أبو بكر حميد من مدينة جدة يقول ما معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تتقدموا رمضان بيومٍ أو يومين إلا إذا كان الرجل يصوم يوم صدقة فليصم ذلك اليوم)
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا اللفظ الذي ذكره السائل ليس هو لفظ الحديث لكنه بمعناه فقد (نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتقدم الإنسان رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا من كان له صومٌ يعتاده فليصمه) وذلك أن تقدم صوم رمضان بيومٍ أو يومين فيه نوعٌ من التنطع والتشدد أن يقوم أحدٌ بتقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين احتياطاً منه على ما يزعم فيكون في هذا تنطعٌ في دين الله وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون) ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن كان له صومٌ اعتاده أن يصومه ولو صادف قبل رمضان بيومٍ أو يومين فمثلاً إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوم الاثنين وكان يوم الاثنين هو التاسع والعشرين من شعبان فإنه يصومه ولا إثم عليه لأنه لم يصم هذا اليوم احتياطاً لرمضان وإنما صامه لأن هذا من عادته وكذلك إذا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر ولكنه لم يصمها في شعبان ولم يتيسر له صومها إلا في آخر شعبان فصامها في اليوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين فإنه لا شيء عليه لأن ذلك صومٌ كان يصومه وكذلك لو كان عليه قضاءٌ من رمضان وقد بقي عليه يومٌ أو يومان فصامهما في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شعبان فإنه لا يضره والمهم أن الحكمة من النهي لئلا يتنطع المتنطع فيقول أصوم قبل رمضان بيومٍ أو يومين احتياطاً
كيف الجمع بين حديث (لا تزال طائفة من أمتي... ) الخ وحديث (إن شرار الخلق الذين تقوم الساعة عليهم) مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أقول إنه لا يمكن أن يتعارض القرآن بعضه مع بعض ولا السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعضها مع بعض ولا القرآن مع السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولا القرآن والسنة مع الواقع ولا القرآن والسنة مع صريح المعقول وذلك لأن القرآن كلام الله وقد قال الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا) ولأن كلام الله سبحانه وتعالى حق والحق لا يتناقض وكذلك السنة النبوية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق والحق لا يناقض بعضه بعضا وبناءً على هذه القاعدة ننتقل إلى الجواب عن السؤال وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وفي رواية (حتى تقوم الساعة) وقوله (إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق) فيحمل الحديث الأول على أن المراد بالساعة قرب الساعة والمراد بأمر الله أمر الله الذي يكون به موت المؤمنين وأولياء الله المتقين فإذا مات المؤمنون المتقون لم يبقَ إلا أشرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.
ما معنى هذا الحديث الذي ما معناه (إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هل معنى ذلك الجلوس في المسجد حتى يحين موعد الصلاة التي بعدها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إسباغ الوضوء على المكاره معناه أن الإنسان يتمم وضوءه على الوجه الأكمل في الأيام الباردة وكذلك ينتظر الصلاة بعد الصلاة سواء في المسجد أو بعد المسجد وإنما المعنى أن يكون قلبه معلقاً بالصلاة إذا أدى صلاةً ينتظر الصلاة الأخرى فيكون دائماً معلقاً قلبه في الصلاة وليس معنى الجملة الأولى إسباغ الوضوء على المكاره أن الإنسان يتقصد الماء البارد مع وجود الماء الساخن فإن هذا ليس من السنة بل إذا يسر الله لك ما فيه راحةٌ لك فهو أفضل وأكمل وأقرب إلى كمال الطهارة لكن إذا قدر أنك في بر أو في بلدٍ ليس فيها سخانات ولا يمكن تسخين الماء ثم توضأت على الكره لشدة البرد فإن هذا هو الذي يراد بهذا الحديث الذي ذكره أو ذكرته السائلة.
من اليمن خ. ع. د. شبوة يقول فضيلة الشيخ ما هو تفسير حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من سن سنةً في الإسلام حسنة فله أجرها... الحديث) يقول أرجو بذلك إفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: (من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) هذا لفظ الحديث وسببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث يوماً على الصدقة فجاء رجلٌ من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال (من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) وهذه السنة سنة العمل والتنفيذ وليست سنة التشريع فإن سنة التشريع إلى الله ورسوله فقط ولا يحل لأحدٍ أن يشرع في دين الله ما ليس منه أو يسن في دين الله ما ليس منه لأن ذلك بدعة وقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من البدع وقال (كل بدعةٍ ضلالة) لكن من سبق إلى عمل لم يسبقه إليه أحد أو أحيا سنةً أميتت كان قد سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وكذلك أيضاً من سن سنةً تكون وسيلة إلى أمرٍ مشروع ولم يكن سبقه إليها أحد فإنه يكون داخلاً في الحديث أنه سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة كما لو ابتكر طريقةً يسهل بها الحصول على الآيات أو يسهل بها الحصول على الأحاديث أو ما أشبه ذلك فإنه في هذه الحال يكون قد سن سنةً حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فإذا السنة في الإسلام تنقسم ثلاثة أقسام سنة تشريع وسنة عمل أو سنة سبق إلى عمل وسنة وسيلة فأما سنة التشريع فإنه لا يحل لأحدٍ أن يشرع ما لم يشرعه الله ورسوله وسنته هذه تعتبر بدعة وضلالة مردودةٌ عليه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (عليكم بسنتي وإياكم ومحدثات الأمور) (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) جاءت هذه الكلمات في أحاديث متعددة أما سنة السبق فمثله الحديث الذي ذكرناه آنفاً أن يحث أحد على عمل خير فيتقدم إنسان فيكون أول من بادر به فيتابعه الناس في ذلك فيكون قد سن سنة حسنة وأما سنة الوسيلة فكالذي ذكرناه أيضاً يبتكر الإنسان شيئاً يكون به الوصول إلى أمرٍ مشروع ولم يكن قد سبقه إلى هذا أحد فيكون قد سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
عبد الكريم يوسف سوداني يعمل باليمن يقول فضيلة الشيخ صعد رسول صلى الله عليه وسلم المنبر ذات يوم فقال (آمين) ثلاث مرات فسأله الصحابة رضي الله عنهم عن سبب تأمينه فما هو الحديث وما معناه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال آمين آمين آمين فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تأمينه فقال أتاني جبريل فقال رغم أنف أمرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له فقل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت آمين فقلت آمين) والمعنى ظاهر
فالجملة الأولى في رجل ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصل عليه وهذا الحديث يدل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر عند الإنسان فإن لم يفعل فإنه يستحق أن يدعى عليه بهذا الدعاء رغم أنفه ومعنى رغم أنفه أي سقط في الرغام والتراب وهذا كناية عن ذله وإهانته.
الثاني أدرك رمضان فلم يغفر له وذلك بأن يهمل صيام رمضان وقيام رمضان فإن من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفرله ما تقدم من ذنبه فإذا أهمل وأضاع فإنه لن يحصل على هذا الثواب العظيم ويكون قد رغم أنفه.
والثالث رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة أو لم يقم ببرهما الذي يكون سببا لدخول الجنة فهذا أيضاً ممن دعا عليه جبريل وأمن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرغم أنفه أي يصاب بالذل.
س. ص. مقيم بالطائف يقول ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (وإذا خاصم فجر).
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا خاصم فجر) يعني إذا خاصم غيره وحاكمه إلى القاضي في خصومة مالية أو حقوقية فإنه يفجر أي يكذب ويدعي ما ليس له أو ينكر ما كان عليه فالفجور هنا بمعنى الكذب والغدر وما أشبه ذلك.
نوره أ. ت. من الرياض تقول في الحديث الذي ما معناه (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) أريد الشرح لهذا الحديث وهل الكبر معناه التكبر على الناس فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب معنى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر (أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) وهذا النفي لدخول الجنة على نوعين فإن كان هذا الكبر مقتضياً لكفره وخروجه عن الإسلام كما لو تكبر عن شريعة الله وردها أو رد بعضها فإن هذا النفي نفي للدخول بالكلية لأن الكافر لا يدخل الجنة أبداً ومأواه النار خالداً فيها مخلداً أما إذا كان الكبر تكبراً على الخلق وعدم الخضوع على ما يجب عليه نحوهم بدون رد لشريعة الله ولكن طغياناً وإثماً فإن نفي الدخول هنا نفي للدخول الكامل أي أنه لا يدخل الجنة دخول كاملاً حتى يعاقب على ما أضاع من حقوق الناس ويحاسب عليه لأن حقوق الناس لا بد أن تستوفى كاملة وبهذا يتبين الجواب عن الفقرة التالية في سؤالها وهو أن الكبر ليس هو احتقار الناس فقط بل الكبر كما فسره النبي عليه الصلاة والسلام (بطر الحق) أي رده وعدم الاكتراث به (وغمط الناس) أي احتقارهم وازدراؤهم.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (هن لهن ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنّ) ما معنى هذا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقت المواقيت وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد قرن المنازل وقال هنّ لهنّ أي هذه المواقيت لأهل هذه البلاد ولمن مر عليهنّ أي على هذه المواقيت من غير أهلهنّ) فأهل المدينة يحرمون من ذي الحليفة إذا أرادوا الحج أو العمرة وإذا مر أحدهم من أهل نجد عن طريق المدينة أحرم من ذي الحليفة لأنه مر بالميقات وكذلك إذا مر أحد من أهل الشام عن طريق المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة لأنه مر بها وكذلك لو أن أحداً من أهل المدينة جاء من قبل نجد ومر بقرن المنازل فإنه يحرم منه هذا معنى قوله (ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنّ) ومن تأمل هذه المواقيت تبين له فيها فائدتان
الفائدة الأولى رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده حيث جعل لكل ناحية ميقاتاً عن طريقهم حتى لا يصعب عليهم أن يجتمع الناس من كل ناحية في ميقات واحد.
والفائدة الثانية أن تعيين هذه المواقيت من قبل أن تفتح هذه البلاد فيه آية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث إن ذلك يستلزم أن هذه البلاد ستفتح وأنها سيقدم منها قوم يؤمون هذا البيت للحج والعمرة ولهذا قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية المشهورة:
وتوقيتها من معجزات نبينا بتعيينها من قبل فتح معدد
فصلوات الله وسلامه عليه.
ما حكم من وقف من الحجاج في اليوم الثامن أو العاشر خطأ هل يجزئهم وما معنى (الحج عرفة) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لو وقف الحجاج في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر خطأ فإن ذلك يجزئهم لأن الله تعالى قال (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا) وقد قال الله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) فمعناه أنه لا بد في الحج من الوقوف بعرفة فمن لم يقف بعرفة فقد فاته الحج وليس معناه أن من وقف بعرفة لم يبق عليه شيء من أعمال الحج بالإجماع فإن الإنسان إذا وقف بعرفة بقي عليه من أعمال الحج المبيت بمزدلفة وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والمبيت في منى ولكن المعنى أن الوقوف بعرفة لا بد منه في الحج وأن من لم يقف بعرفة فلا حج له ولهذا قال أهل العلم من فاته الوقوف فاته الحج.
في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه علامات يوم القيامة (وأن تلد الأمة ربتها) من هي الأمة وكيف تلد ربتها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من أمارات الساعة وهو وارد في حديث جبريل حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن الساعة فقال له حين سأله عن الساعة قال له النبي صلى الله عليه وسلم (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها) والمراد بالأمة المملوكة والمراد بربتها مالكتها والمعنى أن الإماء قد يكن قد ولدن إناثاً وتكون هذه الأنثى بعد ذلك ربة أي مالكة فيكون الضمير في قوله ربتها عائداًَ إلى الأمة باعتبار الجنس وليس باعتبار الشخص يعني أن تلد جنس الإماء من يكون في المستقبل مالكاً للإماء وليس المعنى أن هذه الأمة التي ولدت هذه الأنثى تكون هي بعينها مملوكة لها بل المراد ما ذكرت فالضمير عائد إلى الأمة باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص وهذا يقع كثيراً.
ما معنى (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن الإنسان إذا حج واجتنب ما حرم الله عليه من الرفث وإتيان النساء والفسوق وهو مخالفة الطاعة بأن يترك ما أوجب الله عليه أو يفعل ما حرم الله عليه هذا هو الفسوق فإذا حج الإنسان ولم يرفث ولم يفسق فإنه يخرج من ذلك نقياً من الذنوب كما أن الإنسان إذا خرج من بطنه أمه فإنه لا ذنب عليه فكذلك هذا الرجل إذا حج بهذا الشرط فإنه يكون نقياً من ذنوبه.
عن عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي صلى وسلم (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فأنفروا) متفق عليه أريد شرحاً إجمالياً لهذا الحديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن فتح مكة وكانت مكة قبل الفتح بلد شرك يهاجر منها المسلمون إلى المدينة إلى الله ورسوله فلما فتحت مكة لم تكن الهجرة منها مشروعة لأنها صارت بلاد إسلام فسقطت الهجرة من مكة إلى غيرها وأما الهجرة من بلاد الشرك فإنها باقية إلى يوم القيامة فالنفي هنا عائد على الهجرة من مكة فقط وقوله عليه الصلاة والسلام (ولكن جهاد ونية) معناه أن الذي بقي بعد فتح مكة على أهل مكة الجهاد إن أمكنهم ذلك أو نية الجهاد إن لم يمكنهم الجهاد أو يقال (ولكن جهاد ونية) أي جهاد في سبيل الله ونية خالصة بحيث يقصد الإنسان بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا وأما قوله (إذا استنفرتم فانفروا) فالمعنى أنه إذا استنفركم ولي الأمر للجهاد في سبيل الله وجب عليكم أن تنفروا لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ف هـ أجمهورية اليمن الديمقراطية يقول قرأت حديثاً عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأريد شرحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في هذا الحديث يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن نستوصي بالنساء خيراً وذلك بالرفق بهنّ ومراعاة أحوالهنّ ويبين صلى الله عليه وسلم أنهنّ خلقنّ من ضِلَعَ وذلك بخلق حواء فإنها خلقت من ضلع آدم وحواء هي أم النساء وأم الرجال أيضاً فهي أم بني آدم فالمرأة خلقت من هذا الضلع ويبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن أعوج شيء في الضلع أعلاه وأنك إذا ذهبت تقيمه يعني تعدله حتى يستقيم كسرته وإن استمتعت به استمتعت به على عوج والمرأة كذلك إن استمتعت بها استمتعت بها على عوج وعلى نقص وتقصير وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها وعلى هذا فالذي ينبغي للإنسان أن يراعي حال المرأة وأن يعاملها بما تقتضيه طبيعتها فإن الرجل أعقل من المرأة وأرشد تصرفاً فإن عاملها بالشدة لم يعش معها وإن عاملها باللين والحكمة عاش معها وإن كان ذلك لا يتم به الاستمتاع لهذا الرجل.
ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى (لا ضرر ولا ضرار) أنه لا يجوز إبقاء الضرر وأن الضرر منتفٍ شرعاً فكل شيء فيه ضرر فإنه يجب إزالته لأن الضرر مدفوع شرعاً وعقلاً ولا يمكن للعاقل أن يقره ولا للشريعة الإسلامية أن تقره وأما الضرار فهو من المضارة أي ولا يحل لأحد أن يضار أخاه حتى وإن كان فيما لا ضرر فيه ما دام يقصد أن يضر أخاه فمن ضار ضار الله به فهذا الحديث يدل على أن الضرر منتفٍ شرعاً سواءٌ حصل بقصد أو بغير قصد فإن حصل بقصد فهو مضارة وإن حصل بغير قصد فهو ضرر فالإنسان أحياناً يفعل الشيء لا يريد الضرر ولكنه يحصل به الضرر فإنه في هذه الحال يجب إزالته وأحياناً يفعل ما فيه الضرر قاصداً ذلك وحينئذٍ يكون مضاراً ولهذا أمثلة كثيرة لو أن رجلاً فتح نافذةً في جداره بقصد إضاءة المحل وإدخال الهواء عليه ثم تبين أن هذه النافذة تضر الجار بالإطلاع عليه وعلى ما في بيته فإنه يجب رفع هذا الضرر بأن تزال النافذة أو ترفع حتى لا ينكشف الجار بها وهذا ضرر وليس بمضارة لأن الذي فتح النافذة لا يقصد ضرر جاره ولكن حصل الضرر بغير قصد ومع ذلك يجب إزالة هذا الضرر وأما المضارة فرجل صار يستعمل أشياء مزعجة في بيته بقصد الإضرار على الجيران ليس له في ذلك منفعة ولكنه يريد الإضرار على الجيران فيجب على هذا الإنسان أن يدع ما فيه الضرر على جيرانه ويكون آثماً بقصد الإضرار.
ما معنى حديث (لا وتران في ليلة) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أنه لا يشرع للإنسان أن يوتر مرتين في الليلة الواحدة لأن الوتر إنما يقصد به ختم الصلاة بالوتر وإذا ختمت بوتر فلا وجه للإيتار مرة ثانية
لماذا خص الله سبحانه وتعالى الصيام بقوله (الصوم لي وأنا أجزي به) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث حديث قدسي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال الله فيه (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) وخصه الله تعالى بنفسه لأن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله فإن العبادات نوعان نوع يكون ظاهراً لكونه قولياً أو فعلياً ونوع يكون خفياً لكونه تركاً فإن الترك لا يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل فهذا الصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله عز وجل في مكان لا يطلع عليه إلا ربه فاختص الله تعالى الصيام لنفسه لظهور الإخلاص التام فيه بما أشرنا إليه وقد اختلف العلماء في معنى هذه الإضافة فقال بعضهم إن معناها تشريف الصوم وبيان فضله وأنه ليس فيه مقاصة أي أن الإنسان إذا كان قد ظلم أحداً فإن هذا المظلوم يأخذ من حسناته يوم القيامة إلا الصوم فإن الله تعالى قد اختص به لنفسه فيتحمل الله عنه أي عن الظالم ما بقي من مظلمته ويبقى ثواب الصوم خالصاً له.
سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما معناه أنه صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها ووجدها قد وضعت ستراً على الجدار وهو ما يسمى بالستائر في عصرنا الحالي فقال لها (نحن قوم لم نؤمر بتغطية الحوائط أو الجدران) هل يفهم من هذا الحديث الشريف أنه يجب أن تكون مثل هذه الستائر على قدر فتحة النافذة أم يجوز أن تكون بعرض الحائط الذي توجد به النافذة أي أن تكون على جانبي النافذة أفيدونا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث الذي أشار إليه السائل في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذا الستر على الباب فظهر ذلك في وجهه ثم قال صلى الله عليه وسلم (إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ثم هتكه) أي قطعه ففي هذا الحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن تصل به الحال إلى أن يكسو جدران بيته بهذه الأكسية التي كرهها النبي صلى الله عليه وسلم وبان ذلك في وجهه وأخبر بأن الله لم يأمرنا بذلك وأما الستائر التي توضع الآن فإن كانت لغرض صحيح سوى الستر كما لو أراد الإنسان بها أن يستر وجه النافذة عن الشمس أو نحو ذلك فإن هذا لا بأس به لأنه ليس كسوة للحجارة والطين ولكنه للتوقي من أذى يترقبه أو لمصلحة يرجوها بهذه الكسوة فأما مجرد الزينة أي مجرد تزيين الجدار بهذه الكسوة فإن هذا داخل في الحديث ولا ينبغي أن نفعله.
صلاح سليمان يسأل ما معنى الحديث الذي روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم.. الخ الحديث) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من الظلم وهو العدوان على أحد سواء كان ذلك على حق الله عز وجل أو على حق عباده فالعدوان على حق الله كالشرك قال الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وكذلك ما عداه من المعاصي الكبائر فما دونها هو ظلم بحسبه وأما العدوان على حق الخلق فكثير كالعدوان على المسلم في عرضه أو ماله أو دمه فالظلم ظلمات يوم القيامة فيوم القيامة ليس فيه نور إلا للمؤمنين يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم وكذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشح والشح هو البخل مع الطمع فيكون الإنسان بخيلاً في بذل ما يجب عليه طامعاً فيما ليس له وهذا سبب للهلاك إذ أن الإنسان إذا كان بخيلاً منع ما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وإذا كان ذا طمع وحرص على اكتساب المال تعدى على غيره فأخذ أموالهم بغير حق.
صابر عبيد من السودان يقول ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شيءت) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن هذا الكلام إذا لم تستحِ فاصنع ما شيءت كان من الآثار السابقة الموروثة عن الأنبياء السابقين ومعنى قوله (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) وجهان أي أن له معنيين أحدهما أنك لا تصنع شيئاً إلا إذا كان هذا الشيء لا يوقعك فيما يُستحيا منه سواءٌ كان من قبل الشرع أو من قبل العادة يعني أنك إذا أردت أن تفعل فعلاً فانظر هل هذا الفعل مما يُستحيا منه شرعاً أو عادة فلا تفعله أو مما لا يُستحيا منه شرعاً أو عادة فافعله هذا معنى المعنى الثاني أن الرجل الذي لا حياء عنده يصنع ما شاء ولا يبالي فتجد الإنسان الذي ليس عنده حياء يصنع ما يلومه الناس عليه ولا يبالي بلوم الناس لأنه لا حياء عنده وكلا المعنيين صحيح فالإنسان الذي لا حياء عنده تجده يفعل كل شيء ولا يهتم بلوم الناس ولا بانتقادهم لأنه لا حياء عنده أو المعنى الثاني الذي يحتمله الحديث أن الإنسان الحييّ هو الذي لا يصنع شيئاً إلا إذا علم أنه لا يُستحيا منه.
من العراق بغداد محمود أحمد يقول (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الرجل للثوب المزعفر) فما هو الثوب المزعفر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الثوب المزعفر هو الثوب الذي صبغ بالزعفران والزعفران هو نباتٌ طيب بل هو من الطيب معروف ولونه أحمر ولهذا ينهى الرجل عن لبس الثوب الأحمر الخالص الذي ليس فيه لونٌ آخر إما نهي كراهة وإما نهي تحريم وأما إذا كان مع اللون الأحمر لونٌ آخر كما لو كان مخططاً فيه خطوطٌ حمر وخطوطٌ بيض مثلاً أو خطوطٌ حمر وخطوطٌ سود فإن هذا لا بأس به.
عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال (إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض) أريد شرحاً لهذا الحديث.
فأجاب رحمه الله تعالى: شرح هذا الحديث هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام بين لأصحابه فيه أن في المدينة أقواماً يشاركون هؤلاء المجاهدين في سبيل الله في الأجر في أصل النية فهم في المدينة لكن لا يسير هؤلاء المجاهدون مسيراً ولا يقطعون وادياً والوادي مجرى السيول إلا وهم معكم أي بنيتهم وذلك لأنهم تأخروا عن الجهاد لعذر وكل من تأخر عن العبادة بعذر فلا يخلو من حالين إحداهما أن يكون من عادته أن يعملها ثم يطرأ عليه ما يحول بينه وبينها فهذا له أجرُ فعلها كاملة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) والحال الثانية ألا يكون من عادته أن يعملها ولكن يتمناها ويود أن يكون قادراً عليها فهذا يكتب له أجر النية فقط لا أجر العمل كاملاً ودليل ذلك (أن فقراء المهاجرين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ذهب أهل الدثور بالنعيم المقيم والدرجات العلا وبين أنهم كانوا ينفقون ويحجون وأن الفقراء لا يحصل لهم ذلك فأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم إذا سبحوا الله وحمدوا وكبروا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين فإنهم يأتون بعمل يدركون بهم من سبقهم ولا يلحقهم من بعدهم فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا هذا العمل فرجعَ الفقراء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا سمع إخواننا بما صنعنا فصنعوا مثله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فهؤلاء الفقراء كانوا يتمنون أن يكون لديهم مال يعتقون به ويحجون به ومع هذا لم يحصل على أجر الأغنياء الذين كانوا يفعلون ذلك ولكن لهم أجر النية حيث كانوا حريصين على العمل عاجزين عنه.
ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة زاد في رواية لا يقطعها....الحديث) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث يشير فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمثلة من النعيم في جنة النعيم ذلك أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وهذا دليل على طول هذه الشجرة وأن في الجنة أشجاراً عظيمة لا يدركها العقل وهذا من مضمون قوله تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقوله تعالى في الحديث القدسي (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وكل ما يذكر في الجنة من الفاكهة واللحم والماء والعسل واللبن والخمر والأزواج وغير ذلك كله لا يشابه أو لا يماثل ما في هذه الدنيا وإنما يوافقه في الأسماء فقط كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الجنة شيء في الدنيا إلا الأسماء وأما المسميات وحقائق هذه المسميات فإنه أمر لا يمكن أن يدرك في الدنيا وكل ما خطر على قلبك من نعيم فإن نعيم الجنة أعظم وأجل وأكمل ويكفي في ذلك قوله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
ما معنى الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن الدنيا مهما عظم نعيمها وطابت أيامها وزهت مساكنها فإنها للمؤمن بمنزلة السجن لأن المؤمن يتطلع إلى نعيم أفضل وأكمل وأعلى وأما بالنسبة للكافر فإنها جنته لأنه ينعم فيها وينسى الآخرة ويكون كما قال الله تعالى فيهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) والكافر إذا مات لم يجد أمامه إلا النار والعياذ بالله فكانت له النار ولهذا كانت الدنيا على ما فيها من التنغيص والكدر والهموم والغموم كانت بالنسبة للكافر جنة لأنه ينتقل منها إلى عذاب إلى عذاب النار والعياذ بالله فالدنيا بالنسبة له بمنزلة الجنة ويذكر عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله صاحب فتح الباري وكان هو قاضي قضاة مصر في وقته كان يمر بالسوق على العربة في موكب فاستوقفه ذات يوم رجل من اليهود وقال له إن نبيكم يقول (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وكيف ذلك وأنت في هذا الترف والاحتفاء وهو يعني نفسه اليهودي في غاية ما يكون من الفقر والذل فكيف ذلك فقال له ابن حجر رحمه الله أنا وإن كنت كما ترى من الاحتفاء والخدم فهو بالنسبة لي بما يحصل للمؤمن من نعيم الجنة كالسجن وأنت بما أنت فيه من هذا الفقر والذل بالنسبة لما يلقاه الكافر في النار بمنزلة الجنة فأعجب اليهودي هذا الكلام وشهد شهادة الحق قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وردتنا من بريد المزاحمية من المقدم عبد الله بن إبراهيم بن زياد يقول في رسالته الرجاء من فضيلة الشيخ أن يجيبني على هذا السؤال: قال رسول صلى الله عليه وسلم (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا) الرجاء من فضيلة الشيخ بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم (لتأطرنه على الحق أطرا) وتكملة الحديث ومدى صحته إن أمكن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأكده لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتأمرن) وهذه الجملة جواب لقسم مقدر تقديره والله لتأمرن وهو خبر بمعنى الأمر والإلزام، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وفي سندهما مقال لأنه اعُل بالإرسال والانقطاع وتكملة الحديث هي (أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يمر بالرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا) ومعنى (لتأطرنه على الحق أطرا) أي تقهرنّه أي تقهرونه وتلزمونه بالحق حتى يستقيم وذلك لأنه إذا لم يستقم فإنه يكون الهلاك له ولمن سكت على منكره.
فضيلة الشيخ: في الحقيقة قلتم في إثناء الإجابة أن هذا الحديث فيه علة الإرسال والانقطاع وهذه من خصوصيات المحدثين لكن المرسل يريد أن يقف على علة الإرسال والانقطاع ما معناهما؟
فأجاب رحمه الله تعالى: علة الإرسال معناها أن يكون الحديث من مرفوعات التابعين الذين لم يسمعوا من النبي عليه الصلاة والسلام يعني أن سند الحديث إذا كان آخره التابعي ولم يذكر صحابيهُ يسمون هذا مرسلاً، وهو من قسم الضعيف لأن التابعي ما أدرك النبي عليه الصلاة والسلام فيكون الحديث منقطعاً، وأما من أعله بالانقطاع فقد روي مرفوعاً عن ابن مسعود رضي الله عنه من حديث أبي عبيدة ابنه وقد قيل:إنه لم يسمع منه، وقال بعض المحدثين: إنه سمع منه فهذه علة الانقطاع وعلى كل حال الإرسال والانقطاع كلاهما من أسباب ضعف الحديث.
ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أرى رؤياكم قد تواطأت) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (خير الرؤيا الرؤيا الصالحة) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أدري ماذا يريد السائل بسؤاله هذا هل يريد أن الرؤيا تثبت بها الأحكام الشرعية أم لا والجواب على ذلك أن الرؤيا الصالحة التي تصدق وتقع هذه تكون جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأما إثبات الأحكام الشرعية بالرؤيا فإن أقرها الشرع ولا يكون ذلك إلا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ثبت الشرع بها لكن بإقرار الشارع لها ذلك كإقرار النبي صلى الله عليه وسلم الآذان الذي رآه عبد الله بن زيد وكذلك هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حيث قال عليه الصلاة والسلام (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) قال العلماء وتثبت الأحكام الفقهية إذا دلت القرائن عليها ولكنه لا يتغير بها شيءياً من أحكام الشرع وإنما تنفذ حسب ما تقتضيه الشريعة وضربوا لذلك مثلاً برؤيا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه حين رئي في المنام بعد استشهاده في اليمامة وذكر رضي الله عنه ما جرى بعد استشهاده وأوصى بوصية فلما بلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه نفذ وصيته لأنه ذكر أشياء قد ثبتت بالفعل حسب ما ذكرها فكان ذلك قرينة على صدق هذه الرؤيا فنفذ وصيته رضي الله عنه بعد وفاته والمهم أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمرائي أبداًَ إلا إذا أقرها الشرع وذلك لا يكون إلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقط أما بعده فإن الرؤيا مهما كانت لا يمكن أن يتغير بها حكم شرعي أبداً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر) يقول هل أتى هذا الزمان وهل هو زماننا هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الأمر يختلف باختلاف الناس والأماكن ففي بعض الأماكن يكون الإنسان مضطهداً في دينه مضيقاً عليه حتى يكون كالقابض على الجمر وفي هذه الحال يجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يأتي فيه بدينه على حرية وطمأنينة لأن أهل العلم يقولون إذا لم يتمكن الإنسان من إظهار دينه في بلاد الكفر فإنه يجب عليه أن يهاجر ليقيم دينه وفي بعض البلاد في عهدنا هذا يجد الإنسان حرية كاملة في القيام بشعائر دينه وإظهارها وإعلانها وحينئذ لا يمكن أن نقول إن هذا العهد الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم موجود الآن لأننا نجد ولله الحمد في بعض البلاد الإسلامية ما يتمكن الإنسان معه من إقامة دينه على الوجه الذي يرضي الله ورسوله
ما معنى هذا الحديث وما صحته (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناه إن الإسلام أول ما ظهر كان غريباً أن يعتنقه إلا الواحد أو الاثنان أو الثلاثة أو ما أشبه ذلك فهو كالغريب في بلد غير بلده ثم تطور الإسلام وانتشر في أقطار الدنيا وصارت الغلبة للمسلمين حين كانوا متمسكين به تمسكاً يرضاه الله عز وجل ثم حصلت الفتن بين المسلمين فتأخر المسلمون تأخراً كثيراً وانحصر الإسلام وارتد كثير من البلدان التي كانت تعتنق الإسلام من قبل وسلط عليها الأعداء وسيتقلص الإسلام حتى يعود غريباً ويكون الإسلام الصحيح الذي على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غريباً بين الناس لقلة من يطبق الإسلام على الوجه الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
من المنطقة الشرقية عبد الوهاب خالد يقول ما معنى الحديث الشريف (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) يأرز بكسر الراء ويجوز فيه الفتح والضم فأي حركة تقولها في الراء فإنك لست مخطئاً فيها ومعنى يأرز أي يرجع ويثبت في المدينة كما أن الحية إذا خرجت من جحرها رجعت إليه وهذا إشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الدين سوف يرجع إلى المدينة بعد أن تفسد البلدان الأخرى كما أن الحية تخرج وتنتشر في الأرض ثم بعد ذلك ترجع إلى جحرها وفيه أيضاً إشارة إلى أن الإسلام كما انطلق من المدينة فإنه يرجع إليها أيضاً فإن الإسلام بقوته وسلطته لم ينتشر إلا من المدينة وإن كان أصله نابعاً في مكة ومكة هي المهبط الأول للوحي لكن لم يكن للمسلمين دولة وسلطان وجهاد إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة فلهذا كان الإسلام بسلطته ونفوذه وقوته منتشراً من المدينة وسيرجع إليها في آخر الزمان وقال بعض أهل العلم إن هذا إشارة إلى أمرٍ سبق وأن المعنى أن الناس يفدون إلى المدينة ويرجعون إليها ليتلقوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريعة والتعاليم الإسلامية ولكن المعنى الأول هو ظاهر الحديث وهو الأصح.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى البردين دخل الجنة) مالمراد بالبردين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالبردين صلاة الفجر وصلاة العصر وذلك لأن صلاة الفجر فيها برد الليل وصلاة العصر فيها برد النهار وهاتان الصلاتان أفضل الصلوات الخمس قال الله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) والمراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر ولأن هاتين الصلاتين تشهدهما الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم قال الله تعالى (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) ولهذا كان لهما هذا المزية أن من صلاهما دخل الجنة.
بارك الله فيكم (السفر قطعة من العذاب) هل هذا حديث وهل السفر أقسام وما معنى الحديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم السفر قطعة من العذاب لأن المسافر يتعذب في ضميره ويتعذب في بدنه وتجده قلقاً ينتظر متى يصل إلى البلد الذي هو قاصد وتجده قلقاً يخشى الحوادث لا سيما في عصرنا هذا حين كثرت هذه السيارات التي يحدث منها حوادث كثيرة خطيرة ولهذا كان المسافر لا يستريح حتى ولو سافر بالطيارة فهو لا يستريح قلبه في تعب يخشى أن تسقط الطائرة يخشى أن يحصل فيها خلل مزعج وإن لم يصل إلى حد السقوط إلى غير ذلك من الأشياء التي يعرفها من هم بسفر.
أما أقسام السفر فإن له أقسام: سفر محرم وسفر مباح وسفر مكروه وسفر واجب.
فالسفر الواجب السفر للحج إذا كان الحج المفروض إذا كان الإنسان ليس من أهل مكة والسفر المستحب إذا سافر الإنسان لطاعة مثل أن يسافر لصلة الرحم أو بر الوالدين أو ما أشبه ذلك وقد يكون هذا من القسم الواجب والسفر المكروه هو السفر الذي لا يحصل الإنسان فيه على فائدة إنما يكون به إضاعة الوقت وإضاعة المال والسفر المحرم المسافر لغرض محرم مثل أن يسافر والعياذ بالله لبلاد الكفر ليشبع رغبته فيزني أو شهوته فيشرب الخمر أو ما أشبه ذلك فهذا سفر محرم.
السائل مصطفى أحمد من جمهورية مصر العربية يقول في هذا السؤال عن أبي إمامة رضي الله عنه قال (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات) نرجو شرح هذا الحديث ومعنى دبر الصلوات قبل أم بعد السلام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: (أي الدعاء أسمع) أي أقرب للإجابة لأن السمع يراد به الإجابة كما في قول الله تبارك وتعالى (إن ربي لسميع الدعاء) أي لمجيب الدعاء وقول المصلى سمع الله لمن حمده أي أجاب لمن حمده فقوله أسمع أي أقرب إلى الإجابة قال جوف الليل يعني وسط الليل والمراد به ما بعد النصف الأول لأن الله تعالى ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول (من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له).
الثاني أدبار الصلوات المكتوبة وأدبارها جمع دبر وهو آخرها لأن دبر كل شيء آخره وهو قبل السلام وليس بعده ودليل ذلك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أما كتاب الله فقد قال الله تعالى (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) ولم يذكر الدعاء بل أمر بالذكر وجاءت السنة مبينة لذلك فإنه يشرع للمصلى إذا فرغ من صلاته (أن يستغفر الله ثلاثا ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثلاث مرات دبر كل صلاة وعشر مرات دبر صلاة المغرب والفجر ويذكر من الأذكار ما هو معروف وأما السنة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما علّم أصحابه التشهد قال (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) فجعل موضع الدعاء قبل السلام وهو أيضا المطابق للنظر لأن كون الإنسان يدعو الله تعالى قبل أن ينصرف من مناجاته بالسلام أولى من كونه يدعوه إذا انصرف من مناجاته بالسلام بمعنى أن الإنسان إذا كان يصلى فإنه بين يدي الله يناجي ربه فكونه يدعوه قبل أن ينصرف من صلاته أولى من كونه يدعوه إذا انصرف من صلاته.
كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أتى إليه يسأله عن الدين فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة والزكاة والصيام وبعد ما انتهي قال الرجل والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق) وبين ما ورد من الواجبات التي يأثم تاركها مثل تحية المسجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن النوافل لا يأثم تاركها بتركها أبدا, ولهذا قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له الصلوات الخمس هل عليّ غيرها؟ قال (لا إلا أن تطوع) فلا شيء من النوافل يكون واجباً أبداً.
لا تحية المسجد ولا غيرها, وإن كان بعض العلماء قال بوجوب تحية المسجد وكذلك بوجوب صلاة الكسوف ومن العلماء من قال إن صلاة الكسوف فرض كفاية وهو أقرب الأقوال إلى الصواب, لكن ليس هناك شيء من النوافل,بل ليس هناك شيء من الصلوات غير الخمس يكون واجباً, اللهم إلا بسبب كالنذر, لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر أن يطيع الله فليطعه) لكن هذا سبب عارض يكون من فعل المكلف وعلى هذا فلا إشكال في الحديث,لكن قد يقول القائل إن هناك واجبات أخرى سوى ما ذكر في الحديث فالجواب إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم من حال الرجل السائل أن شروط الوجوب في غير ما ذكر لم تحقق فيه وإما أن يقال أن هذا كان قبل وجوب مالم يذكر لأن واجبات الدين ليست واجبة دفعة واحدة وإنما هي تأتي بحسب الحكمة التي تقتضيها.
ما المقصود بالحديث التالي قال صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن إلى آخر الحديث) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الزنى والسرقة من كبار الذنوب ولهذا أوجب الله تبارك وتعالى فيهما الحد أما الزنى فإن كان الزاني لم يتزوج فإن حده أن يجلد مِئة جلدة وأن ينفى عن البلد لمدة سنة وأما إن كان محصناً وهو الذي قد تزوج وجامع زوجته في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران فإن حده أن يرجم بالحجارة حتى يموت فالزنى والسرقة من كبائر الذنوب وإذا كانا من كبائر الذنوب فإن الإنسان لا يقدم عليهما وهو حين إقدامه عليهما مؤمن تام الإيمان بل إن إيمانه في تلك الحال وفي تلك اللحظة إما مرتفع بالكلية وأمَّا ناقص نقصاً عظيماً استحق أن يوصف الإيمان بالنفي من أجل نقصه هذا النقص العظيم فالحديث محتمل لهذا وهذا أي محتمل لانتفاء الإيمان أصلا وذلك في اللحظة التي يقدم عليها لأنه لا يمكن لمن معه إيمان أن يقدم على هذا العمل وهو يعلم جرمه وإثمه في الدين الإسلامي وإما أن يكون المراد نفي كمال الإيمان في تلك اللحظة لكنه يكون ناقصا نقصا بينا استحق به أن يوصف بالنفي وهذا الأخير عندي أقرب وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة والأول وإن كان محتملا لكنه قد يكون من بعض الأفراد دون بعض لذلك يجب اعتماد القول بأن المراد بذلك انتفاء كمال الإيمان فمعنى لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن كامل الإيمان بل لابد أن يكون إيمانه ناقصا بهذا الزنى وكذلك يقال في السارق.
فضيلة الشيخ: (ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم كلها سواء ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.
ما معنى الحديث الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) أو كما قال صلى الله عليه وسلم وكيف يكون الجمع بينه وبين قوله تعالى (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الأول حديث ابن مسعود رضي الله عنه يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ذراع لقرب أجله وموته ثم يسبق عليه الكتاب.
الكتاب الأول الذي كتب فيه أنه من أهل النار فيعمل بعمل أهل النار والعياذ بالله فيدخلها وهذا فيما يبدو للناس ويظهر كما جاء في الحديث الصحيح (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) نسأل الله العافية وكذلك الأمر بالنسبة للثاني يعمل الإنسان بعمل أهل النار فيمن الله عليه بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى عند قرب أجله فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها وأما ما ذكرت من قوله تعالى (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) فإن هذه الآية لا تعارض الحديث إن الله يقول (أجر من أحسن عملاً) ومن أحسن العمل في قلبه وظاهره فإن الله تعالى لا يضيع أجره لكن الأول الذي عمل بعمل أهل الجنة فسبق عليه الكتاب كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس فيسبق عليه الكتاب وعلى هذا فيكون عمله ليس حسناً وحينئذٍ لا يعارض الآية الكريمة.
ما معنى الحديث التالي وما صحته (من كفّر مسلماً فقد كفر) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعرفه ولكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه وهو أن من قال لشخص يا كافر أو وصف رجلاً بالكفر ولم يكن كذلك رجع على القائل وهذا الذي ثبت هو بمعنى هذا اللفظ الذي ذكره السائل وفيه التحذير الشديد من وصف المسلمين بالكفر إلا ببرهان بين من الله عز وجل وبه نعرف خطأ بعض الناس الذين صار التكفير عندهم سهلاً حتى في الأمور الاجتهادية التي لا يضلل فيها المخالف تجدهم يكفرون من خالفهم وهو أمر خطير جداً فالواجب على المرء أن يتقي الله عز وجل في هذه المسألة وأن لا يكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره ومع هذا فإن العمل أو القول قد يكون كفراً ويكون العامل أو القائل معذوراً بجهل أو تغرير فيحتاج إلى إقامة الحجة عليه قبل أن يحكم بكفره وليعلم أن وصف الإنسان بالكفر أو الإيمان ليس موكولاً إلى الناس بل هو موكول إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما دل الكتاب والسنة على أنه من الكفر فهو كفر وما لا دليل فيه من الكتاب والسنة على أنه كفر فلا يجوز لأحد أن يجعله كفراً، كما أن التحليل والتحريم إنما تؤخذ من الكتاب والسنة فكذلك التكفير والتفسيق والإنسان سيكون مسؤولاً أمام الله عز وجل فيما ينطق به لاسيما في هذه الأمور الخطيرة فقد قال الله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
مامعنى هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام (من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء الحديث) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث الذي ذكرته السائلة أن الإنسان إذا صلى الصبح في جماعة كان في ذمة الله أي في عهده وأمانه ومن كان في عهد الله وأمانة فإنه على خير، لأن الله سبحانه وتعالى لا أحد أوفى بعهده منه كما قال تعالى (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ) وقوله صلى الله عليه وسلم (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء) المعنى الحث على صلاة الجماعة في صلاة الصبح لأنك إن لم تصل لم تكن في عهد الله ولا في أمانه فيطلبك الله سبحانه وتعالى بذلك، وصلاة الجماعة في الفجر من أفضل الأعمال قال النبي عليه الصلاة والسلام (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) وقال صلى الله عليه وسلم (من صلى البردين يعني الفجر والعصر دخل الجنة) وقال صلى الله عليه وسلم (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) والمهم أن هذا الحديث يدل على فضيلة صلاة الفجر ولا سيما مع الجماعة وأن من صلاها جماعة فإنه في ذمة الله عز وجل.
من العراق ع. ن. أ. يقول عندنا الأغلبية إن لم يكن الجميع يدعون بعد صلاة المغرب مع الإمام بظهور أكفهم ويقولون اللهم نجنا برحمتك من النار وأدعية أخرى علماً بأن هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ادعوا الله بباطن أكفافكم ولا تدعوه بظهورها) هل هذا الحديث صحيح وإن كان صحيحاً فما معناه وضحوا لنا ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء على وجهٍ جماعي بعد صلاة المغرب أو غيرها من الصلوات بدعة ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا من هدي أصحابه رضي الله عنهم وعلى هذا فينبغي للإمام والمأمومين الكف عنه في صلاة المغرب وغيرها وأما الدعاء بظهور الأكف فقد اختلف أهل العلم فيه لأنه ورد في صحيح مسلم ما ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بظهور كفيه في الاستسقاء ولكن الظاهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن الدعاء كله ببطون الأكف ولكن الراوي ذكر أن ظهور كفي الرسول عليه الصلاة والسلام إلى السماء لأنه صلى الله عليه وسلم بالغ في الرفع فظن من يراه أنه جعل ظهورهما نحو السماء وليس المعنى أنه دعا بهما مقلوبتين وهذا هو الأقرب وأما الحديث الذي ذكره السائل (ادعوا الله ببطون أكفكم) فهذا لا يحضرني سنده الآن ولا أدري عنه.
هل يجوز السؤال بوجه الله تعالى غير الجنة حيث قد ورد في حديث صححه الألباني جاء فيه (ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ولم يعط) فهل هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يحضرني الآن الحكم بصحته والذي أرى أنه ينبغي لطالب العلم إذا صحح أحد من أهل العلم الحديث وليس في الكتب المشهورة بالصحة والتي تلقاها أهل العلم بالقبول أرى أن يبحث هو بنفسه عن هذا الحديث وعن سنده حتى يتبين له صحته فإن الإنسان بشر ربما يخطئ كما أنه يصيب ولكن هذا الحديث لا يحضرني الآن الحكم عليه بالصحة أو بغيرها فإن صح هذا الحديث فمعناه أنه لما كان وجه الله تعالى موصوفاً بالجلال والإكرام كان لا ينبغي أن يسأل فيه إلا أعظم الأشياء وهو الجنة أما الأشياء التي دونها فإنه لا ينبغي أن يسأل كما أن المسئول إذا سئل بوجه الله وهو الوجه العظيم الموصوف بالجلال والإكرام فإنه لا ينبغي له أن يرد من سأل به بل له عليه أن يجيبه وكل هذا الذي أقوله إذا كان الحديث صحيحاً والله أعلم ولعلنا إن شاء الله تعالى نبحث عنه ويتسنى لنا الكلام عليه في موضع آخر.