فتاوى نور على الدربصفحات 1-2

كتاب الجنايات - كتاب الديات

صفحات 1-2

يقول إذا ارتكب الإنسان جريمة عليها حد شرعي أو قصاص وهرب واختفى حتى ماتت القضية ولم يعد البحث عنه قائما وقد تاب إلى الله وندم على ما فعل فهل يكفيه هذا أم لابد من تسليم نفسه لإقامة الحد عليه أو لأخذ القصاص منه وإن لم يفعل ذلك فما الحكم وهل هناك فرق فيما إذا كان معتدياً أو مدافعاً عن نفسه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان الفاعل لجريمة لا يخلو من حالين إحداهما أن تكون جريمته متعلقة بحق العباد فهذه لابد من إيصال حق العباد إليهم مهما كان الأمر كالقصاص الوارد في سؤاله فالإنسان مثلاً إذا جنى على شخص فقطع عضواً منه أو قتله فإنه يجب عليه أن يسلم نفسه إلى ولي هذا القصاص سواء أكان المجني عليه باقياً وذلك في قطع العضو أو أوليائه إذا كان قد مات أما إذا كان الأمر وهو الحال الثانية يتعلق بحق الله عز وجل فإنه إذا تاب فيما بينه وبين ربه قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحد ولم يجب على ولي الأمر إقامته إذا علم أنه صلح ورجع إلى الله عز وجل وتاب عليه لقوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)


بارك الله فيكم هذا سؤال من المستمع محمود علي محمد من نيجريا يقول أنا أعمل سائقاً بسيارة وذات يومٍ اصطدمت بثلاثة أشخاص غير مسلمين ولكني أخفيت نفسي إلى أن تقدم شخص عني وأنهى القضية بالسماح دون دفع غرامةٍ أو دية فهل علي شيء في هذا وهل تلزمني كفارة صيامٍ أم لا وإذا كانت تلزم فهل أصوم عن كل واحدٍ منهم ستين يوماً متتابعة أم أصوم عن الجميع كفارةً واحدةً وتكفي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هؤلاء القوم الذين من غير المسلمين بينك وبينهم ميثاق وعهد فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) فهؤلاء يجب عليك في قتلهم كفارة على ما قاله أهل العلم والكفارة عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين ويلزمك عن كل واحدٍ كفارة وعلى هذا فتصوم ستة أشهر كل شهرين منها متتابعان ولا يلزم أن تتابع الستة كلها يجوز أن تصوم شهرين متتابعين ثم تستريح إذا احتجت إلى الراحة ثم تستأنف لشهرين آخرين ثم تستريح ثم تستأنف لشهرين آخرين أما إذا كانوا حربيين غير معصومين فإنه ليس عليك في قتلهم كفارة.

فضيلة الشيخ: لكن مثل هؤلاء الأجانب الذين يقيمون هل يعتبرون من أهل الميثاق أو من أهل العهد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر إنهم يعتبرون من أهل الميثاق والعهد لأن هناك عهوداً عامة بين الدول وعهوداً خاصة والذي أظن أن إقامة السفارة في بلد معناه العهد والميثاق فإذا كان هناك سفارات في بلادنا فهو دليل على أن بيننا وبينهم عهداً.


من الأحساء المستمعة أم عماد بعثت برسالة تقول فيها يا فضيلة الشيخ منذ مدةٍ طويلة وأنا أعيش في قلقٍ نفسي وتأنيب ضمير نتيجة حادثة وقعت لي عندما كانت طفلتي في الخامسة من الشهور فقد كنت نائمة وأفقت على صراخها وبدلاً من أن آخذها قمت بضربها ولكن دون أن أذكر اسم الله عليها فسكتت الطفلة فظننتها قد نامت عندما استيقظت في الصباح وجدتها لا تتحرك ولا تتكلم وجميع الأعضاء متشنجة ولا تزال على هذه الحالة حتى الآن وهي في سبع سنوات من عمرها ومع إيماني بقضاء الله وقدره إلا أنني لا استبعد أن أكون أنا السبب فيما حدث لها وهذا ما يعذبني يا فضيلة الشيخ فهل أنا آثمة وهل علي كفارة نرجو نصيحتكم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا العمل عملٌ خاطئ وليس من التربية الحسنة فإن الطفل إذا صاح ينبغي أن يهدأ باللطف واللين والرقة ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله والراحمون يرحمهم الرحمن والقساة القلب والعياذ بالله من أبعد الناس عن الرحمة والواجب على هذه المرأة أن تتوب إلى الله عز وجل مما صنعت وعليها دية عن كل ما فقدته هذه البنت من الحواس كالحركة مثلاً والسمع إذا كان قد فقد سمعها وغير ذلك من الدية على حسبما ذكره أهل العلم وأسأل الله لنا ولها المغفرة والعفو.


المستمعة عائشة عبد القادر من الأردن عمان تقول هل يخلد القاتل في النار وما الحكم فيمن قتل نفسه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القاتل للمؤمن عمداً قال الله فيه (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) فذكر الله له خمس عقوبات جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً وأما من قتل نفسه فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه يعذب في جهنم بما قتل به نفسه خالداً فيها مخلداً) نسأل الله العافية وعلى هذا فيجب الحذر من قتل الإنسان نفسه وقتله غيره من المؤمنين فإن في ذلك هذا الوعيد الشديد الذي سمعته السائلة وليعلم أن من الشر والبلاء ما يفعله بعض الناس إذا ضاقت عليه الأمور في الدنيا ذهب يقتل نفسه يظن أنه ينجو بذلك من هذا الضيق وما علم المسكين أنه ينتقل من ضيق إلى ضيق أعظم فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار فهو إذا قتل نفسه عمداً أعد الله له هذه العقوبة العظيمة بأن يعذب بما قتل به نفسه في جهنم خالداً فيها مخلدا وهذا القتل لا ينجيه أبداً مما وقع فيه من الشدة بل ينتقل من شدة إلى أشد ومن عذاب إلى أعظم نسأل الله العافية والسلامة.


سائلة تقول كانت حاملاً في شهر ونصف فعملت على إسقاط الحمل عمداً جهلاً بحكم ذلك وبعد أن علمت أن هذا لا يجوز ندمت جداً فهل عليها في ذلك شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مادامت أنها تابت إلى الله تعالى مما صنعت فإن التوبة تهدم ما قبلها وقد قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) فمن تاب إلى الله سبحانه وتعالى توبةً نصوحا غفر الله له ذنبه الذي كان منه.


سؤال من السائل محمد عقاب زيدان من العراق يقول والدتي لها ولدٌ واحد ولها أربع بنات أنجبت توأم بنات في إحدى المرات وابنتين أخريين فغضبت لكثرة البنات ولم تنجب ولداً فأرضعت واحدةً وتركت الأخرى سبعة أيام دون إرضاع فأرضعتها مرةً واحدً خلال هذه الأيام السبعة فتوفيت تلك البنت فهل تعتبر هي المتسببة في ذلك وماذا عليها أن تفعله الآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا الذي فعلته يعتبر إثماً عليها وتسخطاً من قضاء الله وقدره وهي آثمةٌ بذلك وما يدريها فلعل الصلاح يكون في البنات ولعل البر في الحياة يكون في البنات ولعل الخير والأجر يكون في البنات وربما لا ينفع الميت بعد موته إلا بناته وهذا خطأٌ منها وإثم وتعتبر هي القاتلة لها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن امرأةً دخلت النار في هرةٍ حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض) فكيف بمن حبست هذه الطفلة والعياذ بالله لا هي أرضعتها ولا هي دفعتها لمن يرضعها فهي بذلك آثمة إثماً عظيماً نسأل الله العافية فعليها أن تتوب إلى الله وأن تندم على ما وقع منها من هذا العمل المحرم الذي فيه اعتداءٌ على حرمة آدميٍ والله المستعان.


أحسن الله إليكم أم سهيل من الأردن أرسلت بهذا السؤال تقول كانت حامل في الشهر الثاني أو أقل وأسقطت الحمل عمداً كرهاً في الحمل تقول ولكنها ندمت ندماً شديداً على عملها وتابت إلى الله تقول عسى ربي أن يغفر لي خطيئتي وبعد ذلك أنجبت أولاداً هل في هذا كفارة وما المطلوب منها الآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليها كفارة لأن هذا لم يخلق ولم تنفخ فيه الروح فليس عليها كفارة لكن يؤسفني أنها أجهضت الحمل عن الجنين كراهة للحمل لماذا تكره الحمل أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قال (تزوجوا الودود الولود) وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام يرغب في كثرة الأولاد وهو كذلك فالأمة إذا كثرت ازدادت قوة وهيبة بين الأمم واكتفاء بذاتها عن غيرها فلماذا نفر من كثرة الأولاد لولا الجهل ما كنا نذهب المذاهب الشتى من أجل تقليل الحمل.


رجل سار بسيارته بسرعة كبيرة ثم حصل له حادث فمات هل يعتبر قاتل لنفسه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن كل من تسبب في قتل نفسه فإنه يعتبر قاتل لنفسه وكذلك من باشر قتل نفسه فإنه قاتل لنفسه وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أن من قتل نفسه فإنه يعذب في جهنم بما قتل به نفسه من قتلها بسم فإنه يعذب بسم يتحساه في جهنم وإن قتل نفسه بحديدة عذب بها في جهنم) وكل وسيلة يقتل بها نفسه فإنه يعذب بها في جهنم والعياذ بالله وكذلك من كان سبباً في قتل نفسه بأن لم يتعمد القتل لكن فعل ما هو سبب في القتل فإنه يعتبر قاتلا لنفسه لأنه متسبب ولكنه ليس كالمباشر في الإثم والذي يسرع سرعةً تكون سبباً للحادث هو في الحقيقة متسبب لنفسه بالهلاك وآثم وقد قال الله عز وجل (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فلا يحل للمرء أن يسرع سرعةً تكون سبباً للحادث ولا أن يحمل السيارة فوق طاقتها تحميلاً يكون سبباً للحادث ولا أن يعطيها السرعة على وجه يسبب الحادث المهم أنه لا يجوز للإنسان أن يتسبب في قتل نفسه بأي سبب كان ومن العجب أن من الناس من يتعجل هذه العجلة المذمومة المحرمة مع أنه لو هدأ السرعة على وجه لا خطر فيه لم يكن هناك فرق بين زمن وصوله بالسرعة الخطرة ووصوله بالسرعة المعتادة إلا نحو عشرة في المائة ولكن الإنسان عدو نفسه يظن أنه بالسرعة يسلم ولكنه يقع في الخطأ وقد بلغني أن رجلاً من الناس كان كبيراً في قومه فركب سيارته ذات يوم فقال لقائد السيارة أو لسائقها لا تسرع فإنه قد بقي على الموعد ربع ساعة فتعجب السائق كيف يقول لا تسرع فقد بقي ربع ساعة وكان المتوقع أن يقول أسرع فقد بقي ربع ساعة فسأله قال لِمَ قلت لي لا تسرع فقد بقي ربع ساعة؟ فقال: لأنك لو أسرعت لكان سبباً لحصول حادث نبقى فيه ساعات طوال ولكن إذا لم تسرع فإننا نصل في الموعد المحدد فهذا هو العقل أن يقدر الإنسان للأمور مقاديرها وأن يأخذ الاحتياط حتى لا يقع فيما يكرهه ولا يرضيه.


يسأل عن الإضراب عن الطعام يقول كثيراً ما نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف أناساً يضربون عن الطعام احتجاجاً على بعض الأحكام وهؤلاء غالباً ما يكونون من المسجونين فما حكم من توفي وهو مضرب عن الطعام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من توفي وهو مضرب عن الطعام أنه قاتل نفسه وفاعل ما نهي عنه فإن الله سبحانه وتعالي يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ومن المعلوم أن من امتنع عن الطعام والشراب لا بد أن يموت وعلى هذا فيكون قاتلاً لنفسه ولا يحل لإنسان أن يضرب عن الطعام والشراب لمدة يموت فيها أما إذا أضرب عن ذلك لمدة لا يموت فيها وكان هذا السبب الوحيد لخلاص نفسه من الظلم أو لاسترداد حقه فإنه لا بأس به إذا كان في بلد يكون فيه هذا العمل للتخلص من الظلم أو لحصول حقه فإنه لا بأس به أما أن يصل إلى حد الموت فهذا لا يجوز بكل حال.


يقول السائل السائق الذي يسير بسرعة كبيرة ثم حدث له حادث أدى به إلى الموت ومن معه هل يأثم بموت هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لاشك أنه يأثم بذلك لكن هل يأثم إثم المتعمد الذي تعمد القتل وقال الله تعالى فيه (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) أو يأُثم إثماً دون ذلك.
الجواب أنه يأثم أثماً دون ذلك لأن هذا الرجل لم يقصد بسرعته أن يقتل نفسه ومن معه وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يتأنى في سيره ويتمهل فيه وإذا قُدِّر أنه يقطع المسافة في ساعتين مثلاً فليقطعها في ساعتين ونصف وليسلم نفسه ومن معه من الهلاك ولا سيما إذا كانت الخطوط وعرة أو كان في الخطوط مقاطع كثيرة فإن الواجب عليه أن يتأنى تأنيا تحصل به السلامة.


رسالة بعثت بها سائلة من المنطقة الجنوبية تذكر بأنها امرأة تبلغ من العمر السادسة والعشرين وقد حصل حريق لأختي بعد أن أوقدت النار وقد جاءتني الطفلة للمرة الأولى وقد منعتها من الاقتراب من النار أكثر من أربع مرات حيث إنني أوقد بالبترول وذلك لأنني في موسم أمطار وجاءتني بطريقة مفاجئه من خلفي عند وقودي للنار بعد أن منعتها أربع مرات واشتعلت النار بي وبالطفلة جميعاً مما تسبب في إصابتي ببعض الجروح الخفيفة أما الطفلة فقد لحقت بها النار وعلى ملابسها الشفافة مما أدى إلى وفاتها ونهاية حياتها وهي تبلغ من العمر سبع سنوات فإنني أخشى أن يكون علي ذنب من هذه الطفلة سواء كان ذلك كبيراً أم صغيراً والله يحفظكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على هذه المرأة ذنب فيما حصل من احتراق أختها بل أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون لها ثواب على صبرها في هذه المصيبة وأسأل الله تعالى أن يجعلها رفعة في درجاتها إن الأخت لا شك أنها لا تريد هذا إطلاقاً وأنها لو استطاعت أن تمنع النار عنها حين اشتعالها لمنعت وليست هي التي جاءت بها لتحترق فهي غير مفرطة ولا معتدية ولكن نسأل الله تعالى أن يجبرها بأختها وأن يثيبها على صبرها وليس عليها شيء لا ذنب ولا دية ولا كفارة.


المرسل الحائر من المنطقة الشرقية في الاحساء ع ع ج م بعث بهذه الرسالة يقول فيها شاء القدر على إنسان وعمل حادث فصدم رجلاً كبير السن وذلك بالسيارة فمكث في المستشفى عدة أيام وبعدها فارق الحياة تغمده الله بواسع رحمته ولم يكن ذلك مقصوداً من الشخص إلا أن القدر شاء ذلك فما الحكم في ذلك هل يُكفر عن ذلك بكفارة أم ماذا يفعل جزاكم الله عني وعن المسلمين خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال في مقامين: المقام الأول التعبير بكلمة شاء القدر فإن القدر تقدير الله تبارك وتعالى وهو من صفاته وصفات الله تعالى لا ينسب إليها شيء من صفات الربوبية كالمشيئة والتدبير وما أشبهها فلا يصح أن يقال دبر القضاء أو دبر القدر على فلان كذا وكذا لأن المدبر هو الله والذي يشاء هو الله والقدر تقدير الله فإذا كانت صفات الله تعالى لا تستحق أو لا يجوز أن تُعبد فلا يقول الإنسان سأعبد عزة الله أو سأعبد قدرة الله فإنه كذلك ليس لها شيء من الربوبية كالتدبير وما أشبه ذلك فالذي ينبغي بل الذي يجب أن يضيف الإنسان المشيئة إلى الله سبحانه وتعالى كما أضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه في كتابه كما أضافها إليه أيضاً نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله للرجل (بل ما شاء الله وحده) والآيات في هذا كثيرة معلومة.
المقام الثاني: الجواب عن هذا الحادث ونحن لا نستطيع أن نعطي حكماً محدداً على هذه الصورة المعينة إذ أنها تحتاج إلى تفصيل ومشافهة ولكننا نقول بصفة عامة إذا حصل الحادث فإما أن يكون بتفريط من قائد السيارة أو بتعدٍ منه والتفريط ترك ما يجب مثل أن يدع الإنسان تفقد السيارة في حال يُحتمل أن يكون فيها خلل فيدع تفقدها ثم يحصل الحادث من جراء هذا التفريط فيكون في ذلك ضامناً لأنه ترك ما يجب عليه أو بتعدٍ منه والتعدي فعل ما لا يجوز مثل أن يسير في خط معاكس للسير أو يقطع الإشارة أو يسرع سرعةً تُمنَع في مثل هذا المكان وما أشبه هذا المهم أن القاعدة هو أنه إذا كان الإنسان الذي حصل منه الحادث متعدياً بفعل ما لا يجوز أو مفرطاً بترك ما يجب فإنه يجب عليه لهذا الحادث شيئان إذا تلفت منه نفس الشيء: الأول الكفارة وهي حق لله تعالى وهي عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا بعذر حسي أو شرعي.
والأمر الثاني: مما يجب عليه الدية لكن الدية تتحملها عنه عاقلته وهذه حق لأولياء المقتول وهم ورثته إن عفوا عنها سقطت أما الكفارة فإنها حقٌ لله ولابد منها حتى لو عفا أولياء المقتول عن الدية فإن الكفارة لا تسقط لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدميين ولا يلزم من سقوط أحد الحقين سقوط الآخر كما أن هذا لو كان لا يجد الرقبة ولا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين فإن الكفارة تسقط عنه وإن كانت الدية تجب لأولياء المقتول مثال الشيء الذي يكون بغير تعد منه ولا تفريط مثل أن ينكسر الذراع أو أن يضرب الكفر مع تفقده له قبل أن يمشي أو يأتي إنسان يكون هو الذي قابل السيارة على وجه لا يتمكن القائد من إيقاف السيارة يعني لو جاءك أو رمى نفسه بالشارع والسيارة قد أقبلت والقائد لا يتمكن من إيقاف السيارة فإن هذا الذي رمى بنفسه هو الذي أهلك نفسه فليس على هذا السائق شيء وكذلك أيضاً لو فُرض أن الإنسان القائد قابله سيارة فرأى أن خير وسيلة ينجو بها من هذا الذي قابله أن يخرج عن الخط يميناً أو شمالاً ففعل وتصرف ثم إنه في تصرفه هذا حصل انقلاب السيارة ومات أحد معه فإنه في هذه الحالة لا يضمنه لا بدية ولا بكفارة لأنه في هذه الحال محسن وقد قال الله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) فبهذا يتبين أنه إذا كان الحادث نتيجة لتصرف مأمور به من قبل القائد يرى أنه أحسن من عدمه فإنه ليس عليه هنا ضمان لا بكفارة ولا بدية لأن الله يقول (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ولأنه تصرف تصرفاً مأموراً به ومأذوناً له به شرعاً وقد قال أهل العلم من قواعدهم المقررة ما ترتب على المأذون فليس بمضمون وكذلك من الأشياء التي لا ضمان فيها لو كان القائد يسير فواجهه شيء في الخط بهيمة أو سيارة واقفة بدون إشارات أو ما أشبه ذلك ثم إنه لم يعلم حتى وصل إلى حد لا يتمكن به من إيقاف السيارة فانحرف ثم حصل الحادث من انحرافه الذي يرى أنه أقرب إلى النجاة فإنه في هذه الحال ليس عليه ضمان لا بدية ولا بكفارة وهذه المسائل في الحقيقة دقيقة تحتاج إلى تحقيق المناط وإلى معرفة الشيء معرفة تامة ولا ينبغي للإنسان أن يتسرع فيُلزم الناس ما لا يلزمهم من دية أو كفارة بل إنه ينبغي له أن يعلم أن الأصل السلامة والعصمة كما أن الأصل أيضاً الضمان لما تلف فهذان الأصلان متعارضان وينبغي لطالب العلم أن يسلك ما يراه أقوى من هذين الأصلىن وأن يتقي الله سبحانه وتعالى فلا يُلزم عباد الله بما لا يلزمهم ولا يسقط عن عباد الله بما يجب عليهم والله أعلم.

فضيلة الشيخ: قلتم بعذر حسي أو شرعي حبذا لو وضحتم ذلك للمستمع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يعني قلنا إن الذي يتسبب في القتل يلزمه صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا لعذر حسي أو شرعي العذر الحسي كالمرض يمرض الإنسان فلا يستطيع مواصلة الصوم والعذر الشرعي كالحيض والسفر والحيض لأنه قد تكون الجانية امرأة مثل ما لو يكون طفلها إلى جنبها وهي نائمة فتنقلب عليه ويموت فعليها كفارته فهذه يلزمها صيام شهرين متتابعين فإذا أتاها الحيض فإن هذا الحيض لا يقطع التتابع لأنه عذر شرعي إذ أنه حساً يمكنها أن تصوم لكن شرعاً لا يمكنها أن تصوم وكذلك السفر فإنه يبيح الفطر وهو عذر شرعي لأن المسافر يتمكن من الصيام وبهذه المناسبة أيضاً أود أن أقول إنه إذا كان الحادث سبباً في موت أكثر من واحد فإنه يجب على هذا الذي ألزمناه بالكفارة بعدد الأنفس فإذا مات معه اثنان وجب عليه صيام أربعة أشهر لكن لا يلزم أن تكون هذه الأشهر الأربعة كلها متوالية بل شهران متواليان والشهران الآخران متواليان لو فصل بين الشهرين والشهرين بأيام فلا يضر لأن كل كفارة مستقلة عن الأخرى وإذا كان سبباً في موت ثلاثة وجب عليه صيام ستة وهكذا.

فضيلة الشيخ: لكن هذا أليس فيه حرج على المسلمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فيه حرج لكن هو الذي تسبب بإحراج نفسه هو الذي قتل (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) إلى أن قال (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) مؤمناً واحداً فكما أن الدية تتعدد فكذلك الكفارة تتعدد، وأقول إن هذا من حكمة الإسلام أن يكون حماية للنفوس حتى لا يتسرع الإنسان في القتل وحتى يحسب حسابه وإلا فقد يقول قائل عند الخطأ (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقد يشتبه على بعض الناس كيف وجبت الكفارة مع الخطأ قد يقال تجب مع الخطأ لأنه حق آدمي لا يفرق فيه بين العمد والخطأ لكن الكفارة حق لله وحق الله مبني على المسامحة فلماذا وجبت الكفارة مع كون القتل خطأً نقول هذا لأجل المبالغة في حماية النفوس وعدم التسرع.


سائلة تقول رجل مسلم كان يقود سيارته في أحد الشوارع ولسبب ما فقد السيطرة على السيارة فارتطمت برصيف الشارع وكان يمشي عليه رجل فأصابته السيارة إصابة بالغة نقل على إثرها إلى المستشفى وبعد عدة أيام توفي متأثراً بإصابته تلك وقد تبين أنه كوري في إحدى الكنائس المسيحية وهذا السائق لاذ بالفرار فماذا عليه في هذه الحال وأمثالها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه الحال يكون هذا الذي انحرفت منه السيارة قاتلاً لهذا الذي على الرصيف أو في الشارع اللهم إلا أن يكون هذا الذي في الشارع هو الذي تسبب لقتل نفسه بحيث وقف في طرق السيارات ولم يكن في مكان يتبين لقائد السيارة قبل الوصول إليه مثل لو أن إنساناً يسير في خط مستقيم وعليه شوارع نافذة فخرج أحد من هذه الشوارع وصدم السيارة التي لا يملك صاحبها أن يسيطر عليها وهو قد مشى في هذا الشارع المشي المعتاد ففي هذه الحال لا يكون عليه شيء لأن التفريط من الذي سار أمام السيارة أما إذا كان على الرصيف كما في هذا السؤال فإنه لا شك أنه لا جناية منه أي لا جناية من هذا الذي صُدِّم لأنه يسير في المكان المقرر له وعلى هذا الرجل أن يسلم الدية إلى أهله ولكن الدية في هذه الحال تكون على عاقلة القاتل لأن قتل الخطأ تكون فيه الدية على العاقلة كما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فضيلة الشيخ: فرق الديانة لا يؤثر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يؤثر فرق الديانة لأن هذا الرجل معصوم الدم أما لو كان غير معصوم لو كان حربياً لكان هدراً وإذا كان معصوماً فإن له ديته له ديته والدية معلومة عند أهل العلم.

فضيلة الشيخ: إذن هذا السائق الهارب عليه أن يسلم نفسه ويدفع الدية إلى هذا المقتول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم كما أن عليه أيضاً أن يصوم شهرين متتابعين لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ).


أيضاً يقول إذا وقع حادثٌ لا قدر الله ذلك وكان أحد المصابين قد مات نتيجة الحادث وكان السائق القاتل لا يقصد ذلك فهل يحاسب هذا السائق أمام ربه يوم القيامة مع العلم بأنه قتل روح جعلكم الله من عباده الراشدين أفيدونا جزاكم الله خير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة من المسائل الهامة التي ابُتلي الناس بها بسبب التهور في قيادة السيارات والسرعة وعدم المبالاة بمخالفة الأنظمة التي تقيد الناس والضابط فيها أنه إذا كان من السائق تعدٍ أو تفريط فإن عليه ضمان ما تلف بسبب الحادث وكفارته إن كان فيه كفارة والتعدي أن يفعل ما لا يجوز والتفريط أن يترك ما يجب فلو فُرض أن هذا القائد الذي يقود السيارة يعلم أن فيها خللاً ولكن تهاون في إصلاحه ثم حصل الحادث نتيجة لهذا الخلل فإن عليه الضمان وذلك لأنه فرط في تلافي هذا الخطر كذلك أيضاً لو أن هذا القائد اعتدى بأن سقط أو اتجه إلى المسار الذي لا يسمح له النظام في السير فيه ثم حصل الحادث من جراء هذه المخالفة فإن عليه الضمان لأنه كان معتدياً أما إذا كان الحادث نتيجةً لتصرفٍ مأذونٍ فيه شرعاً فإن ذلك لا ضمان فيه مثل أن يكون القائد انحرف ليتفادي خطراً يعتقد أن هذا الانحراف أقرب إلى السلامة من البقاء في مساره فإنه في هذه الحال لا ضمان عليه فيما تلف من هذه السيارة في هذا الحادث أعني أنه لا يضمن الركاب الذين فيها أو الأموال التي تلفت فيها لأنه تصرف للمصلحة فهو محسن وقد قال الله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) لكن في هذه الحال لو أنه بانحرافه هذه انقلب على شيء فأتلفه أتلف هذا الشيء الذي انقلب عليه فإنه يضمنه يضمن ما تلف بسبب هذا الانقلاب لأن تصرفه هذا ليس من مصلحة ما انقلب عليه فيكون ضامناً له ويتضح ذلك أكثر بالمثال هذا الرجل لما انحرف تفادياً للخطر وسلوكاً لما يراه أسلم ثم انقلب فكان تحت السيارة إنسانٌ يمشي في الشارع فمات وفي السيارة إنسان في انقلاب السيارة أيضاً مات الذي كان في السيارة هذا الرجل لا يضمن لأن السائق أو القائد إنما تصرف لمصلحته فهو محسن وما على المحسنين من سبيل وأما الرجل الذي في الشارع الذي انقلبت عليه هذه السيارة فإن صاحب السيارة يضمنه لأنه تلف نتيجةً لفعله الذي لا مصلحة لهذا التالف فيه.


بارك الله فيكم السائل يقول القاتل عمدا أو خطأ إذا دفع الدية وقبل الأولياء هل تبرأ ذمته من الدم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تبرأ ذمته من الدم في الحياة الدنيا لا شك في ذلك لأنه أدى ما عليه أما بالنسبة للمقتول فإن تاب توبة نصوحا خالصة فأرجو من الله تعالى أن الله تعالى يتحمل عنه بالنسبة للمقتول ويعطي المقتول جزاء ما فاته من الدنيا لعموم قول الله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فذكر في هذه الذنوب العظائم ذكر فيها قتل النفس وظاهر الآيات العموم وأن الله تعالى يكفر عنه بتوبته الصادقة فيتحمل عنه تبارك وتعالى ما وجب للمقتول من الحق وقال بعض العلماء بل إن حق المقتول يكون باقيا فيؤخذ من حسنات القاتل لكنه قول مرجوح لأنه مخالف لظاهر الآية وإذا كان المستدين إذا استدان شيئا يريد الأداء أدى الله عنه أي يسر له الأداء في الدنيا أو أداه عنه في الآخرة فهذا مثله إذا تاب الله عليه.


بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من المستمع س. س. الزهراني المملكة العربية السعودية يقول إنه في يومٍ من الأيام وقع حادثٌ علي وهو انقلاب بسيارتي وقد توفي والدي أثناء الحادث وقد أفادني أحد الإخوان أنه يجب علي أن أصوم أو أعتق رقبة هل هذا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا حدث الحادث بالسيارة فإنه يجب أن ينظر في سبب هذا الحادث فإذا كان سبب الحادث من السائق إما بتعدٍّ وإما بتفريط فإنه يجب أن يضمن ما تلف بسبب هذا الحادث وعليه الكفارة إن مات به أحد مثال التعدي أن يحمل السيارة أكثر مما تتحمله أو أن يحرفها وهي مسرعة أو أن يسرع سرعةً كبيرة تكون سبباً للحادث ومثال التفريط أن يتهاون في ملاحظة السيارة مثل أن يعلم بخللٍ فيها ولكن يتهاون يقول نصبر وصلنا البلد وصلنا المحطة وما أشبه ذلك أو يعرف أن في عجلات السيارة خللاً ولكن يتهاون يقول المدى قريب أو البلد قريب أو المحطة قريبة حتى ينفجر إطار السيارة فهنا يكون عليه ضمان ما تلف من نفسٍ أو مال وتكون عليه الكفارة أما إذا كان الحادث بلا تعدٍ ولا تفريط فلا شيء عليه لا ضمان ولا كفارة مثل أن يكون انفجار العجلة بقضاء الله وقدره بدون سببٍ منه ومثل أن يتفادى ضرراً يخشى منه ويكون حين التفادي انقلبت السيارة فإنه لا شيء عليه مثاله أن يقابله شخص على خط سيره فينحرف بالسيارة لئلا يصطدم به ثم يحصل عند انحرفها انقلاب فإن هذا لا شيء عليه أما الأول الذي حصل الحادث بسببه وهو انفجار عجلة السيارة مع الاحتياط فهذا لأنه لم يتسبب في هذا الحادث وأما الثاني فلأنه محسن وصحيحٌ أنه هو الذي انحرف بالسيارة لكنه انحرف بها معتقداً أن هذا هو طريق السلامة وأنه أسلم مما لو بقي في خط سيره فيكون بهذا العمل محسناً وقد قال الله (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ومثل ذلك لو كان يمشي في الخط فإذا به أمام حفرة أو حجرٍ كبير إن استمر في سيره سقط فيه واصطدم بهذا الحجر الكبير وإن انحرف كان أسلم له فانحرف وفي انحرافه حصل انقلاب فإنه ليس عليه شيء في ذلك لأنه تفادى خطراً يرى أنه أعظم فيكون بذلك محسناً وما على المحسنين من سبيل والمهم أنه يجب التحقق في سبب الحادث فإذا كان بتفريطٍ من السائق أو بتعدٍ منه فإنه يجب عليه الضمان والكفارة وإن لم يكن بتعدٍ منه ولا تفريط أو كان بإحسان لتفادي الضرر فليس عليه شيء لا ضمانٌ ولا كفارة وأما قوله في السؤال أعلي صيام أو عتق رقبة فظاهر كلامه أنه يعتقد بأن الصوم والعتق سواء وليس كذلك فإن الواجب في كفارة القتل أن يعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين وليس فيه إطعام بل إن كان يستطيع أن يصوم صام وإن كان لا يستطيع فليس عليه شيء لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) ولم يذكر الله شيئاً ثالثاً في هذه الكفارة بخلاف كفارة الظهار فإن الله تعالى ذكر فيها ثلاثة أشياء العتق فمن لم يجد فصيام فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وأما كفارة القتل فليس فيها إطعام بل إما أن يصوم إن كان لا يستطيع عتق رقبة أو لا شيء عليه إن كان لا يستطيع الصوم.

فضيلة الشيخ يذكر أن المتوفى معه كان والده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا فرق بين الوالد وغير الوالد كلها نفسٌ مؤمنة فلا فرق

فضيلة الشيخ: والأولاد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ولا فرق كذلك بين الأولاد وغيرهم ولا فرق أيضاً في وجوب الكفارة بين المسلم وغير المسلم إلا إذا كان حربياً يعني بينه وبين المسلمين حرب فهذا ليس له كفارة لأن الحربي يجوز قتله عمداً يعني هو محاربٌ لك وهو لو قدر عليك لقتلك وأما من بينك وبينه عهد سواءٌ كان هذا العهد خاصاً أو عاماً فإنه يجب في قتله الكفارة لقوله تعالى (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ).


هذا السائل يقول بإنني جئت من العمل فوجدت زوجتي قد عملت شيئاً خطأ وسألتها عن ذلك فردت علي رداً غير لائق مما دعاني للاستفزاز فضربتها وكانت حاملا بجنين عمره أربع شهور فحدث عندها نزيف فذهبت بها إلى الدكتور ولكن الجنين قد سقط فهل علي ذنب في ذلك وما الكفارة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان سقوط الجنين من أجل ضربك إياها فإنه يلزمك ديته غُرَّة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل وتلزمك الكفارة أيضا لأنك قتلت نفسا أما إذا كان الجنين دون أربعة أشهر فإنه لا تلزمك كفارة لأن هذا الجنين لم يكن سقوطه قتلاً ثم أني أنصحك وإخواننا السامعين بلزوم الهدوء وأن تملك نفسك عند الغضب فإن النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) أي ليس الشديد القوي هو الذي يصارع الناس ويصرعهم وإنما الشديد القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب فاملك نفسك عند الغضب يكن ذلك خيرا لك قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل طلب منه أن يوصيه قال يا رسول الله أوصني قال (لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب فردد مرارا فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تغضب) لأن الغضب يحصل به مفاسد كثيرة قد يطلق رجل زوجاته وقد يعتق عبيده وقد يكسر آنيته فإذا أصابك الغضب فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثم إن كنت قائما فاقعد وإن كنت قاعدا فاضطجع فإن ذهب الغضب عنك وإلا فتوضأ.


السائل حسن أحمد سوداني يقول أفيدكم بأنني سائق سيارة وحصل لي حادث وأراد الله عز وجل ومات فيه شخصان مع أهلهم ولم يأخذوا شيئا فما كفارة ذلك وهل علي شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لابد أن يصف الحادث أما إذا لم يصف الحادث فلا ندري قد يكون مفرطا فتلزمه الكفارة عن القتيلين أي تلزمه كفارتان وقد يكون غير مفرط فلا يلزمه شيء.


السائلة أم محمد من حوطة بني تميم تقول امرأة مريضة أرضعت ابنتها وهي لا تعلم عن حقيقة مرضها أنه خطير ومعدي فتوفيت البنت ولم تعلم الأم أن سبب وفاتها هو العدوى إلا متأخرة فما الحكم في هذه الحالة وإذا كان عليها كفارة من صيام وهي الآن لا تستطيع لحالتها الصحية ماذا تعمل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليها شيء فالمرأة فعلت ما أوجب الله عليها من إرضاع ابنتها ولم تعلم أن فيها مرضاً معدياً فليس عليها شيء هي محسنة وقد قال الله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أسأل الله تعالى أن يجعل ابنتها شافعةً لها ولأبيها.


من جدة وردتنا هذه الرسالة من المرسلة منيرة العتيبي تقول فيها إنني متزوجة وقد وضعت مولوداً أنثى وهي بحالة جيدة وبعد مضي ثمانية أيام من ولادتها وفي ساعة متأخرة من الليل أي قبل صلاة الفجر بحوالي نصف ساعة قمت بإرضاعها وذلك بوضع حالبي الأيمن في فمها وفعلاً أُحس بها وهي ترضع وفي أثناء ذلك داهمني النوم ونمت وبعد ساعة صحيت من النوم وعندما صحيت من النوم وجدت نفسي قد اتجهت إلى الجهة الأخرى والطفلة لا زالت في مكانها عند ذلك قمت وتركتها على أساس أنها نائمة وذلك الوقت عند طلوع الشمس قضيت بعض الأشغال وعدت لها لكي أقوم بإرضاعها حسب العادة وجدتها شبه نائمة وهي قد ماتت ولم ألاحظ في جسمها أي أثر إلا أنني لاحظت في أحد فتحات الأنف حليب ممزوج بدم وحيث أنه يراودني الشك هل عَلَّي في ذلك شيء ولو أنني لم أنقلب نحوها أثناء النوم أرجو إفادتي أثابكم الله وجزيتم عنا خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر من هذه القضية أن البنت انخنقت بالثدي وأن الأم حين أصابها النوم وثديها في فم ابنتها انخنقت به وماتت والدليل على هذا خروج الدم واللبن من أنفها فإنها كانت تنازع نفسها بشدة فخرج اللبن من أنفها فالذي أرى أن تحتاط هذه الأم وأن تصوم شهرين متتابعين توبة من الله وأما بالنسبة للدية فإذا كان أبوها موجوداً فإن الحق له في ذلك لأنه في هذه الحال لا يرثها أي لا يرث هذه الطفلة التي ماتت إلا أبوها وأمها ولكن يجب على الأم الدية كاملة تدفع إلى أب الطفلة ما لم يُسقطها عن الأم فإذا أسقطها فالحق له والله أعلم.

فضيلة الشيخ: طيب بالنسبة للأم ألا يسقط حقها أساساً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في القاتل خطأ والصواب أن القاتل خطأ يرث من المال دون الدية وهذا هو الذي رجحه ابن القيم في أعلام الموقعين وذكر فيها فتوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أظن أنه رواه ابن ماجة الحديث وقال به نأخذ والصواب عندنا أن قتل الخطأ لا يمنع من الإرث لأن التهمة فيه بعيدة إذ أن القاتل إنما منع من الإرث خوفاً من أن يقتل الإنسان مورِّثه ليرث والتهمة في مثل هذه الأحوال بعيدة جداً فلا يُمنع من الإرث لأن الأصل ثبوته ولكن الدية ما تسقط عنها منها شيء لأن الدية وجبت بفعلها.


السائلة تقول بعد إفطام الطفل أصيب بإسهال أدى إلى وفاته هل على والديه شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ينظر فيه ما سبب هذا الاسهال هل هو من أجل إعطائه غذاء لا يحتمله فإذا علم أن سبب هذا الاسهال من تصرف الوالدة أو الوالد فإنه يكون على المتسبب كفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وعلى عاقلته دية هذا الطفل.


سائلة تقول إني وقعت في مشكلة محيرة وكان آنذاك عمري بين عشر إلى اثني عشر سنة كنت في سن الجهلة وهي أنه كان معي طفل صغير ورميته في بركة ماء فتوفي الطفل وكنت لا أعرف الموت والحياة آنذاك وأنا الآن حائرة في مشكلتي أما من ناحية الصوم فلا أقدر ولا أستطيع خوفاً من زوجي وأهل بيتي أن يعلموا بهذه المشكلة وبعد زواجي وبعد ما بلغت سن الرشد احترت في أمري لا أعرف كيف أفعل أفيدوني جزاكم الله عن الإسلام وعن المسلمين خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المشكلة في الحقيقة مشكلة كما وصفت وإذا كان لها اثنتا عشر سنةً حين هذا الحادث فإن كانت قد بلغت جرى عليها ما يجري على البالغين ويمكن أن تبلغ في هذا السن بالحيض أو بالإنبات مثلاً أو بالإنزال وإذا كانت لم تبلغ كما هو ظاهرٌ من حالها فإنه فيه خلاف بين أهل العلم هل يلزم غير البالغ بالكفارة أو لا يلزم فمنهم من يرى أنه يلزم بالكفارة بأنه لا فرق بين أن يكون الإنسان أهلاً للتكليف أو ليس بأهل للتكليف في وجوب كفارة القتل بدليل أن الله سبحانه وتعالى أوجب الكفارة على القاتل خطأً والقاتل خطأً معذورٌ من حيث الإثم فدل هذا على أن وجوب الكفارة ليس مبنياً على أن الإنسان يأثم أو لا يأثم وعليه فتجب الكفارة على الصغير كفارة القتل وإن لم يبلغ يبقى النظر لقائلٍ أن يقول هذه البنت قتلت هذا الصبي عمداً ولكننا نقول فعل الصبي أو المجنون إذا كان عمداً فهو بمنزلة خطأ الكبير العاقل أما على الرأي الثاني الذي يقول إن الصغير لا يجب عليه كفارة فإنه في هذه الحال ليس عليها كفارة ولا يلزمها شيء ولكن الذي يترجح عندي وجوب الكفارة عليها في هذه الحال ولا ينبغي أن الرجل يترك ما أوجب الله أو المرأة تترك ما أوجب الله عليها من أجل الحياء من الناس فإن الله تعالى أحق أن يستحيى منه فيجب عليها أن تصوم وأن تخبرهم بالأمر الواقع ولا شيء في ذلك.


ما كفارة القتل العمد والقتل غير العمد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما القتل العمد فليس فيه كفارة لأنه أعظم من أن يبرأ الإنسان منه بالكفارة وليس فيه إلا قول الله عز وجل (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) والكفارة إنما هي في القتل الخطأ لقول الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا) إلى أن قال (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) فكفارة القتل الخطأ أن يصوم القاتل شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي فإن أفطر ولو يوماً واحداً بغير عذر شرعي وجب عليه إعادة الشهرين لأن الله تعالى اشترط فيهما التتابع فإن لم يستطع الصيام فلا شيء عليه لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أنه لا واجب مع العجز وإنما قلنا إنه إذا كان عاجزا عن الصوم فلا شيء عليه لأن الله تعالى لم يذكر هذه المرتبة في كفارة القتل وإنما ذكر مرتبتين فقط هما عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين بخلاف الظهار فإن الله تعالى ذكر فيه ثلاث مراتب عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وإني بهذه المناسبة أحذر إخواننا الذين يقودون السيارات من التهور في القيادة وعدم المبالاة فتجده يخالف ما يعرفه من أنظمة المرور ولا يراعي ذلك ولا يهتم وتجده يكون مسرعاً إذا قاد سيارته داخل البلد ويقف بدون إشارة الوقوف وينحرف يميناً أو يساراً بدون إشارة مما يوجب الخطر عليه وعلى غيره وليعلم أن الكفارة لا تسقط إذا عفى أولياء المقتول عن الدية كما يظنه بعض العامة وذلك لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدمي فإذا أسقط الآدمي حقه فإنه لا يملك إسقاط حق الله تبارك تعالى فتبقى الكفارة عليه والكفارة تتعدد بتعدد المقتولين فلو جنى على شخصين فماتا لزمه أن يصوم أربعة أشهر كل شهرين متتابعين وإن جنى على ثلاثة لزمه أن يصوم ستة أشهر وهكذا لكل نفس شهران متتابعان.


هذا المستمع فضل من السودان يقول هل يقتل الرجل إذا قتل ابنه سمعنا من بعض الفقهاء بأنه لا يقتل الرجل إذا قتل ابنه بل تجب عليه الدية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جمهور أهل العلم لا يرون أن الوالد يقتل بولده إذا قتله عمداً واستدلوا لذلك بدليل وتعليل أما الدليل فالحديث المشهور (لا يقتل والد بولده) وأما التعليل فقالوا إن الوالد هو السبب في إيجاد الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سبباً في إعدامه وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم أي أن الوالد لا يقتل بالولد وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوالد يقتل بولده إذا علمنا علماً يقيناً أنه تعمد قتله وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص في قتل المؤمن مثل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) ومثل قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم أمري مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفسوالتارك لدينه المفارق للجماعة) ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) قالوا فهذه العمومات تقتضي أن الوالد إذا علمنا أنه قصد قتل ولده عمداً يقتل بولده وأما الحديث المشهور (لا يقتل والد بولده) فهو ضعيف عندهم وأما التعليل فهو غير صحيح لأن قتل الوالد بقتل ولده ليس السبب هو الولد وإنما السبب فعل الوالد فهو الذي جنى على نفسه في الحقيقة لأنه هو السبب في قتل نفسه حيث قتل نفساً محرمه قالوا ولنا أن نقلب الدليل فنقول إن قتل الوالد لولده من أعظم القطيعة وأنكر القتلة إذ أنه لا يجرؤ والد على قتل ولده حتى البهائم العجم ترفع البهيمة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه فكيف يكون جزاء هذا الرجل الذي قطع رحمه بقتل ولده أن نرفع عنه القتل وعلى كل حال فهذه المسألة ترجع إلى المحاكم الشرعية فليحكم الحاكم بما يرى أنه أقرب إلى الصواب من أقوال أهل العلم وليفزع الإنسان إلى ربه عز وجل عند تعارض الآراء يفزع إلى ربه عز وجل بأن يهديه صراطه المستقيم وليقل اللهم رب جبرائيل ومكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وليستغفر الله عز وجل من ذنوبه فإن الذنوب تحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الصواب وقد استنبط بعض العلماء ذلك من قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً).


كيف تدفع الدية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العلماء يقولون إن الإنسان إذا جنى على شخص وأتلف منفعةً من المنافع كمنفعة السمع أو البصر أو ما أشبه ذلك فإن عليه دية هذه المنفعة فمثلاً لو جنى عليه حتى صار لا يبصر عليه ديةٌ كاملة دية البصر إذا جنى عليه حتى صار لا يسمع عليه ديةٌ كاملة دية السمع إذا جنى عليه حتى شل وصار لا يتحرك عليه ديةٌ كاملة وهي دية الحركة وهكذا.

فضيلة الشيخ: حتى ولو كان قريب له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ولو كان قريباً له.


ماحكم وضع الصندوق المخصص للدم فقط مثلا لا سمح الله إذا وقع على شخص دفع دية فإن هذا الصندوق يدفعها كاملة دون تردد أفيدونا في هذا السؤال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا قول الأخ السائل لا سمح الله هذه الكلمة لا تنبغي لأنها قد تشعر بأن الله تعالى يكره على ما يريد وإنما يقال لا قدر الله أو بعبارة أحسن أيضا فيقال لا قدر الله إلا الخير أما بالنسبة لسؤاله فإني أرى أن لا يوضع صندوق للدم لأنه إذا وضع صندوق للدم يعني لدفع الديات فإن هذا يوجب أن يتهور السفهاء وأن لا يبالوا بقتل الناس لأنه يشعر بأن الدية موجودة كما نقل عن بعضهم أنه يقول أنا لا يهمني أن أدعس أحداً أو لا لأن الدية موجودة فيكون في ذلك مفسدة لكن إذا وقعت الواقعة وحصلت الحادثة فإن دية الخطأ على العاقلة كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله.


يقول السائل رجل عليه دية وقام بجمع مال من أجلها بموجب قرار أعطته إياة المحكمة لكنه بعد أن أتم المبلغ المطلوب استوفي جمع المال ليأخذه له ويستفيد منه في حياته دون أن يخبر الناس بأنه أتم جمع هذه الديات فهل هذا المال يعتبر حلالا أم لا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما زاد على الدية فهو حرام عليه فيجب عليه أن يتوقف عند انتهاء المطلوب للدية لأنه يستجدي الناس بمقتضي هذا الصك والصك إنما فيه دين الدية فقط وعلى هذا فلا يحل له أن يستمر في جمع المال بعد استيفاء ما طلبه من الناس من أجله ومثل ذلك أن بعض الناس يجمع لبناء مسجد فيجمع أموالا زائدة على ما يحتاجه المسجد فيستمر في جمع المال للمسجد مع أن المسجد قد استكمل ما يحتاج إليه وهذا أيضا حرام ولا يحل له ولهذا نقول من قدم للناس عريضة ببناء مسجد وجمع من الدراهم ما يزيد على كفاية البناء فان الواجب عليه أن يتوقف لكن قد يقول أخشى من اختلاف الأحوال أخشى أن أجمع لهذا المسجد ما أظن أنه كافٍ في بنائه ولكن لا يكفي لتغير الأحوال إما بزيادة السعر أو بزيادة أجور المقاولين أو ما أشبه ذلك نقول لا بأس إذا جمعت ما تظن أنه يكفي فتوقف ثم بعد ذلك قيد اسم كل من يتبرع لك من أجل إذا تم البناء ووجدت الزيادة عرفت أن الزيادة لفلان ولفلان ولفلان ولفلان فيسهل عليك أن تعطيهم إياها أو تستأذنهم في صرفها لمصالح المسجد غير البناء أو لبناء مسجد أخر وبذلك يسلم الإنسان وتسلم ذمته فالأمر إذا واضح يعني مثلا إذا كنت تجمع لبناء مسجد تقدر أنه يكفيه خمسمائة ألف فجمعت خمسمائة ألف ثم صارت التبرعات تنهال عليك فتوقف لكن إذا خشيت أن البناء يزيد على خمسمائة ألف فخذ ولكن بعد تمام الخمسمائة ألف قيد كل تبرع يأتيك بقدره واسم من تبرع به من أجل إذا انتهى بناء المسجد ولم يستغرق إلا الخمسمائة ترد هذه الدراهم إلى من تبرع بها أو تستاذنهم في صرفها لمصالح المسجد الذي بنيت أو لبناء مساجد أخرى حتى تبريء ذمتك وتسلم من الاشكال.


بارك الله فيكم السائل جمال من محافظة الحديدة اليمن يقول من مات وعليه دية هل يمكن مطالبة الأولياء بذلك وهل يجب عليهم الأداء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدية إن كانت عوضاً عن مقتول عمدا فهي عليه هو فتكون في تركته بعد موته لأنها دين عليه وإن كانت الدية من قتل خطأ أو شبه عمد فإنها على عاقلته سواء كان حيا أو ميتا.


بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ السائل أبو أحمد من جيزان يقول هل دية الرجل كدية المرأة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: دية المرأة على النصف من دية الرجل إذا بلغت الثلث فأكثر هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وأما ما دون الثلث فهما سواء ويتضح ذلك بالمثال ففي الأصبع الواحد عشر من الإبل سواء كان من رجل أو امرأة وفي الأصبعين عشرون من الإبل سواءٌ كان ذلك من رجل أو امرأة وفي ثلاثة الأصابع ثلاثون من الإبل سواءٌ كان من رجل أو امرأة وفي الأربعة الأصابع عشرون بعيراً إن كانت الأصابع من أنثى وأربعون بعيراً إن كانت الأصابع من رجل فالقاعدة أن الرجل والمرأة سواء في الدية ما لم تبلغ الثلث فإذا بلغت الثلث عادت المرأة إلى النصف من الرجل هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وعليه العمل.
وأما دية النفس كاملة فمائةٌ من الإبل للرجل وخمسون من الإبل للمرأة وأسنانها تختلف ففي قتل الخطأ تكون خماسا وعشرين بنت مخاض وعشرين بنت لبون وعشرين حقةً وعشرين جذعة وعشرين من بني مخاض هذا بالنسبة للرجل بالنسبة للمرأة عشرٌ عشرٌ من هذه الأسنان الخمسة قد لا يعرف السامع ما هذه الكلمات فنقول بنت المخاض هي التي تم لها سنة وبنت اللبون تم لها سنتان والحقة تم لها ثلاث سنوات والجذعة تم لها أربعة سنوات.


جزاكم الله خيرا هذا المستمع ناصر سلمان إبراهيم من جهورية السودان الديمقراطية يقول هل يجوز أخذ دية المقتول والعمل بها في عمل يكون وقفا له كبناء مسجد أو أي شيء يكون صدقة جارية له أو التصدق بها للفقراء والمساكين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: دية المقتول تؤخذ وهي ملك لورثته يتصرفون فيها كما يشاءون ولا يجوز أن تصرف في مصالح خيرية إذا كان الورثة غير مرشدين وإن كانوا صغارا أو سفهاء أو مجانين فإن الواجب أن يبقى نصيب كل من اتصف بهذه الصفة يخرج من هذه الصفة أن يبقى له موفرا ولا يجوز أن تنفق فيما ذكره السائل من بناء مسجد أو غيره أما إذا كان الورثة كلهم مرشدين ورأوا أن يصرفوها إلى جهة خير تكون للمقتول فإن هذا لا بأس به.


جارٍ التحميل