فتاوى نور على الدربصفحة 2

رسالة بعث بها المستمع محمد صالح عبد الله من حائل يقول: ما حكم التسمية بأسماء هي من أسماء الله أو صفاته، كمثل: رؤوف، وعزيز، وجبار، ونحو ذلك؟ هل تجوز مثل هذه التسمية، أم يجب تغييرها فيمن تسمى بها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التسمي بأسماء الله عز وجل يكون على وجهين: الوجه الأول: أن يحلى بأل، أو يقصد بالاسم ما دل عليه من صفة، ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله، كما لو سميت أحداً بالعزيز والسيد والحكيم وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يسمى به غير الله؛ لأن أل هذه تدل على لمح الأصل، وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم، وكذلك إذا قصد بالاسم وإن لم يكن محلًّى بأل، إذا قصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا يسمى به، ولهذا غير النبي صلى الله وسلم كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله هو الحكم وإليه الحكم، ثم كناه بأكبر أبنائه شريح، كناه بأبي شريح، فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظاً بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يمنع؛ لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماماً لأسماء الله سبحانه وتعالى.
أما الوجه الثاني: فهو أن يتسمى باسم غير محلًّى بأل، ولا مقصود به معنى الصفة، فهذا لا بأس به، مثل حكم وحكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تبع ما ليس عندك).
وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به، لكن في مثل جبار لا ينبغي أن يتسمى به وإن كان لم يلاحظ الصفة، وذلك لأنه قد يؤثر في نفس المسمى فيكون معه جبروت وعلو واستكبار على الخلق، فمثل هذه الأسماء التي قد تؤثر على صاحبها ينبغي للإنسان أن يتجنبها.
والله أعلم.


بارك الله فيكم من الجزائر أبو بسام يقول: فضيلة الشيخ ما قول أهل السنة والجماعة في رؤية المسلم لربه عز وجل يوم القيامة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قول أهل السنة والجماعة في رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ما قاله الله عن نفسه، وقاله عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فالله تعالى قال في كتابه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ) يعني: يوم القيامة (نَاضِرَةٌ.
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ناضرة الأولى بمعنى حسنة، الثانية من النظر بالعين؛ لأنه أضاف النظر إلى الوجوه، فالوجوه محل العينين التين يكون بهما النظر، وهذا يدل على أن المراد نظر العين، ولو كان المراد نظر القلب وقوة اليقين لقال: قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ولكنه قال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
ومن ذلك قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
فالزيادة فسرها أعلم الخلق بمراد الله، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها النظر إلى وجه الله عز وجل.
ومن ذلك قوله تعالى في الفجار: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ).
فحجب هؤلاء الفجار عن الله يومئذ- يعني: يوم القيامة- يدل على أن غيرهم ينظرون إلى الله عز وجل، ولو كان غيرهم لا ينظر إلى الله لم يكن بينهم وبين الفجار فرق.
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ).
فإن هذه الآية تدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار، ودليل ذلك أنه نفى الإدراك، وهذا يدل على وجود أصل الرؤية، ولو كان أصل الرؤية غير ثابت ما صح أن ينفى الإدراك.
ولا يصح أن يستدل بهذه الآية على امتناع رؤية الله عز وجل؛ لأن الآية إنما نفت ما هو أخص من الرؤية، وهو الإدراك، ونفي الأخص يستلزم وجوب الأعم، وهو الرؤية، والله عز وجل يرى يوم القيامة ولكن الأبصار لا تدركه، هذا بالنسبة لما جاء في القرآن.
أما السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً متواتراً لا شك فيه إثبات رؤية الله عز وجل يوم القيامة، أي: إنه يرى سبحانه وتعالى.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا).
والأحاديث في هذا متواترة، كما قال بعض العلماء في نظم شيء من المتواتر: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض هذا هو قول أهل السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى يرى يوم القيامة بالبصر رؤية حقيقية، لكنه مع هذه الرؤية لا يمكن إدراكه عز وجل؛ لأنه أعظم من أن تدركه الحواس أو الأفهام أو الخواطر.
ولكن يبقى النظر: متى تكون هذه الرؤية؟ نقول: هذه الرؤية تكون في عرصات القيامة- أي: قبل دخول الجنة- وتكون كذلك بعد دخول الجنة.
يبقى نظرٌ آخر: هل يراه كل الناس في عرصات القيامة أم ماذا؟ نقول: أما الكفار الخلص فإنهم لا يرون الله عز وجل؛ لقول الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ).
وأما المنافقون فإنهم يرون الله في عرصات القيامة، ثم لا يرونه بعد ذلك، وهذا أعظم وأشد حسرة عليهم.
وأما المؤمنون فإنهم يرون الله تعالى في عرصات القيامة، كما يرونه بعد دخول الجنة.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإخواني السامعين ممن ينظر إلى الله عز وجل، إنه على كل شيء قدير.


أحسن الله إليكم وبارك فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل يقول: اختلاف السلف في العقيدة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه أم لا؟ نريد توجيهاً سديداً في هذه المسألة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح في هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه؛ لأنه نفسه صلوات الله وسلامه عليه سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنَّى أراه) ؟ وفي رواية: (رأيت نوراً) والله عز وجل قد احتجب عن عباده بحجب النور لا يمكن اختراقها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نفى أن يكون رأى الله، فلا يمكن بعد ذلك أن يدعي مدع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه.
وما ذكر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن ابن عباس لم يصرح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه يقظة، وإن قوله- أي: ابن عباس- يعني: أنه رآه بفؤاده، وهو كناية عن العلم اليقيني الذي يكون في القلب حتى كأنه رآه بالعين.
وما قاله شيخ الإسلام رحمه الله هو الحق، ولن يتمكن أحد في الدنيا أن يرى ربه يقظة أبداً.
ولهذا لما قال موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) شوقاً إلى الله عز وجل، قال الله له: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).
فعلق الرب عزوجل على أمر مستحيل؛ لأنه يستحيل على الجبل أن يصمد على رؤية الله عز وجل، وهو جبل أصم، حجر غليظ قاسٍ قال الله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً).
اندك الجبل أمام موسى يشاهده بعينه، فصعق عليه الصلاة والسلام من هول ما رأى.
(فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) فشكر الله له وقال: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
فالمهم أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله تبارك وتعالى يقظة في الدنيا، ولن يستطيع أحد أن يَثْبُتَ لذلك.
أما في الآخرة: فقد دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم أن الله تعالى يرى في الآخرة رؤية حقيقة بالعين، قال الله تبارك وتعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ.
إلى ربها ناظرة).
وهذا صريح بأن الإنسان يرى ربه بعينه، إذ إن ما تحصل به الرؤية هو العين، وهي موجودة في الوجه، لكن أضاف الله تعالى النظر إلى الوجه: لأن هذه النظرة إلى الرب عز وجل يحصل بها سرور في القلب ونورفي الوجه، حتى كأن الوجه كله ينظر إلى الله عز وجل؛ لتأثره بهذه النظرة التي أسأل الله تعالى أن لا يحرمني وإخواني منها.
ومن الأدلة على ذلك- على أن الله تعالى يرى في الآخرة- قول الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله، كما فسرها بذلك أعلم الخلق بالله وآياته محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
واستدل العلماء بقوله تعالى في أهل الجنة: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
وقالوا: إن هذا المزيد هو الزيادة التي ذكرت في الآية التي سقناها الآن، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل, واستدلوا أيضاً بقول الله تبارك وتعالى في الأبرار: (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) قالوا: إنهم ينظرون الله عز وجل، وينظرون ما أعد الله لهم من النعيم؛ لقوله في الفجار: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ).
فلما حجب الفجار في حال الغضب جعل النظر للأبرار في حال الرضا، فهذه أربع آيات من كتاب الله.
أما السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- الذي هو أعلم الخلق بالله، وأشدهم تنزيهاً لله- فقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ذلك بوجه صريح أصرح من الشمس في رابعة النهار، حيث قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته).
وقال: (إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب).
وأما أقوال الصحابة: فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة، فما منهم أحد قال ولا بحرف واحد: إن الله تعالى لا يرى في الآخرة، وهذه أقوالهم مأثورة في كتب السنة، ما منهم أحد نفى أن يرى الله تعالى في الآخرة، بل كلهم مجمعون على هذا، حتى إن بعض أهل العلم قال: من أنكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهو كافر؛ لوضوح الأدلة فيها وصراحتها، وإجماع الصحابة عليها، وإجماع الأئمة المتبوعين عليها، ولم يرد عن أحد منهم إنكارها.
أسأل الله تبارك وتعالى لي ولإخواني النظر إلى وجه الله الكريم، وأسأل الله الهداية لمن أنكروا هذه الرؤية العظيمة التي هي ألذ ما يجده أهل الجنة في الجنة، والله على كل شيء قدير.


بارك الله فيكم هذه الرسالة من المستمع محمد طيب منظور أحمد من الباكستان يقول: ما هي أنواع الاستواء في لغة العرب؟ وكيف نثبت لله سبحانه وتعالى صفة الاستواء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاستواء في اللغة العربية يأتي لازماً، ويأتي متعدياً إلى المعمول بحرف الجر، ويأتي مقروناً بواو المعية، فهذه ثلاثة وجوه للاستواء.
أما الأول- وهو أن يأتي مطلقاً غير مقيد بالمعمول، ولا واو المعية-: فإنه يكون بمعنى الكمال، ومنه قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) أي: كمل، ومنه قول الناس في لغتهم العامية: استوى الطعام، أي كمل نضجه.
والقسم الثاني أو الوجه الثاني: أن يأتي مقروناً بواو المعية، فيكون بمعنى التساوي، كقولهم: استوى الماء والخشبة، أي: تساويا.
والثالث يأتي معدًّى بحرف الجر، فإن عدي بعلى صار معناه العلو والاستقرار، وإن عدي بإلى فقد اختلف المفسرون فيه، فمنهم من يقول: إنه بمعنى الارتفاع والعلو، ومنهم من يقول: إنه بمعنى القصد والإرادة.
مثال ماعُدِّيَ بعلى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وقوله ذلك في سبعة مواضع في القرآن الكريم.
ومثال المعدى بإلى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ).
ولذلك اختلف المفسرون في الاستواء، استوى هنا، فبعضهم قال: معناها علا إلى السماء، ومنهم من قال: معناها قصد وأراد، وعلى كل فاستواء الله على العرش من الصفات الثابتة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها، وهو أن الله تعالى استوى على عرشه، أي: علا عليه علوّاً خاصّاً ليس كعلوه على سائر المخلوقات، بل هو علو خاص بالعرش، كما قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ).
ولكن هذا الاستواء ليس معلوماً لنا في كيفيته؛ لأن كيفيته لا يمكن الإحاطة بها، ولم يخبرنا الله عنها ولا رسوله، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق، ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
ونحن نعلم معنى الاستواء ونؤمن به ونقره، وهو أنه سبحانه وتعالى علا على عرشه واستوى عليه، علوّاً واستقراراً يليق به سبحانه وتعالى، ولكننا لا نعلم كيفية هذا الاستواء، فالواجب علينا أن نمسك عن الكيفية، وأن نؤمن بالمعنى.
وأما قول من قال: إن معنى استوى على العرش أي: استولى عليه، فهذا قول لا يصح، وهو مخالف لما كان عليه السلف، ولما تدل عليه هذه الكلمة في اللغة العربية، فلا يعوَّل عليه، بل هو باطل، ولو كان معنى استوى استولى للزم أن يكون الله تعالى مستولياً على شيء دون شيء، وهوسبحانه وتعالى مستولٍ على كل شيء، وللزم أن يكون العرش قبل هذا ليس ملكاً لله بل ملكاً لغيره، ثم استولى عليه من غيره، وهذه معان باطلة لا تليق بالله سبحانه وتعالى.


هذا مستمع من السودان يقول: هذا سؤالٌ يحيرني وأرجو الإفادة عليه، وهو: أن بعض الناس يقولون بأن الله فوق في السماء، وعندنا في السودان علماء التوحيد يقولون بأن الله كان ولا مكان، وهو منزهٌ عن الجهات الست، طبعاً شرق وغرب وشمال وجنوب فوق تحت، نرجو منكم التوجيه حول هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: علو الله عز وجل على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فأدلته متنوعة، كل الأدلة الممكنة في إثبات الشيء تدل على أن الله تعالى فوق عباده.
أما من القرآن فأدلة ثبوت علو الله على خلقه كثيرةٌ جداً متنوعة، مثل قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ)، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرةً.
وكذلك الآيات الدالة على أن الأشياء تصعد إليه، كما في قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).
وكذلك الآيات الدالة على أن الشيء ينزل من عنده، كما قال الله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)، والآيات في هذا كثيرة جداً.
وأما السنة فقد دلت بجميع أنواعها على علو الله، دلت بالقول والفعل والإقرار.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى)، وخطب الناس في يوم عرفة وقال: (هل بلغت؟ قالوا: نعم.
فأشار إلى السماء يقول: اللهم اشهد)، وسأل جاريةً قال: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
فاجتمع من السنة القول والفعل والإقرار على علو الله عز وجل، وأنه فوق كل شيء.
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة، وأئمة الهدى من بعدهم، على أن الله تعالى فوق كل شيء، ولم يرد عنهم حرفٌ واحد في نفي علو الله عز وجل، بل كانوا مجمعين على أن الله تعالى فوق كل شيء.
وأما العقل: فإن كل إنسان يعلم بعقله أن العلو صفة كمال، وأن الرب عز وجل له صفة الكمال المطلق، فإذا كان العلو صفة كمال فإن فوات العلو صفة نقص، والله عز وجل منزهٌ عن النقص، فوجب أن يثبت له العلو؛ لأنه صفة كمال.
وأما الفطرة: فما من أحدٍ يقول: يا رب، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلو، ولهذا يرفع يديه إلى السماء، واسألوا الذين يسألونه ويدعونه: أين يوجهون أيديهم؟ هل يوجهونها إلى الأرض أو إلى السماء؟ أو إلى اليمين أو إلى الشمال؟ إنهم يوجهونها جميعاً إلى السماء، وهذا أمرٌ فطري لا يختلف فيه اثنان، إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة، وأنكر هذا الأمر الذي فطر عليه الخلق.
وإذا كان كذلك فإننا نقول: إن الله كان عز وجل كان ولم يكن شيء قبله، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وكان عالياً عز وجل قبل أن يخلق العرش، ولما خلق السماوات والأرض استوى على العرش، كما قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، فكان استواء الله على عرشه بعد خلقه.
وهنا نقول: استواء الله على عرشه حين خلق السماوات والأرض تدل الآية الكريمة أنه لم يكن، أما قبل ذلك فالله أعلم، وأما بعد ذلك- أي: بعد خلق السماوات والأرض- فإن الآية تدل على أن الله استوى على عرشه.
وأما قولهم: إن الله تعالى منزه عن الجهات الست، فهذا غاية التعطيل والعياذ بالله؛ لأنهم إذا قالوا: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، فإن هذا هو العدم المحض والتعطيل المحض، أين يكون؟ وإذا قلنا: إن الله تعالى في جهة العلو، العلو الذي ليس فوقه شيء، فليس في هذا من نقصٍ في حق الله عز وجل؛ لأن العلو على جميع المخلوقات ليس فيه شيء من المخلوقات يمكن أن نقول إنه محاذٍ لله عز وجل، بل كل شيء من المخلوقات فإن الله عز وجل فوقه، ولا يحاذي الله عز وجل شيئاً من مخلوقاته، وعين النقص في إثبات مثل ذلك.
وأين الوجود إذا قلنا: إن الله تعالى خالٍ من الجهات الست؟ نعم نقول: إنه لا يمكن لجهة أن تحيط بالله؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، فإذا كان فوق كل شيء فإن ما فوق الأشياء ليس أمراً وجودياً حتى نقول: إن هذا يقتضي أن يشارك المخلوق الخالق في علوه عز وجل، والواجب على الإنسان أن يؤمن إيماناً قطعياً بأن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه العلي الأعلى، وأنه سبحانه وتعالى له العلو المطلق: علو الذات، وعلو الصفات، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على ذلك.


بارك الله فيكم هذا السائل تجاني إسماعيل سوداني ومقيم بالمملكة يقول: أستفسر عن الآيات الكريمة التالية، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ).
والآية الأخرى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
يقول: على حُسْنِ قول الناس منهم مَنْ يقول بأن الله موجود في السماء، والبعض يقول بأن الله موجود في كل مكان.
اشرحوا لنا ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه مسألة عظيمة مهمة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه العلي، وأنه الأعلى، وأنه القاهر فوق عباده، وأن الأمور تتنزل من عنده وتعرج إليه، وأنه في السماء، وكل هذا يدل على علوه جل وعلا، وأنه فوق كل شيء.
فأما قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) فالمراد بذلك الألوهية، لا ذات الرب عز وجل، فقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) فالمراد بذلك أن ألوهيته ثابتة في السماء وفي الأرض، فقول القائل: فلان أمير في المدينة وفي مكة، مع أنه في إحداهما وليس فيهما جميعاً وإنما إمرته ثابتة في المدينة وفي مكة، فالله تعالى إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وأما هو نفسه جل وعلا ففوق سماواته على عرشه، وعلى هذا فلا منافاة بين هذه الآية وبين قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
ومعنى قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي: إنه علا على العرش؛ لأن استوى في اللغة العربية إذا عديت بعلى صار معناها العلو، كقوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) أي: علوت، وقوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ.
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) - أي: تعلوا على ظهوره- (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) أي: علوتم عليه، فهو سبحانه تعالى مستوٍ على العرش أي: عال عليه، وهذا العلو ليس هو العلو العام لجميع المخلوقات، بل هو علو خاص مختص بالعرش، ولهذا يقال: استوى على العرش، ولا يقال: استوى على السماء، ويقال: علا على العرش وعلا على السماء، فالاستواء على العرش علو خاص ليس هو العلو العام لجميع المخلوقات.
وقد أخطأ وضل من فسر الاستواء هنا بالاستيلاء والملك, أخطأ من عدة أوجه: الوجه الأول: أنه مخالف لمقتضى اللغة العربية، فلم تأتِ استوى على كذا بمعنى استولى عليه في اللغة العربية، وها هو كلام العرب بين أيدينا لا نعلم أنَّ منهم من عبر عن الاستيلاء بالاستواء أبداً، فأما ما قيل: قد استوى بِشرٌ على العراق من غير سيف أو دم مهراق فإننا نطالب أولاً بصحة النقل عن شاعر عربي من العرب الخُلَّص، ولا يمكن لأحد أن يثبت ذلك، ثم على فرض أنه ثبت عن شاعر عربي من العرب الخُلَّص فإنَّ هنا قرينةً تمنع أن يكون المراد بذلك العلو على العراق؛ لأن الرجل لا يمكن أن يعلو على العراق علواً ذاتياً، وحينئذ يكون المراد به العلو المعنوي وهو الاستيلاء، أما علو الله تعالى نفسه على عرشه فلا مانع منه لا عقلاً ولا سمعاً.
ثانياً: أن نقول: إن تفسير الاستواء بالاستيلاء مخالف لما كان عليه السلف الصالح وأئمة الخلف، فإنهم مجمعون على أن استوى على العرش بمعنى علا عليه، ولم يأت عن أحد منهم حرف واحد يدل على أنهم فسروا الاستواء بالاستيلاء، ومعلوم أن مخالفة السلف ضلال وخروج عن جماعة الحق.
ثالثاً: أنه يلزم على تفسير (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) استولى عليه أن يكون العرش قبل هذا ملكاً لغير الله، وأن الله تعالى بالمعالجة حصل عليه من غيره، وهذا لازم باطل جد البطلان.
رابعاً: أننا إذا فسرنا استوى باستولى لجاز أن نقول: إن الله استوى على الأرض، وعلى الإنسان، وعلى الجمل، وعلى السفينة، وعلى كل شيء؛ لأنَّ الله تعالى مستولٍ على كل شيء ومالكٌ له، ومعلوم أنه لا أحد يُسَوِّغ أن يقول القائل إن الله استوى على الإنسان، أو على الأرض، أو ما أشبه ذلك.
خامساً: أنَّ الذين فسروه بالاستيلاء مضطربون ومختلفون، واضطراب أهل القول فيه يدل على عدم رسوخه وعدم صحته، وعلى هذا فلا يحل لأحدٍ أن يفسر قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أو قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) بأن المعنى استولى عليه من أجل هذه الوجوه التي ذكرناها، فالاستواء على العرش يلزم منه العلو المطلق على جميع المخلوقات، وأن الله تعالى عال بنفسه على جميع المخلوقات، ولا يعارضه ما ذكره السائل من قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ)؛ لما ذكرنا في صدر الجواب.
ونظير هذه الآية- أعني قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ) - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) فقال: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) وليس المعنى أنه نفسه في السماوات وفي الأرض، ولكن المعنى: أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض.
وليعلم أن اعتقاد أن الله تعالى نفسه في كل مكان اعتقاد باطل، لو شعر الإنسان بلوازمه الباطلة ما تفوه به؛ لأنه يلزم من هذا القول أن يكون الله تعالى في كل مكان من الأماكن الطيبة والأماكن الخبيثة، بل لَلَزِمَ منه أن يكون الله تعالى في أجواف الحيوانات وأجواف الناس وما أشبه ذلك، ثم يلزم من هذا أحد أمرين: إما أن يتعدد بتعدد الأمكنة، وإما أن يكون متجزئاً بعضه هنا وبعضه هناك، وكل هذه لوازم فاسدة، تصورها كاف في ردها وإفسادها.
ومَنْ قال: إن الله تعالى نفسه في كل مكان، فهو ضال مبتدع ما قَدَر الله حق قدره، ولا عرف عظمته جل وعلا، وكيف يكون في كل مكان وهو الذي قد وسع كرسيه السماوات والأرض؟ (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
فليتق الله قائل هذا، وليتب إلى ربه قبل أن يدركه الموت على هذه العقيدة الفاسدة، ويلقى ربه على خبث العقيدة وفساد الطوية، نسأل الله السلامة.


بارك الله فيكم هذه رسالة من المستمع عبد الله الفؤاد من بيروت لبنان قال: سمع إجابة عن سؤال في برنامجنا هذا: أين الله؟ فأجيب: بأنه في السماء، واستشهد المجيب على ذلك بآيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
ولكن يبدو أن هذا الأخ قد استشكل هذه الإجابة، ولم تطابق مفهومه الذي كان يعتقده، فأرسل يستفسر حول ذلك، أليس توضحون له الحقيقة حول هذا الموضوع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقيقة حول هذا الموضوع أنه يجب على المؤمن أن يعتقد أن الله تعالى في السماء، كما ذكر الله ذلك عن نفسه في كتابه، حيث قال سبحانه وتعالى: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ).
وكما شهد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أقر الجارية التي سألها: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وكما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم في أعظم مجمع من أمته يوم عرفة، حين خطب الناس خطبته الشهيرة فقال: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم.
قال: اللهم اشهد)، وجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، فهذا دليل من القرآن ومن السنة على أن الله في السماء.
وكذلك دليل العقل أن الله في السماء، فإن السماء علو، والعلو صفة كمال، والرب سبحانه وتعالى قد ثبت له صفة الكمال، فكان العلو من كماله تبارك وتعالى، فثبت له ذلك عقلاً.
كذلك في الفطرة: فإن الناس مفطورون على أن الله تعالى في السماء، ولهذا يجد الإنسان من قلبه ضرورة لطلب العلو حينما يسأل الله شيئاً، حينما يقول: يا رب، لا يجد في قلبه التفاتاً يميناً ولا يساراً ولا أسفل، وإنما يتجه قلبه إلى العلو، بمقتضى الفطرة التي سلمت من اجتيال الشياطين، وما من أحد يصلى فيقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، إلا وهو يشعر بأن الله تعالى في السماء.
وقد انعقد إجماع السلف على ذلك، كما ذكر ذلك الأوزاعي وغيره.
وعلى هذا فيكون الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كل هذه الأدلة قد تطابقت على أن الله تعالى في السماء، وأنه جل وعلا عالٍ بذاته كما أنه عالٍ بصفاته.
ولكن يجب أن يعلم أن كونه في السماء لا يعني أن السماء تظله وأنها محيطة به، فإن الله تعالى أعظم من أن يظله شيء من خلقه، وهو سبحانه وتعالى غني عما سواه، وكل شيء مفتقر إليه سبحانه وتعالى، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فلا يمكن أن تظله السماء، وعلى هذا فيزول المحظور الذي أظن أنه قد شبه على هذا السائل، بأنه إذا قلنا بأن الله في السماء لزم أن تكون السماء مظلة له عز وجل، وليس الأمر كذلك.
فإن قال قائل: قوله: في السماء، قد يفهم أن السماء تحيط به؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف يكون الظرف محيطاً به.
فالجواب: أن ذلك ليس بصحيح؛ لأن السماء بمعنى العلو، وأن السماء بمعنى العلو قد ورد في القرآن، كما في قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
والماء ينزل من السحاب، والسحاب مسخر بين السماء والأرض، فيكون معنى قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) أي: أنزل من العلو، ويكون معنى قوله: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) أي: من في العلو.
وهناك وجه آخر بأن نجعل (في) بمعنى (على)، ونجعل السماء هي السماء السقف المحفوظ، ويكون معنى (مَنْ فِي السَّمَاءِ) أي: من على السماء، وإذا كان عالياً عليها فلا يلزمها أن تكون محيطة به.
ولا يمكن أن تكون محيطة به.
(وفي) تأتي بمعنى (على)،كما في قوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) أي: على الأرض، وكما في قوله تعالى عن فرعون: (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي: على جذوع النخل، بكل هذا يزول الإشكال والوهم الذي قد يعتري من لم يتدبر دلالة الكتاب والسنة في هذه المسألة العظيمة.
ولا ريب أن من أنكر أن الله في السماء فهو مكذب بالقرآن والسنة وإجماع السلف، فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يتدبر دلالة الكتاب والسنة على وجه مجرد عن الهوى، ومجرد عن التقليد، حتى يتبين له الحق، ويعرف أن الله عز وجل أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
أما قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فإن الاستواء بمعنى العلو، كما في قوله تعالى: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ) أي: تعلو عليها.
وكما في قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) أي: علوت.
فالاستواء في اللغة العربية بمعنى العلو، ولا يرد بمعنى الاستيلاء والملك أبداً، ولو كان هذا صحيحاً لبينه الله عز وجل في القرآن ولو في موضع واحد، والاستواء على العرش ذكر في القرآن في سبعة مواضع، ما فيها موضع واحد عبر عنه بالاستيلاء أبداً، ولو كان بمعنى الاستيلاء لعبر عنه في بعض المواضع حتى يحمل الباقي عليه.
وليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرف واحد يدل على أن الاستواء- أي: إن استواء الله على عرشه- بمعنى استيلائه عليه، وليس في كلام السلف الصالح والأئمة أن استواء الله على العرش بمعنى استيلائه عليه، والمعروف عنهم أنه بمعنى العلو والاستقرار والارتفاع والصعود، هكذا نقل عن السلف، وعلى هذا فيكون المعنى الصحيح لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وما أشبهها من الآيات، أي: الرحمن على العرش علا علواً خاصاً يليق بجلاله تبارك وتعالى، ولا يستلزم ذلك أن يكون الله تعالى محتاجاً إلى العرش، بل إنه لا يقتضي ذلك أبداً، فإنه قد علم أن الله تعالى غنيٌّ عما سواه، وأن كل ما سواه محتاج إليه.
فنرجو من الأخ السامع للجواب، الأول أن يرد إليه هذا الجواب حتى يتبين له الحق، بأن يجرد نفسه قبل كل شيء من التقليد، حتى يكون قلبه سليماً على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.


يقول السائل: ما حكم الخوض في ذات الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمكن الخوض في ذات الله عز وجل؛ لأن الوصول إلى معرفة حقيقة ذات الله عز وجل مستحيلة، ومن رام ذلك فقد يقع في هلاك وشقاء.
نعم يفكر ويتأمل في أسماء الله وصفاته، كما قال عز وجل: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).


يقول السائل: لقد سمعت بيتاً لأحد السلف الصالح، ولكنه التبس عليَّ الشطر الأخير وشككت فيه من الناحية العقائدية، فأرجو من فضيلة الشيخ أن يبين لي معنى هذا البيت، وهل هو صحيح من ناحية الاعتقاد أم لا؟ البيت هو:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل علي رقيب إلى أن قال: ولا تحسبن الله يغفل طرفةً ولا أن ما يخفى عليه يغيب

فأجاب رحمه الله تعالى: هذان البيتان صحيحان، فإذا خلا الإنسان يوماً من الدهر فلا يقل: إني خلوت؛ لأن عليه رقيباً من الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
فالإنسان مهما اختفى عن الناس فإنه لن يخفى على الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ).
ولا تظن أنك إذا اختفيت فإن الله سبحانه وتعالى يغفل عنك أو لا يعلم بك، فإن الله تعالى يقول: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ).
فهو سبحانه وتعالى محيطٌ بكل شيء علماً، يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويعلم ما ظهر وما بطن.


هذه رسالة من المخلصين عبد الله محمد أحمد الرياض منظور أحمد قريشي أحمد حسين، يقول الإخوة: الموضوع يوجد بطاقات مكتوب عليها أسماء الله جل جلاله، مثل هذه الصورة التي بجانب الرسالة- وقد ضمنوا هذه الرسالة صورة لكسوة الكعبة، وعليها آيات من كتاب الله المبين- يقول: ترمى في الأرض من قبل ناس لا يعرفون الإسلام، يقول هذه فقط إشارة، وما تنصحون الباعة بذلك، أو من يهمه الأمر بذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة كثرت في الناس على أوجه متعددة، منها بطاقات تحمل لفظ الجلالة الله وأخرى إلى جانبها تحمل محمد، ثم توضع البطاقاتان متوازنتين على الجدار أو على لوحة أو ما أشبه ذلك، ونحن نتكلم على هذه الصورة.
أولاً: ما فائدة تعليق كلمة الله فقط ومحمد فقط؟ إذا كان الإنسان يظن أنه يستفيد من ذلك بركة فإن البركة لا تحصل بمثل هذا العمل؛ لأن هذا ليس بجملة مفيدة تكسب معنى يمكن أن يحمل على أنه للتبرك، ثم إن التبرك بمثل هذا لا يسوغ؛ لأن التبرك بالله وأسمائه لا يمكن أن يستعمل إلا على الوجه الذي ورد؛ لأنه عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف.
ثم إن هذا الوضع الذي أشرنا إليه سابقاً: أن توضع كلمة الله وبجانبها موازيةً لها كلمة محمد، هذا نوع من التشريك والموازنة بين الله وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر لا يجوز، وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشيءت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله ندا؟ ً بل ما شاء الله وحده).
ثم إن التبرك بمجرد وضع اسم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لا يجوز، التبرك إنما يكون بالتزام شريعة النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بها.
هذه صورة مما يستعمله الناس في هذه البطاقات، وقد تبين ما فيها من مخالفة للشرع.
أما بالنسبة للصورة الثانية التي أشار إليها الأخ السائل، فهي أيضاً جوازها محل نظر، وذلك لأن الأصل في كتابة القرآن على الأوراق والألواح، الأصل فيه الجواز، لكن تعليقه أيضاً على الجدران في المنازل لم يرد ذلك عن السلف الصالح رحمهم الله، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن التابعين، ولا أدري بالتحديد متى حصلت هذه البدعة، هذا في الحقيقة بدعة؛ لأن القرآن إنما نزل ليتلى لا ليعلق على الجدران وغيرها، ثم إن في تعليقه على الجدران، فيه مفسدة، زائداً على أن ذلك لم يرد عن السلف، تلك المفسدة هي أن يعتمد الإنسان على هذا المعلق، ويعتقد أنه حرز له، فيستغني به عن الحرز الصحيح، وهو التلاوة باللسان، فإنها هي الحرز النافع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في آية الكرسي: (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح).
فالإنسان إذا شعر أن تعليق هذه الآيات على الجدران مما يحفظه، فإنه سيشعر باستغنائه بها عن تلاوة القرآن، ثم إن فيها نوعاً من اتخاذ آيات الله هزواً، لأن المجالس لا تخلو غالباً من أقوال محرمة من غيبة أو سباب وشتم، أو أفعال محرمة، وربما يكون في هذه المجالس شيء من آلات اللهو التي حرمها الشرع، فتوجد هذه الأشياء والقرآن معلق فوق رؤوس الناس، فكأنهم في الحقيقة يسخرون به؛ لأن هذا القرآن يحرم هذه الأشياء، سواء كانت الآية المكتوبة هي الآية التي تحرم هذه الأشياء أو آية غيرها من القرآن، فإن هذا بلا شك نوع من الاستهزاء بآيات الله.
لذلك ننصح إخواننا المسلمين عن استعمال مثل هذه التعليقات، لا بالنسبة لاسم من أسماء الله أو أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، أو آيات من القرآن، ويستعملوا ما استعمله سلفهم الصالح، فإن في ذلك الخير والبركة.
بالنسبة لما أشار إليه الأخ من أن هذه البطاقات التي يكتب عليها القرآن ترمى في الأسواق، وفي الزبل وفي مواطئ الأقدام، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لما فيه من امتهان القرآن الكريم، لكن المخاطب بذلك من هي في يده، إلا أن الباعة الذين يبيعونها إذا علموا أن هذا يفعل بها غالباً يكون ذلك موجباً لتحريم بيعها والاتجار بها؛ لأن القاعدة الشرعية: أنه إذا كان العقد وسيلة لازمة أو غالبةً إلى شيء محرم فإن ذلك العقد يكون حراماً؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وأظن أن الإجابة على السؤال انتهت.
أما بالنسبة لتعليق القرآن على المرضى، سواء كانت أمراضهم جسدية أو نفسية للاستشفاء بها، فإن هذه موضع خلاف بين السلف والخلف، فمن العلماء من يجيز ذلك؛ لما يشعر به المريض من راحة نفسية، حيث إنه يحمل كلام الله عز وجل, وشعور المريض بالشيء له تأثير على المرض زيادةً ونقصاً وزوالاًَ كما هو معلوم.
ومن العلماء من قال: إنه لا يجوز، وذلك لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعمل مثل ذلك للاستشفاء، وإنما الاستشفاء بقراءة ما ورد على المريض، وإذا كان لم يرد عن الشارع أن هذا سببٌ فإن إثباته سبباً نوع من الشرك، ذلك لأنه لا يجوز أن نثبت أن هذا الشيء سبب إلا بدليل من الشرع، فإذا أثبتنا سببيته فمعنى ذلك أننا أحدثنا أمراً لم يكن في الشرع، وهذا نوع من الشرك.


بارك الله فيكم المستمع م. أ. أ. من القصيم يقول: أسأل عن قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).
لأنني قرأت بعض التفاسير، وخشيت أن يكون في بعضها ما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ).
نريد الجواب الشافي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحب أن أنبه على قول السائل: إنه يسأل عن قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).
فإن ظاهر لفظه أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من مقول الله، والذي ينبغي إذا أراد أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أن يقدمها على قول الله، فيقول مثلاً: أسأل عن هذه الآية ثم يذكرها، أو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ما معنى قوله تعالى كذا وكذا.
وأما بالنسبة لسؤاله: فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، بدون تحريف، بل يجرى الكلام على ظاهره؛ لأن المتكلم به- وهو الله عز وجل- أعلم بنفسه من غيره، ولأنه تبارك وتعالى أصدق القائلين، وكلامه أفصح الكلام وأبينه، ومراده عز وجل من عباده أن يهتدوا ولا يضلوا، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بربه، وكلامه أصدق كلام الخلق وأفصحه، ومراده صلى الله عليه وسلم هداية الخلق دون ضلالهم، وهذه الصفات الأربع: العلم والصدق والفصاحة وإرادة الخير، إذا توافرت في كلام فقد بلغ الغاية في وجوب الأخذ بمدلوله على ظاهره، ولا يجوز أن يحرف إلى غير الظاهر.
وبناء على هذه القاعدة العظيمة نقول: إن كل ما وصف الله به نفسه من الصفات فهو حق على ظاهرها، ففي الآية الأولى التي ذكرها قال الله تبارك وتعالى عن المنافقين: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).
قال ذلك عز وجل ليبين أن خداعهم ومكرهم دون خداع الله تعالى لهم ومكره بهم، فهو كقوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
والخداع ليس وصفاً مطلقاً بالنسبة لله، ولكنه وصف في مقابلة من يخادعونه؛ ليبين أنه عز وجل أقدر منهم على الخداع والمكر، وهذا لا شك يدل على القوة وعلى ضعف المقابل، وليس به أي نقص يتوجه إلى الله عز وجل، ولهذا نرى الناس إذا أرادوا أن يخدعوا شخصاً فعرف خداعهم وخادعهم علموا أنه أقوى منهم وأشد، فالخداع في مقابلة المخادع صفة كمال وليس صفة نقص.
ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بارز عمرو بن ود وخرج إليه عمرو قال علي: إني لم أخرج لأبارز رجلين فالتفت عمرو يظن أنه قد لحقه آخر، فلما التفت ضربه علي حتى أهلكه، فهذا من الخداع الجائز، لأن عمرو بن ود إنما خرج من أجل أن يقتل علياً رضي الله عنه، والحرب خدعة، فخدعه علي رضي الله عنه بهذه الكلمة حتى قضى عليه، ويعد هذا من قدرة علي رضي الله عنه وقوته في خداع خصمه.
ولهذا نقول: إن الخداع والاستهزاء والمكر والكيد الذي وصف الله به نفسه إنما يوصف الله به في مقابل من فعل ذلك، لا على سبيل الإطلاق.
ولهذا ننبه على مسألة يقولها بعض العامة، يقولون: خان الله من يخون، فيظنون أن الخيانة مثل الخداع، وهذا ليس بصحيح، لأن الخيانة خداع في غير موضعه، ومكر في غير موضعه، فلا يجوز أن يوصف الله بها، ولهذا قال الله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُم) ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة وصف لا يليق بالله تعالى مطلقاً؛ لأنه مذموم على كل حال.
فضيلة الشيخ: قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية كما قلنا في الآية الأولى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).
وكما أشرنا إلى آية ثالثة: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وإلى آية رابعة: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدا.
ً وَأَكِيدُ كَيْداً).


يقول السائل: مذهب أهل السنة والجماعة هو بأن كل صفة من صفات الله التي أثبتها لنفسه نثبتها له من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، فكيف نفسر الآيات الكريمات، الآية الأولى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً)، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مذهب السلف الصالح الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين من بعدهم هو: أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وهذا هو المذهب الحق الذي دل عليه السمع والعقل، أي: دل عليه الشرع والعقل، وذلك لأن صفات الله سبحانه وتعالى مجهولة لنا، لا نعلم منها إلا ما أخبرنا الله به عن نفسه، وما أخبرنا به عن نفسه فهو حق؛ لأنه خبر صادق ممن هو أعلم بنفسه من غيره، ولأننا لا ندرك ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه على وجه التفصيل إلا عن طريق الكتاب والسنة، وعلى هذا فما وصف الله به نفسه وجب علينا قبوله والإيمان به، لكننا لا نحيط به على وجه الحقيقة، بمعنى: أننا لا ندرك كيفيته، فمثلاً استواء الله على عرشه أثبته الله تعالى لنفسه في سبعة مواضع من كتابه العزيز، فنحن نعلم عن الاستواء على الشيء أنه العلو عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ).
ولكننا لا نعلم كيفية استواء الله تعالى على عرشه، يعني: لا نعلم على أي صفةٍ هو، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عليه عن ذلك، فقال له رجل: يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً من شدة ما سمع من السؤال وهيبته وتعظيمه لله عز وجل، ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
يعني: أن الاستواء غير مجهول في اللغة العربية، بل هو معلوم، فإن اللغة العربية تدل على أن استوى على الشيء بمعنى علا عليه، والقرآن نزل باللغة العربية، كما قال الله تبارك وتعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ).
وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
أي: صيرناه باللسان العربي من أجل أن تعقلوه وتفهموه.
فقوله رحمه الله: الاستواء غير مجهول، أي: معلوم المعنى واضح المعنى.
والكيف غير معقول، أي: إن عقولنا أقصر وأحقر من أن تدرك كيفية استواء الله على عرشه، وهكذا بقية الصفات لا يمكن لعقولنا القاصرة أن تدرك كيفيتها.
والإيمان به واجب، أي: الإيمان بالاستواء على ما تقتضيه اللغة العربية واجب؛ لأن الله أخبر به عن نفسه، فوجب علينا قبوله والإيمان به.
والسؤال عنه- أي: عن الاستواء، أي: عن كيفيته- بدعة، أي: إنه من ديدن أهل البدع، وهو أيضاً بدعة لكون الصحابة لم يسألوا عنه رسول صلى الله عليه وعلى آله سلم.
فالقاعدة العريضة للسلف الصالح وأئمة المسلمين هي: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
واعلم أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: قسم كمال مطلق بكل حال، فهو يوصف الله به وصفاً مطلقاً على كل حال، كالسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام وما أشبهها.
وقسم آخر لا يكون كمالاً على كل حال، لكنه كمال في موضعه، كالآيات التي ذكرها السائل، فإن الله لا يوصف بها مطلقاً، أي: على سبيل الإطلاق، وإنما يوصف بها حيث تكون كمالاً، كما سيتبين إن شاء الله من الكلام على كل آية وحدها.
فقوله تعالى في الآية الأولى: (الله يستهزئ بهم) أي: المنافقين؛ لأن المنافقين (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أي: مستهزئون بالمؤمنين حيث نقول لهم: إننا آمنا، وهم لم يؤمنوا، فقال الله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
فقابل استهزاءهم بالمؤمنين باستهزائه تبارك وتعالى بهم، وذلك حيث مكن لهم وأمهلهم واستدرجهم من حيث لا يعلمون، فهذا استهزاء في مقابلة استهزاء, واستهزاء الله تعالى أعظم وأكبر من استهزائهم بالمؤمنين.
والآية الثانية: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) وهذه أيضاً في المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، وفي آية أخرى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ).
والمخادعة وصف محمود إذا وقع في محله، ولهذا قيل: الحرب خدعة، فهؤلاء المنافقون يخادعون الله والذين آمنوا ويغرونهم ويرونهم أنهم مؤمنون- وهم غير مؤمنين- خداعاً ومكراً وكيداً، فيقول الله عز وجل: إن الله خادعهم، وذلك بإمهاله لهم واستدراجه لهم وحقن دمائهم ومعاملتهم معاملة المسلمين، لكنه عز وجل سيريهم العذاب الأليم حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة، وهذا لا شك خداع بهم، حيث يعاملهم سبحانه وتعالى معاملة الرضا وهم على العكس من ذلك.
الآية الثالثة: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً).
إنهم يعني: المكذبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يكيدون للنبي صلى الله عليه كيداً عظيماً، ولكن الله تعالى يكيد بهم كيداً أعظم.
وتأمل قوله: (يَكِيدُونَ) حيث أتى بصيغة الجمع (وَأَكِيدُ) حيث أتى بصيغة الإفراد، فإن كيد الله تعالى أعظم من كيد جميع كيودهم مهما بلغت والكيد والمكر متقاربان، ومعناهما: الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، يعني: أن يوقع الإنسان بخصمه من حيث لا يشعر به، وقد كاد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المشركين المكذبين به كيداً عظيماً، كما هو معلوم من قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
وفي الآية الأخيرة: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) هذه أيضاً كقوله: (إنهم يكيدون كيداً.
وأكيد كيداً) يعني: أن الكفار يمكرون بأولياء الله عز وجل، ولكن الله تعالى يمكر بهم، فيقابلهم بما هو أعظم وأشد من مكرهم، ولهذا قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أي: أعظمهم وأشدهم.
والمكر- كما قلت آنفاً- هو الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، فهو دليل على القوة والعلم والقدرة، فيكون في مقابلة الفاعل صفة مدح وكمال، لكن لا يوصف الله تعالى بأنه ماكر على سبيل الإطلاق، أو بأنه خادع، أو بأنه كائد، أو بأنه مستهزئ على وجه الإطلاق، بل يقال: إنه سبحانه وتعالى ماكر بمن يمكر به، ومستهزئ بمن يستهزئ به، وهكذا.


الإيمان بالملائكة

جزاكم الله خيراً يقول هذا السائل إبراهيم من الرياض: ما هي أهمية الإيمان بالملائكة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإيمان بالملائكة أهميته عظيمة؛ لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، كما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
أما كيف نؤمن بهم؟ فنؤمن بأنهم عالم غيبي خلقوا من نور، وجعل الله منهم رسلاً ومنهم عباداً، وهم على قوة عظيمة، ولا سيما جبريل عليه السلام، فقد وصفه الله بأنه ذو قوة فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين ٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ).
وهم في وظائفهم أقسام: منهم ملائكة مع الإنسان عن اليمين وعن الشمال يكتبون أعماله الحسنة والسيئة، ومنهم ملائكة يحفظون الإنسان من أمر الله عز وجل يتعاقبون بالليل والنهار، هؤلاء في الليل وهؤلاء في النهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح، ومنهم ملائكة موكلون بسؤال الأموات بعد الدفن.
المهم أنهم عالم غيبي عظيم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط) - والأطيط هو صرير الرحل، رحل البعير، إذا حمِّل وصار البعير يمشي، يكون له أطيط، أي: صرير- يقول: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد).
(وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البيت المعمور الذي في السماء السابعة: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه في اليوم الثاني، بل يأتي غيرهم، إلى يوم القيامة) أو إلى ما بعد ذلك الله أعلم.
المهم أنهم جنود لا يعلمهم إلا الله عز وجل، فنؤمن بما عرفنا من أسمائهم، ونؤمن بما عرفنا من أوصافهم، ونؤمن بما عرفنا من وظائفهم، وما عدا ذلك فالله أعلم.


بارك الله فيكم المستمع من جمهورية مصر العربية والذي رمز لاسمه بـ م ل م يقول: فضيلة الشيخ نود أن تعطونا نبذة عن خلق الملائكة، وهل تأتي على صورة حيوان؟ ما صحة ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الملائكة عالم غيبي خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وكلفهم بما شاء من العبادات والأوامر، واصطفى منهم رسلاً، كما قال الله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ).
فمنهم الرسل الموكلون بالوحي، كجبريل عليه الصلاة والسلام.
ومنهم الرسل الموكلون بقبض أراوح بني آدم، كما قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ).
ومنهم الكتبة الذين يكتبون أعمال بني آدم، ومنهم الحفظة الذين يحفظونهم من أمر الله، ومنهم السياحون الذين يسيحون في الأرض يتلمسون حلق الذكر، إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من أعمالهم ووظائفهم.
وأما أوصافهم: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل وله ستمائة جناح قد سد الأفق، ولكن مع هذا له قدرة بإذن الله عز وجل أن يكون على صورة إنسان، كما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام على صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، وعن الساعة وأشراطها، وكما جاء إليه بصورة دحية الكلبي، وكما أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى، وأن الملك جاء إلى كل واحد منهم وسأله عن أحب ما يكون إليه، ثم بعد أن أنعم الله عليهم بإزالة العيوب وبالمال عاد إليهم الملك بصورة كل واحد منهم قبل أن يزول عنه العيب ويحصل له الغنى، والقصة معروفة مشهورة.
ثم إن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم قدرة عظيمة، وسرعة عظيمة في الطيران والوصول إلى الغايات، ألم تر إلى قول سليمان عليه الصلاة والسلام: (يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مسلمين) أي: عرش بلقيس، وهو السرير الذي تجلس عليه، وهو عرش عظيم.
(قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ).
قال أهل العلم: إن هذا الرجل دعا الله عز وجل، فحملت الملائكة العرش حتى وضعته عند سليمان عليه الصلاة والسلام.
ثم ألم تر إلى الإنسان يموت فتقبض الملائكة روحه، وتصعد بها إلى الله عز وجل إذا كان مؤمناً إلى ما فوق السماوات، وتعاد إليه روحه إذا دفن في قبره؟ وكل هذا يدل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم قوة عظيمة وسرعة عظيمة.
ومن أراد أن يقف على شيء من أوصافهم وأحوالهم فليرجع إلى الكتب المصنفة في ذلك، منها كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله.


المستمعة أشواق تقول: إن الله سبحانه وتعالى قد خلق لنا كراماً كاتبين، يكتبون كل ما نقول ونفعل. السؤال: ما الحكمة من خلقهم؟ مع العلم بأن الله سبحانه وتعالى يعلم ولا يخفى عليه ما نسر وما نعلن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جوابنا على هذا السؤال أن نقول: أولا: ً مثل هذه الأمور قد ندرك حكمتها وقد لا ندرك، فإن كثيراً من الأشياء لا نعرف حكمتها، كما قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).
فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل: ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه؟ وجعل الخيل على هذا الوجه؟ وجعل الحمير على هذا الوجه؟ وجعل الآدمي على هذا الوجه؟ وما أشبه ذلك، لو سُئلنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سُئلنا: ما الحكمة في أن الله عز وجل جعل صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، وصلاة العشاء أربعاً؟ وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعرف الحكمة في ذلك، إذ قد يقول قائل: لماذا لم تجعل ثماني أو ستاً؟ ولهذا علمنا أن كثيراً من الأمور الكونية وكثيراً من الأمور الشرعية تخفى علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو الأشياء المشروعة إن منّ الله علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها فإن ذلك لم ينقصنا شيئاً.
ثم نعود إلى جواب السؤال، وهو: ما الحكمة في أن الله وكل بنا كراماً كاتبين يعلمون ما نفعل؟ فالحكمة من ذلك بيان أن الله سبحانه وتعالى نظم الأشياء وقدرها، وأحكمها إحكاماً متقناً، حتى أنه سبحانه وتعالى جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراماً كاتبين يكتبون ما يفعلون، مع أنه سبحانه وتعالى عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله عز وجل بالإنسان، وكمال حفظه تبارك وتعالى، وأن هذا الكون منظم أحسن نظام، ومحكم أحسن إحكام.


بارك الله فيكم المستمعة من المدينة المنورة أم عبد الله تقول: فضيلة الشيخ بعض الناس يقومون بوضع البخور في بيوتٍ قديمة، يدعون أنهم يبخرونها للملائكة، ويضعون قطعاً من القماش ويبخرونها.
فما حكم الشرع في نظركم في ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول: إن هؤلاء جماعة من الخرافيين السفهاء في عقولهم، الضالين في عملهم؛ لأن الملائكة لا يمكن أن تكون أماكنها الأماكن الخربة، الأماكن الخربة يمكن أن تكون مأوى الجن أو الشياطين، أما الملائكة فإن مأواها في الأرض هي بيوت الله عز وجل، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمن أكل بصلاً أو ثوماً قال: (فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، فالطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.
وأضل من ذلك أن يبخروا هذه الأماكن، وكذلك يجعلون قطعاً من القماش ويبخرونها، وكل هذا ضلال في الدين وسفه في العقل.
والواجب على من علم بذلك أن ينكر على من فعلها، ويبين له أن هذا خطأ عظيم، وأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أجل وأكرم عند الله من أن يجعل مأواهم هذه البيوت الخربة.


يقول السائل: هل هناك أدلة تدل على أفضلية الملائكة على الصالحين من بني البشر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة- وهي: المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من البشر- محل خلاف بين أهل العلم، وكل منهم أدلى بدلوه فيما يحتج به من النصوص، ولكن القول الراجح أن يقال: إن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية، فإن الله سبحانه وتعالى يؤدي لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم- أي: في مقر الصالحين، وهو الجنة- يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
أما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل؛ لأنهم خلقوا من نور، وجبلوا على طاعة الله عز وجل والقوة عليها، كما قال الله تعالى في الملائكة ملائكة النار: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
وقال عز وجل: (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) هذا هو القول الفصل في هذه المسألة.
وبعد فإن الخوض فيها، وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة، من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به.
والله المستعان.


الجن والشياطين

جزاكم الله خيراً عبد المجيد محمد له هذا السؤال يقول: ما الفرق بين الجن والشياطين؟ وهل هم من فصيلة واحدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الشياطين يكونون من الجن والإنس، كما قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً).
بل يكون الشيطان من غير العقلاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود شيطان).
وأما الجن فإنه من ذرية إبليس، كما قال الله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً).


هذه رسالة وردتنا من أحد السادة المستمعين يقول: أخوكم في الله ريكان غيلان الضامن من الجمهورية العراقية يقول: نحن نعرف أن إبليس هو أبو الشياطين، فكيف تتكاثر الشياطين وكيف تتناقص؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: لا شك أن إبليس هو أبو الجن؛ لقوله تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ).
وقوله عن إبليس وهو يخاطب رب العزة سبحانه وتعالى: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
وقوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُو).
فهذه الأمور أدلتها واضحة أن الشيطان له ذرية، وأن الجن ذريته، ولكن كيف يكون ذلك؟ هذا ما لا علم لنا به، وهو من الأمور التي لا يضر الجهل بها، ولا ينفع العلم بها.
والله أعلم.


السائل أنور محمد إبراهيم من العراق محافظة ذي قار يقول: كيف هي حقيقة حياة الجن؟ وهل بينهم تزاوج شرعي؟ وهل هم يعيشون ويموتون مثلنا نحن الإنس؟ وهل لهم تأثير على الإنس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حقيقة حياة الجن الله أعلم بها، ولكننا نعلم أن الجن أجسام لها حقيقة، وأنهم خلقوا من النار، وأنهم يأكلون ويشربون ويتزاوجون أيضاً، ولهم ذرية، كما قال الله تعالى في الشيطان: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ).
وأنهم مكلفون بالعبادات، فقد أرسل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وحضروا واستمعوا القرآن، كما قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً).
وكما قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) إلى آخر الآيات.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال للجن الذين وفدوا إليه وسألوه الزاد، قال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً).
وهم- يعني: الجن- يشاركون الإنسان إذا أكل ولم يذكر اسم الله على أكله، ولهذا كانت التسمية على الأكل واجبة، وكذلك على الشرب، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وعليه.
فإن الجن حقيقة واقعة، وإنكارهم تكذيب للقرآن، وكفر بالله عز وجل، وهم يؤمَرون وينهون، ويدخل كافرهم النار، كما قال الله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنَ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
ومؤمنهم يدخل الجنة أيضاً لقوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
والخطاب للجن والإنس، ولقوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا).
إلى غير ذلك من الآيات والنصوص الدالة على أنهم مكلفون، يدخلون الجنة إذا آمنوا، ويدخلون النار إذا لم يؤمنوا.
فضيلة الشيخ: تأثيرهم على الإنس.
فأجاب رحمه الله تعالى: أما تأثيرهم على الإنس فإنه واقع أيضاً، فإنهم يؤثرون على الإنس: إما أن يدخلوا في جسد الإنسان فيصرع ويتألم، وإما أن يؤثروا عليه بالإيحاش والترويع وما أشبه ذلك.
فضيلة الشيخ: كيف العلاج من تأثيرهم؟ فأجاب رحمه الله تعالى: العلاج من تأثيرهم بالأوراد الشرعية، مثل: قراءة آية الكرسي، فإن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.


بارك الله فيكم، المستمعة هناء محمد تقول: سمعت بأنه يوجد جن صالحون وجن شياطين، هل يظهرون للإنسان؟ وكيف نتجنب ظهورهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الجن كالإنس فيهم الصالحون، فيهم المسلمون، فيهم الكافرون، فيهم الأولياء الذين آمنوا بالله وكانوا يتقون.
ذكر الله تبارك وتعالى في سورة الجن عن الجن أنهم قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ).
وقالوا أيضاً: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).
وفيهم- أي: في الجن- من يحب الصالحين من الإنس، وربما يخاطبهم وينتفع بهم بالنصيحة والتعليم، وفيهم- أي: في الجن- فساق وكفار يحبون الفاسقين والكافرين ويبغضون المؤمنين وأهل الاستقامة، وفي الجن من يحب العدوان على الإنس والأذية، وهم في الأصل عالم غيبي لا يظهرون للإنس، لكن ربما يظهرون أحياناً ويراهم الإنس وربما يتشكلون بأشكال مؤذية مزعجة لأجل أن يروعوا الإنس، ولكن الإنسان إذا تحصن بالأوراد الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاه الله شرهم، ومن ذلك قراءة آية الكرسي، وهي قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
فإن هذه الآية العظيمة من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، ولكن لابد أن يكون القارئ مؤمناً بها، مؤمناً بأثرها، مؤمناً بأن الله تعالى يحفظه بها من كل شيطان، أما من قرأها وهو غافل، أو من قرأها مجرباً غير موقن بأثرها فإنه لا ينتفع بها.


هل الجن قد أسلموا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بالرسل من قبل؟ وأيضاً هل مفروض عليهم الحج؟ وإن كان كذلك فأين يحجون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على ذلك أن الجن مكلفون بلا شك، مكلفون بطاعة الله سبحانه وتعالى، وأن منهم المسلم والكافر، ومنهم الصالح ومنهم دون ذلك، كما ذكر الله تعالى في سورة الجن عنهم حيث قالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً).
وقالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).
وقد صرف الله نفراً من الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعوا القرآن وآمنوا به، وذهبوا دعاة إلى قومهم، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
وهذا يدل على أن الجن كانوا يؤمنون بالرسل السابقين، وأنهم يعلمون كتبهم؛ لقولهم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكرم الوفد، وفد الجن الذين وفدوا إليه بأن قال لهم: (لكم كل عظم يذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة فهي علف لدوابكم).ولهذا (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بالعظام، وعن الاستجمار بالروث، وقال: إن العظام زاد إخوانكم من الجن).
فضيلة الشيخ: يقول: هل مفروض عليهم الحج؟ وإن كان كذلك فأين يحجون؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنهم مكلفون بما يكلف به الإنس من العبادات، ولاسيما أصولها كالأركان الخمسة، وحجهم يكون كحج الإنس زمناً ومكاناً، وإن كانوا قد يختلفون عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم، فتكون مختلفة عن التكليف الذي يكلف به الإنس.


بارك الله فيكم هذه الرسالة من السائلة الزهراء ع. م. ن. من البيضاء من الجماهيرية العربية الليبية تقول: هل للجن تأثيرٌ حقيقة على الإنسان؟ كما نسمع من تسلط بعض ذكور الجن على إناث الإنس، وتسلط بعض إناث الجن على رجال من الإنس؟ وكيف التخلص من هذا إن كان هذا وارداً؟ وبأي الطرق يمكن معالجة من به مثل هذه الحالة، دون الرجوع إلى وسائل محرمة ومخالفة للتوحيد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لاشك أن الجن لهم تأثير على الإنس، بالأذية التي قد تصل إلى القتل، وربما يؤذونه برمي الحجارة، وربما يؤذونه بالإيحاش، أي: يروعونه، إلى غير ذلك من الأشياء التي ثبتت بها السنة ودل عليها الواقع.
وقد ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لبعض أصحابه أن يذهب إلى أهله في إحدى الغزوات- وأظنها غزوة الخندق- وكان شاباً حديث عهد بعرس، فلما وصل إلى بيته وإذا امرأته على الباب، فأنكر عليها ذلك فقالت له: ادخل، فدخل فإذا حية ملتوية على الفراش، فكان معه رمح فوخزها بالرمح حتى ماتت، وفي الحال وفي الزمن أو في اللحظة التي ماتت فيها الحية مات الرجل، فلا يدرى أيهما أسبق موتاً: الحية أم الرجل؟ فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن قتل الجان التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين).
وهذا دليل على أن الجن قد يعتدون على الإنس، وأنهم يؤذونهم.
كما أن الواقع شاهد بذلك، فإنه قد تواترت الأخبار واستفاضت الأخبار بأن الإنسان قد يأتي إلى خربة فينال الحجارة، وهو لا يرى أحداً من الإنس في الخربة، وقد يسمع أصواتاً، وقد يسمع حفيفاً كحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك مما يستوحش به ويتأذى به.
وكذلك أيضاً قد يدخل الجني إلى جسد الآدمي: إما لعشق، أو لقصد الإيذاء، أو لسبب آخر من الأسباب.
ويشير إلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).
وفي هذا النوع قد يتحدث الجني من باطن نفس الإنسي ويخاطب من يقرأ عليه آيات من القرآن، وربما يأخذ القارئ عليه عهداً ألا يعود، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي استفاضت بها الأخبار وانتشرت بين الناس.
وعلى هذا فإن الوقاية المانعة من شره- من شر الجن- أن يستعيذ الإنسان، أو أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم، مثل: آية الكرسي، فإنها آية إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.


يقول السائل: من المعلوم أن من الجن من هم صالحون، كما يثبت ذلك ويؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ).
فهل يجوز الاستعانة بهم في الأشياء التي هي فوق طاقة الإنسان وقدرته؟ أم أن ذلك يؤثر على عقيدة المسلم وتوحيده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن الجن كما ذكر السائل وعلى ما استدل به من أن فيهم الصالح وفيهم دون ذلك، كما في الآية الكريمة التي ذكرها السائل، وفيهم أيضاً المسلم والكافر، كما قال تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).
ومن المعلوم أن الصالح منهم لا يرضى بالفسق ولا يعين عليه، وكذلك المسلم لا يرضى بالكفر ولا يعين عليه، ولهذا قال الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ).
فكافرهم يدخل النار، كما تفيده هذه الآية والآية التي في سورة الجن: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).
ومؤمنهم يدخل الجنة على القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ لقوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
فأخبر أن لمن خاف مقام ربه جنتين، وخاطب بذلك الجن والإنس في قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
وقد سمى النبي عليه الصلاة والسلام المؤمنين منهم إخوة لنا، حين نهى عن الاستنجاء بالعظام وقال: (إنها طعام إخوانكم أو زاد إخوانكم) يعني: من الجن.
وأما الاستعانة بهم: فإني أحيل السائل على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي جمع ابن القاسم صفحة ثلاثمائة وسبع مجلد أحد عشر، وما ذكره رحمه الله في كتابه النبوات صفحة مائتين وستين إلى مائتين وسبع وستين، ففيه كفاية.


أسمع دائماً من الناس أن الجن يتصورون في صورة طيور وقطط وأغنام، وأنا أنكر ذلك ولم أصدق به؛ لأن الجن مخلوق مثلنا، ولن يستطيع تغيير الخلق إلا الله سبحانه وتعالى. فهل هذا صحيح أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرته أمرٌ مشهور بين الناس أن الجن قد يتشكلون بشكل شيء مشاهد ومرئي، وربما يشهد له الحديث الثابت في الصحيح أن رجلاً شاباً من الأنصار كان حديث عهدٍ بعرس، فجاء ذات يومٍ أو ليلة فوجد أهله على الباب، فسألهم: ما هو السبب؟ فذكرت له ما في الفراش، فذهب إلى فراشه فوجد فيه حيةً، فأخذ رمحاً فطعنها فماتت هذه الحية، ثم مات الرجل فوراً، فلا يدرى أيهما أسرع موتاً: الرجل أم الحية؟ ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الحيات التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين.
وهذا يدل على أن هذا كان جناً، وأنه وقد تصور بصورة الحية، والحكايات في ذلك كثيرةٌ ومشهورة، ولكن هذا الحديث الصحيح قد يشهد لصحتها.
وكما أنه يتصور الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأشكالٍ ليست على هيئتهم التي خلقوا عليها، فإن جبريل صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً بصورة دحية الكلبي، وجاء إليه مرة بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحدٌ من الصحابة، وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه جلسة المتأدب، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم الأسئلة المشهورة في الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأشراطها، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
ومن المعلوم أن قدرتهم على التشكل بهذا الشكل إنما هي من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي أقدرهم على ذلك، فلا يبعد أن يكون الجن هكذا يستطيعون أن يتصوروا أو يتشكلوا للناس بأشكالٍ متعددة، هذا الذي ظهر لي في هذه المسألة.


الإيمان بالكتب

التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة هل هي منسوخة بالقرآن؟ وما هو الدليل من القرآن إن وجد؟ والسنة المطهرة؟ وما حكم قراءتها بالنسبة للعالم للاطلاع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكتب السابقة منسوخة بالقرآن الكريم؛ لقول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).
فكلمة: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) تقتضي أن القرآن الكريم حاكم على جميع الكتب السابقة، وأن السلطة له، فهو ناسخ لجميع ما سبقه من الكتب.
وأما قراءة الكتب السابقة: فإن كان للاهتداء بها والاسترشاد فهو حرام ولا يجوز؛ لأن ذلك طعن في القرآن والسنة، حيث يعتقد هذا المسترشد أنها- أي: الكتب السابقة- أكمل مما في القرآن والسنة، وإن كان للاطلاع عليها ليعرف ما فيها من حق فيرد به على من خالفوا الإسلام فهذا لا بأس به، وقد يكون واجباً؛ لأن معرفة الداء هي التي يمكن بها تشخيص المرض ومحاولة شفائه، أما من ليس عالماً ولا يريد أن يطلع ليرد فهذا لا يطالعها.
إذاً فأقسام الناس فيها ثلاثة: من طالعها للاسترشاد بها فهذا حرام ولا يجوز؛ لأنه طعن في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طالعها ليعرف ما فيها من حق فيرد به على من تمسكوا بها وتركوا الإسلام فهذا جائز، بل قد يكون واجباً، ومن طالعها لمجرد المطالعة فقط، لا ليهتدي بها ولا ليرد بها، فهذا جائز، لكن الأولى التباعد عن ذلك؛ لئلا يخادعه الشيطان بها.


تقول السائلة: ماحكم قراءة الكتب السماوية مع علمنا بتحريفها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أنه ليس هناك كتابٌ سماوي يتعبد لله بقراءته، وليس هناك كتابٌ سماوي يتعبد الإنسان لله تعالى بما شرع فيه، إلا كتاباً واحداً وهو القرآن، ولا يحل لأحد أن يطالع في كتب الإنجيل ولا في كتب التوراة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيفة من التوراة، فغضب وقال: (أفي شكٍ أنت يا ابن الخطاب) ؟ والحديث وإن كان في صحته نظر لكن صحيح أنه لا اهتداء إلا بالقرآن.
ثم هذه الكتب التي بأيدي النصارى الآن أو بأيدي اليهود هل هي المنزلة من السماء؟ إنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، فلا يوثق أن ما في أيديهم هي الكتب التي نزلها الله عز وجل، ثم إن جميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن، فلا حاجة لها إطلاقاً.
نعم لو فرض أن هناك طالب علم ذا غيرةٍ في دينه وبصيرةٍ في علمه طالع كتب اليهود والنصارى من أجل أن يرد عليهم منها فهذا لا بأس أن يطالعها لهذه المصلحة، وأما عامة الناس فلا، وأرى من الواجب على كل من رأى من هذه الكتب شيئاً أن يحرقه، النصارى عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة صاروا يبثون في الناس الآن ما يدعونه إنجيلاً على شكل المصحف تماماً، مشكل على وجهٍ صحيح، وفيه فواصل كفواصل السور، والذي لا يعرف المصحف- كرجلٍ مسلم ولكنه لا يقرأ- إذا رأى هذا ظن أنه القرآن، كل هذا من خبثهم ودسهم على الإسلام، فإذا رأيت أخي المسلم مثل هذا فبادر بإحراقه يكن لك أجر؛ لأن هذا من باب الدفاع عن الإسلام.


عثمان محمد علي سوداني يقول في رسالته: عثرت على بعض الكتب المسيحية، فهل يصح إحراقها أم يجب عليّ أن أدفعها للمسيحيين لأنها تخصهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كأن السائل يريد أنه وجد نسخاً من الإنجيل، وأشكل عليه: هل يحرقها، أو يدفعها للنصارى الذين يدعون أنهم متبعون لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؟ والذي أرى أنه يجب عليه إحراقها، وأنه لا يحل له أن يعطيها النصارى.


هذه الرسالة وردتنا من الأخ صلاح ساري أبو الخير من جمهورية مصر العربية من دقهلية يقول في رسالته: ما هو الحكم في الذي يقرأ بالإنجيل؟ فهل هو حلال أم حرام، مع العلم أنه يتلو القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تلاوة غير القرآن الكريم من الكتب السابقة تقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون التالي عالماً بالشريعة، ويتلوها ليقيم الحجة على معتنقيها بصدق ما جاء به الإسلام، فالتلاوة هنا وسيلة إلى أمر محمود فتكون محمودة.
والقسم الثاني: أن تكون التلاوة من عامي لا يعرف الشريعة، ويقصد الاهتداء بهذه الكتب، فهذه حرام عليه، أي: هذه التلاوة حرام عليه؛ لأنه لا يجوز أن يسترشد بالكتب السابقة وعنده هذا القرآن الكريم الذي كان مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليها، ولا يجوز الاهتداء بغير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو خلاصة الجواب في مسألة مطالعة كتب غير المسلمين.


هذه يا شيخ رسالة وردت من محمد العيسى الحمود الجارياوي يقول في رسالته: إنني قرأت في كتاب وهو كتاب مسيحي، وفيه مكتوب أن المسيح ابن الله تعالى، وأنا أعرف أنه خطأ وكفر بالله، هل يلحقني ذنب في هذه القراءة؟ أرشدوني جزاكم الله خيراً، رغم أن الكتاب فيه عدة أخطاء وكفر بالله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب الذي قرأت للمسيحي لم تبين أنه الإنجيل أو غيره، وعلى كل حال فإن الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل قراءتها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرأها للاسترشاد بها والاستفادة منها، فهذا لا يجوز، وذلك لأن في القرآن والسنة ما يغني عنها.
ثانياً: أن يقرأها ليعرف ما فيها من حق فيلزم به متبعيها، ويبين خطأهم في مخالفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا لا بأس به، بل هو مطلوب إما وجوباً وإما استحباباً.
الثالث: أن يقرأها لمجرد المطالعة فقط ليعرف ما عندهم، وليس يريد أن يسترشد بها أو يهتدي بها عن القرآن والسنة، ولا أن يرد على متبعيها باطلهم، فالأولى هنا أن لا يفعل؛ لأنه يخشى أن يتأثر بها ويجعلها مصدراً لرشاده وهدايته.


حنان وسامية من بابلة الأردن المستمعتان تسألان: نحن نعلم بأن القرآن الكريم نزل مفرقاً، وورد بالقرآن أنه نزل في ليلة القدر، هل معنى ذلك بأنه نزل في كل سنة من ليلة القدر؟ نرجو بهذا إفادة يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا يخفى علينا جميعاً أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) أي: حتى يسمع القرآن.
وليس المعنى أن هذا المستجير يسمع كلام الله نفسه من الله، بل إنما يسمع القرآن الذي هو كلام الله عز وجل، وأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، كما قال الله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
وكما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) فالقرآن نزل من عند الله عز وجل، ونزوله كان مفرقاً، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً).
وقال تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً).
ولنزوله مفرقاً فوائد كثيرة، ذكرها أهل العلم في التفسير في أصول التفسير.
فأما قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
فقد اختلف المفسرون فيها، فقال بعضهم: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، فيكون القرآن أول ما نزل في ليلة القدر، ثم نزل متتابعاً حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل.
وقال بعض العلماء: إنه نزل إلى بيت العزة جميعاً في ليلة القدر، ثم نزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً بعد ذلك.
لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يقتضي إنزاله إلى منتهى إنزاله، وهو قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه لم ينزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً في ليلة واحدة، بل نزل مفرقاً، فيكون المعنى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، ثم صار ينزل مفرقاً حسب ما تقتضيه حكمة الله تبارك وتعالى.


بارك الله فيكم السائلة أع ن تقول: هل نزول القرآن باللغة العربية يجعل الأعجميين لديهم عذر أو حجة لأن القرآن ليس بلغتهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس للأعجميين حجة أو عذر لكون القرآن ليس بلغتهم، بل عليهم أن يتعلموا لغة القرآن؛ لأنه إذا توقف فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تعلم العربية كان تعلم العربية واجباً، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا كان من أئمة اللغة العربية قوم من العجم من فارس وغيرها، وصاروا أئمة في العربية لأنهم عرفوا قدر تعلم اللغة العربية، فتعلموها فصاروا أئمة فيها.
وأما تعصب بعض الناس للغتهم، وعدم تحولهم إلى اللغة العربية مع قدرتهم على ذلك، فهذا من حمية الجاهلية، والقرآن ولله الحمد الآن انتشر بين العالم، وترجم معناه إلى لغات متعددة، لغات عالمية حية، ولغات في مناطق معينة، فلا حجة لأحد اليوم في قوله: إن لساني ليس عربيّاً فلا أفهم القرآن.


جزاكم الله خيراً هذه السائلة دعاء م. ع من جمهورية مصر العربية البحيرة تقول في هذا السؤال: قرأت في كتاب بأن أهل السنة والجماعة قالوا بأن من قال: إن القرآن محدث فهو كافر، وإن القرآن ليس مخلوقاً.
فما معنى أن القرآن ليس محدثاً وليس مخلوقاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما من قال: إن القرآن مخلوق، فهو مبتدع ضال؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة، وقد أنكر أئمة أهل السنة على من قال ذلك- أي: على من قال: إن القرآن مخلوق- إنكاراً شديداً، وحصلت بذلك الفتنة المشهورة التي جرت في زمن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، حتى إن بعضهم- أي: بعض الأئمة- أطلق الكفر على من قال: إن القرآن مخلوق، ولا شك أن من قال: إن القرآن مخلوق، فقد أبطل الأمر والنهي؛ لأنه إذا كان مخلوقاً فمعناه أنه شيء خلق على هذه الصورة المعينة، فهو كالنقوش في الجدران والورق وشبهها لا يفيد شيئاً، إذ ليس أمراً ولا نهياً ولا خبراً ولا استخباراً.
وأما من قال: إن القرآن محدث، فليس بمبتدع وليس بضال، بل قد قال الله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ).
نعم لو كان المخاطب لا يفهم من كلمة محدث إلا أنه مخلوق فهنا لا نخاطبه بذلك، ولا نقول: إنه محدث، خشية أن يتوهم ما ليس بجائز.
فضيلة الشيخ: لماذا اعتبرت الفرق الضالة بأن القرآن مخلوق وأنه محدث؟ وما هو الغرض من ذلك؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أولاً: كما سمعت كلمة محدث لا بأس بها، ما لم نكن نخاطب من يفهم منها الخلق، وأن "محدث" في إزاء مخلوق.
وأما المخلوق فإنهم إنما ذهبوا هذا المذهب لشبهات كانت عليهم، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ).
ومثل قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) وما أشبه ذلك، فظنوا أن هذا هو الحق، لكنهم بُيِّنَ لهم هذا، وبُيِّنَ لهم الغلط، إلا أنهم أصروا وعاندوا، وصاروا يدعون إلى بدعتهم هذه، وهي بدعة ضلالة.


ناصر دوارة من الجمهورية العربية السورية يقول: ما الفرق بين النبي والرسول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المشهور عند أهل العلم أن الفرق بينهما: أن النبي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، هذا هو الفرق عند جمهور أهل العلم.
وقيل: إن الفرق أن النبي لم يأت بشرع جديد، وإنما يكون مبلغاً بشرع من قبله، أي: إنه يحكم بشريعة من قبله بدون وحي جديد يوحى به إليه، كما في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ).
يحكم بها النبيون الذين أسلموا، وهم يحكمون بما في التوراة.
فأما إذا أتى بشرع فحينئذٍ- ولو كان تكميلاً لشرع من قبله- يكون رسولاً، ولا يرد على هذا التعريف إلا آدم، فإن آدم كان نبياً وليس برسول؛ لأن أول رسول نوح، وآدم نبي أوحي اليه بشرع، فعمل به، فأخذت به ذريته الذين كانوا في عهده.


فضيلة الشيخ ما الفرق بين الأنبياء والرسل؟ وهل توجد كتب غير الكتب الأربعة التي نزلت أو أنزلت على الأنبياء؟ وما هي الصحف التي أنزلت على إبراهيم؟ نرجو منكم الإجابة.

فأجاب رحمه الله تعالى: جميع من ذكروا في القرآن من النبيين رسل، حتى وإن ذكروا بوصف النبوة؛ لقول الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ).
وقوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) إلى أن قال: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
فكل نبيٌ ذكر في القرآن فإنه رسول، لكن ذكر العلماء رحمهم الله أن النبي هو الذي أوحى الله إليه بالشرع ولم يلزمه بتبليغه، وإنما أوحى الله إليه بالشرع لأجل أن يتعبد به، فيحيي شريعةً قبله أو يجدد شريعةً إذا لم يكن مسبوقاً بشريعةٍ من قبل.
فمن الأول قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ).
ومن الثاني- وهو: أن يكون الوحي الذي أوحي إلى النبي نبوة بلا رسالة- آدم عليه الصلاة والسلام، فإنه كان نبياً ولم يكن رسولاً، ومع ذلك فهو لم يجدد شريعةً قبله، وإنما تعبد لله تعالى بما أوحى إليه من الشرع، فتبعه على ذلك أولاده، فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، وأول رسولٍ بعثه الله عز وجل هو نوح عليه الصلاة والسلام، ومعه كتابٌ بلا شك، وآخر الرسل والأنبياء محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل رسول معه كتاب، ولكننا لا نعلم من الكتب السابقة إلا التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى، وقد اختلف العلماء في صحف موسى هل هي التوراة أم غيرها؟ والله أعلم.
هذا هو جواب السؤال.


الإيمان بالرسل

السائل ب م حجازي الخبر المملكة العربية السعودية يقول: أرجو أن تبينوا لنا مشكورين حقيقة الأمر في مسألة عصمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث يلتبس الأمر على كثير من الناس في هذا الشأن، كثيراً ما نسمع ما يمكن أن يفهم منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من الخطأ، كما يفهم من عموم قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
ولكن نرى في بعض ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصيب ويخطئ في بعض الأمور، كالسهو في الصلاة مثلاً.
فما حقيقة أمر العصمة للرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما هي الجوانب التي عصم منها من الخطأ تحديداً والجوانب التي لم يعصم من الخطأ مشكورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فإني أسأل هذا السائل: هل يؤمن بأن محمداً رسول الله على كل حال؟ هو يؤمن بهذا لا شك إن شاء الله، إذا كان يؤمن بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله فكفى، وما وقع منه فإنه لا ينافي الرسالة، فالسهو وقع منه في الصلاة، ولكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون).وعدم العلم وقع منه عليه الصلاة والسلام، فقد (صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلاه، وفي أثناء الصلاة خلع النعلين، فخلع المسلمون نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا؟ قالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا.
فقال: إن جبريل أتاني وأخبرني أن فيهما قذراً فخلعتهما).
فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى في نعليه ولم يعلم أن فيهما قذراً، وهذا أيضاً من طبيعة البشر أن الإنسان جاهل, هذا الأصل في الإنسان، كما قال الله عز وجل: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يجتهد في أفعاله ولا يكون اجتهاده مصيباً، لكنه حين فعله للشيء الذي صدر منه عن اجتهاد هو مصيب، كما في قول الله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى.
أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى.
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى.
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى.
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى.
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.
وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى.
وَهُوَ يَخْشَى.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى.
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ).
فهذا وقع اجتهاداً من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصرف إلى هؤلاء الكبراء الذين جاؤوا إليه من قريش، يرجو إسلامهم وينتفع بإسلامهم قومهم والمسلمون جميعاً.
ومثل قول الله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).
فاجتهد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعفا عنهم؛ لمحبته صلى الله عليه وسلم للعفو، وأخذ الناس بظواهرهم، وهو حين عفا عنهم مصيب، لكن بين الله عز وجل له أن الحكمة هي الانتظار، وهذا لا يخدش بالرسالة, النسيان من طبيعة الإنسان، وعدم العلم هو أصل الإنسان أنه لا يعلم حين وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا فإنه والله لا يخدش بالرسالة وأما قوله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) فالمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق نطقاً صادراً عن هوى، وإنما نطقه إما عن وحي من الله وإما عن اجتهاد، فليس كغيره ممن ينطق عن الهوى ويتكلم بما يهوى، سواء كان الحق أو غير الحق.
وإني أنصح هذا السائل وغيره ألا يتعمقوا في مثل هذه الأمور فيلقي الشيطان في قلوبهم شرّاً، فالإنسان غير آمن من الشيطان، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة وهو معتكف قام يقلب صفية رضي الله عنها، حين جلست عنده ساعة من الليل في معتكفه، فقام يقلبها عليه الصلاة والسلام- أي: يمشي معها- فأبصر به رجلان من الأنصار فأسرعا, أسرعا خوفاً وخجلاً من النبي صلى الله عليه وسلم وحياء، فقال: (علىرسلكما إنها صفية).
فقالا: سبحان الله! قال: (نعم، إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً- أو قال: شراً-).
فانظر إلى هذا: خاف أن يلقي الشيطان في قلوبهما ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهما من الصحابة، فالبحث في هذه الأمور والتعمق فيها قد يكون خطراً على الإنسان وهو لا يشعر، وأنا أشكر السائل حيث سأل ليتبين له الأمر، لكني أقول: إن الأولى بالإنسان أن يدع البحث في هذه الأمور، وأن يقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أبعد الناس أن يقول عن هوى أو أن يحكم بالهوى، بل هو الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام.
ثم إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من كل ما يخل بالإخلاص لله عز وجل، فلم يقع منهم الشرك، معصومون عن كل ما يخل بالمروءة والخلق، فلم يقع منهم ما ينافي ذلك، وأما بعض الذنوب فيقع منهم، لكن من خصائصهم أنهم معصومون من الاستمرار فيها وعدم التوبة، وإذا تاب الإنسان من الذنب فكمن لا ذنب له، بل قد تكون حاله بعد التوبة من الذنب أكمل من حاله قبل أن يفعل الذنب.
وبهذه المناسبة أود أن أبين أن ما ذكر في الإسرائيليات عن داود عليه الصلاة والسلام في قصة الخصمين اللذين اختصما عنده وقال أحدهما: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ).
في بعض الإسرائيليات أن داود عليه الصلاة والسلام كان له أحد الجنود، وكان عند هذا الجندي امرأة أعجبت داود وأرادها، فطلب من هذا الجندي أن يذهب للجهاد لعله يقتل فيأخذ زوجته، هذه قصة كذب ولا يجوز لأحد أن ينقلها إلا إذا بين أنها كذب، ولا يجوز اعتقادها في نبي من أنبياء الله، هذه لا تليق ولا من عامي من الناس فكيف بنبي؟ ولا أستبعد أن هذه من دسائس اليهود التي دسوها على المسلمين ليفسدوا بذلك دينهم.
والقضية هي أن هذا الرجل مع خصمه عنده نعجة واحدة، أي: أنثى من الضأن، وكان أخوه- أي: خصمه- عنده تسع وتسعون، فقال له: أنت ليس عندك إلا واحدة لا تغني شيئاً، وأنا عندي تسع وتسعون، باقٍ واحدة وتكتمل المائة، والإنسان ينظر إلى تكميل العدد، فطلب منه هذه الواحدة، وجعل يورد عليه الحجج حتى غلبه في الحجج، فاختصما إلى داود.
فإذا قال قائل: ما تقول في قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) ؟ فالجواب سهل: داود عليه السلام جعله الله خليفة في الأرض يحكم بين الناس، وكونه يدخل محرابه- أي: متعبده- ثم يغلق الباب خلاف لما كلف به، وهو مجتهد في ذلك لا شك، ثم إنه حكم على الخصم قبل أن يسمع حجة الآخر المحكوم عليه، فلما قال الخصم: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ) الخ.
فحكم قبل أن يسمع حجة الخصم، ولعله من أجل أن يسرع التفرغ للعبادة، فلما جاءت هذه القصة وأخذ بقول الخصم وكان قد أغلق الباب ظن داود عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى أرسل هذين الخصمين اختباراً له (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ).
فإن قال قائل: ما تقولون في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهند حين شكت زوجها أبا سفيان أنه رجل شحيح لا يعطيها وولدها ما يكفيهم، فقال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فحكم لها؟ فالجواب: أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم فتيا وليست قضاء بين خصمين؛ لأن خصمها لم يحضر، فهو أفتاها على صورة القضية بدون محاكمة ومخاصمة.


جارٍ التحميل