم هو الذي يحمله على أن يتوب إلى الله ويرجع إليه وهو الذي يدل على صدق توبته.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال بقدر استطاعته فإن كان الذنب ترك واجب وجب عليه فعله إن كان مما يمكن فعله أو فعل بدله إن كان له بدل وإلا كفى الندم على ما أهمل من الواجب، وإن كان فعل محرم وهو لا يزال متلبساً به وجب عليه الإقلاع عنه فوراً ومن ذلك إذا كان الذنب اعتداءً على غيره فإنه يجب عليه إن كان الاعتداء بأخذ مال أن يرد المال إلى صاحبه وإن كان بمظلمة أن يتحلله منها إلا أن بعض أهل العلم قال إذا كان العدوان بالغيبة وصاحبه لم يعلم أنه اغتابه فإنه يكفي أن يستغفر له وأن يثنى عليه ثناءً يقابل ما حصل منه من غيبة، ولكن لابد أن يكون هذا الثناء مطابقاً للواقع.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى هذا الذنب الذي تاب منه، فأما إن تاب من الذنب ولكنه في نيته إذا سنحت له فرصة أن يعود إليه فهذه توبة عاجز وليست توبة نصوحاً بل لا بد أن يعقد العزم على ألا يعود إلى الذنب الذي تاب منه.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت قبولها، فإن كانت بعد وقت قبولها لم تنفع صاحبها، ووقت القبول هو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور أجل التائب فإن طلعت الشمس من مغربها قبل التوبة فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها)، وإذا حضر الأجل فإنها لا تنفع التوبة ولا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) وعلى هذا فيجب على المؤمن أن يبادر بالتوبة لأنه لا يدري متى يفجأه الأجل وكم من إنسان خرج من بيته ولم يرجع إليه، وكم من إنسان نام على فراشه ولم يقم منه، وكم من إنسان جلس على الأكل ولم يتمه، فالموت ليس له وقت معلوم للبشر حتى يُمْهِلَ في التوبة فالواجب على كل مؤمن أن يبادر بالتوبة قبل أن يفوت وقت قبولها، قال الله تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذه السائلة من ليبيا تقول بأنها أخطأت مرة ثم تابت ودعت الله كثيرا أن يغفر لها ولكن لديها شعور دائما بالذنب فبماذا تنصحونها يا فضيلة الشيخ مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن هذه المرأة التائبة كونها تشعر دائما بذنبها يدل على أن توبتها صادقة لكثرة الندم معها على ما فعلت من معاصي ولكني أقول لها ابشري فإن حال الإنسان بعد التوبة قد تكون أكمل من حاله قبل فعل المعصية لأنه يحصل له بالتوبة الإنابة إلى الله والانطراح بين يديه والتبرأ من الحول والقوة والتبرأ من الإعجاب بالنفس واستصغار النفس واحتقارها أمام عظمة الله وكل هذه معان جليلة ترقى بالإنسان إلى درجة أكمل مما كان عليه قبل التوبة لأن مثل هذه الأمور مفقودة من قبل وعلى هذا فلتبشر بالخير ولتنتهي عما حصل من المعصية فإنها قد غفرت وزالت وانمحى أثرها ولتتذكر ما جرى لآدم عليه الصلاة والسلام حيث نهاه الله أن يأكل من الشجرة ولكنه خالف وعصى قال الله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فلم يحصل الاجتباء إلا بعد أن تاب من المعصية فاجتباه الله وتاب عليه وهداه هداية علم وهداية توفيق وهذا يدل على ما أسلفنا وهو أن الإنسان بعد التوبة النصوح قد تكون حاله أكمل مما كانت عليه قبل فعل المعصية وإنني بهذه المناسبة أود أن أقول إن للتوبة شروطا لابد منها وهي خمسة
الأول الإخلاص لله عز وجل بالتوبة بحيث لا يحمله على التوبة رجاء شيء من الدنيا أو خوف شيء في الدنيا بل يكون الحامل له على التوبة رجاء ما عند الله من الثواب للتائبين والتخلص من أوضار هذا الذنب الذي قام به.
الشرط الثاني أن يندم على ما حصل من الذنب ويتحسر ويود أنه لم يفعله.
الشرط الثالث أن يقلع عن المعصية فإن كان الذنب ترك واجب استدركه وفعله إن كان ممكناً وإن كان الذنب فعل معصية أقلع عنها في الحال ومن ذلك ما إذا كانت المعصية حقا لآدمي فإن الواجب عليه أن يبادر بالتخلص من هذا الحق إن كان مالاً يرده إلى صاحبه إن كان حيا معلوما عنده وإن كان ميتا رده إلى ورثته وإن جهله أو نسيه تصدق به عنه
والشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل يعني يكون لديه عزم على ألا يعود إلى هذه المعصية في المستقبل وليس الشرط ألا يعود إلى المعصية في المستقبل الشرط أن يعزم ألا يعود ثم إن سولت له نفسه فعاد فإن توبته الأولى تبقى على صحتها ويحتاج إلى توبة جديدة للذنب الجديد
الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن كانت بعد حضور الأجل فإنها لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) ويشهد لذلك قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وإنني أحث إخواني الذين لا يزالون على الذنب أن يبادروا بالتوبة قبل فوات الأوان وأن يعلموا أن عظم الذنب لا يمنع التوبة فقد قال الله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).
بارك الله فيكم هذا المستمع إلى البرنامج عبد الواسع اليماني يقول في هذا السؤال بأنه إنسان متزوج وقبل وفاة والدي كنت لا أصلى الصلوات الخمسة وكنت أيضا أعمل المعاصي ثم بعد وفاة والدي هداني الله إلى الطريق المستقيم وأصبحت أصلى وأعمل الخير وأحافظ على الواجبات فما الواجب علي لأكفر عن ذنوبي الماضية وأريح ضميري؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحا فإن الله تعالى يقبل توبته ويعفو عن سيئاته مهما عظمت قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) وقال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من ذنبه مهما عظم فإن الله يتوب عليه ولكن ليعلم أن للتوبة شروطا لا بد من تحققها وهي أولا الإخلاص لله عز وجل بأن ينوي بتوبته الرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته ولا ينوي التزلف إلى البشر أو التقرب إليهم أو الجاه أو المال أو ما أشبه ذلك بل تكون توبته خالصة لله وحده طلبا للنجاة من عقابه والوصول إلى ثوابه الثاني الندم على ما مضى منه من التقصير في واجب أو انتهاك محرم وقد يشكل هذا الشرط على بعض الناس لأن الندم انفعال نفسي فكيف يمكن للإنسان أن يتصف به والجواب على ذلك أن نقول المراد بالندم أثره أي أن يظهر عليه الأسى والحزن على ما مضى من ذنبه فهذا هو الندم الثالث أن يقلع عنه في الحال أي عن الذنب في الحال فلا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار عليه لأن التوبة من ذنب مع الإصرار عليه من الاستهزاء بالله عز وجل ومثال ذلك لو قال أنا أتوب إلى الله عز وجل من غيبة الناس ولكنه ما يزال يغتابهم فكيف نقول أن هذا توبته صحيحة لو قال أنا أتوب إلى الله من أكل الربا ولكنه لا يزال يأكل الربا فهذا لم يتب لو قال أتوب إلى الله من ظلم الناس وهو لا يزال مستوليا على أموالهم بغير حق وما أشبه ذلك فإن توبته لا تصح مهما فعل لأنه لم يقلع عن الذنب الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب في المستقبل يعني بأن تكون توبته قاطعة للذنب لن يعود إليه فإن قال أتوب إلى الله وأقلع عن الذنب وندم عليه ولكن في نيته أن يعود إليه في وقت ما أو في حال ما فإن توبته لا تصح لابد أن يعزم ألا يعود فإن قال قائل عزم ألا يعود لكن غلبته نفسه فعاد هل تبطل توبته الأولى فالجواب لا تبطل توبته الأولى لأنها تحققت التوبة بعزمه ألا يعود وهذا هو الشرط وليس الشرط ألا يعود بل العزم على أن لا يعود وبينهما فرق ظاهر فإذا تاب إلى الله من ذنب توبة نصوحاً ثم عاد إليه فإن توبته الأولى لا تبطل لكن يجب عليه أن يجدد توبته من فعل الذنب مرة أخرى الشرط الخامس لقبول التوبة أن تكون في وقت قبولها لأنها يأتي على الإنسان نفسه زمان لا تقبل فيه التوبة فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراْ) وذلك وقت طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم ولكن لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وكذلك التوبة فإنها لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها وإذا حضر الأجل لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فإذا عاين الإنسان ملك الموت فإنها لا تقبل توبته لأن هذه توبة ليست عن رغبة بل توبة المضطر فلا ينفع ولهذا لما أدرك فرعون الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ) يعني أالآن تتوب (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة) فأنجاه الله ببدنه وأظهره من أجل أن يكون آية على موته وهلاكه لبني إسرائيل الذين أرعبهم حتى يتيقنوا أنه مات فالمهم أنك مهما عملت من ذنب إذا تبت إلى الله تعالى توبة نصوحاً فإن الله يتوب عليك بل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
أبو سعد من الجمهورية العراقية محافظة واسط يقول في رسالته لقد كنت في شبابي أعمل أعمالاً لا يرضاها الله والآن أنا تبت فماذا أفعل لأكسب رضا الله وما هي شروط التوبة الخالصة أفيدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما دمت ذكرت أنك تبت من هذه الأعمال التي كنت تعملها في حال صغرك وهي لا ترضي الله ورسوله فأبشرفإن (التوبة تجب ما قبلها) قال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التوبة تهدم ما قبلها) والتوبة النصوح هي التي جمعت شروطاً خمسة
الشرط الأول أن تكون خالصة لله بأن لا يحمل الإنسان عليها رياء ولا سمعة ولا مدارة لأحد ولا مداهنة في دين الله وإنما يتوب إلى الله تعالى وحده خالصاً من قلبه فإن فقد هذا الشرط لم تقبل التوبة لأن جميع الأعمال الصالحة من شروطها الأساسية أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
الشرط الثاني أن يندم على ما مضى من فعله بحيث يتأسف ويحزن لما حصل منه لأن هذا دليل على صحة توبته وانكسار قلبه أمام الله عز وجل وأنه حقيقة راجع إلى الله.
الشرط الثالث أن يقلع عن ذنبه إن كان متلبساً به فإذا كانت توبته من حق آدمي فلا بد أن يؤدي هذا الحق إلى صاحبه كما لو كان قد ظلم أحداً من الناس بأخذ ماله بسرقة أو غش أو غير ذلك فإنه لا تصح التوبة حتى يؤدي ذلك الحق إلى صاحبه وكذلك لو كان قد ظلمه بغيبة وتكلم في عرضه أمام الناس فإنها لا تصح توبته حتى يستحله من تلك الغيبة إلا أنه إذا كان لم يعلم أنه قد اغتابه فإن من أهل العلم من يقول في هذه الحال لا يحتاج إلى أن يستحله بل يثني عليه في الأماكن التي كان يغتابه فيها بما هو موصوف به من صفات المدح ويستغفر الله له ويغني ذلك عن استحلاله وإذا كانت التوبة من حق من حقوق الله مثل أن يكون عليه واجب لله تعالى كزكاة أو كفارة فإن التوبة من ذلك أن يبادر بفعل هذا الشيء الذي وجب عليه لله.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل فإن تاب ولكن من نيته أنه إذا حصلت له الفرصة عاد إلى الذنب فإن التوبة هنا ليست بصحيحة لأنها ليست رجوعاً حقاً إلى الله سبحانه وتعالى.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في أوانها أي في الوقت الذي تقبل فيه فإن لم تكن في أوانها فإنها لا تقبل والوقت الذي تنقطع به التوبة ولا تقبل نوعان وقت عام ووقت خاص فالوقت العام هو طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها لم تقبل توبة تائب لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) والمراد ببعض الآيات هنا طلوع الشمس من مغربها فإنه لا توبة بعده وأما الخاص فهو حضور الأجل فمن حضر أجله فإن توبته لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) فمن لم يتب إلا بعد معاينة الموت وغرغرته بروحه فإنها لا تقبل توبته فإذا تحققت هذه الشروط الخمسة صارت التوبة نصوحاًَ مقبولة وإذا قبلها الله عز وجل فإنها تعم كل ذنب تاب منه واختلف أهل العلم رحمهم الله هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فقال بعضهم إن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره مثل أن يتوب الإنسان من شرب الدخان مثلاً لكنه مصر على حلق لحيته فقال بعض أهل العلم إن توبته من شرب الدخان لا تقبل لأنه مصر على معصية الله في حلق لحيته وقال بعض أهل العلم إنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره وهذا القول هو الراجح ولكن من تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يستحق الوصف المطلق للتائب فلا يدخل في التوابين توبة مطلقة ولا يستحق المدح الذي يمدح به التوابون وإنما يمدح مدحاً خاصاً مقيداً بتوبته من هذا الذنب المعين.
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع ع. ن. ف. ح من قطر بعث برسالة يقول فيها بأنه يقترب الآن من الثلاثين من العمر يقول وقد عشت في مطلع شبابي وحتى قبيل الزواج ارتكب الكثير من المخالفات وأنا الآن قد تبت إلى الله توبة نصوحا ونادم على ما صدر مني من أفعال وأقوال لا ترضي الله جل وعلا فهل علي كفارة يا فضيلة الشيخ على ما مضى أم أن التوبة النصوح تكفي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح تكفي وتهدم ما كان قبلها من المعاصي بل من الكفر أيضاً لقول الله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أعلى أنواع المعاصي في حقه تعالى وفي حق بني آدم في النفوس وفي حق بني آدم في الأعراض فذكر الشرك وذكر قتل النفس بغير حق وذكر الزنا فالشرك جرم في حق الله وقتل النفس جرم في أنفس الخلق والزنا جرم في أعراضهم ومع ذلك قال (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فأبشر أيها السائل ما دمت تبت إلى الله توبة نصوحاً فإن الله تعالى سيغفر لك ما سبق من ذنبك مهما عظم، ولكن التوبة لابد فيها من شروط خمسة
الشرط الأول أن تكون خالصة لله بألا يحمله عليها شيء من أمور الدنيا لا يبتغي بها الإنسان تقرباً إلى أحد من الناس ولا رياء ولا سمعة وإنما يحمله عليها خوف الله ورجاؤه، خوف الله تعالى من معصيته ورجاؤه بتوبته.
الشرط الثاني أن يندم على ما وقع منه من المعصية بمعنى أنه يتأثر ويحزن مما حصل ويتمنى أن لم يكن،
والشرط الثالث أن يقلع عن المعصية التي تاب منها فلو قال بلسانه إنه تائب ولكنه باق ومصر على المعصية كانت توبته هباء منثوراً بل هي إلى الهزء بالله أقرب منها إلى الجد فلو قال أنا تبت إلى الله من الغيبة ولم يزل يغتاب الناس فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من أكل المال بالباطل وهو لا يزال مصراً عليه فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من النظر إلى المحرم وهو مصراً عليه فأين التوبة؟ لابد أن يقلع عن المعصية ومن ذلك رد الحقوق إلى أهلها فلو قال أنا تائب من ظلم الناس ولكن حقوق الناس في ذمته فإنه لم يتب.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى المعصية في المستقبل، فلو قال أنا تائب وندم على ما مضى وأقلع عن الذنب لكن في قلبه أنه لو حصلت له الفرصة لعاد إلى الذنب لم يكن تائب حقيقة بل لابد أن يعزم على ألا يعود ويجب أن نتفطن لكلمة يعزم على ألا يعود فإنه لا يشترط ألا يعود فلو كان حين التوبة عازم على ألا يعود ولكن سولت له نفسه أن يعود فإن التوبة الأولى لا تبطل لكنه يحتاج إلى توبة جديدة لعوده إلى الذنب.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه وذلك بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن وقعت التوبة بعد حلول الأجل لم تقبل وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً، ودليل ذلك قوله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ولهذا لم يقبل الله توبة فرعون حين أدركه الغرق وقال (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) يعني بروحه وذلك بحضور أجله، وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً لقوله تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن التوبة تنقطع إذا طلعت الشمس من مغربها، والشمس الآن تشرق من المشرق وتغرب من المغرب فإذا إذن الله لها أن ترجع من حيث جاءت رجعت فخرجت من المغرب وهذا في آخر الزمان فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون ولكن (لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وخلاصة شروط التوبة أنها خمسة الإخلاص لله والندم على ما حصل من الذنب والإقلاع عنه والعزم على ألا يعود وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.
المستمع حسن سعيد سوداني ومقيم بالعراق يقول في رسالته ما حكم الشرع في نظركم في رجل سب الدين بحالة غضب هل عليه كفارة وما شرط التوبة من هذا العمل حيث أنني سمعت أهل العلم يقولون بأنك خرجت عن الإسلام بقولك هذا وأيضاً يقولون بأن زوجتك حرمت عليك أفيدونا بهذا الموضوع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم فيمن سب الدين الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله عز وجل وبدينه وقد حكى الله تعالى عن قوم استهزؤا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون إنما كنا نخوض ونلعب فبين الله عز وجل أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به فقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فالاستهزاء بدين الله أو سب دين الله أو سب الله ورسوله أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من أي ردة توبة نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة فإن الله تعالى يقبل توبته وشروط التوبة الخمسة هي:
أولاً الإخلاص لله بتوبته بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة أو خوفاً من المخلوق أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله تعالى فيها.
والشرط الثاني أن يندم على ما فعل من الذنب بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى ويراه أمراً كبيراً يوجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن أمكن وإن كان ذنبه بفعل محرم أقلع عنه وابتعد عنه ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بمخلوقين فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع العزم على ألا يعود في المستقبل بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
والشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت القبول فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل وفوات وقت القبول عام وخاص أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وأما الخاص فهو حضور الأجل فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أقول إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب نقول له إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذ أنت في سماء أم في أرض وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه فإن هذا الكلام لا حكم له ولا يحكم عليك بالردة لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ به يقول الله تعالى في الأيمان (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ويقول تعالى في آية أخرى (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا خرج منه فإنه لا حكم لكلامه ولا يحكم بردته حينئذ وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه بل هي باقية في عصمته ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله أوصني فقال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب فليحكم الضبط على نفسه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وإذا كان قائماً فليجلس وإذا كان جالساً فليضطجع وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ فإن هذه الأمور تذهب عنه غضبه وما أكثر الذين ندموا ندماً عظمياً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات الأوان.
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا الشاب من مصر يقول بأنه ارتكب بعض المعاصي فتاب إلى الله توبةً نصوحاً فهل لي من توبة من ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أروي قصة (رواها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ كان فيمن سبق قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق ثم ذهب إلى راهب يعني عابد من العباد فقال له إنه قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق فهل لي من توبة قال الراهب ليس لك توبة لأن الراهب استعظم الأمر أن يكون قتل تسعة وتسعين نفساً ثم يتوب قال ليس لك من توبة فلم يعجبه هذا الجواب فقتل الراهب فأتم به المائة فصار مائة نفس قتلهم بغير حق ثم دل على عالم فسأله وقال إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة قال له ومن يحول بينك وبين التوبة باب التوبة مفتوح ولكن أنت في دارٍ يعني في بلدٍ أهلها أهل سوء لكن اذهب إلى القرية الفلانية أو قال البلد الفلاني يعني فإن فيها قوماً صالحين فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت فنزلت إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب واختصموا أيهم يقبض روحه نسأل الله تعالى أن يتولى قبض أرواحنا ملائكة الرحمة تنازعوا فبعث الله إليهم من يحكم بينهم وقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها فقاسوا ما بينهما فكان أقرب إلى قرية أهل الصلاح فقبضته ملائكة الرحمة) هذا وهو ممن كان قبلنا ممن كانت عليهم الآصار والأغلال وهذه الأمة ولله الحمد رفع عنها بنبيها صلى الله عليه وسلم الآصار والأغلال وقال تعالى في كتابه (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهؤلاء قومٌ أشركوا وقتلوا النفس بغير حق وزنوا فانتهكوا حق الله الذي هو أعظم الحقوق وانتهكوا دماء النفوس المحرمة وانتهكوا الأعراض ومع ذلك يقول الله عز وجل فيهم (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) حتى المنافقون إذا تابوا تاب الله عليهم لقوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) فنقول لهذا الأخ السائل إذا تبت إلى الله من أي ذنب فإن الله يتوب عليك مهما عظم الذنب وربما تكون بعد التوبة أحسن حالاً منك قبل التوبة ولكن إذا كان الذنب يتعلق بآدمي فابرأ منه فإذا كان مالاً فرده إليه وإن كان مظلمة عرض كما لو اغتبته في المجالس فاستحله إن كان علم أنك اغتبته أو خشيت أن يعلم وإن لم يعلم بالغيبة ولا تخشى أن يعلم فاستغفر له وأثني عليه بما هو فيه من الخير والخصال الحميدة في المواطن التي كنت اغتبته فيها ونسأل الله لنا ولكم التوبة.
رجلٌ ترك الصلاة لعدة سنوات أثناء دراسته في الخارج وترك الصيام لمدة ثلاث سنوات وعندما عاد إلى بلده تاب فهل يقضي الصلاة والصيام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليه قضاء الصلاة والصيام فيما مضى ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يكثر من الطاعات كالصلاة والذكر والصدقات والصيام والحج والعمرة فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذه قاعدة ينبغي على الإنسان أن يعتبرها كل عبادة مؤقتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإنه لا يقضيها لأنه لو قضاها لم تصح منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردودٌ عليه ومن المعلوم أنه من أخر العبادة المؤقتة عن وقتها ثم فعلها بعد خروج وقتها فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً وحينئذٍ لا فائدة له من فعل العبادة بل عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ويرجع إليه ويتوب الله على من تاب.
أحسن الله إليكم السائل من جدة ع ع د يقول شخص نوى أن يفعل معصية ونوى في نفس الوقت بأنه إذا انتهى من فعل هذه المعصية أن يتوب إلى الله هل تقبل هذه التوبة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا فعل المعصية بهذه النية فإن هذه النية لا تنفعه ولا تخفف عنه من عقوبة المعصية لكن إذا فعل المعصية ثم تاب توبة نصوحاً قبلها الله عز وجل لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
هذا السائل بدر من المجمعة يقول بأنه فتى يبلغ من العمر الثالثة والعشرين يقول كنت لا أصلى ولكن الآن أحرص على الصلاة في مواقيتها والحمد لله والتزمت في كل شيء وأحافظ على السنن الرواتب ولكنني أشرب الدخان وحاولت كثيرا أن أقطع هذه العادة فلم أستطع بماذا توجهونني جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه حتى صار يصلى فهو في الحقيقة أسلم بعد رده فعليه أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة، أما ما يتعلق بشرب الدخان فهناك وسائل تعينه على ترك الدخان:
منها أن يترك الدخان شيئا فشيئا فيقلل من شربه أولا حتى يزول ما في جسمه من آثار هذا الدخان.
ثانيا أن يستعمل بعض العقاقير بمشورة الطبيب التي تحجبه عن الرغبة في شرب الدخان.
ثالثا أن يبتعد عن مجالسة أهل الدخان لأن الإنسان إذا جالسهم فإنه قد يشتاق إلى شرب الدخان مع زملائه الذين جلس إليهم.
رابعا أن يحرص على صحبة الرفقة الطيبة لأنه إذا صحبهم فسوف يمتنع عن الدخان ما دام معهم وهذا مما يعينه على تركه.
خامسا وهو من أقواها أن يكون لديه عزيمة قوية يدع بها الدخان ولقد كان رجلاً مسافرا مع أحد الطيبين وكان هذا يشرب الدخان فلما أخرج البكت من أجل أن يشرب الدخان قال له الرجل الطيب يا فلان نحن ما سافرنا لنكتسب إثما ونحن إذا شاركناك في الجلوس وأنت تشرب الدخان صرنا آثمين كإثمك فإما أن تدع هذا الدخان وإما أن نترك السفر فما كان من هذا الشارب للدخان إلا أن انفعل ثم أخذ علبة البكت وقطعها ومزقها ورمى بها يقول شارب الدخان فما عدت إليه بعد ذلك لأنه عزم وصمم وقال ما هذا الشراب الذي يمنعني أن يصاحبني الطيبون فانتقد نفسه وصار ذلك من أسباب ترك الدخان هذا مع معونة الله عز وجل وتوفيقه.
السائل خالد أأ يقول في هذا السؤال تخرجت من الثانوية ولكنني قد غشيت في بعض المواد الإنجليزية وأنا الآن علي مشارف الجامعة ماذا يلزمني في ذلك هل يلزم التوبة في مثل هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يلزم عليك التوبة إلى الله عز وجل وألا تعود لمثل هذا وذلك لأن الغش في الامتحان في أي مادة يعتبر غشا كما هو لفظه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (مَنْ غش فليس منا) فعليك أن تتوب إلى الله وادخل الجامعة الآن مع التوبة واستمر في مجانبة الغش وإذا قدر لك شهادة جامعية بدون غش فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
أفيدكم أنني في بداية شبابي كنت على الطريق غير الإسلامي حيث كنت لا أبالي بالعبادات أحيانا أصلى وأصوم وأحيانا لا أصلى ولا أصوم وكنت لا أكترث للمحرمات ولمدة خمسة عشر عاما تقريبا إلا أنني الآن استقمت وحافظت على العبادات وقد تبت إلى الله توبة نصوحاً لله عز وجل عمّا كنت عليه وأنا نادم أشد الندم وأرجو من الله أن يتقبل توبتي وسؤالي يا فضيلة الشيخ ماذا علي من ناحية الصلاة والصوم التي لم أقم بتأديتها في أوقاتها علما بأنني لا أحصي تلك الأيام لطول المدة وهل التوبة تكفي تكفيرا لذنبي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أهنئك بتوبة الله عليك وتوفيقك للتوبة وأسأل الله تعالى أن يثبتك على ذلك وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح التي يمحو الله بها ما سلف من ذنوبنا وأن يعصمنا في مستقبل عمرنا ثانيا أبشرك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (التوبة تهدم ما قبلها والإسلام يهدم ما قبله) وتوبتك هدمت ما سلف من ذنوبك وليس عليك قضاء ما فات ولكن اسأل الله الثبات على طاعته إلى أن تلقاه واحرص بقدر ما تستطيع أن تدعو إخوانك الذين كانوا مثلك إلى ما من الله به عليك من التوبة والتزام الصراط المستقيم (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا من شكر نعمة الله عليك أن تدعو إخوانك الذين أسرفوا على أنفسهم إلى التوبة النصوح والاستقامة على دين الله.
هذا السائل الذي رمز لاسمه بـ م م يقول في هذا السؤال سمعنا بأن تارك الصلاة جميع ما يقوم به لا يؤجر عليه ولكن إذا هداه الله عز وجل للصلاة هل يحتسب له ما كان يقوم به من عمل طيب في الوقت الذي كان لا يصلى فيه أم يبدأ ثواب الأعمال من تاريخ التزامه بالصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان من كفره سواء كان كفره بترك الصلاة أو بالاستهزاء بدين الله أو بسب الله أو بسب رسوله صلى الله عليه وسلم أو بسب شريعة من شرائع الله فإنه يغفر له ما قد سلف لقول الله تبارك وتعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولأن الردة تهدم ما قبلها والتوبة تهدم ما قبلها يقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ويقول تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فإذا تاب غفر الله له ما سبق من ذنبه وعاد إليه ما عمل من الأعمال الصالحة قبل ردته لأن الله تعالى اشترط في حبوط العمل فيمن ارتد أن يموت على الردة فقال (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) بل إنما عمله من خير حال ردته يكتب له لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أسلمت على ما أسلفت من خير).
هذا السائل يقول يعتريني أحيانا شعور بالذنب وتأنيب الضمير والإحساس بالنقص وأستحضر الأخطاء التي وقعت فيها ولو لم تكن برغبتي والأشياء الصغيرة التي مضى عليها سنوات كثيرة فهل هذا من وساوس الشيطان وما الحل والعلاج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحل والعلاج هو التوبة إلى الله عز وجل فكلما تذكر الإنسان الذنب أحدث لنفسه توبة ولكن لا يجوز له أن يسيء الظن بالله فيظن أن الله لا يتوب عليه لأن من تاب توبة نصوحا تتم فيها الشروط تاب الله عليه ولا بد قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) ولكن التوبة لها شروط:
الشرط الأول أن تكون خالصة لله.
الشرط الثاني أن يندم الإنسان على ما فعل من الذنب.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود.
الشرط الخامس أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة أما الإخلاص فضده الشرك فإذا تاب الإنسان للخلق لا لله فتوبته غير مقبولة لقول الله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وأما الندم فلأن الإنسان إذا لم يكن منه ندم صارت السيئة وعدمها سواء عنده وهذا يعني أنه غير مبال ولا مكترث فلا بد أن يكون هناك ندم وجزع في النفس على ما فعل من الذنب إما ترك واجب أو فعل محرم وأما الإقلاع فمعلوم أنه لا توبة مع الإصرار يقول أتوب إلى الله من الربا وهو يتعامل بالربا كيف يكون هذا ويقول أتوب إلى الله من الغيبة وهو يغتاب الناس فالتوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته فمن لم يقلع عن الذنب فليس بتائب ولهذا يجب على من عنده مظالم للناس إذا تاب إلى الله أن يرد المظالم إلى أهلها فلو سرق إنسان من شخص سرقة وتاب إلى الله فلا بد أن يرد السرقة إلى صاحبها وإلا لم تصح توبته ولعل قائلا يقول مشكلة إن رددتها إلى صاحبها أفتضح وربما يقول صاحبها أن السرقة أكثر من ذلك فيقال يستطيع أن يتحيل على هذا بأن يكتب مثلا كتاب ولا يذكر اسمه ويرسله إلى صاحب السرقة مع المسروق أو قيمته إن تعذر ويقول في الكتاب هذه لك من شخص اعتدى فيها وتاب إلى الله ومن يتقِ الله يجعل له مخرجا وأما أن يقول أخاف أن أفتضح أو أخاف أن يدعي صاحب المال أن المال أكثر فهذا لا يعفيهم من رده.
رسالة من سوريا بعث بها أمجد أ. أ. يقول توفي والدي وهو غير راضٍ عني وأنا في الخامسة عشرة من عمري لأنني كنت في طريق الشيطان والمخالفات والمعصية وعندما بلغت العشرين عدت إلى الله وإلى ديني وإلى صلواتي وتغيرت حالتي وأخذ الندم مني ما أخذ بسبب عدم رضا والدي عني والآن أنا شاب عدت إلى الله وأعيش مع والدتي التي لم يبقَ لي في الدنيا سواها لم يمر يومٌ إلا وأبكي بحرقة على تفريطي عندما أقرأ عن بر الوالدين ولكن ما يطمأنني أنني عشت مع كتاب الله رفيقي الوحيد في هذه الدنيا استأنس بتلاوته تعبداً لله عز وجل فيهدأ قلبي وتسكن جوارحي ويذهب عني الحزن والغم وأتذكر والدي الذي توفي وهو غير راضٍ عني لكن عزائي الوحيد في هذه الدنيا بأنني كرست جهدي في محبة والدتي والمشاركة في أعمال الخير والدعوة إلى الله عسى ربي أن يتوب علي فهل من نصيحة يا فضيلة الشيخ تطمئنني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقال إن التمر لا يستبضع إلى هجر وحال الرجل الذي التي سمعناها حالٌ طيبة لا يستطيع الناصح مهما بلغ من النصح أن يوصل المنصوح إلى مثل هذه الحال التي ذكرها عن نفسه وأبشره بأنها حالٌ طيبة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمحو بها ما سلف من ذنوبه وآثامه وتقصيره في حق والده وأقول له إنك قد قرأت قول الله عز وجل (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) وأرجو أن يكون هذا الوصف منطبقاً عليه أنه أناب إلى الله وأسلم له وأسأل الله لي وله الثبات على دينه إلى الممات أقول هنيئاً له بما من الله عليه من هذا الرجوع إلى ربه عز وجل والاستقامة على دينه وبره بوالدته وحبه للخير وأسأل الله أن يزيده من فضله ويحقق لي وله ولإخواني السامعين والمسلمين جميعاً ما نرجوه من نصرٍ وعزٍ في الدنيا ومن كرامةٍ في الآخرة إنه على كل شيء قدير.
المستمع رمز لاسمه بـ ن. م. ع. يقول إذا تاب الإنسان ورجع إلى ربه حيث كان لا يصلى هل يلزمه النطق بالشهادتين والاغتسال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان الذي كان لا يصلى إلى الله عز وجل وعاد إلى صلاته فإنه يكون مسلماً بصلاته لأن من كفر بالشيء صار مسلماً بفعله وهو سوف يقول في نفس الصلاة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأما الاغتسال فهو مبنيٌ على وجوب الاغتسال إذا أسلم الكافر فمن قال إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل قال إن هذا إذا عاد إلى صلاته وجب عليه الغسل ومن قال بعدم وجوب الغسل على من أسلم قال إنه لا يجب على هذا أن يغتسل ولكن لا شك أن الأفضل له أن يغتسل خروجاً من الخلاف وإبراءً للذمة.
هذه المستمعة أم نزار تقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ بالنسبة للتائب هل يلزمه التشهد والاغتسال للدخول في دين الله من جديد
فأجاب رحمه الله تعالى: أما التائب من الكفر فإنه يغتسل إما وجوبا على رأي كثير من العلماء وإما استحبابا على رأي آخرين وأما التائب من المعصية التي دون الكفر فلا يشرع له أن يغتسل لأنه لم يخرج من الإسلام بل العاصي مسلم ولو عظمت معصيته إذا لم توصله معصيته إلى حد الكفر هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن كبائر الذنوب مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد يخرج الإنسان من الملة فإنه لا يكفر بها الإنسان ثم إن مات وقد تاب منها فإن الله يتوب على من تاب كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وإن مات قبل التوبة فهو داخل في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له
هذا مستمع رمز لاسمه بـ ج. ع. م. يقول بأنه شاب في الثانوية ولم أكن أصلى وإذا أمرت بالصلاة من الأهل فأنا أصلى بغير وضوء لوجود غشاوة على قلبي والحمد لله لقد اهتديت لله سبحانه وتعالى وأصبحت من أصحاب المساجد بحمد من الله وإن شاء الله لن أغير منهجي هذا إلى اليوم المكتوب وحقيقة سبب هدايتي لله سبحانه وتعالى عندما سمعت خبر موت في حادث حصل لأحد الأقارب الأعزاء فاهتديت إلى الله فكانت عبرة لي بحمد من الله والحقيقة إنني خائف إن كان الله سبحانه وتعالى سوف يقبل عودتي للهداية لهذا السبب أو العبرة التي مرت عليّ أم لا وما الواجب عليّ في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة إلى الله سبحانه وتعالى مقبولة بأي سبب كانت فمن تاب تاب الله عليه والحوادث والمصائب تكون أحياناً خيراً يتعظ بها الإنسان ويتوجه إلى الله عز وجل ويلين قلبه والله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء سببا وعليه فإن توبة السائل مقبولة إن شاء الله تعالى وما تركه من العبادات في أيام سفهه فلا قضاء عليه فيها ولكن ندعوه إلى أن يكثر من التطوع والأعمال الصالحة والاستغفار والذكر ونسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الخاتمة والعاقبة.
كيف تمحو الحسنةُ السيئةَ هل تذهب السيئة وتبقى الحسنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هكذا قال الله عز وجل (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فعلى هذا إذا فعل الإنسان حسنة بعد سيئة فإنها تذهبها وتمحوها محواً ولا سيما إذا كانت الحسنة هي التوبة من ذلك الذنب فإن التوبة تجب ما قبلها قال الله تبارك وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
ما حكم من تاب من إحدى الكبائر وعاهد الله على كتابه وأمام بيته الكعبة المشرفة أن لا يعود إلى تلك المعصية ثم خانته نفسه وضحك عليه إبليس اللعين وعاد إلى تلك المعصية ثم تذكر وندم وتأسف فما حكمه وهل عليه كفارة وهل له توبة أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت نفسه خانته ثم تذكر وندم فإنه يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفر من هذا الذنب ويكفر كفارة يمين لأنه لم يف بالنذر الذي عاهد الله عليه فعليه كفارة يمين مع التوبة والاستغفار.