فتاوى نور على الدربصفحة 2

أحسن الله إليكم يسأل السائل أيضاً من جمهورية مصر العربية ويقول البعض من الناس يذهب إلى القبور وخصوصاً يوم وقفة عرفة ويوم العيد حيث تمتلئ المقابر بالرجال والنساء ما توجيه فضيلتكم لهؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أوجه إلى هؤلاء النصيحة لا سيما النساء فإن النساء لا يحل لهن أن يزرن القبور لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن زائرات القبور فالمرأة لا يحل لها أن تزور قبر أي إنسان لأنها إذا فعلت ذلك عرضت نفسها للعنة والعياذ بالله واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه وتعالى أما بالنسبة للرجال فإن الرجال يسن لهم أن يزوروا القبور لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة وفي لفظٍ تذكر الموت) لكن اتخاذ يوم عرفة أو يوم العيد وقت للزيارة على وجهٍ معتاد بدعة بلا شك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخصص يوماً من الأيام لا أيام السنة ولا أيام الأسبوع لزيارة القبور ولكن نقول كلما مضى حين وحين فَزُر المقبرة لا سيما إن رأيت من قلبك قسوةً ونسياناً للموت أما أن تجعل يوم عرفة ويوم العيد وقتاً للزيارة فهذا لا يجوز إلا بدليل ولا دليل على هذا.


أحسن الله إليكم إبراهيم أبو حامد يقول هناك أناس يذهبون إلى المقابر فور انتهاء صلاة العيد بقصد السلام على موتاهم وذلك في كل عيد بصفة مستمرة فما حكم ذلك العمل مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكمه أنه لا أصل له من عمل السلف الصالح واعتقاد أن ذلك سنة يجعله بدعة لكن هذا شيء اعتاده الناس وينبغي لطلبة العلم أن ينبهوهم على أن ذلك غير مشروع فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يخرج يوم العيد لزيارة القبور ولم يأمر أمته أن يخرجوا لزيارة القبور وشيء لم يعتاده الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات أي مما يتعبد به الإنسان يكون بدعة إذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


المستمع بسيوني إبراهيم متولي يقول في رسالته عندنا في القرية وفي ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى المبارك عندما يعرف الناس بأن غداً عيد يخرجون إلى القبور في الليل ويضيئون الشموع على قبور موتاهم ويدعون الشيوخ ليقرؤوا القرآن على القبور ما صحة هذا الفعل جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الفعل فعل باطل محرم وهو سبب للعنة الله عز وجل (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) والخروج إلى المقابر في ليلة العيد ولو لزيارتها بدعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه كان يخصص ليلة العيد ولا يوم العيد بزيارة المقبرة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فعلى المرء أن يتحرى في عباداته وكل ما يفعله مما يتقرب به إلى الله عز وجل أن يتحرى في ذلك شريعة الله سبحانه وتعالى لأن الأصل في العبادات المنع والحظر إلا ما قام الدليل على مشروعيته وما ذكره السائل من إسراج القبور ليالي العيد قد دل الدليل على منعه وعلى أنه من كبائر الذنوب كما أشرت إليه قبل قليل من أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج).


بارك الله فيكم المستمع حامد يقول لدينا ظاهرة منتشرة وهي توجه كثيرٍ من الناس إلى المقابر بعد الفراغ من صلاة العيد فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل بدعة لم يكن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعتاد زيارة القبور في يوم العيد وإنما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بزيارة القبور أمراً مطلقاً عاماً فقال عليه الصلاة والسلام (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فينبغي للإنسان أن يزور القبور كل وقت سواء في الليل أو في النهار وليس ذلك مقيداً بوقت من الأوقات لا في يوم الجمعة ولا في يوم العيد بل قد نقول إنه كلما قسى قلبه ونسي الآخرة فينبغي له أن يخرج إلى المقابر ويزورها لأجل أن تذكره بالآخرة كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (فإنها تذكركم الآخرة).


عندما كنت في السودان موجوداً للعزاء في والدي رحمه الله وجميع موتى المسلمين ذهب إخوتي وأخواتي صبيحة عيد الأضحى إلى المقابر لزيارة قبر والدي بعد مضي أسبوع من وفاته وطلبت منهم عدم الذهاب بالرغم من حزني على فراقه لنا خاصة وإنني بعيد منه كما ذكرت فإنني طلبت منهم عدم الذهاب إلى المقابر في أول يوم للعيد لأنه يوم فرح المسلمين ولا يجوز الحزن فيه بل إبداء السرور والإيمان بقضاء الله وقدره وطلبت من إخوتي ومن رافقهم من نسوة بعدم الذهاب لأن زيارة النساء عموما للمقابر ليس فيها من الخير شيء خاصة في زماننا هذا إلا أنهم ذهبوا مع إخواني امتثالا لما هو شائع من تقاليد وعادات أرجو من فضيلتكم التكرم إذا كنت محقا في ما ذكرت لهم بعدم الذهاب إلى المقابر في ذلك اليوم وخاصة النساء جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحق معك إن شاء الله في هذه المسألة وأنت أديت الواجب عليك من نصحهم وما ذكرت من أنه لا يجوز للنساء زيارة القبور هو الحق فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى النساء عن زيارة القبور بل (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) وأما زيارة القبور في يوم العيد خاصة فإن ذلك من البدع فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخص يوم العيد بزيارة المقبرة بل كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزور المقبرة متى سنحت له فرصة وأمر بزيارة القبور عموما في أي وقت فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت (وفي) رواية تذكر الآخرة).


هذه الرسالة وردتنا من بلاد بني مالك بجيلة المركز الفرعي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعث بها المرسل يقول ابنكم البار هلال سراج المالكي يقول في رسالته سؤالي هو أن هناك أهل قرية من إحدى قرى بني مالك الحجاز بمنطقة بجيلة وأهل تلك القرية عندهم عادة دون غيرهم من أهل القرى والقبائل وهي أنهم عقب انتهائهم من صلاة المشهد في كل يوم عيد سواءٌ كان عيد الأضحى أو عيد الفطر يذهبون إلى زيارة قبور أهليهم ومن في تلك المقبرة من أموات المسلمين وذلك من أجل السلام عليهم وفي أثناء الطريق يتضرعون إلى الله ويدعون ومن جملة تضرعهم ودعائهم قولهم الله الله أنا يا الله عبداً ضعيفاً يطلب الغفران إلى أن يقولون أربع تكابير أربع تكابير وهم واقفون ولكنهم لم يشدوا رحال وعند مشاهدتهم المقبرة وعلى بعد حوالي ثمانين متر تقريباً يرفعون أصواتهم تحت تذلل وخشوعٍ بقول لا إله إلا الله ثم يتقدم أحد القراء وهم واقفون ثم يسلم على الميتين بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم السلام عليكم إلى آخر الدعاء يقول نريد أن تذكروا لنا حكم هذه الزيارة وحكم ما يقال فيها وما يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول زيارة القبور مستحبة للرجال كل وقت ليلاً ونهاراً في أيام الأعياد وفي غيرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها وفيها فائدتان عظيمتان إحداهما تذكر الآخرة والثانية الدعاء لهؤلاء الأموات من المؤمنين والمسلمين وإذا كانت من العبادات فإنه يجب على المؤمن أن يكون فيها متبعاً لا مبتدعاً متبعاً في هيئتها وفي زمنها وهذا الزمن الذي خصصه هؤلاء وهو ما بعد صلاة العيدين يخرجون إلى المقبرة هذا الزمن ليس وارداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد أنه صلى الله عليه وسلم يخص المقبرة بزيارةٍ بعد صلاة العيد وعلى هذا فتخصيصها بهذا اليوم أو الذهاب إلى المقبرة في هذا اليوم يعتبر من البدع التي لا يجوز للمرء أن يتقيد بها وإن كان الأصل أن الزيارة مشروعة ولكن تخصيصها في هذا اليوم أو فيما بعد الصلاة هو من البدع هذا واحد فهي بدعة زمنية كذلك أيضاً الصيغة التي يؤدون بها هذه الزيارة لكونهم يذهبون مجتمعين ويقولون هذا الدعاء إذا أقبلوا على المقبرة وهذا الذكر ثم يتقدم القارئ فيقرأ هذا أيضاً من البدعة في صيغة الدعاء وفي كيفية الزيارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه يذهب هو وأصحابه مجتمعين ولا أنهم يعملون كما يعمل هؤلاء من الدعاء بهذه الدعوات في مكانها المعين وحين إقبالهم إلى المقبرة فالواجب على هؤلاء الإخوان أن ينتهوا عن هذا وأن يتوبوا إلى الله وأن يزوروا المقبرة كلما سنحت لهم الفرصة واشتدت بهم الغفلة عن الآخرة حتى يتذكروا بها ما يصيرون إليه كما صار إليه هؤلاء الأموات الذين كانوا من قبل أحياءً على ظهر الأرض وأن يكونوا متبعين للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع عباداته لأننا لو قلنا إن كل من استحسن شيئاً تقرب به إلى الله أصبح الدين غير منضبط وأصبح لكل قومٍ دين لأن هؤلاء يستحسنون كذا فيدينون لله به وهؤلاء يستحسنون كذا فيدينون لله به وحينئذٍ تتفرق الأمة شيعاً كل حزبٍ بما لديهم فرحون والواجب الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويسعنا ما يسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فضيلة الشيخ: بالنسبة للبدعة الزمنية التي ذكرتم وهي زيارة المقابر في يوم العيد قد يقول قائل أن هذا اليوم الذي هو يوم العيد يتفرغ الناس من أعمالهم ويتذكرون أقاربهم ويزورون الأحياء لذلك يشركون الأموات في الزيارة؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نقول رداً على هذا ليس الأوقات كلها مشغولة إلا يوم العيد ففي يوم الجمعة وقت فراغ وفي يوم الخميس وقت فراغ خصوصاً للموظفين ثم إن يوم العيد ليس الحامل للناس على هذا هو الفراغ وإنما الحامل أنهم يعتقدون أن الخروج إلى المقبرة في هذا اليوم بمنزلة التزاور بين الأحياء والمعايدة ولهذا يقول بعضهم لبعض ما ذهبت تعايد أمواتك هذا هو المعروف عندهم فهم يعتقدون أن للزيارة يوم العيد بذاته خاصيةً ليسوا يقولون لأننا نتفرغ ثم إن الفراغ في الحقيقة ليس مقروناً بوقتٍ معين فالفراغ قد يتفرغ الإنسان في غير يوم العيد وقد ينشغل في يوم العيد.


السائل محمد أحمد بدر مصري يعمل بالعراق أيضاً يقول عندنا عادة في يوم العيد بعد أداء صلاة العيد نقوم بزيارة المقابر فنجد هناك النساء يقمن بالبكاء والنواح فوق المقابر فما حكم هذا العمل منا ومن النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما حكم العمل منكم فإنه من البدع فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يخصص المقابر بالزيارة في يوم العيد ولا يمكن للمرء أن يخصص وقتاً من الأوقات وعبادة من العبادات إلا بدليل من الشرع لأن العبادة تتوقف على الشرع في سببها وفي جنسها وفي قدرها وفي هيئتها وفي زمانها وفي مكانها لابد أن يكون الشرع قد جاء في كل هذه الأشياء فإذا خصصنا عبادة من العبادات في زمن معين بدون دليل كان ذلك من البدع فتخصيص يوم العيد بزيارة المقبرة بدعة ليست واردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه وأما بالنسبة لزيارة النساء فإن زيارة النساء محرمة لا يجوز للنساء أن يزرن القبور لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) فكيف إذا حصل من زيارتهن ما ذكره السائل من البكاء والنياحة فإنه يكون ظلماً فوق ظلم وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة) وأخبر (أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والعياذ بالله فعلى النساء أن يتقين الله عز وجل وأن يبتعدن عن محارمه ولا يزرن المقابر وإذا كن يردن أن يدعون للأموات فليدعون وهن في بيوتهن والله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء.


هذه الرسالة وردتنا من الهفوف، من بخيت سعيد الدوسري يقول فيها نذهب أيام العيد للسلام على موتانا والترحم عليهم ويصر بعض أقاربنا من النساء على الذهاب معنا، ويقلن نحن ندخل على الله أن لا تحرمونا أحبابنا علماً أنهن لا ينحن ولا يجزعن في ذلك، هل نذهب بهن معنا أم لا؟ وفقكم الله

فأجاب رحمه الله تعالى: الذهاب إلى المقابر أيام الأعياد من البدع، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يخصون أيام الأعياد بزيارة القبور، لذلك ينهى الإنسان أن يزور القبور أيام الأعياد على اعتبار أن ذلك من السنن المقيدة بهذه الأيام، وإنما زيارة القبور مسنونة كل وقت، حتى في الليل كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع ذات ليلة وسلم عليهم، أما النساء فلا يجوز تمكينهن من الخروج من بيوتهن إلى زيارة القبور لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسروج)، وكونهن أي النساء المذكورات يقلن للرجال ندخلكم على الله ما تحرمونا أحبابنا هذا لا يبرر لهم السماح لهن بالذهاب إلى المقبرة، فإن المستجير بالله عز وجل إذا استجار بالله من شخص منعه المحرم فإن الله تعالى لا يجيره، لأن الله لا يحب الظالمين ولا يحب المعتدين، ولو كان من استجار بالله أو استعاذ به من أمر واجب عليه أو من فعل محرم عليه، لو كان ذلك سائغاً لكن ذلك مخالفاً لتحريم الله سبحانه وتعالى لما حرم، أو لإجابه لما أوجب لاقتضى أن يفعل الإنسان ما حرم الله عليه بهذه الوسيلة، وأن يترك ما أوجب الله عليه بهذه الوسيلة، فكل من استعاذ بالله أو استجار به ليمكن من فعل محرم فإنه لا يجار لأن الله لا يجيره.


حفظكم الله يا فضيلة الشيخ السائل من الجزائر يسأل عن حكم زيارة قبر الرسول صلى الله عليه والدعاء عند قبره؟

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير شد رحل بأن يكون الإنسان قد قدم المدينة للصلاة بالمسجد النبوي مشروعة لأنه أحق الناس بزيارة قبره إذا لم يحتج إلى شد رحل فيقف أمامه أمام قبره وظهره إلى القبلة ويقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته صلى الله عليك وجزاك عن أمتك خيراً ثم يخطو خطوة واحدة عن يمينه ليكون تجاه أبي بكر رضي الله عنه فيقول السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمدٍ خيرا ثم يخطو خطوة واحد عن يمينه ليكون تجاه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فيقول السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمدٍ خيرا ثم ينصرف ولا يقف للدعاء لأن هذا أعني الوقوف للدعاء ليس مأثوراً عن الصحابة رضي الله عنهم.


أحسن الله إليكم يقول فضيلة الشيخ حفظكم الله أنا من سكان المدينة النبوية فهل يسن كلما دخلت المسجد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أن أذهب من ناحية القبر للسلام أو التوجه تلقاء القبر في أي مكان من المسجد وأؤدي السلام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يسن للإنسان كلما دخل المسجد النبوي أن يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويسلم عليه لأن هذا لم يكن من عهد السلف الصالح ولاشك أننا لا نحب الرسول عليه الصلاة والسلام كما يحبه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة ومع هذا فلم يعهد أن أحدا منهم يتردد إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلما دخل المسجد ذهب يسلم عليه ولم يعهد أيضا أن الواحد منهم يقف في أقصى المسجد ويوجه وجهه إلى القبر ويسلم عليه أبدا والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام مشروع في نفس الصلاة الإنسان يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته لكن مع الأسف الشديد أن كثيرا من الناس يتعبدون لله تعالى بما يجهلون نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.


السائل خليفة من المدينة المنورة يقول في سؤاله هل يجوز رفع اليد والدعاء أثناء السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم باتجاه بيته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور المستحبة وهي أولى وأول ما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (زوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة) ولكن يجب على الإنسان حين زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعتقد أنها عبادة لله وليس عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يؤمن بأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً يقول الله تبارك لرسوله صلى الله عليه وسلم (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فهذه حقيقة حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله فالأمر كله إلى الله عز وجل النفع والضرر للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره كله لله عز وجل وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وهو صلى الله عليه وسلم يمسه الضر كما يمس غيره ولهذا قال (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) ولكنه صلى الله عليه وسلم يمتاز عن غيره بأنه نذير مبين لقوم يؤمنون ولقد قاله الله تعالى له وأمره أن يعلن أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد ضراً ولا رشدا كما قال تعالى (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) وأمره أن يعلن شيئاً آخر فقال (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) فالواجب على من زار قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يؤمن بذلك أي بما وصف الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وألا يتجاوزه غلواً وألا يتأخر عنه تقصيراً فللرسول صلى الله عليه وسلم ما له بما جعله الله عز وجل له وللرب عز وجل ما له بما اختص به نفسه سبحانه وتعالى ثم إذا سلم فلا يطيل لأن الإطالة مخالفة لهدي السلف الصالح يقف تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبر فيقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم صلِّ وسلم عليه واجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ثم يخطو عن يمينه خطوة ليكون مقابل وجه أبي بكر رضي الله عنه ويقول السلام عليك يا خليفة رسول الله رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرا ثم يخطو خطوة أخرى عن يمينه ليكون أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويقول السلام عليك يا أمير المؤمنين رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرا أو كلمات نحوها ثم ينصرف ولا يقف يدعو عند القبر وينبغي أن لا يكثر من هذه الزيارة خلافاً لمن يجعلها أي هذه الزيارة كلما صلى فريضة جاء فزار أو كلما صلى الفجر جاء فزار فإننا نعلم والله علم اليقين أننا لسنا نحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحبه الصحابة ولا نعظمه أكثر مما يعظمونه وإذا كانوا لا يفعلون مثل هذا فهم أسوتنا وقدوتنا قال الله تعالى (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فرضى الله عز وجل عمن كانوا بعد المهاجرين والأنصار لا يكون إلا لمن اتبعهم بإحسان أي أخذ بطريقتهم غير مقصر فيها ولا متجاوزاً لها وإنك لتعجب من قوم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أكثر من تعظيم الصحابة له لكنهم يخالفونه في الأعمال تجد عندهم تقصيراً في كثير من السنن التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم ليتعبد الناس بها لربهم جلا وعلا بل إنك تجدهم مقصرين في الواجبات بل ربما تجد فيهم انتهاكاً للمحرمات ربما يكون فيهم من يحلق لحيته ربما يكون فيهم من يشرب الخمر ربما كان فيهم من يتتبع النساء بالمغازلة أو بالنظر المحرم أو ما أشبه ذلك فعجباً لهؤلاء أن يخالفوا السلف من الجهتين في الغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام وفي التقصير في سنته وهديه وليس تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أن نقف عند قبره لنزوره زيارة غير مشروعة وإنما تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بمحبته واتباعه ظاهراً وباطناً واعتقاد أن سنته خير السنن وأن هديه أكمل الهدي وألا نتجاوز ما شرعه لا تقصيراً ولا إفراطاً هذا هو تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام ولقد تحدى الله تعالى قوماً ادعوا أنهم يحبون الله باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فقال (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فنصيحتي لإخواني المسلمين ألا يتجاوزوا حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا يغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الغلو الجائر الذي يحرمون به خير سنته وخير هديه ولقد يعجب المرء أن يقف بعض الناس أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم متجها إلى قبره حانياً رأسه مغمضاً عينيه جاعلاً يديه على صدره كما يفعل في الصلاة بل هو أشد خشوعاً من وقوفه بين يدي الله عز وجل وهذا لا شك من الجهل العظيم وأستغفر الله إن كان هذا من تفريط العلماء وعدم بيان الحق لهؤلاء العامة الذين لا يفعل أكثرهم ما يفعل إلا أنه يظن أنه محسن ولكنه ليس بمحسن.


هل صحيح إذا زار شخص قبر النبي عليه الصلاة والسلام حين يسلم عليه لا يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم سلامه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي من الأدلة الشرعية أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع سلامه عليه وأنه يبلغ إياه وكذلك أيضا أهل القبور إذا سلم عليهم فإنهم يسمعون لأن المسلم يقول السلام عليكم بكاف الخطاب وقد ورد حديث صححه ابن عبد البر وذكره ابن القيم في كتاب الروح ولم يتعقبه أنه (ما من رجل مسلم يمر بقبر رجل مسلم يعرفه فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه فرد عليه السلام) وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القتلى قتلى المشركين في بدر وقال لهم (يا فلان ابن فلان يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعد ربي حقاً) فقال له عمر أو غيره ما تكلم يا رسول الله من أناس جيفوا فقال (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يسمعون وأما قوله تعالى (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) فالمراد أنك لا تسمع الموتى إسماع إدراك ينفعهم فإن الميت لا يسمع إذا دعي وإذا نودي بحيث يجيب من دعاه وهذا هو المقصود من قوله (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) بدليل قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) فنفى السماع عنهم لعدم انقيادهم فكذلك الموتى ينتفي عنهم السماع أو الإسماع لأنهم لا ينتفعون بذلك ولا يجيبون من أسمعهم هذا هو ما ظهر لي في هذه المسألة أنّ من سلّم على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمعه.
فضيلة الشيخ: لكن في قوله تعالى (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) هل المقصود بهم الموتى الذين فارقوا الحياة الدنيا أم الموتى الذين لم يستفيدوا من الرسالة؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هو فيه احتمال إن أراد بالموتى يعني أنه شبّه حال هؤلاء الذين لا يستجيبون بالموتى وأنهم موتى القلوب وفيه احتمال أن المراد الموتى الموت حقيقة الذين ماتوا حقيقة وأنا أشرت إليها بأنه استدل بها من قال إن الموتى لا يسمعون كلام الأحياء مطلقاً وقالوا أيضاً عن قول الرجل إذا مرّ بالمقبرة السلام عليكم دار قوم مؤمنين إن هذا الخطاب لهم وإن كانوا لا يسمعون لأنه قد يخاطب من لا يسمع ويخاطب بكاف الخطاب وهو لا يسمع وليس بروح قالوا ويدل على ذلك قول عمر رضى الله عنه للحجر الأسود (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) ولكن جوابنا على هذا أن يقال إن عدم سماع الحجر وعدم فهمه أمر واضح لأنه لم تحله روح من قبل وليس به شيء من عقل من قبل بخلاف الميت فإن الميت ترد عليه روحه بعد موته وإن كان رداً لا يساوي أو يماثل وجودها في بدنه في حال الحياة.


كثيراً ما نسمع إذا أراد شخص أن يسافر إلى المدينة يقول له الأشخاص الباقيين سلم لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه منتشرة أيضاً في الآونة الأخيرة جداً

...

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه خطأ من الخطأ والجهل والبدعة لأن السلام عمل بدني لا تصح فيه الاستنابة الأعمال البدنية لا تصح فيها الإستنابة ولهذا لو قال شخص لآخر صلِّ عني ركعتين ما نفع هكذا أيضاً لو قال سلم لي على النبي عليه الصلاة والسلام ومن عجبٍ أن يعدل هذا الرجل عن نقل الملائكة الذين ينقلون سلام الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أحفظ وأثبت من بني آدم ثم نحملها هذا الرجل الذي يمكن أن يموت قبل أن يصل وربما ينسى وربما يحدث له علل وموانع تمنع من تنفيذ هذه الوصية وعلى كل حال هذا من البدع الذي يجب التحذير منها.


هذه الرسالة من عودة أحمد من كركوك بالعراق يقول إنني أتساءل في زيارتي المقابر ويقولون إن قراءة سورة "ألهاكم التكاثر" عند دخول المقبرة يؤجر قارئها وهل البكاء في المقبرة حرام أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة القبور مستحبة للرجال لكن المقصود بها هو الاتعاظ والتذكر تذكر الإنسان مآله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) وكذلك يقصد منها الدعاء للأموات كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى المقبرة سلم عليهم ودعا لهم وأما قراءة ألهاكم التكاثر عند دخول المقابر فلا أعلم فيها سنة فلا يسن للزائر قراءتها لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما البكاء في المقبرة فلا بأس به إذا لم يصل إلى حد النياحة أو الندب ولكننا ننصح من علم من نفسه أنه إذا ذهب إلى المقبرة تذكر قريبه أو صديقه ثم جعل يبكي لأن ذلك مما يجدد الأحزان والشيء الذي يجدد الأحزان لا ينبغي للإنسان أن يتذكره بل يبتعد عنه حتى ينسى هذه المصيبة ويشتغل بمصالح دينه ودنياه.


هل تجوز قراءة الفاتحة على الموتى وهل تصل إليهم أفيدونا وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب قراءة الفاتحة على الموتى لا أعلم فيها نصاً من السنة وعلى هذا فلا تقرأ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على ثبوتها وأنها من شرع الله عز وجل ودليل ذلك أن الله أنكر على من شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله فقال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وإذا كان مردوداً كان باطلاً وعبثاً وينزه الله عز وجل أن يتقرب به إليه وأما استئجار قاريء يقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت فإنه حرام ولا يصح أخذ الأجرة على قراءة القرآن ومن أخذ أجرة على قراءة القرآن فهو آثم ولا ثواب له لأن القرآن عبادة ولا يجوز أن تكون العبادة وسيلة إلى شيء من الدنيا قال الله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وإذا كان هذا القارئ آثماً فلا ثواب له وإذا لم يكن له ثواب فإنه لن يصل الميت من قراءته شيء لأن وصول الثواب إلى الميت فرع عن ثبوته لهذا القارئ ولا ثواب لهذا القارئ فلا يصل للميت شيء من الثواب وعلى هذا فيكون استئجار هؤلاء القراء إثماً ومعصية وإضاعة للمال وإضاعة للوقت ونصيحتي لإخواني الذين ابتلوا بهذا أن يقلعوا عنه وأن يتوبوا إلى الله تعالى منه وأن يستعيضوا عنه بما دلت عليه النصوص من الدعاء للميت فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فإذا أراد الإنسان أن ينفع ميته بشيء فليكثر من الدعاء له ولا سيما في أوقات الإجابة كآخر الليل وحال السجود وبين الأذان والإقامة ومن تمشى على شريعة الله ونبذ البدع في دين الله نال خيراً كثيراً.


يقول في الآونة الأخيرة ظهرت عندنا عادة ونستطيع أن نسميها بدعة وهي عندما يموت ميت يرفعون صوت قراءة القرآن بمكبرات الصوت في بيت العزاء وعندما يحملونه بسيارة الموتى إلى المقبرة فإنه أيضاً يرفعون صوت القراءة غالباً بالمكبرات حتى صار الواحد لمجرد سماعه القرآن يتبادر إلى ذهنه أن هنالك ميتاً فيتشاءم من سماعه القرآن وبالأحرى أصبح لا يفتح على قراءة القرآن إلا عند موت إنسان ما الحكم بهذه الظاهرة الغريبة يا شيخ محمد وهل لكم من كلمة خير توجهونها عبر برنامجكم للناس بهذا الخصوص حتى لا يبتعد الناس أكثر وأكثر عن القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أن نقول إن هذا العمل بدعة بلا شك فإنه لم يكون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد أصحابه والقرآن إنما تخفف به الأحزان إذا قرأه الإنسان بنفسه بينه وبين نفسه لا إذا أعلن به على مكبرات الصوت التي يسمعها كل إنسان حتى اللاهون في لهوهم حتى يستعملون المعازف وآلات اللهو تجدهم يسمع القرآن وتسمع هذه الآلات وكأنما يلغون في هذا القرآن ويستهزئون به ثم إن اجتماع أهل الميت لاستقبال المعزين هو أيضاً من الأمور التي لم تكن معروفة حتى أن بعض العلماء قال إنه بدعة ولهذا لا نرى أن أهل الميت يجتمعون لتلقي العزاء بل يغلقون أبوابهم وإذا قابلهم أحد في السوق أو جاء أحد من معارفهم بدون أن يعدوا لهذا اللقاء عدته ودون أن يفتحوا الباب فإن هذا لا بأس به وأما اجتماعهم وفتح الأبواب لاستقبال الناس فإن هذا شيء لم يكن معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان الصحابة يعدون اجتماع أهل الميت وصنع الطعام من النياحة والنياحة كما هو معروف من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) نسأل الله العافية فنصيحتي لإخواني المسلمين أن يتركوا هذه الأمور المحدثة فإن ذلك أولى بهم عند الله وهو أولى بالنسبة للميت أيضاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وبنياح أهله عليه يعذب يعني يتألم من هذا البكاء وهذه النياحة وإن كان لا يعاقب عقوبة الفاعل لأن الله تعالى يقول (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والعذاب ليس عقوبة فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن السفر قطعة من العذاب) بل إن الألم والهم وما أشبه ذلك يعد عذاباًَ ومن كلمات الناس العابرة يقول عذبني ضميري إذا اعتراه الهم والغم الشديد والحاصل إنني أنصح إخواني عن مثل هذه العادات التي لا تزيدهم من الله تعالى إلا بعداً ولا تزيد موتاهم إلا عذاباً.


جزاكم الله خيراً البعض من الناس يأتون كل يوم جمعة ويدفعون مبلغاً من المال لأناس امتهنوا قراءة القرآن عند القبور ظناً منهم بأن ذلك ينفع الموتى فهل هذا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قلت في جواب السؤال الأول إن هذا لا ينتفع به الميت ثم هؤلاء الذين يقرؤون من أجل ما يعطون من المكافئة محروم من الأجر لأن كل إنسان أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق وليس له نصيب من الأجر فمن استأجر قارئاً يقرأ القرآن إما عند القبور وإما عند المصيبة فإنه لا أجر لهذا القارئ وبالتالي لا أجر لمن استأجره ثم إن استئجاره أيضاً فيه ظلم له لأنهم يعوِّدوه على أن يتعبد عبادة يريد بها الدنيا وقد قال الله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).


يقول عند زيارتي لمقبرة أو مرقد لأحد الرجال الصالحين بعد السلام أقرأ سورة الإخلاص ثمانية مرات وأدعو الله للأموات أو صاحب المرقد مبتدئاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أختم قراءتي ودعائي بقولي وأهدي لهم مني ثواب سورة الفاتحة وأقرأها فهل عملي هذا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول قراءة سورة الإخلاص ثمانية مرات بعد السلام هذا لا أصل له من الشرع وهو من البدع المستحدثة عند فاعليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) وكذلك إهداء سورة الفاتحة لهم هو أيضاً من الأمور التي لم يأت بها الشرع عند زيارة القبور, وإنما شرع النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور أن يقول الزائر (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) فهذا السلام الجامع بين الدعاء لهم وبين السلام والتحية هو خير ما يقوله المرء بما في ذلك من اتباع السنة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانت ثمت أمرٌ أفضل من ذلك لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أعلم الناس بما هو أنفع وأنصح الناس للخلق فلا يمكن أن يدع الشيء الأفضل ثم يرشد أمته إلى ما دونه بهذا ننصح أخانا السائل ألا يتجاوز ما جاءت به السنة عند زيارة القبور وأما صلاة الركعتين التي أشار إليها في آخر السؤال عند القبر فهذا إذا كان في مقبرة فإنه لا يجوز لأن الصلاة في المقبرة حرامٌ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تصلوا إلى القبور) فالصلاة إلى القبر بمعنى أن يكون القبر بينك وبين القبلة هذا حرام ولا يجوز وكذلك أيضاً المقبرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) فالمقبرة ليست محلاً للصلاة وإنما يستثنى من ذلك الصلاة على الجنازة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه (أنه خرج إلى جنازة رجل دفن أو امرأة كانت تقم المسجد فلما علم بها خرج إليها فصلى على القبر صلى الله عليه وسلم) ولا يستثنى شيء من الصلاة تصلى في المقبرة إلا صلاة الجنازة.
فضيلة الشيخ: يقول وهل يجوز الدعاء له وهل يجب على من دخل مقبرة أن يقرأ سورة يس؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا.
لا يجب أن يقرأ سورة يس ولا يشرع أن يقرأ أيضاً بل نقول له لا تقرأ وإنما تفعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ذكرناه في أول الجواب.


المستمع من العراق يقول بعض من الناس الذي يصلى والذي لا يصلى عند ما يمر من المقبرة يقرأ سورة الفاتحة هل ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مثل هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة القبور مشروعة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نهى عنها وقال عليه الصلاة والسلام (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكر الآخرة وفي لفظ تذكر الموت) والأمر كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم فإن الرجل إذا مر بالمقبرة ورأى هذه الأجداث وتصور وقت كان أصحابها فيها وأنهم الآن مرتهنون بأعمالهم وأن هؤلاء القوم كانوا بالأمس على ظهر الأرض يذهبون ويأكلون ويشربون ويتمتعون بزخارف الدنيا تذكر حاله هو أيضاً بأنه سيكون عن قريب مثل هؤلاء مرتهن بعمله لا يستطيع زيادة في حسناته ولا نقصاً من سيئاته فيتذكر ويعتبر ويزداد استعداداً للموت ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور لكن أمره هذا خاص بالرجال أما النساء فقد (لعن النبي صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة لكن لو مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد زيارة ووقفت ودعت بما يسن الدعاء به فإن هذا لا بأس به كما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم وأما خروجها من بيتها لقصد الزيارة فإن هذا داخل في لعنة الله وأما من زارها فإن المشروع له أن يقول (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لا حقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) وأما قراءة الفاتحة عند زيارة القبور فإنه لا أصل لها ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لا ينبغي للإنسان قراءتها لأنها غير مشروعة بل ينبغي له أن يدعو بالدعاء الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه آنفاً.


أحمد محمد أحمد من مصر العربية يقول في رسالته عندما نمر على القبور نسلم على أهلها ونقرأ الفاتحة هل هذا العمل صحيح أفيدونا مشكورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا زار الإنسان المقبرة فإنما يزورها للدعاء لهم والاعتبار بحالهم يزور المقبرة للدعاء لأهل القبور والاعتبار بحالهم وتذكر الآخرة ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور بعد أن نهى عنها فقال صلى الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة) وشرع لأمته إذا زاروا القبور أن يدعوا لأهل القبور فيقولوا (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) وأما قراءة الفاتحة عند زيارة القبور فإنه لا أصل لها بل وليست بسنة ولا ينبغي للإنسان أن يقرأ الفاتحة في هذه الحال وإنما يفعل ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته من السلام المقرون بالدعاء وقد تلوناه قبل قليل.


أحسن الله إليكم وبارك فيكم وفي علمكم هل الدعاء في المقابر جائز يذهب البعض من الناس إلى المقابر ويدعون ويقولون ندعو للأموات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الخروج إلى المقابر والسلام على أهل القبور والدعاء لهم فهذا سنة جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الخروج إلى المقابر لدعاء الله تعالى عندها فهذا بدعه بدعة منكرة فإن الله تعالى يدعى في كل مكان إلا في الأماكن القذرة التي ينزه الله تبارك وتعالى عن دعائه فيها فهو يدعى في المساجد وفي البيوت وفي الأسواق وفي كل مكان ولم يرد خبر في دعاء الله تبارك وتعالى في المقبرة فلهذا نقول من قصد المقبرة لدعاء الله تعالى فيها فإنه مبتدع ينكر عليه فعله أما إذا كان يذهب إلى هناك لاعتقاده بركة الشيخ الفلاني أو الشيخ الفلاني فهذا أشد وأشد فعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله ويقلع عن هذا الذنب وينصح إخوانه الذين يفعلونه وفي ظني أن غالب من يفعل ذلك لا يحملهم عليه إلا الجهل والتقليد الأعمى وإلا فلو أن الإنسان رجع إلى مجرد التفكير لوجد أن هذا سفه أن يخرج إلى المقبرة ليدعو الله هناك.


يقول هذا السائل يا فضيلة الشيخ أخبرني أحد المصلىن في مسجد الحي بأنه يوجد في بلاده أن بعض المسلمين هداهم الله يوزعون الورود والرياحين وأشباه ذلك على قبور موتاهم والدعاء لهم برفع اليدين تجاه القبور فأخبرته بأن هذا لا يجوز وأن هذا بدعة فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يكون عملهم على منهج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج إلى المقابر يسلم عليهم ويدعو لهم ولم يكن يحمل معه الزهور توضع على قبورهم ولم يكن عليه الصلاة والسلام يدعو لهم مستقبل القبلة رافعاً يديه بل كان يقول (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) ثم كذلك أيضاً لا يدعو هؤلاء المقبورين فإن دعوتهم شركٌ أكبر والعياذ بالله لأنه لا يمكن أن يقدروا على إجابته أبداً قال الله تبارك وتعالى (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ).


هل ورد في زيارة القبور يوم الجمعة فضل عن بقية الأيام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخص يوم الجمعة بزيارة المقبرة وكذلك لا يخص يوم العيد بزيارة المقبرة وعلى هذا فلا ينبغي أن نخصص يوم من الأيام لزيارة القبور فزيارة القبور مستحبة كل وقت ليلا أو نهارا في أي شهر وفي أي يوم وتخصيص يوم معين للزيارة لا أصل له في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


هل زيارة القبور وقراءة الفاتحة على أولياء الله تجوز أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب زيارة القبور سنة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نهى عنها كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم في قوله (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها تذكركم الآخرة) رواه مسلم فزيارة القبور للتذكر والاتعاظ سنة فإن الإنسان إذا زار هؤلاء الموتى في قبورهم وكان هؤلاء بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل ويشربون كما يشرب ويتمتعون بدنياهم فأصبحوا الآن رهناً لأعمالهم إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر فإنه لا بد أن يتعظ ويلين قلبه ويتوجه إلى الله عز وجل بالإقلاع عن معصيته إلى طاعته وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به وعلمه أمته (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) يقول هذا الدعاء ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور وعلى هذا فقراءة الفاتحة عند زيارة القبور خلاف المشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما زيارة القبور للنساء فإن ذلك محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة هذا إن خرجت من بيتها لقصد الزيارة فأما إذا مرت من المقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته فيفرق بالنسبة للنساء بين من خرجت من بيتها لقصد الزيارة ومن مرت بالمقبرة بدون قصد فوقفت وسلمت فالأولى التي خرجت من بيتها لأجل الزيارة قد فعلت محرماً وعرضت نفسها للعنة الله عز وجل وأما الثانية فلا حرج عليها.


التعزية

بارك الله فيكم هذا المستمع يوسف محمد يقول كيف يكون العزاء على الميت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء على الميت هو أن يذكر للإنسان المصاب بالميت ما يكون به تقوية له على الصبر وتحمل المصيبة وأحسن ما يعزى به ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته حين أصيب طفل لها فقال عليه الصلاة والسلام لرسول أرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى مرها فلتصبر ولتحتسب) هذا أحسن ما يعزى به المصاب وأن عزاه بغير ذلك من العبارات التي تفيد تصبير الرجل على المصيبة وتحميله للصبر عليها فإن ذلك لا بأس به لكن المحافظة على ما جاءت به السنة أولى من غيرها ثم إن العزاء ليس بالأمر الذي يعتبر شيئا لازما بحيث تفتح له الأبواب وتشعل له الأضواء وتقام له الكراسي وتصنع له الأطعمة هذا كله من البدع المحدثة التي ينهى عنها لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعدون صنع الطعام والاجتماع عليه عند أهل الميت من النياحة والنياحة محرمة بل من كبائر الذنوب لذلك نرى أن التعزية المشروعة أنك متى وجدت المصاب في البيت أو في السوق أو في المسجد إذا كان من أهل السوق والمسجد ورأيته محزون أن تصبره وأن تقول له اصبر واحتسب فلله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى وما كان فلن يتغير عن ما كان وهذه الدنيا كل راحل عنها وما أشبه ذلك من الكلمات التي تجعله يتحمل هذه المصيبة وأما ما أشرت إليه من ما يفعله بعض الناس في العزاء ويقيمونه كأنما يقيمون ليالي العرس فإن هذا بدعة منكر لا سيما أنه يحصل أحياناً اجتماع مختلط وأحياناً يحصل اجتماع على قاريء يأجرونه أن يقرأ على روح الميت زعموا وهو في الحقيقة لا ينتفع الميت بقراءته لأن هذا القارئ غالبا إنما يقرأ بالفلوس ومن قرأ للفلوس فلا ثواب له لأن ما يراد به وجه الله إذا أريدت به الدنيا فإنه باطل قال الله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فنصيحتي لإخواني الذين اعتادوا هذه العادة السيئة أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يغلقوا أبوابهم وأن لا يفتحوا لأحد كما أنصح لإخواني الذين يأتون من بعيد يتوافدون على أهل الميت لإقامة العزاء كما زعموا أنصحهم أن لا يحركوا ساكنا وأن يبقوا في بلادهم وأن يتصلوا على المصابين بالهاتف ويعزوهم أو يكتبوا لهم رسائل يعزونهم بها وأما هذه الوفود الجياشة التي تأتي من كل مكان فهي في الحقيقة تعب بدني ومالي وديني لأنه اجتماع على غير أمر مشروع بل على أمر محدث فهل كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعون لهم بإحسان هل كانوا يقيمون مثل هذا العزاء هذه سيرهم بين أيدينا لم يكونوا يفعلون ذلك أبدا وإنما هذا أمر محدث ولا يبعد أن يكون سببه استعمار النصارى لبعض البلاد الإسلامية فإن النصارى وغيرهم من الكفار يرون أن هذه المصائب مصائب مادية محضة فيريدون أن يسلوا أنفسهم بمثل هذه الاجتماعات عن التفكير فيها لكن المؤمن لا يتسلى بمثل هذه الأمور المؤمن يتسلى بإيمانه يتسلى بتوكله على الله واعتماده عليه يتسلى برضاه بقضائه وقدره يتسلى بأمور معنوية روحية ليست مادية محضة كما يفعل الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم لكن تلقفها بعض الناس وأخذوا بها ثم صارت عادة ونسأل الله لنا ولإخواننا أن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.


تقول السائلة من السويد أحيانا نضطر لزيارة بعض المسلمين لأداء الواجب كالتعزية أو التهنئة ولكنهم لا يجلسون النساء على حدة والرجال على حدة أي لا يلتزمون بهذا الأمر الشرعي فهل نقوم بمقاطعتهم ولا نقوم بزيارتهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عبرت هذه السائلة عن التعزية والتهنئة بالواجب وليس هذا بصواب فالتعزية ليست واجبة إنما هي سنة وليست سنة لكل قريب مات له قريب ولكنها سنة لتعزية المصاب بالميت سواء كان قريبا أو غير قريب وإذا كانت العلة هي المصيبة فمن كان لم يصب بالموت من قريبه فإنه لا يعزى ومن أصيب بموت صديقه أو زميله فإنه يعزى فليست العلة في التعزية القرابة ولكنها الإصابة متى علم أن هذا الإنسان مصاب فإنه يعزى ويقال له اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى وهذه الدار ليست دار بقاء والذي لم يمت اليوم يموت غدا وما أشبه ذلك من الكلمات التي تسليه وترفع عنه حر المصيبة وعلى كل ليست واجبة أعني التعزية بل هي من المستحب فإذا لزم من الحضور إلى التعزية اختلاط النساء بالرجال فإنها لا تجوز لأنه لا يمكن أن يفعل شيء مندوب لشيء محرم وكذلك التهنئة من باب أولى فإن التهنئة ليست بواجبة غاية ما في ذلك أنها مباحة فهي أقصر من التعزية لأن التعزية سنة للمصاب وهذه مباحة فقط فإذا لزم من التهنئة المخالطة بين الرجال والنساء فإنه لا يجوز الذهاب إليها إلا من كان له سلطة بحيث إذا ذهب أمكنه أن يعزل النساء عن الرجال فحينئذٍ يكون ذهابه واجباً من أجل إزالة هذا المنكر.


متى يكون العزاء هل هو بعد سماع نبأ وفاة الميت أم بعد الدفن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء يكون من حين أن يموت الميت يعزى به لأنه انتقل عن الدنيا وذهب وليس من شرط ذلك أن يكون بعد الدفن ثم إنه أيضاً لا يتقيد بالأقارب فقط قد يكون الإنسان مصاباً بصديقٍ له أو بصاحبٍ له أكثر من إصابته بقريبه فكل مصاب بالميت من قريب أو صديق أو صهر أو غير ذلك يسن أن يعزى والمقصود من التعزية كما أسلفت تقوية الإنسان على تحمل هذه المصيبة.


ماذا يقول المعزِّيِ وماذا يقول المعزَّىَ؟.

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن كلمة تعزية معناها تقوية يعني تقوية المصاب على تحمل المصيبة والصبر عليها وعلى هذا فمن مات له ميت ولم تلحقه مصيبة بموته لا يعزى يعزى على أي شيء؟! ومن مات له ميت وأصيب به وحزن عليه فإنه يعزى سواء كان من أقاربه أو أصدقائه أو زملائه أو أهل بلده المهم أن نعلم أن هذا الرجل حزن لفراق هذا الميت فإننا نعزيه ما معنى نعزيه؟ أي نأتي بكلمات يتعزى بها ويستعين بها على الصبر ومن أحسن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال لإحدى بناته وعندها صبي في النزع قال (فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى هذا فيه أكبر تعزية فلتصبر يعني على المصيبة ولتحتسب يعني ثوابها عند الله عز وجل فإن لله ما أخذ وله ما أعطى تفويض الأمر إلى الله له ما أخذ وله ما أعطى، الخلق كله ملك لله عز وجل فلماذا نحزن أن تصرَّف في ملكه كما شاء كل شيء عنده بأجل مسمى يعني معناه شيء مؤجل لا يمكن تغييره الحزن لا يرد غائباً ولا يحي ميتاً كل شيء بأجل مسمى محدد لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون هذه الكلمات العظيمة إذا وردت على قلب مصاب اطمأن قال إن صبرت واحتسبت أثبت على الصبر وعلى الاحتساب وإن نظرت إلى أن الملك ملك الله يتصرَّف فيه كما شاء اقتنعت هذا ملكه يفعل ما يشاء وإذا علمت أن كل شيء مؤجل علمت أن هذا الذي مات لا يمكن أن يتقدم ولا يتأخر لابد أن يقع الأمر كما كتب فيتسلى بهذا ويخف عليه الحزن وربما إذا تكرر هذا الدعاء من أشخاص يزول الحزن بالكلية إذن أحسن ما يعزى به هذا الكلام اصبر واحتسب لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى وإذا قال كلمات أخرى مما يناسب مثل أن يقول هذه هي الدنيا ونحن صائرون إلى ما صار إليه ولم يخلد أحد وما جعل الله لبشر الخلد وما أشبه ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس ولو اقتصر على الوارد لكان فيه خير أما بالنسبة للمعزَّى فيقول جزاك الله خيراً وأعاننا وإياك على الصبر وما أشبه ذلك من الكلمات المناسبة.


هذه رسالة وردتنا من مقدمها سالم عبده غالب من الأحساء العيون يقول تكلم أحد خطباء الجمعة فقال إن التعزية لأهل الميت لا تجوز إلا في المقبرة وأنها لم يفعلها لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم بينوا لنا عن ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نبين ذلك بأن نقول مقصود الأخ الخطيب أن الاجتماع للتعزية أمر ليس بمشروع مثل أن يجتمع أهل الميت وأقاربه في البيت فيأتي الناس إليهم فإن هذا ليس بمشروع وهو كما قال الخطيب فلم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولهذا قال بعض أهل العلم إن جلوس الإنسان للتعزية في بيته مكروه وبعضهم قال إنه محرم فلا يجوز وإنما يُعزى الإنسان حيث وجد في المسجد في السوق في المقبرة في أي مكان مادام لم ينس المصيبة أما إذا نسيها وزال أثرها عنه فإنه لا فائدة من إعادة التعزية لأنها تكون أي التعزية في هذه الحال تذكيراً للمصيبة والمقصود بالتعزية التقوية على تحمل الصبر على المصيبة فإذا فاتت بنسيانها وطول المدة فإنه لا يعزى.


تقول السائلة هل يكفي في العزاء المصافحة دون التقبيل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء هو ما يقال للمصاب بمصيبة من كل كلام يقويه على المصيبة ويبين له أجر الصبر والاحتساب وليس فيه مصافحة وليس فيه تقبيل أيضاً فإن ذلك لم يكن معروفاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن العزاء ليس مخصوصاً بالكلمات المعروفة عند الناس وهي قولهم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك بل العزاء بما عزى به النبي صلى الله عليه وسلم إحدى بناته حين أرسلت إليه رسولاً تخبره بأن طفلة لها محتضرة وتطلب منه الحضور فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرسول الذي أرسلته إحدى بناته قال له (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فهذه هي الكلمات التي فيها العزاء.
العزاء العظيم لأنها كلمات جامعة نافعة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله تعالى بالبينات والهدى ثم إنه يجب عند العزاء أن تجتنب النياحة وهي البكاء برنة كما تنوح الحمامة فإن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والعياذ بالله ولهذا كره أهل العلم أن يصنع أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه للاجتماع لأن هذا يفتح باب النياحة وباب الندب ويبقي أثر المصيبة حتى لا ينسى والذي يجب على المصاب أن يحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى وأن يصبر وأن يعلم أن المقدور كائن لا محالة وأن المقدِّر له هو الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى.


بارك الله فيكم هذا المستمع عوض الله يقول في سؤاله هل يجوز الدعاء للميت بعد موته أو في مجلس من المجالس أرجو إفادة في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تدعو لأخيك المسلم بعد موته وفي حياته سواء كنت منفرداً أو كنت في مجلس من المجالس وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين جاؤوا من بعد المهاجرين والأنصار (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).


ماحكم ما يفعله كثير من الناس من الإعلان في الصحف أو في المجلات عن قبول التعزية في منزل فلان أو التعزية في منزلنا الكائن في كذا وكذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن الإعلان هنا مكروه أو محرم بناء على القول بأن الاجتماع لها مكروه أو محرم فإن قلنا إن الاجتماع لها محرم صار الإعلان عنها محرماً وإن قلنا أن الاجتماع لها مكروه صار الإعلان عنها مكروهاً ولا ينبغي أيضاً للمصاب أن يعلن هذا حتى لو فُرض أنه مباح فإنه لا ينبغي أن يعلن لأن معنى إعلانه أنه يقول للناس تعالوا عزوني وهذا أمر لا يستساغ طبعاً وليس بمحمود شرعاً.


بارك الله فيكم يقول يا شيخ محمد التعزية في الجرائد ما حكمها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التعزية بالجرائد أخشى أن تكون من النعي المذموم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن النعي) والغالب أن المقصود بالتعزية في الجرائد الإعلان عن موت هذا الرجل الذي يعزى به وإلا فيمكن للمعزي أن يكتب كتاباً لأهل الميت أو يتصل بهم بالهاتف ويغني عن الإعلان.


تقول بأنها فتاة توفي والدها قريباً وقد نصحها كثيرٌ من الناس بأن لا تبكي على والدها فهل بكائي تقول على والدي يضره علماً بأنه تقول في بعض المرات لا أستطيع أن أمنع نفسي من البكاء وخصوصاً إذا رأيت ثيابه وأغراضه وأذكر ما يقوم به من مساندةٍ لنا وجهونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنه ليس عليها حرج في بكائها على أبيها لأن هذا أمرٌ فطري ولا يمكن للإنسان أن يدفعه لا سيما إذا تذكر الإنسان مصابه أو رأى شيئاً من آثاره من كتبٍ أو ثيابٍ أو مجالس أو ما أشبه ذلك ولكن الذي ينبغي للإنسان أن يعتصم بالله تبارك وتعالى وأن يتصبر ولا يكثر ذكر مصابه بمفقوده لأنه كلما أكثر تذكره تجدد الحزن والإنسان مأمورٌ بأن يطرد الأحزان عن نفسه وأن يدخل عليها السرور بقدر المستطاع أما الإنسان الذي يستجلب البكاء فهذا هو الذي ينهى عنه لا سيما إذا كان معه نياحة أو ندبة فالنياحة أن يأتي بصوت البكاء كنوح الحمام، والندبة أن يندب الميت فيقول يا أبتاه يا من يأتي إلينا بكذا ويأتي للبيت بكذا وما أشبه ذلك وإنني بهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني المسلمين بما قد يقع وهو قليل والحمد لله في بعض الصحف تجد الكاتب يكتب عن صاحبٍ له مات فيخاطبه ويقول يا فلان يا من نستأنس به في مجالسنا يا من نخلو وإياه صباحاً ومساءً يا من يعلمنا بأحاديثه الطيبة وما أشبه ذلك وهذا من الندب المنهي عنه فينبغي للإنسان أن لا يثير الأحزان في نفسه ولا في غيره أيضاً.


المستمعة أم عارف تقول في هذه الرسالة إننا قبائل ولنا عادات في العزاء وهي إذا مات الميت عند أحدٍ منا أو عند أقاربنا يكون العزاء عنده ثلاث أيام بلياليهن دون أن يكون في هذا أي كلفة ولا تقدم القهوة ولكن يحضرون الناس عند صاحب المصاب من أقاربه يدومون ثلاثة أيام متواصلة وأنا علمت من برنامجكم أن الاجتماع هو نوع من النياحة فهل في ذهابي إلى التعزية حرج نرجو بهذا إفادة جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ريب أن موت الحبيب مصيبة يصاب بها العبد كما قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) وهذه المصيبة يجب عليه أن يقابلها بالصبر وينبغي له أن يحتسب أجرها لله عز وجل فإن هذه المصائب مكفرةٌ للذنوب وإذا صبر الإنسان عليها أثيب ثواباً آخر ثواب الصابرين فليصبر وليحتسب وليقل ما أرشده الله إليه (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) وما جاءت به السنة (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها) فإن الإنسان إذا فعل ذلك بإيمان آجره الله عليها وأخلف له خيراً منها كما جاء ذلك في حديث أم سلمة رضي الله عنها حين مات زوجها أبو سلمة وكان من أحب الناس إليها فقالت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها وكانت تقول: مَن خيرٌ من أبي سلمة؟! يعني تتوقع من هذا الذي يكون خيراً منه فلما انتهت عدتها خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان خيراً لها من أبي سلمة ثم إن المصاب ينبغي لإخوانه المسلمين إذا رأوا مصاباً متأثراً بالمصيبة أن يفعلوا ما يقويه على مكابدة هذه المصيبة وتحملها فيعزونه بما يكون عزاءً له وتقويةً له وأحسن ما يعزى به ما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما إحدى بناته أرسلت له تخبره أن صبياً لها كان منهكاً أو كان في النزع فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرسلته (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى) هذه الكلمات العظيمة النيرة إذا تأملها الإنسان صبر واحتسب وعلم أنه لا راد لقضاء الله وأن الأمر من الله إليه وأن الحزن والغم لا يأتيان بخير بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (يعذب الميت ببكاء أهله عليه) يعني يشق عليه ذلك ويتألم ويهتم وليس هذا عذاب عقوبة لأنه (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ولأن البكاء الذي يحصل للإنسان بمجرد الطبيعة وليس يتكلفه ليس فيه شيء فلا يعاقب عليه لا الباكي ولا الميت لكن الميت يحس بهذا البكاء ويتألم ويتعذب وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم (السفر قطعةٌ من العذاب) ليس معنى أن السفر قطعةٌ من العقوبة المهم أنه ينبغي للمسلم إذا رأى أخاه متأثراً أن يعزيه بالكلمات التي تقوي قلبه وتعينه على تحمل هذه المصيبة وليس المراد من العزاء إقامة المآتم والاجتماع بالناس يَفِدون من كل وجه وربما يصنعون أطعمة وربما يوقدون اللمبات الكثيرة وربما يضربون الخيام حول البيت وما أشبه ذلك من الأمور المنكرة التي ليس فيها إلا عنوان الاحتجاج على قدر الله عز وجل وعدم الرضا بقضائه أو إظهار الفرح والسرور بفقد هذا الميت لأن مثل هذا الفعل ينبيء بأحد أمرين إما السخط على قضاء الله وقدره ومقابلة ذلك بمثل هذه الأمور وإما أن الإنسان يفرح بموته ويجعل هذا كالنزهة لكن الغالب القصد الأول أن هذا إظهار السخط والألم والحزن وما أشبه ذلك وقد كان السلف يعدون الاجتماع إلى أهل الميت من النياحة فالواجب الحذر من هذا الشيء وحفظ الوقت وحفظ المال وحفظ التعب وإتعاب الناس وإزالة هذه الأشياء المنكرة ثم إن بعض الناس يهدي إلى أهل الميت أطعمة وغنماً وما أشبه ذلك يتشبثون بقول الرسول عليه الصلاة والسلام (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) وهذا في الحقيقة لا مستند لهم فيه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (لقد أتاهم ما يشغلهم) فآل جعفر لما أتاهم خبر موته حزنوا لذلك ولم يكن لديهم التفرغ لصناعة الطعام فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصنع لهم طعام ونحن الآن في وقتنا ولله الحمد لا يشغلنا مثل هذا الشيء عن إصلاح الطعام لأن إصلاح الطعام ميسر وسهل تقوم به الخدم إن كان هناك خادم أو يشترى من أدنى مكانٍ من المطاعم وليس في ذلك مشقة أبداً ثم إن الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمر أن يصنع لآل جعفر طعاماً وليس أن يهدى إليهم الذبائح والغنم وما أشبه ذلك فالذي أدعوا إليه إخواني المسلمين أن يوفروا على أنفسهم التعب وإضاعة الوقت وإضاعة المال وأن يكفوا عن هذا الأمر لأنه ليس لهم فيه خير بل هم إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة


ما حكم الذهاب من مدينةٍ إلى أخرى لتقديم التعزية أو للصلاة على الميت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأصل أن هذا لا باس به لكني أخشى أن ينفتح على الناس بابٌ بالمباهاة فيه فيتعب الناس ويتعبون لأنه إذا صار هذا عادة صار المتخلف عنه عرضةً للكلام وانتهاك عرضه فصار ما ليس بسنةٍ سنةً فالذي أرى أنه لا ينبغي أن يذهب للصلاة على الميت إذا كان مسافة قصر أو للتعزية اللهم إلا أن يكون قريباً جداً كالأب والأم والأخ والأخت والعم وابن الأخ والخال وابن الأخت فهذا قد يقال إنه لا بأس به لقوة القرابة ولأن هذا لا يتأتى لكل أحد فلا يخشى أن ينفتح الباب على الناس والتعزية المراد بها التقوية على تحمل المصيبة ليست تهنئة تطلب من كل واحد فهي تقوية للمصاب أن يصبر ويحتسب فإذا لم يكن مصاباً بميت فلا يعزى أصلاً لأن بعض الناس قد لا يصاب بموت ابن عمه مثلاً لكونه في خصامٍ معه قبل موته وتعب فلا يهمه أن يموت أو يحيى فمثل هذا لا يعزى.
يعزى على ماذا؟! بل لو قيل إنه يهنأ بموته إذا كان متعباً له لكن إذا رأينا شخصاً مصاباً حقيقة متأثراً فإننا نعزيه تعزيةً تشبه الموعظة كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إحدى بناته حينما أرسلت إليه أن ابنها أو ابنتها في سياق الموت فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للذي جاء يدعوه (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى) مثل هذا إذا ورد على النفس اقتنع الإنسان وهانت عليه المصيبة أما أن نذهب لنعزي فنزيد الحزن حزناً ونجلس نتذكر محاسن الميت وأفعاله في حياته ومعاملته الحسنة فهذا من الندب المنهي عنه لذلك اتخذ الناس اليوم التعزية على وجهٍ ليس بمشروع ففي بعض البلاد تقام السرادقات والإضاءات والكراسي وهذا داخل وهذا خارج حتى إنك لتقول إن هذه حفلة عرس ثم يأتون بقاريء يقرأ القرآن، يقرأ القرآن بأجرة مالية فيباع كتاب الله تعالى بالدراهم والدنانير وهذا الذي يقرأ القرآن لا يقرأ إلا بأجرة ليس له ثواب وليس له أجر ولا ينتفع بذلك الميت فيكون بذل المال له إضاعةً للمال ولا سيما إذا كان من التركة وفي الورثة أناسٌ قاصرون فيكون انتهب من مال هؤلاء القصار مالاً بغير حق بل بباطل إني أوجه النصيحة لإخواني إذا أصيبوا بموت أحد أقاربهم أو أصدقائهم أن يتحملوا ويصبروا ويقولوا ما يقول الصابرون إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها مات أبو سلمة رضي الله عنه عن زوجته أم سلمة وكانت تحبه حباً شديداً ويحبها وقد سمعت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن من أصيب بمصيبةٍ فقال اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها أن الله تعالى يأجره في مصيبته ويخلف له خيراً منها) فلما مات أبو سلمة قالت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها وكانت تقول في نفسها من خيرٌ من أبي سلمة يعني تفكر من هذا الذي يأتي فيكون خيراً لأنها مؤمنة بأن قول الرسول حق وأنه لا بد أن يخلف الله عليها خيراً منها من أبي سلمة لكن تقول من هذا فلما انتهت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فكان الرسول صلى الله عليه وسلم خيراً لها من أبي سلمة بلا شك وقبل الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم حين دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شخص بصره ومات فرأى بصره شاخصاً فأغمضه عليه الصلاة والسلام وقال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه خمس دعوات لو وزنت بهن الدنيا لرجحت بالدنيا كلها شيء منها علمناه لأنه شوهد في الدنيا وهو قوله واخلفه في عقبه فإن الذي خلفه في عقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم سلمة وكان ابن أبي سلمة عمر وأخته ربائب الرسول صلى الله عليه وسلم أما الدعوات الأخرى الغيبية فإننا نرجو الله تعالى أن الله قبلها كما قبل ما شاهدناه والحاصل أنني أنصح إخواني نصيحةً لله عز وجل أن يَدعوا هذه العادات التي ليست من هدي السلف الصالح، والسلف الصالح والله خيرٌ منا في طلب التقرب إلى الله عز وجل ونفع الميت، ما فعلوا هذا أبداً وقد صرح علماؤنا الحنابلة وكذلك الشافعية ولعل غيرهم كذلك أن الاجتماع للتعزية من البدع وبعضهم لم يصرح بأنه بدعة لكن قال بأنه مكروه وإن شيءتم فراجعوا كتب العلماء في ذلك حتى يتبين لكم أسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يوفقنا لسلوك منهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.


بارك الله فيكم هذا سؤال من أحد الأخوة المستمعين يقول ما حكم شد الرحال من بلدٍ إلى بلدٍ آخر للعزاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن العزاء لا يحتاج إلى شد الرحل في الوقت الحاضر لأن لدينا ولله الحمد إمكانيات فالهاتف موجود الفاكس موجود ولا حاجة إلى شد الرحل نعم لو فرض أن الذي مات من أقرب الناس إليك كأخيك مات عند أمك وأبيك فذهبت إليهما للعزاء فهذا قد يقال إنه إن شاء الله لا بأس به أما مجرد أنه صاحب أو قريب بعيد فهذا لا ينبغي أن يشد الرحل إليه لما في الاجتماع على العزاء من البدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعن جرير ابن عبد الله البجلي قال كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة


جزاكم الله خيرا ما حكم ذهاب المرأة للتعزية لإحدى قريباتها أو صديقاتها علماً بأنها لن تلتقي بها دون الذهاب إليها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس في هذا أن تذهب إلى صديقتها أو قريبتها لتعزيها بشرط أن لا يكون هناك اجتماع بل تعزي وتنصرف أو تعزي وتجلس قليلاً وتنصرف أما الاجتماع للتعزية فقد ذكر فقهاؤنا رحمهم الله أنه مكروه لأن هذا يجدد الأحزان ويقويها.


بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هل صحيح أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم صحيح أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه لأن ذلك ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن العلماء اختلفوا رحمهم الله في تخريج هذا الحديث فحمله بعضهم على أن المراد به الكافر أنه يعذب ببكاء أهله عليه دون المؤمن ولكن هذا خلاف ظاهر الحديث لأن الحديث عام وحمل هؤلاء الحديث على الكافر فراراً من أن يعذب الإنسان بذنب غيره لا يحصل به المقصود لأن تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه هو تعذيب للإنسان بذنب غيره أيضاً، وقال بعض العلماء المراد بذلك أن يوصي به يعني أن يكون الميت قد أوصى أهله أن يبكوا عليه فيكون هو الآمر بهذا الشيء فيلحقه من عذابه، وقال آخرون هو في الرجل الذي يعلم من أهله أنهم يبكون على أمواتهم ولم ينههم عن ذلك قبل موته لأن سكوته مع علمه بأنهم يفعلونه دليل على رضاه به والراضي بالمنكر كفاعل المنكر فهذه ثلاثة أوجه في تخريج الحديث ولكن كلها مخالفة لظاهر الحديث لأن الحديث ليس فيه قيد بأن المراد به من أوصى بذلك أو من رضي به والحديث على ظاهره أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ولكنه ليس عذاب عقوبة لأنه لم يفعل ذنباً حتى يعاقب عليه ولكنه عذاب تألم وتضجر من هذا البكاء لأنه يعلم بذلك فيتألم ويتضجر والتألم والتضجر لا يلزمه أن يكون ذلك عقوبة ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في السفر (إنه قطعة من العذاب) وليس السفر عقوبة ولا عذاب السفر عقوبة، لكنه همٌّ واستعداد وقلق نفسي فكذلك عذاب الميت في قبرة من هذا النوع لأنه يحصل من تألم وقلق وتعب وإن لم يكن ذلك عقوبة ذنب.


جارٍ التحميل