فتاوى نور على الدربصفحة 2

هذا السائل يا فضيلة الشيخ من السودان يقول: يا فضيلة الشيخ نعلم أن الرسل معصومون من الخطأ، هل هم معصومون من الخطأ في التشريع فقط، أم في كل الأمور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يتكلمون بوحي الله سبحانه وتعالى، وهم معصومون من كل خطأ يخل بصدقهم وأمانتهم، وهذا هو محل الثقة فيهم.
وأما ما نتج عن اجتهادٍ منهم فإنهم قد يخطئون فيه، فإن نوحاً عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن ينجي ابنه، فقال الله له: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرم ما أحل الله له اجتهاداً منه، فقال الله له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَات أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
وعفا عن قومٍ استأذنوه في الجهاد فقال الله له: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).
لكنهم معصومون من الإقرار على الخطأ، يعني لو حصل منهم خطأ في اجتهادٍ اجتهدوه فإن الله تعالى لا بد أن يعصمهم من الاستمرار فيه، بخلاف غيرهم فإنهم لا يعصمون من ذلك.


يوجد في مدينة الكوفة مسجد يقال: إن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قد زاروا هذا المسجد، ولكل نبي فيه محراب ودعاء مكتوب على المحراب، والناس يزورون هذا المسجد بكثرة ويتنقلون بين محاريبه، ويدعون عند كل محراب بما كتب عليه من الدعاء بعدد الركعات التي يريد الزائر أن يصلىها.
فهل هذا صحيح؟ وهل زيارة هذا المسجد لهذا الغرض جائزة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا باطل قطعاً، فإن سيد الأنبياء والمرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم لم يزره بلا ريب، وكذلك الأنبياء قبله لا يمكن أن يكونوا قد زاروه؛ لأنه لو قصد بالأنبياء الأنبياء الذين لم يرسلوا فإنهم أربعة وعشرون ألفاً، وإن قصد الرسل فهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً، وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا قد زاروا هذا المسجد، وإنما هذا من التزوير الذي يقصد به أكل المال بالباطل وصد الناس عن سبيل الله.
والذهاب إلى هذا المسجد بهذه النية محرم ولا يجوز، والواجب على المسلمين أن يتحققوا في هذه الأمور، وأن ينصحوا من مارس القيام بتعظيمها واحترامها، وليس هناك مساجد تشد الرحال إليها إلا ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى.
وماعدا ذلك من المشاهد أو المساجد فإنه لا يجوز أن تشد إليها الرحال مطلقاً في أي حال من الأحوال، ثم إن غالب هذه الأمور تكون كذباً مزوّرة، والمؤمن العاقل يعرف أن هذا من التزوير بأول نظرة.
فضيلة الشيخ: لكن ما حكم الصلاة فيه؟ فأجاب رحمه الله تعالى: قلت في الجواب: إنه لا يجوز قصده للصلاة فيه، وإنه حرام وأما الصلاة فيه كبقعة، مثل: أن يمر به الإنسان مروراً عابراً فيصلى فيه، فإنه لا بأس به.
فضيلة الشيخ: يعني: دون أن يعتقد فيه شيئاً؟ فأجاب رحمه الله تعالى: دون أن يعتقد ما ذكره السائل؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
إلا أن يخشى أن يفتتن أحد بصلاته فيه، فإنه يتجنبه ويتقدم عنه، ويصلى في مكان آخر.


يقول السائل محمد عمر أحمد من السودان: قيل: إن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم جاءه ملك وفتح صدره وملأه نوراً، فما مدى صحة هذا الكلام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكلام صحيح، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام حين عرج به جاءه جبريل فشق ما بين نحره إلى أسفل بطنه، واستخرج قلبه فملأه حكمة وإيماناً وليس نوراً، ولكن ملأه حكمة وإيماناً، والإيمان والحكمة من النور المعنوي.


السائلة أم أسامة من مصر أسوان تقول: سمعت من بعض الإخوة يقول بأن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلق من نور، وأن آدم خلق من نور محمد، فهل هذا القول صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا القول من أبطل الباطل، وهو كذب مخالف لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).ولقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ).
والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بني آدم، وهو سيد ولد آدم، وهو مخلوق من نطفة أبيه, وأبوه مخلوق من نطفة جده، وهكذا إلى أن يصل الخلق إلى آدم الذي خلقه الله من سلالة من طين.
والعجب أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الأكاذيب تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعضهم عنده تهاون في دينه، واتباعه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعلهم يجهلون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلو فيه وحذر منه.
وإن نصيحتي لهؤلاء أن يتلقوا معتقدهم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يعلموا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر مثلنا، كما أمره الله أن يقول ذلك ويعلنه على الملأ: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ).
فقد تميز صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي، وبما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق، وبأنه أتقى الناس لله وأعبد الناس لله، لكنه بشر، وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم أنه بشر مثلنا ينسى كما ننسى فقال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني).
انظر التواضع العظيم: أخبر أنه بشر ينسى، ومع ذلك قال: (إذا نسيت فذكروني).
ولن ينقص ذلك من قدره شيئاً، بل هو أكمل الخلق إيماناً وتقوى وزهداً وخلقاً عليه الصلاة والسلام، ومن أراد أن يحشر تحت لوائه يوم القيامة فليكن تحت لواء سنته في الدنيا، ولا يتعدَّ حدود الله ولا يقصر عنها، فلا غلو ولا تحريف، هذا الواجب علينا.
ولقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
فمن كان صادقاً في دعوى المحبة لله أو المحبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبذلك يقيم بينة على صدق دعواه، وأما أن يدعي أنه متبع للرسول محب للرسول، وهو يقول في الرسول ما ليس حقيقة، ويبتدع في دينه ما لم يشرع، فإن البينة تخالف دعواه.


يوجد في القرآن الكريم سورة سميت بسورة لقمان، فمن هو هذا الشخص الذي يدعى لقمان؟ وهل أوتي النبوة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سميت سورة لقمان لأنه ذكر فيها قصة لقمان وعظته لابنه، وتلك الوصايا التي ذكرها له، والسورة تسمى باسم ما ذكر فيها أحياناً، كما يقال: سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة الإسراء، وما أشبه ذلك.
فضيلة الشيخ: أيضاً يقول: من هذا الشخص الذي يدعى لقمان؟ وهل أوتي النبوة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه ليس بنبي، وأن الله تعالى آتاه الحكمة وهي موافقة الصواب مع العلم، وقولنا: مع العلم، للتبيان وإلا فلا صواب إلا بعلم، والصواب أنه ليس من الأنبياء، وإنما هو رجل آتاه الله الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.


أحسن الله إليكم هل الخضر عليه السلام حي إلى يومنا هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما كونه حيّاً فلا، ليس بحي؛ لأنه لو كان حيّاً لوجب عليه أن يؤمن بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن يجاهد معه، ولم يكن شيء من ذلك، فالخضر كغيره من البشر مات في وقته فيما يظهر لنا، وكذلك ليس الخضر بنبي، وإنما هو رجل آتاه الله تعالى علماً لا يعلمه موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: إنه لا أحد في الأرض أعلم منه، فأراه الله عز وجل هذه الآية: أن موسى عليه الصلاة والسلام وإن كان لديه علم كثير من شريعة الله فإنه قد يفوته شيء من المعلومات الأخرى.


يزعم بعض الناس من المسلمين أن نبي الله الخضر عليه السلام لا يزال حياً يطوف على الأرض، وأنه إذا مر على إنسان وطلب منه الإحسان فقدمه له، إن كان ذلك الإنسان فقيراً صار غنيا، ً ويأتي إلى الناس بهيئة المجانين كي لا يعرفوه، وصار كثير من الناس يقدمون الإحسان لكل من يأتيهم بمثل تلك الهيئة، ظناً منهم أن يكون هو الخضر عليه السلام، فهل هذا الزعم الأسطوري وارد في الحديث الشريف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام على هذا السؤال من وجهين: أولاً: قول السائل: إن نبي الله الخضر، وجزمه بأنه نبي: هذا محل خلاف بين أهل العلم، هل كان الخضر نبياً، أو كان ولياً أعطاه الله سبحانه وتعالى من الكرامات ما علم به مآل ما جرى بينه وبين موسى عليه الصلاة والسلام؟ والراجح أنه ليس بنبي، وأنه ولي من أولياء الله؛ لأدلة ليس هذا موضع بسطها.
الوجه الثاني: من حيث بقاء هذا الرجل- أعني: الخضر- إلى الآن: فإن هذا لا يصح إطلاقاً؛ لأنه لو كان الخضر حياً لكان يجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويتبعه لو كان حياً، على فرض أن يكون حياً لكان قد مات أيضاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه في آخر حياته أنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها ذلك اليوم أحد، فلو فرض أن الخضر قد بقي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكان لا يمكن أن يبقى بعد مائة السنة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعليه فإن الخضر لا وجود له وليس بموجود.
ثم إن هذا الزعم الباطل الذي يقتضي السخرية والاستهزاء به، حيث يقول: إنه يأتي إلى الناس بصورة المجنون لئلا يعرف، وإن من أتاه شيئاً وأهدى إليه شيئاً فإنه يصبح غنياً، فإن هذا باطل من أبطل الباطل.
أيضاً والمهم أنه يجب على المؤمن أن يعتقد بأن الخضر ليس بموجود؛ للدليلين اللذين أشرنا إليهما فيما سبق: أنه لو كان موجوداً لم يسعه إلا أن يأتي للنبي عليه الصلاة والسلام ويؤمن به ويتبعه، وأنه لو كان موجوداً لكان يموت قبل أن تأتي مائة السنة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.


أحسن الله إليكم يقول السائل: هل هناك خصائص اختصها الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تكن لغيره من أفراد أمته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الخصائص التي اختص بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليست لأمته كثيرة جدّاً، وقد ذكر العلماء رحمهم الله- أعني بهم: الفقهاء، ذكروا- في كتاب النكاح خصائص كثيرة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن أحب أن يرجع إليها فليفعل.
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى في القرآن حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) إلى قوله: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ).
فهنا بين الله عز وجل أن النكاح بالهبة لا يحل إلا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كما أن هذه الأمة خصها الله تعالى بخصائص لم تكن لغيرها من الأمم، كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) وذكر تمام الحديث.
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى يختص من شاء من عباده بأحكام شرعية وغيرها مما لا يكون لغيره.


محمد جميل حسين مصطفى من الجمهورية العراقية يسأل عن الصلاة على الأنبياء يقول: هل يجوز الصلاة على الأنبياء الآخرين غير محمد صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب: نعم تجوز الصلاة على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، بل تجوز الصلاة أيضاً على غير الأنبياء من المؤمنين: إن كانت تبعاً فبالنص والإجماع، كما في قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: كيف نصلى عليك؟ قال: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمدٍِ، كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
وآل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الجملة هم المتبعون لشريعته من قرابته وغيرهم، هذا هو القول الراجح، وإن كان أول وأولى من يدخل في هذه- أي: في آل محمد- هم المؤمنون من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك هي شاملة لكل من تبعه وآمن به؛ لأنه من آله وشيعته.
والصلاة على غير الأنبياء تبعاً جائزة بالنص والإجماع، لكن الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً لا تبعاً هذه موضع خلاف بين أهل العلم هل تجوز أو لا؟ فالصحيح جوازها، أنه يجوزأن يقال لشخص مؤمن: صلى الله عليه، وقد قال الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عليهم) فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى على من أتى إليه بزكاته وقال: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى، حينما جاؤوا إليه بصدقاتهم).
إلا إذا اتخذت شعاراً لشخص معين كلما ذكر قيل: صلى الله عليه، فهذا لا يجوز لغير الأنبياء، مثل: لو كنا كلما ذكرنا أبا بكر قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا عمر قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا عثمان قلنا: صلى الله عليه، أو كلما ذكرنا علياً قلنا: صلى الله عليه، فهذا لا يجوز أن نتخذ شعاراً لشخص معين.


كنت في سنوات بعيدة مضت أظن أن الصلاة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هي ركعات، وقد صلىت عدداً من الركعات ظنّاً مني أن هذه هي الصلاة عليه، وبدون شك لم أقصد أن أشرك بالله في العبادة- والعياذ بالله من الشرك، لا إله إلا الله فما رأيكم جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أنبه أنه يجب على الإنسان ألا يعمل عملاً يتقرب به إلى الله ويتعبد به لله عز وجل حتى يكون على علم بأن هذا من شريعة الله؛ ليعبد الله تعالى على بصيرة، دليل ذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).
فهذا الذي فهم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها الركوع والسجود له قد فهم فهماً مخطئاً باطلاً، لكن لكونه مستنداً على أصل يظنه صحيحاً أرجو أن الله تعالى لا يؤاخذه بما فعل، وعليه أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه مما قصر فيه من طلب العلم، ومادام علم الآن أن هذا ليس المقصود بالأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه تبين له أن معنى الصلاة عليه أن تقول: اللهم صل على محمد أو ما يؤدي هذا المعنى، فأرجو الله أن يتجاوز عنه وأن يغفر له.


السائل حمودة يقول: فضيلة الشيخ منذ سنوات فهمت عن جهلٍ مني بأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي مثل الصلاة العادية: ركوع وسجود وخلاف ذلك، وصلىت عدة ركعات ظناً مني بأن الله عز وجل أمرنا بذلك، فهل علي إثمٌ في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا إثم عليك في ذلك لأنك جاهل، ولكن الواجب على المرء أن يسأل أهل العلم إذا كان لا يعلم؛ لقول الله تبارك وتعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
فعملك الذي كنت عملته سابقاً عملٌ مردودٌ باطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
لكنك مثابٌ إن شاء الله على نيتك، وقد يكون هناك تقصيرٌ منك بعدم سؤال أهل العلم عن كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


المستمع الذي رمز لاسمه بـ: أ. ح. الأردن يقول في رسالته: هل محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق قاطبة، أم أفضل البشر فقط؟ وما الدليل على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب الذي أعلمه من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم كما ثبت ذلك عنه، وأما أنه أفضل الخلق على الإطلاق فلا يحضرني الآن دليل في ذلك، لكن بعض أهل العلم صرح بأنه أفضل الخلق على الإطلاق، كما في قول صاحب الأرجوزة: وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق والمهم أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله تعالى إلى الثقلين الإنس والجن هادياً ومبشراً ونذيراً، فعلينا أن نؤمن به تصديقاً لأخباره، وامتثالاً لأوامره، واجتناباً لنواهيه، هذا هو الذي ينفع الإنسان في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده.


أحسن الله إليكم يا شيخ وبارك فيكم هذا سائل سوداني يقول: فضيلة الشيخ يقولون بأن الرسول مخلوق من نور، هل هذا كلام صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكلام باطل، فإن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بني آدم، وسلسلة آبائه وأجداده معلومة، وهو نفسه عليه الصلاة والسلام قد صرح بما أمر الله به، فقد قال الله تعالى له: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
وقال صلى الله عليه وسلم هو عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون).
فقد خلق عليه الصلاة والسلام من طين، كما هو شأن بني آدم كلهم، والذين خلقوا من نور هم الملائكة، فإن المخلوقات ثلاثة أقسام: قسم خلقوا من نار وهو إبليس وذريته، وقسم خلقوا من النور وهم الملائكة، وقسم خلقوا من طين وهم آدم وبنوه، وليس هناك قسم رابع، فهذا الحديث أو الأثر أو القولة المشهورة أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلق من نور كذب لا أصل له.


جزاكم الله خيراً يا فضيلة الشيخ، هناك أناس غلوا في الرسول وتجاوزوا الحد في محبته، وهناك أناس فرطوا وتساهلوا في محبته، كيف نوجه مثل هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كلهم أخطؤوا: الذين فرطوا والذين أفرطوا، والخطر عظيم على الجميع.
أما الذين غلوا فيخشى عليهم من الإشراك به، ولهذا ادعى بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، وأنه يشفي المريض، وأنه يزيل الكربات، فصاروا يدعونه، فالتحقوا بذلك بالمشركين وهم لا يشعرون.
وأما الطرف الثاني فيخشى عليهم من التهاون في الشريعة شيئاً فشيئاً حتى يقضى عليها، ولهذا المحب له حقيقة هو المتبع لسنته بدون غلو ولا تفريط.


يقول: كيف تحقق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تحقق محبة الرسول ومحبة الله عز وجل باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل من كان أتبع لرسول الله كان أحرى بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله، يقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وعلامة محبة الرسول أن يتحرى الإنسان سنته فيتبعها، ولا يزيد في ذلك ولا ينقص.
وعلى هذا فالذين يبتدعون بدعاً تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، يدَّعون أن ذلك من محبته وتعظيمه، هم في الحقيقة لم يحبوه ولم يعظموه، وذلك لأن حقيقة المحبة والتعظيم أن تتبع آثاره، وأن لا تزيد في شرعه ولا تنقص منه، وأما من أراد أن يحدث في شرع الله ما ليس منه فإن محبته لله ورسوله قاصرة بلا شك؛ لأن كمال الأدب والتعظيم أن لا تتقدم بين يدي الله ورسوله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ).


يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في قبره يسمع ويرد، وضحوا لنا كيف يكون ذلك في حياته؟ والذين يقولون هذا الكلام يستندون للآية الكريمة: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
وإذا كان الشهداء أحياء فكيف لا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هذا في قولهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: أما كونه صلى الله عليه وسلم يسمع ويرد فليس به غرابة، فقد روى أبو داود في سننه: (أنه ما من رجل يسلِّم على رجل في قبره وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام).
فلا غرابة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليه المسلم يرد الله عليه روحه فيرد السلام.
وأما كونه حيّاً في قبره: فالشهداء أحياء عند الله، والله تبارك وتعالى لم يقل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء في قبورهم، بل قال: بل أحياء عند ربهم يرزقون.
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن وصلى عليه صلاة الجنازة وخلفه من خلفه من أصحابه، وليسوا يقدمون له الأكل والشرب، وهم يعلمون أنه مات، كما قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
وكما قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).
وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، ولا يماري فيه أحد، وحياة الشهداء عند الله عز وجل ليست كحياة الدنيا، أي: ليست حياة يحتاج فيها الإنسان إلى أكل وشرب أو هواء ويعبد ويدعو، هي حياة برزخية,الله تعالى أعلم بكيفيتها.
وعلى هذا فلا يحل لأحد أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله اشفع لي، يا رسول الله استغفر لي؛ لأن هذا غير ممكن، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يستغفر لأحد بعد موته، ولا يمكن أن يشفع لأحد إلا بإذن الله، وإذا أردت أن تسأل سؤالاً صحيحاً فقل: اللهم ارزقني شفاعة نبيك، اللهم شفعه فيَّ، وما أشبه ذلك.


يقول السائل: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن أعمال العباد تعرض عليه وهو في قبره. هل هذا حديث صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام تعرض عليه، الصلاة عليه، يعني: إذا صلىنا على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تعرض عليه وتبلغه أينما كنا، أما سائر أعمالنا فلا يحضرني الآن هل هو صحيح أو غير صحيح.


يقول السائل: إذا قام شخص بقراءة القرآن، أو وضع قدميه وهو متجه إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، هل عليه إثم في ذلك؟

الشيخ: ليس عليه إثم في ذلك، فإن مد الرجلين إلى اتجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج فيه، ولا يحتاج أن أقول: بشرط أن لا يكون مستهيناً برسول الله صلى الله عليه وسلم أو محتقراً له؛ لأن هذا لا يمكن أن يقع من مسلم، فمد الرجلين إلى نحو قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا بأس به، وهذا يقع كثيراً، كالذين يكونون في الصف الأول في المسجد النبوي فإنهم يستندون إلى الجدار القبلي، وحينئذ تكون أرجلهم إن مدوها ممدودة نحو القبر.


هذه رسالة من إبراهيم بن عبد الله من بني مالك يقول: أسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يقرأ أم كان أمياً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً؛ لقول الله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ).
ولقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).
فهو عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فلما نزل عليه القرآن صار يقرأ، ولكن هل كان يكتب؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزل عليه الوحي صار يقرأ ويكتب؛ لأن الله إنما قيد انتفاء الكتابة قبل نزول القرآن: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ).
وأما بعد ذلك فقد كان يكتب، ومن العلماء من قال: إنه لم يزل عليه الصلاة والسلام غير كاتب حتى توفاه الله.


هل هناك فرق بين المعجزات وآيات الأنبياء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: آيات الأنبياء هي المعجزات، وسماها بعض المتأخرين معجزات، والصواب أنها آيات؛ لأنها جمعت بين أمرين: بين كون البشر لا يستطيعون مثلها وهذا إعجاز؛ وكونها دليلاً على نبوة هذا النبي ورسالته، وهذه آية علامة، ولهذا ينبغي أن نسمي ما تأتي به الأنبياء من المعجزات نسميها آيات كما سماها الله تعالى في كتابه.
هناك معجزات وليست بآيات، لكنها من الشياطين: فالساحر ربما يُرى طائراً في الجو، وهذا معجز لا يستطيع البشر أن يفعلوه، لكنه من فعل الشياطين.
وهناك كرامات يكرم الله بها من شاء من عباده الأولياء والصالحين، تكون معجزة لكنها آية على صحة ما كان عليه هذا الولي، وعلى صحة الشريعة التي كان يعمل بها، ولهذا نقول: كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي يتبعه هذا الولي؛ لأنها شاهد من الله على صدقه.
وكرامات الأولياء موجودة في الأمم السابقة وفي هذه الأمة، ولا تزال فيها إلى يوم القيامة: في الأمم السابقة أصحاب الكهف، اعتزلوا قومهم المشركين وأووا إلى الغار، فهيأ الله لهم غاراً، وألقى عليهم النوم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، وفي هذه المدة لم يتغير منهم شيء، لم يحتاجوا لطعام ولا لشراب ولا لبول ولا لغائط، ولم تَنمُ أظفارهم ولا شعورهم، كأنما ناموا يوماً واحداً، ولهذا لما بعثهم الله عز وجل وأيقظهم (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
مما يدل على أنهم لم يصبهم شيء من العوارض البشرية، لا جوع ولا عطش ولا بول ولا غائط، ولا نمو شعور ولا أظفار، حتى صلحت أحوال القرية وماتت سلاطينهم التي تعينهم على الشرك.
مريم رضي الله عنها أجاءها المخاض إلى جذع النخلة فقيل لها: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ).
امرأة لتوها ولدت، وما أعلمك بالتعب عند الولادة، أمرت أن تهز جذع النخلة جذع النخلة، لو هزه أي إنسان ما يهز علوه، لكن هي قيل لها: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) ففعلت (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) تسقط الرطب من فوق إلى الأرض ولا تفسد، مع أنها رطب لينة اصطدامها على الأرض يوجب أن تتقطع، لكن تبقى كأنها مجنية، كأن رجلاً خرقها (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً).
هذه من الكرامات التي أكرم الله بها من شاء من عباده، في هذه الأمة موجودة: كان سارية بن زنيد أميراً على سرية في العراق، وكان عمر رضي الله عنه يخطب الناس يوم الجمعة، فسمعوه يقول: يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! أمير المؤمنين يخطب ثم يقول هذا الكلام، ما هذا؟ فأخبرهم أنه كشف له عن هذا في سريته والعدو محيط به، فناداه عمر: يا سارية الجبل! يعني: ارجع إلى الجبل، فسمع سارية، فهذه ثلاثة أشياء: كشف لعمر فشاهدهم، ناداهم فسمعوه، لجؤوا إلى الجبل بقيادة السلطان وهو على منبر، سبحان الله! كرامة من الله عز وجل.
ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، ولكن الولي من هو؟ هل كل من ادعى الولاية هو ولي؟ ليس كل من ادعى الولاية هو ولياً، قال الله عز وجل: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:62- 63). اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.


ع م م س يقول: هل لكم فضيلة الشيخ أن تذكروا لنا- ولو بشيء من الإيجاز- معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معجزات النبي صلى الله عليه وسلم- وهي الآيات الدالة على رسالته صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله حقاً- كثيرة جداً، وأعظم آية جاء بها هذا القرآن الكريم، كما قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فالقرآن الكريم أعظم آية جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنفع آية لمن تدبرها واهتدى بها، فإنها آية باقية إلى يوم القيامة، أما الآيات الأخرى الحسية التي مضت وانقضت فهي كثيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جملة صالحة منها في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، هذا الكتاب الذي ينبغي لكل طالب علم أن يقرأه؛ لأنه بين فيه عوار النصارى الذين بدلوا دين المسيح عليه الصلاة والسلام وخطأهم، أي: بين خطأهم وخطلهم وضلالهم، وأنهم ليسوا على شيء مما كانوا عليه فيما حرفوه وبدلوه وغيروه، والكتاب مطبوع وبإمكان كل إنسان أن يحصل عليه، وفيه فوائد عظيمة، منها ما أشرت إليه: بيان شيء كثير من آيات النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، ذكر كثيراً من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أحب فليرجع إليه.


إبراهيم محمد من السودان الفاشر يقول: أحاط المسلمون بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في بعض الخوارق والمعجزات، أسأل وأقول: ما مدى صحة هذه المعجزات؟ وهل وردت في أحاديث كثيرة؟ ثم ألا ترون أن هذه المعجزات تنزهه عن آدميته؟ نرجو منكم إفادة بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المعجزة عند أهل العلم هي أمر خارق للعادة، يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الرسول تأييداً له، وقد سماها أكثر أهل العلم بالمعجزات، والأولى أن تسمى بالآيات التي هي العلامات على صدق الرسول وصحة ما جاء به، كما سماها الله عز وجل بذلك، وهي أبين وأظهر من المعجزات، أي: من هذا اللفظ، فالأولى أن تسمى معجزات الأنبياء بآيات الأنبياء.
والآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم آيات كثيرة: حسية ومعنوية، أرضية وأفقية، أخلاقية وعملية، فهي متنوعة، وأعظمها وأبينها كتاب الله عز وجل، كما قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ومن آيات الرسول عليه الصلاة والسلام الأفقية أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا.
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
قال أنس وهو راوي الحديث: وما والله في السماء من سحاب ولا قزعة- أي: قطعة غيم- وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، وسلع جبل معروف في المدينة تخرج من نحوه السحب.
قال أنس: فخرجت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ورعدت وبرقت ثم أمطرت، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر ينزل أسبوعاً كاملاً.
َ وفي الجمعة الثانية دخل رجل أو الرجل الأول فقال: يا رسول الله! غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله أن يمسكها عنا.
(فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر).
وجعل يشير صلى الله عليه وسلم إلى النواحي، فما أشار إلى ناحية إلا انفرجت، فخرج الناس يمشون في الشمس.
ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتاب البداية والنهاية، وإلى ما ذكره من قبله شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وكتب غيرهما كثير من أهل العلم في هذه الناحية.
وآيات الأنبياء فيها ثلاث فوائد: الأولى: الدلالة على ما تقتضيه صفات الله عز وجل من القدرة والحكمة والرحمة وغير ذلك.
الثانية: تأييد الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبيان أنهم صادقون فيما جاؤوا به.
والثالثة: رحمة الخلق، فإن الخلق لو لم يشاهدوا هذه الآيات من الأنبياء لأنكروا وكذبوا، فتأتي هذه الآيات ليزدادوا طمأنينة، ويقبلوا ما جاءت به الرسل، ويذعنوا وينقادوا له، والله عليم حكيم.
وأما قول السائل: أفلا تكون هذه الآيات مجردة له عن الأحوال البشرية؟ فإننا نقول له: لا، هذه الآيات لا تخرجه عن كونه بشراً، ولهذا لما سها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته قال لهم: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون).
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه بشر، وأنه يلحقه ما يلحق البشر من النسيان وغير النسيان أيضاً، إلا أنه صلى الله عليه وسلم تميز عن البشر بالوحي الذي أوحاه الله إليه، وبما جبله عليه الله تعالى من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، من الصبر والكرم والجود والشجاعة وغير ذلك مما كان به أهلاً للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وليُعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ولايملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يملك ذلك لغيره أيضاً، فقد قال الله له: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إليَّ).
وقال الله له: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ).
وبهذا يتبين أن من دعا الرسول صلى الله عليه وسلم واستنجد به بعد وفاته واستغاث به فإنه على ضلال مبين، قد صرف الأمر إلى غير أهله، فإن الأهل بذلك- أي: بالدعاء والاستغاثة- هو رب العالمين عز وجل، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ).
فيا أخي المسلم لا تدع غير الله، فما بك من نعمة فمن الله عز وجل، وإذا مسك الضر فلا تلجأ إلا الله عز وجل: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ).
لا والله، لا إله إلا الله الذي يكشف السوء ويجيب المضطر إذا دعاه ويجعل من شاء من عباده خلفاء الأرض، فاتق الله في نفسك، وضع الحق في نصابه، ولا تغل في دينك غير الحق فتكون مشابهاً لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.


ما الرد على من قال: هل كان سلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على الأنبياء وردهم عليه كان بالروح، أم بالجسد، أم بهما معاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السؤال لا ينبغي أن يصاغ على هذه الصفة، بل يقال: هل العروج بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والإسراء به إلى بيت المقدس، هل هو بروحه، أو بروحه وجسده؟ والجواب: أنه بروحه وجسده، أسري به عليه الصلاة والسلام يقظة لا مناماً بروحه وجسده؛ لأن الله تعالى قال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) ولم يقل: بروح عبده وقال الله سبحانه وتعالى في سورة النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) إلى آخر الآيات، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عرج به ببدنه يقظان وليس بنائم.
ويدل لذلك من الواقع أن قريشاً لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما رأى في تلك الليلة صاحوا عليه وكذبوه، وأنكروا ذلك غاية الإنكار، ولو كانت بروحه أو رؤيا رآها لما أنكروا هذا عليه؛ لأن العرب لا ينكرون المرائي، والإنسان يرى في منامه أنه سافر إلى أبعد مكان، وأنه فعل وفعل وفعل، مع أنه لو كان يقظان ما حصل له ذلك.
فالحاصل أن القول الراجح بل المتعين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسري به بروحه وجسده، يقظان وليس بنائم.


أسأل عن الإسراء والمعراج بمحمد صلى الله عليه وسلم، هل صعد إلى سدرة المنتهى بروحه وجسده أم روحه فقط؟ أفتونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المعراج الذي حصل للرسول صلى الله عليه وسلم كان بجسده وروحه، قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى).
وقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى).
والعبد- وكذلك الصاحب- لا يكون إلا في الروح والجسد، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسري به بجسده وروحه، وعرج به إلى السماوات حتى بلغ مستوى بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك بروحه فقط ما أنكرت قريش ذلك، إذ إن المنامات يقع منها شيء كثير من جنس هذا، ولكنه كان صلى الله عليه وسلم قد أسري به بجسده وروحه، وعرج به إلى السماوات كذلك.


السائل ع م د ومقيم بالمملكة يقول: نرجو من فضيلة الشيخ إلقاء الضوء على العبر والمواعظ من الإسراء والمعراج والمشاهد التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم التي تؤثر في القلوب الغافلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحيل السائل إلى ما كتبه أهل العلم في ذلك؛ لأن حديث المعراج حديث طويل يحتاج إلى مجالس، ولكن ليرجع إلى ما كتبه ابن كثير رحمه الله في كتاب البداية والنهاية في قصة المعراج، وما كتبه العلماء في الحديث على ذلك: كفتح الباري، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرهما من الكتب، إنما نشير إشارة موجزة لقصة المعراج: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرى به الله تعالى ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كان نائماً في الحجر فأسري به من هناك، والحجر هو الجزء المقتطع من الكعبة والمقوس عليه بالجدار المعروف، أسري به من هناك عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، وجمع له الأنبياء، وصلى بهم إماماً، ثم عرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح ففتح له، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة.
وجد في الأولى آدم، ووجد في السابعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ووصل إلى موضع لم يصله أحد من البشر، وصل إلى موضع سمع فيه صريف الأقلام التي يكتب بها القدر اليومي، إلى سدرة المنتهى، ورأى من آيات الله سبحانه وتعالى ما لو رآه أحد سواه لزاغ بصره ولخبل عقله، لكن الله سبحانه وتعالى ثبت هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حتى رأى من آيات ربه الكبرى.
وفرض الله عليه الصلوات خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وقيض الله موسى عليه الصلاة والسلام حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ماذا فرض الله عليه وعلى أمته؟ فأخبره بأن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة في كل يوم.
وليلة فقال له: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
فما زال نبينا صلوات الله وسلامه عليه يراجع الله، حتى استقرت الفريضة خمس صلوات في كل يوم وليلة بدل خمسين صلاة، لكنها بنعمة الله وفضله كانت خمس صلوات بالفعل وخمسين في الميزان، أي: إذا صلىنا خمس صلوات فكأننا صلىنا خمسين صلاة، والحمد لله رب العالمين وفي قصة فرض الصلوات في هذه الليلة التي هي أعظم ليلة في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنها خمسون صلاة، وأنها فرضت من الله إلى رسوله بدون واسطة، في هذا دليل على عناية الله تعالى بهذه الصلوات ومحبته لها، وأنها أعظم الأعمال البدنية في الإسلام، ولهذا كان تاركها كافراً مرتدّاً خارجاً عن الإسلام.
وقد اختلف الناس في ليلة المعراج والإسراء: هل هما في ليلة واحدة، أو في ليلتين؟ وهل كان الإسراء بروحه، أو بدنه وروحه؟ والصواب أنهما في ليلة واحدة، وأنه أسري بالرسول صلى الله عليه وسلم بروحه.
وبدنه ثم انقسم الناس في ليلة المعراج: في أي ليلة هي؟ وفي أي شهر هي؟ وأقرب الأقوال أنها كانت قبل الهجرة بثلاث سنوات، وأنها كانت في ربيع الأول، وليست في رجب.
ثم ابتدع الناس في هذه الليلة بدعاً لم تكن معروفة عند السلف، فصاروا يقيمون ليلة السابع والعشرين من رجب احتفالاً بهذه المناسبة، ولكن لم يصح أنها- أعني: ليلة الإسراء والمعراج- كانت في رجب، ولا أنها في ليلة سبع وعشرين منه، فهذه البدعة صارت خطأً على خطأ: خطأً من الناحية التاريخية؛ لأنها لم تصح أنها في سبع وعشرين من رجب، وخطأ من الناحية الدينية؛ لأنها بدعة، فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحتفل بها، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة، ولا أئمة المسلمين من بعدهم.


الأيمان باليوم الآخر

هذا المستمع يقول: ما هو أثر الإيمان باليوم الآخر على عقيدة المسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر).
وأثر الإيمان على قلب المؤمن وعمله كبير: فإن الإنسان إذا آمن باليوم الآخر عمل له، والعمل لليوم الآخر هو فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وإذا فقد الإيمان باليوم الآخر فلا إيمان؛ لأنه أحد أركان الإيمان، ففي فقده فقد ركن من أركان الإيمان، والإيمان لا يتبعض في أركانه، لا بد أن يؤمن الإنسان بجميع أركان الإيمان، وإلا فلا إيمان له.
فأثر الإيمان باليوم الآخر عظيمٌ جداً، ولهذا يقرنه الله تبارك وتعالى بالإيمان به في مواضع كثيرة من القرآن؛ لأن الإيمان به هو الذي يحمل الإنسان على العمل، وقد قال الله تعالى مبيناً أن جحده كفر: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ).
فأمر الله نبيه أن يقسم على البعث، وبين تبارك وتعالى أن ذلك يسيرٌ عليه فقال: (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
وقال عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).


المستمع من مصر سيد عباس يقول: ما هي العلامات الصغرى المتبقية فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه يريد علامات الساعة، وفيها ما وقع وفيها ما هو مستقبل.
ومن علامات الساعة التي وقعت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه خاتم النبيين؛ لأن كونه خاتم النبيين يؤذن بقرب انتهاء الدنيا، والأمر كذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس ذات يوم في آخر النهار وقال: (إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل ما بقي من يومكم هذا) وكانت الشمس على رؤوس النخل، أي: قريبة من الغروب.
ومنها ما أشار إليه النبي عليه الصلاة السلام حين سأله جبريل قال له: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
قال له جبريل: أخبرني عن أماراتها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
ومنها انتشار الربا، وقد وقع وانتشر الربا كثيراً بين الأمة الإسلامية.
ومنها فساد أحوال الناس، فإن كثيراً من بلاد المسلمين فيها شر كثير ومعاص معلنة، نسأل الله العافية والسلامة.
وقد صنف العلماء رحمهم الله في ذلك كتباً مستقلة أحياناً، وفي ضمن كتاب يشتمل عليها وعلى غيرها أحياناً أخرى، فنرشد السائل إلى مراجعتها.


تقول السائلة: ما صحة القول بأن أول علامات الساعة الكبرى هي طلوع الشمس من مغربها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح، طلوع الشمس من مغربها متأخر؛ لأن الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى كلها قبل طلوع الشمس من مغربها.


يقول السائل: أقرأ هذا الدعاء في كل صلاةٍ قبل السلام، وهو: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. أريد أن أعرف: من هو المسيح الدجال؟ وما هي فتنته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء الذي أنت تدعو به في صلاتك بقي عليك شيء، وهو أنك تستعيذ من أربع، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).
هذه الأربع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منها بعد التشهد وقبل السلام.
أما المسيح الدجال: فإنه رجل يخرج في آخر الزمان يَدَّعي الربوبية، ويعطيه الله تبارك وتعالى من الآيات ما يكون سبباً للفتنة؛ امتحاناً من الله تعالى واختباراً,هذا الرجل رجلٌ أعور، ولهذا سُمي المسيح لمسح إحدى عينيه، وهو معه جنةٌ ونار، فمن أطاعه أدخله الجنة، ولكنه لا يجد جنةً وإنما يجد ناراً، ومن عصاه أدخله النار التي معه، ولكنه لا يجدها ناراً وإنما يجدها ماءً عذباً طيباً، أو جنة كما ورد في بعض ألفاظ الحديث.
ويمكث في الأرض أربعين يوماً: اليوم الأول بمقدار سنة، والثاني بمقدار شهر، والثالث بمقدار أسبوع، وبقية الأيام كأيامنا، وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم الذي كسنة: هل تكفي فيه صلاة يوم واحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا اقدروا له قدره).
أي: إن هذا اليوم الأول من أيام الدجال يُصلى فيه صلاة سنةٍ كاملة؛ لأنه عن سنةٍ كاملة، واليوم الثاني يصلى فيه صلاة شهر، واليوم الثالث يُصلى فيه صلاة أسبوع، وبقية الأيام تصلى في كل يوم خمس صلوات.
ثم إن هذا الدجال مع ما يحصل من فتنته العظيمة يوفق الله سبحانه وتعالى المؤمنين فيعرفونه بعلامته، فإنه مكتوبٌ بين عينيه: كافر، كاف وفاء وراء يقرؤها كل مؤمن الكاتب وغير الكاتب، ويعمى عنها من ليس بمؤمن ولو كان قارئاً.
ثم إنه أيضاً يُؤتى إليه برجل ليفتتن به، فيقول هذا الرجل: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقطعه الدجال قطعتين ثم يمشي بينهما، ثم يقف فيدعوه، يدعو هذا الرجل المقتول المفرق قطعتين، فيقوم هذا الرجل حياً والناس ينظرون إليه، فيقول له: أتشهد أني الله؟ فيقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فيقطعه مرةً أخرى ثم يعود فيدعوه، فيقوم ويقول: أشهد أنك أنت الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فيريد أن يقتله كما قتله المرتين الأوليين، ولكنه يعجز عنه، فيأخذ به ويلقيه في النار، ولكنه كما أسلفنا النار التي معه جنةٌ وماءٌ عذب، كما جاء به الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونهاية هذا الدجال أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل من السماء؛ لأن عيسى بن مريم قد رفعه الله تعالى إلى السماء حياً لم يمت، ثم ينزل في آخر الزمان فيقتل هذا المسيح الدجال وتنتهي فتنته.


يقول السائل: قرأت في بعض الكتب عن الدجال، هل هو ابن صياد أم لا؟ فما هو الحق في ذلك؟ وكذلك في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يطوف بالبيت وفيه صفات الدجال، فلما سأل عنه قيل: هذا هو الدجال، مع أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة.
نرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن ابن صياد ليس هو الدجال الذي يبعث في آخر الزمان، وإنما هو دجال من الدجاجلة، يشبه الكهان في تخرصه وتخمينه، ولكنه ليس هو الدجال الذي يبعث يوم تقوم الساعة، فيقتله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
وأما رؤية النبي صلى عليه وسلم من قيل له: إنه هو الدجال يطوف بالبيت، فإن الممتنع إنما هو دخوله في اليقظة، فإنه لا يدخل- أعني: الدجال الذي سيبعث في آخر الزمان، لا يدخل- مكة ولا المدينة وهذا في اليقظة، والأحكام الشرعية تختلف في اليقظة وفي المنام.


يقول السائل: من هم يأجوج ومأجوج الذين ذكروا في القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يأجوج ومأجوج قبيلتان عظيمتان كبيرتان من بني آدم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح: (إنه إذا كان يوم القيامة ينادي الله سبحانه وتعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! فيقول الله تعالى: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعةٌ وتسعون.
يعني: هؤلاء كلهم في النار من بني آدم، وواحد في الجنة.
فعظم ذلك على الصحابة فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أبشروا! فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم تسعمائة وتسعةٌ وتسعون).
فهما قبيلتان عظيمتان، لكنهما من أهل الشر والفساد، والدليل على ذلك أمران: أمرٌ سابق، وأمرٌ منتظر.
فأما الأمر السابق: فما حكاه الله سبحانه وتعالى عن ذي القرنين أنه لما بلغ السدين (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94)) إلى آخر ما ذكر الله عز وجل.
والشاهد من هذا قولهم: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، وطلبوا من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبينهم سدّاً.
وأما الشر والفساد المنتظر: فهو ما جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل (أن الله سبحانه وتعالى يوحي إلى عيسى أنه أخرج عباداً لله لا يدان لأحدٍ بقتالهم، وأنهم يعيثون في الأرض فساداً، وأنهم يحصرون عيسى ومن معه في الطور).
وهذا هو الفساد المرتقب منهم، فسيخرجون في آخر الزمان من كل حدبٍ ينسلون، ويعيثون في الأرض فساداً، حتى يدعو عيسى بن مريم ربه عليهم، فيصبحون موتى كنفسٍ واحدة.
هؤلاء هم يأجوج ومأجوج، وأما ما يذكر في الإسرائيليات من أن بعضهم طويلٌ طولاً مفرطاً، وأن بعضهم قصيرٌ قصراً مفرطاً، وأن بعضهم لديه آذانٌ يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، وما أشبه ذلك: فإن كل هذا لا صحة له، بل الصحيح الذي لا شك فيه أنهم كغيرهم من بني آدم، أجسادهم وما يحسون به وما يشعرون به، فهم بشر كسائر البشر، لكنهم أهل شرٍ وفساد.


ما المقصود بيأجوج ومأجوج؟ وماذا تعرفون عنهم، كما ورد ذكرهما في القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بيأجوج ومأجوج أنهما قبيلتان من بني آدم، كما جاء في ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما ورد في بعض الكتب من أن منهم القصير جداً والصغير، ومنهم الكبير، ومنهم الذي يفترش أذناً من أذنيه ويلتحف بالأخرى، وما أشبه ذلك: فكل هذه لا أصل لها، وإنما هم من بني آدم وعلى طبيعة بني آدم، لكنهم كانوا في وقت ذي القرنين، كانوا قوماً مفسدين في الأرض، فطلب جيرانهم من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبينهم سداً، حتى يمنعهم من الوصول إليهم وإفسادهم في أرضهم، وفعل ذلك وقال: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) (الكهف:96) ففعلوا، فما استطاعوا أن يظهرو وما استطاعوا له نقباً، فكفى الله جيرانهم شرهم.
ثم إنهم في آخر الزمان، وبعد نزول عيسى عليه الصلاة والسلام يخرجون على الناس ويبعثون؛يبعثون بمعنى أنهم يخرجون وينتشرون في الأرض، ويحصرون عيسى بن مريم والمؤمنين معه في جبل الطور، ثم يلقي الله تبارك وتعالى في رقابهم دودةً تأكل رقابهم، فيصبحون فرسى- يعني: جمع فريسة، يعني: موتى- كلهم ميتة رجلٍ واحد، ويقي الله سبحانه وتعالى عيسى وأصحابه شرهم.


السائل ش م م من العراق محافظة صلاح الدين يقول: يقول الله عز وجل في سورة الكهف: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ). فمن هم يأجوج ومأجوج؟ وأين يوجدون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يأجوج ومأجوج ذكرهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في قوله: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ).
وفي قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) (الكهف:94).
وهاتان قبيلتان من بني آدم، كما ثبت به الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله يقول يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
فقال: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون.
فشق ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ يعنون: الذي ينجو من النار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا! فإنكم في أمتين- أو قال: بين أمتين- ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج).
وهذا دليل واضح على أنهما قبيلتان من بني آدم، وهو كذلك، وهم موجودون الآن، وظاهر الآية الكريمة أنهم في شرق آسيا؛ لأن الله قال: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً).
فظاهر سياق الآيات الكريمات أنهم كانوا في الشرق، ولكن هاتان الأمتان سيكون آخر الزمان لهم دور كبير في الخروج عن الناس؛ لما جاء في حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن الله تعالى يوحي إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم: يأجوج ومأجوج، فحرِّر عبادي إلى الطور).
فخروجهم الكبير المنتشر الذي يظهر به فسادهم أكثر مما هم عليه الآن سيكون في آخر الزمان، وذلك في وقت نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.


يقول السائل: كثيراً ما نسمع أن الساعة لا تقوم حتى يعم الإسلام الأرض، ونسمع من جهةٍ ثانية أنها لا تقوم ويبقى من يقول: لا إله إلا الله في الأرض، فكيف نوفق بين هذين القولين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوفيق بينهما سهل، وهو: أن كل واحدٍ منهما في زمنٍ غير زمن الآخر، فالإسلام يعم الأرض كلها، ثم بعد ذلك يندثر هذا الإسلام ويموت المؤمنون، ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.


ما مدى صحة ما يقال بأن من يموت في رمضان أو يوم الجمعة لا يعذب عذاب القبر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عذاب القبر ثابت لكل من يستحقه، سواء مات في يوم الجمعة أو في رمضان أو في أي وقت آخر، ولهذا كان المسلمون يقولون في صلاتهم، في كل صلاة من صلواتهم في التشهد الأخير: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
إلا أن من مات مجاهداً في سبيل الله فإنه لا يأتيه الملكان اللذان يسألانه عن دينه وربه ونبيه؛ لأن بارقة السيوف على رأسه أكبر امتحان له واختبار، وأكبر دليل على أنه مؤمن، وإلا لما عرض رقبته لأعداء الله.


المستمع عدنان من المملكة الأردنية الهاشمية يقول: هل الميت يبصر؟ وما مدى بصيرته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الميت لا يبصر البصر المعروف في الدنيا؛ لأنه قد فقد الإحساس بموته، لكنه يبصر ما يراه في قبره من عالم الآخرة، ويفسح له في قبره مد البصر إن كان مؤمناً، ويرى الملكين يسألانه عن ربه ودينه ونبيه.
وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فإنه لا يبصره؛ لأنه قد حجب عن أمور الدنيا بموته.


إذا توفي الإنسان هل يذهب إلى الجنة أو إلى النار بعد وفاته، أو يبقى في القبر إلى يوم القيامة؟ نرجو توضيح ذلك مع إضافة بعض المعلومات عن ذلك وشكراً لكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما جسم الميت فإنه يبقى في الأرض في المكان الذي دفن فيه إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ).
وقال تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
فهو باقٍ في الأرض.
وأما روحه فإنها تكون في الجنة أو تكون في النار، قال الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
فبين أن هذا القول يكون عند الوفاة، فمعنى ذلك أنهم يدخلون الجنة يوم وفاتهم، وهذا لا يكون إلا للروح، لا يكون للبدن.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الميت في قبره إذا كان مؤمناً يفتح له بابٌ إلى الجنة، ويأتيه من روحها ونعيمها).
وأما الكافر فإن روحه أيضاً يذهب بها إلى العذاب، قال الله تعالى عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
وفيها قراءة (وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ادخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً).
وقال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ).
فهذا دليل على أن الميت المؤمن يلقى جزاءه في الجنة من يوم موته، والكافر يلقى عذابه في النار من يوم موته، وهذا بالنسبة للروح، أما البدن فإنه يبقى في الأرض إلى يوم القيامة، وقد تتصل الروح به معذبةً أو منعمة، كما تدل على ذلك الأحاديث.


بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هل الميت يسمع السلام والكلام ويشعر بما يفعل لديه أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، والسنة فيها قد بينت بعض الأشياء: فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن الرجل إذا دفن في قبره وانصرف الناس عنه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان) فامتحناه.
فأثبت النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسمع قرع النعال، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه (ما من رجلٍ مسلم يمر بقبر رجلٍ مسلم فيسلم عليه وهو يعرفه في الدنيا إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام).
وهذا الحديث صححه ابن عبد البر، وذكره ابن القيم في كتاب الروح ولم يعقب عليه.
وربما يؤيد هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى المقابر قال: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين).
فإنه قد يشعر بأنهم يسمعون ذلك ويردون، من أجل أنه وجه هذا الدعاء إليهم بالخطاب.
وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا يسمع غيره ولو سمعه، يعني: أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره، كما لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره معتقداً أن في ذلك مزية بدعةٌ من البدع، ودعاؤك إياه شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة.
فإن قال قائل: إن بعض الذين يدعون الأموات قد ينتفعون بدعائهم؟ فالجواب على ذلك: أن هذا الانتفاع لم يكن بدعائهم الميت، لكن كان عند دعائهم الميت، وفرق بين حصول الانتفاع بدعاء الميت وحصول الانتفاع عند دعاء الميت؛ لأنك إذا قلت: حصل الانتفاع بدعاء الميت كان دعاء الميت هو السبب في ذلك الانتفاع، وإذا قلت: عنده لم يكن هو السبب ولكن كان قريباً منه في الوقت.
فنحن نقول: إن الله قد يبتلي الإنسان الذي يدعو أصحاب القبور بحصول ما يدعو به عند دعائه امتحاناً له واختباراً له، وإلا فنحن نعلم أن كل من دعا غير الله فإنه من أضل الناس، بل قد قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).
ولا عجب أن يبتلي الله الإنسان بمثل هذه البلوى، فهاهم أصحاب السبت، قومٌ من بني إسرائيل من اليهود كانوا في قريةٍ على شاطئ البحر، وكان عمل صيد الحوت محرماً عليهم يوم السبت، فابتلاهم الله عز وجل، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شرعاً على سطح الماء كثيرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي الحيتان، فطال عليهم الأمد وقالوا: كيف نحرم من هذه الحيتان؟ وما الحيلة في الحصول عليها؟ فزين لهم الشيطان حيلةً بأن يضعوا شبكاً يوم الجمعة في الماء، فإذا أتت الحيتان يوم السبت وقعت في هذا الشبك ولم تستطع الخروج منه، فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها، تحيلوا على محارم الله بأدنى الحيل، فماذا كانت النتيجة؟ قال الله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فقلب الله هؤلاء القوم قردةً خاسئة ذليلة.
والمهم من سياق هذه القصة أن الإنسان قد يبتلى بما يكون فتنةً له في دينه إن اتبعه، فهؤلاء الذين يدعون الأموات ربما يفتنون فيحصل لهم المطلوب عند دعائهم الأموات فتنةً لهم، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أن الأموات لا ينفعون أحداً مهما كان الأمر، لو دعاهم بالليل والنهار ما نفعوه، كيف وهم أمواتٌ جثث هامدة؟ ولكن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.


مستمعة من العراق محافظة التأمين أشواق إلياس سليمان تقول: لقد ذكر الله جل شأنه في كتابه العزيز أن أصحاب الكهف ناموا أكثر من ثلاثمائة سنة، وأن العزير أماته الله سبحانه وتعالى مائة، ثم بعثهم وبعثه، وقد علمنا من شأنهم بقية القصة.
السؤال: هل الموتى لا يحسون بمدة موتهم إلى أن يحييهم الله يوم القيامة؟ وضحوا لنا ذلك جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً هي ذكرت قصتين قصة أصحاب الكهف، وقصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان عزيراً، فهو رجلٌ حصلت له هذه القصة.
والعبرة لما في القصة من آيات الله عز وجل: أما أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا ولكنهم ناموا، ألقى الله عليهم النوم هذه المدة الطويلة التي قال الله عنها: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً).
ولما استيقظوا تساءلوا: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)؛ لأن النائم- كما هو مشاهد ومحسوس- لا يحس بالوقت، قد ينام الإنسان يوماً أو يومين وكأنه لم ينم إلا ساعة أو ساعتين، وهذا شيء مشاهد، والظاهر أن الموتى كالنُّوَّم، وهي التي صارت فيها القصة الثانية: فإن هذا الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فاستبعد أو استفهم: كيف يحيي الله الأرض هذه القرية بعد موتها؟ فأراه الله عز وجل هذه الآية العظيمة، أماته الله مائة سنة ثم بعثه من موته، وسأله: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ).
ثم أمره عز وجل أن ينظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير، مع أنه بقي مائة سنة، فلم ييبس من شمس ولا رياح، والطعام لم ينتن، بل هو باق كما، كان أما الحمار فإنه قد مات وذهب جلده ولحمه ولم يبق إلا عظامه، فقال الله تعالى: (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً).
فشاهد العظام ينشز الله بعضها ببعض بواسطة العصب، فلما تكاملت كساها الله لحماً فكان حماراً كاملاً، وهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته، وأنه على كل شيء قدير.
والخلاصة أن في هاتين القصتين من آيات الله العظيمة ما هو ظاهر للمعتبر، وأن الجواب على سؤال السائلة- وهو: أن الميت لا يدري عن المدة التي تمر عليه-: أن الظاهر أن الميت كالنائم، ينطوي عليه الوقت ولا يدري عن سرعته.


جارٍ التحميل