سورة المائدة
سوداني ومقيم بعرعر ع. ع. يقول أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآية من سورة المائدة في قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) والمحرِّم هو الله عز وجل وليس التحريم عائداً إلينا ولا التحليل عائداً إلينا ولا الحكم بالكفر عائداً إلينا ولا الحكم بالإيمان عائداً إلينا كل ذلك إلى الله عز وجل وحده يقول (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) وإنما بني الفعل لما لم يسمَّ فاعله لأنه معلوم كما في قوله تعالى (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) ومن المعلوم أن الخالق هو الله عز وجل فهنا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) ومن المعلوم أن المحرم هو الله عز وجل والميتة كل ما لم يذك ذكاةً شرعية بأن مات حتف أنفه أو ذبح على غير الطريقة الإسلامية فهو ميتة ويستثنى من ذلك الجراد فميتته حلال وكذلك السمك على جميع أنواعه فإنه حلال قال الله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال) وقوله الدم يريد بذلك الدم المسفوح كما قيدته الآية الثانية (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) وأما الدم الذي يبقى في العرق بعد التذكية فإنه حلالٌ طاهر حتى لو ظهرت حمرته في الإناء فإنه حلالٌ طاهر لأنه ليس الدم المسفوح (لَحْمَ خِنزِيرٍ) وهو حيوانٌ معروفٌ خبيث معروفٌ بأكل العذرة أي أكل الغائط وفيه أيضاً دودة شريطية مؤثرة الرابع ما أهل لغير الله به أي ما سمي عليه غير اسم الله بأن يقال باسم المسيح باسم موسى باسم محمد باسم جبريل وما أشبه ذلك هذا أيضاً محرم لا يحل أكله (وَالْمُنْخَنِقَةُ) التي انخنقت إما بشد الحبل على رقبتها حتى ماتت أو بإغلاق الحجرة عليها وتسليط الدخان أو ما أشبهه عليها (وَالْمَوْقُوذَةُ) وهي المضروبة بعصا ونحوه حتى تموت (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) وهي التي تتردى من جبل من فوق أو من جدار أو ما أشبه ذلك فتموت (وَالنَّطِيحَةُ) وهي التي ناطحت أخرى من البهائم فماتت (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) أي ما أكله الذئب أو نحوه (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) قوله (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) مستثنى من قوله (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) فهذه لا شيء إذا أدركتها حية وذكيتها فهي حلال (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) أي ما ذبح على الأصنام أي ذبح لصنم ولو ذكر اسم الله عليه فإنه حرام هذا معنى الآية الكريمة.
يقول السائل في الآية الكريمة من سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ) ما علاقة ذلك بالدم الذي ينقل من شخصٍ إلى آخر وهل هناك إثمٌ في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم كانوا في الجاهلية يأكلون الدم إذا كان الإنسان مسافراً وجاع جوعاً ليس فيه اضطرار فصد عرق ناقته وشرب منه فبين الله سبحانه وتعالى أنه حرم علينا هذا لأنه رجس نجس ولكن هل يشمل ذلك نقل دم من شخصٍ لآخر ظاهر الآية الكريمة العموم وعليه فلا يجوز أن ينقل دم من شخص إلى آخر إلا إذا اضطر المريض إلى الدم فإنه ينقل إليه بشرط أن يكون المنقول منه لا يتضرر بسحب الدم منه فإن كان يتضرر فإنه لا يجوز أن نسحبه منه فنقل الدم من شخصٍ لآخر يجوز بشرطين:
الشرط الأول اضطرار المنقول إليه.
الشرط الثاني انتفاء الضرر عن المنقول عنه.
ونزيد شرطاً ثالثاً وهو أن ينتفع المنقول إليه بهذا الدم أما إذا كان لا ينتفع فلا فائدة من نقله إليه.
يقول السائل ما معنى قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى الآية أن ابني آدم لصلبه على رأي أكثر المفسرين قرَّبا قربانا إلى الله عز وجل فتقبل الله تعالى قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر والذي لم يتقبل منه حسد أخاه كيف يتقبل من أخيه ولم يتقبل منه فهدده بالقتل قال لأقتلنك حسدا وبغيا فقال له أخوه (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ) فكأنه يقول لو اتقيت الله لقبل منك ثم بين له أخوه أنه لن يبسط يده إليه ليقتله قال (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) وفي النهاية طوعت له نفسه قتل أخيه فقتل أخاه فأصبح من الخاسرين وقلق ماذا يصنع بهذه الجنازة فبعث الله غرابا يبحث في الأرض يحرثها بمنقاره أو بأظفاره من أجل أن يريه كيف يدفن أخاه فقال (يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ).
وأما ما ذكر في الإسرائيليات من أن آدم عليه الصلاة والسلام يأتيه بنتان في بطن وابنان في بطن وأن ابن هذا البطن يأخذ بنت البطن الآخر وما أشبه ذلك من الإسرائيليات فهذا لا أصل له يعني في الإسرائيليات يقول أن آدم يأتيه ذكر وأنثى في بطن وذكر وأنثى في بطن فالذكر الذي في البطن الأول يأخذ الأنثى التي في البطن الثاني والذكر الذي في البطن الثاني يأخذ الأنثى التي في البطن الأول هكذا قيل في الإسرائيليات فهذا لا أصل له.
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) وهل إذا تسبب شخص بموت شخص آخر ثم تسبب بإحياء شخص آخر كانت مثل هذه الكفارة لتلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) أي من كان سببا في رفع قتل الظلم عن شخص مظلوم كان كمن أحيا الناس جميعا ومن قتلها بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا هذا ما كتبه الله على بني إسرائيل كما قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) ومن قتل نفسا بغير حق ثم أحيا نفسا أخرى غير مستحقة للقتل فإن الثانية لا تكون كفارة للأولى من حيث ما يجب في كفارة القتل أما من جهة الثواب فأمره إلى الله عز وجل.
علي المغربي من جمهورية مصر العربية يقول أريد تفسيراً لهذه الآية الكريمة قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يبين الله تعالى في هذه الآية أن الإنسان الذي لا يحكم بما أنزل الله فإنه يكون كافراً وذلك لأنه أعرض عن كتاب الله وعما أنزله على رسله إلى حكم طاغوت مخالف لشريعة الله ولكن هذا حسب النصوص مقيد بما إذا كان الحاكم بغير ما أنزل الله يعتقد أن الحكم أفضل من حكم الله عز وجل وأنفع للعباد وأولى بهم وأن حكم الله غير صالح بأن يحكم به بين العباد فإذا كان على هذا الوجه صار كافراً كفراً مخرجاً عن الملة أما إذا حكم بغير ما حكم الله اتباعاً لهواه أو قصداً للإضرار بالمحكوم عليه أو محاباةً للمحكوم له ونحو ذلك فإنه فإن كفره يكون كفراً دون كفر ولا يخرج بذلك من الملة لأنه لم يستبدل بحكم الله غيره زهداً في حكم الله ورغبةً عنه واعتقاداً أن غيره أصلح وإنما فعل هذا لأمرٍ في نفسه إما لمحاباة قريب أو لمضارة عدو أو ما أشبه ذلك المهم أن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
ما معنى قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) ومن هم الذين قالوا ذلك يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذين قالوا ذلك هم النصارى قالوا إن الله ثالث ثلاثة، الله والمسيح بن مريم وأمه فكفَّرهم الله تعالى بذلك لأنهم جعلوا مع الله شريكاً والله سبحانه تعالى إله واحد كما قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ما معنى قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يعجبني مثل هذا السؤال أعني السؤال عن آيات الله عز وجل وذلك لأن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد التعبد بتلاوته بل نزل للتعبد بتلاوته وتدبر آياته وتفكر معانيه وللعمل به واسمع إلى قول الله عز وجل (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) فيعجبني ويسرني أن يعتني المسلمون بكتاب الله عز وجل حفظاً وفهماً وعملاً وأنا أشكر الأخ السائل على هذا وأمثاله فنقول في جوابه قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) هذه الآية نزلت مخاطباً الله بها من كانوا في عهد النبوة الذي هو عهد التحليل والتحريم والإيجاب والحل فإنه ربما يسأل الإنسان في عهد النبوة عن شيء لم يحرم فيحرم لمسألته أو عن شيء ليس بواجب فيوجب من أجل مسألته فلهذا قال الله عز وجل تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فليسأل الإنسان عن كل ما أشكل عليه بشرط أن لا يكون هذا من التعمق في دين الله عز وجل فإن كان من التعمق والتنطع فإنه منهيٌ عنه لأن التعمق والتنطع لا يزيد الإنسان إلا شدة فلو أراد الإنسان أن يسأل عن تفاصيل ما جاء عن اليوم الآخر من الحساب والعقاب وغير ذلك وقال كيف يعاقب الإنسان هل هو قائم أو قاعد وما أشبه ذلك من الأسئلة التي ليست محمودة فهنا لا يسأل أما شيء مفيد ويريد أن يستفيد منه فليسأل عنه ولا ينهى عن السؤال.
يقول السائل مامعنى الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بأن يعتنوا بأنفسهم ويقوموا بما أوجب الله عليهم وأنهم إذا فعلوا ذلك فإنه لا يضرهم من ضل ومما يلزمهم أي المؤمنين أن يدعوا إلى الله وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر فإذا دعوا إلى الله أو أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر ولم يجبهم أحد إلى ذلك فإن ذلك لا يضرهم لأن هؤلاء الذين دعوا أو أمروا أو نهوا إذا ضلوا فإنما يضلون على أنفسهم كما قال الله تعالى (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا).
في القرآن الكريم مراجعة بين الله سبحانه وتعالى وعيسى بن مريم عندما سأله جل شأنه (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية هل هذه المراجعة حدثت في الدنيا قبل رفعه أم ستحدث يوم القيامة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ظاهر سياق الآيات أن هذه المراجعة يوم القيامة كما ستسمع (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ) الخ فقوله تعالى (هذا يوم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) يدل على أن هذهالمراجعة التي كانت بين الله وبين عيسى بن مريم كانت في الآخرة.
الأنعام
من العراق محافظة نينوى المستمع يوسف جندي إبراهيم يقول ما تفسير الآية الكريمة (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) والآية الأخرى (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب عن الآية الأولى أن الله سبحانه وتعالى يخبر عنه نفسه بأنه رب المشرقين ورب المغربين والمراد بهما مشرقا الصيف والشتاء مشرق الصيف حيث تكون الشمس في أقصى مدار لها نحو الشمال ومشرق الشتاء حيث تكون الشمس في أقصى مدار لها نحو الجنوب ونص الله على ذلك لما في اختلافهما من المصالح العظيمة للخلق ولما في اختلافهما من الدلالة الواضحة على تمام قدرة الله سبحانه وتعالى وكمال رحمته وحكمته إذ لا أحد يقدر على أن يصرف الشمس من مشرق إلى مشرق ومن مغرب إلى مغرب إلا الله عز وجل ولهذا قال (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فأشار في تعقيبه هذه الآية السابقة إلى أن هذا من آلاء الله ونعمه العظيمة على عباده إذاً فالمراد بالمشرقين والمغربين مشرقا الشمس في الصيف والشتاء ومغرباها في الصيف والشتاء وقد قال الله تعالى في آية أخرى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) فجمع المشرق والمغرب وقال تعالى في آية أخرى آية ثالثة (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) ولا تناقض بين هذه الآيات الكريمة فالمراد بأية التثنية ما أسلفناه والمراد بآية الجمع أن مشارق الشمس ومغاربها باعتبار مشرقها ومغربها كل يوم لأن كل يوم لها مشرق ومغرب غير مشرقها ومغربها بالأمس أو أن المراد بالمشارق والمغارب مشارق النجوم والكواكب والشمس والقمر وأما قوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فالمراد بها الناحية أي أنه مالك كل شيء ورب كل شيء سواء أكان ذلك الشيء في المشرق أو في المغرب وليعلم أن كتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون فيه تناقض لا فيما بينها من النصوص ولا فيما بينها وبين الواقع فإنْ توهم واهم التناقض أو التعارض فذلك إما لقصور في علمه أو نقص في فهمه أو تقصير في تدبره وتأمله وإلا فإن الحقيقة الواقعة أنه ليس بين نصوص الكتاب والسنة تناقض ولا بينها وبين الواقع أيضاً وأما قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) وهو الذي سأل عنه السائل أو هو الفقرة الثانية من سؤاله فمعناه أن هذه الشمس العظيمة التي جعلها الله تعالى سراجاً وهاجاًَ عظيم الحرارة عظيم النور هذه الشمس تجري بإذن الله عز وجل أي تسير لمستقر لها أي لغاية حددها الله عز وجل بعلمه ولهذا قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فهو لعزته تبارك وتعالى وقهره خلق هذه الشمس العظيمة وسخرها تجري بأمره وبمقتضى علمه وحكمته إلى حيث أراد الله عز وجل والمستقر هو مستقرها تحت العرش حيث أنها تذهب كل يوم إذا غربت وتسجد تحت العرش عرش الرحمن جل وعلا وتستأذن فإن أذن لها وإلا رجعت من حيث جاءت وخرجت من مغربها وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) فإن الناس إذا رأوها خرجت من المغرب آمنوا أجمعون ولكن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا كذلك تجري لمستقر آخر وهو منتهاها يوم القيامة الدال عليه قوله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الشمس تدور على الأرض وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن وهو الذي نعتقده وندين الله به حتى يأتينا دليل محسوس ظاهر يسوغ لنا أن نؤول ظاهر الآية أما ما يقال الآن بأن اختلاف الليل والنهار وطلوع الشمس وغروبها إنما هو باختلاف إنما هو بسبب دوران الأرض فإنه لا يحل لأحد أن يعدل عن ظاهر الكتاب والسنة إلا بدليل يكون حجة له أمام الله عز وجل يوم القيامة يسوغ له أن يصرف ظاهر القرآن والسنة إلى ما يطابق ذلك الشيء المدعى وما دمنا لم نر شيئاً محسوساً تطمئن إليه نفوسنا ونراه مسوغاً لنا جواز صرف القرآن عن ظاهره فإن الواجب علينا معشر المؤمنين أن نؤمن بظاهر القرآن والسنة وأن لا نلتفت إلى قول أحد خالفهما كائناً من كان وإلى الآن لم يتبين لي صحة ما ذهب إليه هؤلاء من أن اختلاف الليل والنهار في الشروق والغروب كان بسبب دوران الأرض وعليه فإن عقيدتي التي أدين الله بها أن الشمس هي التي يحصل بها اختلاف الليل والنهار وهي التي تدور على الأرض والله على كل شيء قدير ألم تر إلى قوله تعالى (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أو لم تر إلى قوله تعالى (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أولم تر قوله تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) ففي هذه الآيات المتعددة إضافة الطلوع والغروب وإضافة التزاور إلى الشمس وإضافة التواري أيضاً إلى الشمس فما بالنا نصرف هذه الأفعال المسندة إلى الشمس عن ظاهرها إلى قول لم يتبين لنا أنه واقع حساً إن هذا لا يجوز أبداً فيجب علينا أن نعتقد ما دل عليه ظاهر الكتاب والسنة إلا بدليل محسوس يستطيع الإنسان أن يواجه ربه به يوم القيامة ويقول يا رب إني رأيت الأمر المحسوس يخالف ظاهر ما خاطبتنا به وأنت أعلم وأحكم وكتابك منزه عن أن يناقض الواقع المحسوس فإذا تبين بالحس الواضح البين أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فإن فهمي يكون خطأ وأما ما دام الأمر هكذا مجرد أقاويل فإني أعتقد أنه لا يجوز لأحد أن يخالف ظاهر الكتاب والسنة في مثل هذه الأمور وخلاصة القول إن معنى قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) أن الله يخبر بأن الشمس تسير بإذن الله عز وجل في مستقر لها لغاية تنتهي إليها وهو يوم القيامة ولمستقر لها ولغاية تنتهي إليه يومياً وهو سجودها تحت العرش كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر الذي رواه البخاري وغيره.
عبد العزيز الحاج الخرطوم السودان يقول ما معنى قوله تعالى (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية وما بعدها يبين الله تعالى فيها أصناف الأنعام التي أحلها الله لنا يبين سبحانه وتعالى أنها ثمانية أصناف ذكر وأنثى من الضان، وذكر وأنثى من المعز، وذكر وأنثى من الإبل، وذكر وأنثى من البقر ثم يقول عز وجل (قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ) ويرد بذلك على المشركين الذين حرموا من هذه الأصناف ما شاءوا وأباحوا ما شاءوا فقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وتشير الآية الكريمة إلى أنه لا يحل لأحد أن يحلل أو يحرم شيئاً إلابإذن الله عز وجل فإن التحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب كله إلى الله عز وجل ليس لأحد أن يتقدم فيه بين يدي الله ورسوله (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) وبهذه المناسبة أود أن أذكر المستمع بقاعدتين مهمتين دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون عليهما القاعدة الأولى أن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على المشروعية والقاعدة الثانية أن الأصل فيما سوى ذلك الحل والإباحة حتى يقوم دليل على المنع دليل القاعدة الأولى قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ودليل الثانية قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) وقوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تبحثوا عنها) وقال صلى الله عليه وسلم (ما سكت عنه فهو عفو) وعلى هذا فكل من تعبد لله تعالى بشيء من الأقوال أو الأفعال أو العقائد ولم يكن له دليل من كتاب أو سنة فإنه تعبده هذا مردود عليه بل هو آثم به قال النبي صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وكل من حرم شيئاً سوى العبادات فإننا نقول له هات الدليل على ما قلت وإلا فقد قلت ما ليس لك به علم.
أحمد سعيد سالمين من مكة المكرمة يقول ما معنى قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله يخبر بأنه حرم على الذين هادوا وهم اليهود حرم عليهم كل ذي ظفر من البهائم وذو الظفر قال أهل العلم هو الذي ليس فيه شق في يديه ولا في رجليه يكون يداه ورجلاه طبقة واحدة بمعنى أنه يكون كخف بعير مثلا غير مشقوق لأن الأرجل في البهائم منها ما هو مشقوق كالماعز والبقر ومنها ما هو غير مشقوق كالإبل فحرم عليهم كل ذي ظفر وحرم عليهم من البقر والغنم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم فإنه حلال لهم وبين الله سبحانه وتعالى أن هذا التحريم إنما هو ببغيهم وعدوانهم وأنهم لما بغوا واعتدوا حرم عليهم بعض الطيبات كما قال تعالى في آية أخرى (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) وهو نوع من العقاب (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) وهنا الضمير يعود إلى الله عز وجل وأن ما جاء في الذم للتعظيم وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعدل الحاكمين ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة أن الإنسان بمعصيته لربه وببغيه قد يحرم بعض الطيبات إما شرعا كما حصل لليهود وإما قدرا فإن الإنسان قد يصاب بآفات تمنعه من تناول بعض الطيبات بسبب عدوانه وبغيه وكذلك أيضا قد يحدث الله تعالى الجدب والقحط وقلة الثمار بسبب المعاصي والذنوب فرزق الله عز وجل والطيبات التي أحلها للعباد إذا بغوا واعتدوا فقد يحرمونها إما شرعا وإما كونا وقدرا لكن لو أن الناس فعلوا ما أمر به الله ورسوله وقاموا بطاعة ربهم فإن الله يقول (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) نسأل الله تعالى أن يحقق للمسلمين الإيمان والتقوى.
فضيلة الشيخ: هذا التحريم هل هو خاص باليهود فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم خاص باليهود لقوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) لم ينسخ هذا إلى يوم القيامة.
لكن الشريعة كلها شريعة اليهود وشريعة النصارى وكل الشرائع نسخت بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ما داموا متمسكين بدينهم وهم معتقدون أنهم على دينهم فإن هذا محرم عليهم.
عبده حسن من اليمن يقول في الآية الكريمة في سورة الأنعام (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) وفي سورة الإسراء (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ماذا يفيد الاختلاف في هذا الترتيب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاختلاف في هذا التعبير مبنيٌ على اختلاف الحالين ففي آية الأنعام يقول الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) يعين من فقر يعني إذا كنتم فقراء فلا تقتلوا أولادكم ثم قال (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فبدأ بالآباء لأنهم فقراء فبدأ بذكر رزقهم قبل ذكر رزق الأولاد المقتولين أما في الآية الأخرى آية الإسراء (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خشية إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وَإِيَّاكمْ) فلأن الآباء القاتلين هنا ليسوا فقراء بل هم أغنياء لكن يخشون الفقر فكان الأنسب أن يبدأ بذكر رزق الأولاد قبل ذكر رزق الآباء لأن الآباء رزقهم موجود فقال (نَحْنُ نَرْزُقُهم وَإِيَّاكمْ).