سورة الأعراف
مَن هم هؤلاء القوم الذين أرسل الله عليهم هذا العقاب المذكور في هذه الآية (فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء فرعون وقومه أرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم أما الطوفان فهو الماء الذي يغرق زروعهم وأما الجراد فهو معروف يرسله الله تعالى فيأكل الزرع وهو أخضر وأما القمل فإنه دودة تأكل الحب بعد أن يدخر وأما الدم فالصواب فيه أنه نزيف يخرج من أبدانهم وأما الضفادع فإنها ذلك الحيوان المشهور المعروف يفسد عليهم المياه فيكون الله تعالى قد أصابهم بطعامهم وشرابهم بل حتى بمادة حياتهم وهي الدم وهذا والعياذ بالله من العقوبات التي تصيبهم بل التي أصابتهم حتى لجؤُوا إلى موسى عليه الصلاة والسلام وطلبوا منه أن يسأل الله تعالى أن يرفع ذلك عنهم.
المستمع أ. ع. ب. من العراق محافظة نينوى يقول ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى لم يبين عدد أصحاب الكهف ومن هم أصحاب الكهف ومن هم أصحاب السبت وما قصتهم أفيدونا في ذلك بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أبين أن من أسماء الله تعالى الحكيم والحكيم معناه الحاكم المحكم فالله سبحانه وتعالى حاكم على عباده شرعاً وقدراً وهو سبحانه وتعالى ذو الحكمة البالغة التي لا تدركها أو لا تحيط بكنهها العقول وما من شيء يقدره الله سبحانه وتعالى أو يشرعه لعباده إلا وله حكمة لكن من الحكم ما نعلم منه ومن الحكم ما لا نعلم منها شيئاً لأن الله تعالى يقول (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وعلى هذا يجب على كل مؤمن أن يسلم لأمر الله الكوني والشرعي ولحكمه الكوني والشرعي وأن يعلم أنه على وفق الحكمة وأنه لحكمة ولهذا لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح قال الله تعالى (قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة (قالت كان يصيبنا ذلك تعني على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) تعني أن الشرع هكذا جاء ولا بد أن لذلك حكمة وإذا تقررت هذه القاعدة في نفس المؤمن تم له الاستسلام لله عز وجل والرضا بأحكامه ثم نعود إلى الجواب عن السؤال وقد تضمن السؤال عن شيئين الأول أصحاب الكهف وقد قال السائل ما الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى لم يبين عددهم فنقول إن الله تعالى قد أشار إلى بيان عددهم في قوله (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) فهذه الآية تدل على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم لأن الله تعالى أبطل القولين الأولين وسكت عن الثالث فدل على صحته (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) هذا إبطال هذين القولين أما الثالث فقال (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) ولم ينفه الله عز وجل وأما قوله (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) فلا يعني ذلك أن غير الله لا يعلم به أو لا يعلم بها أي بالعدة وإنما يراد بذلك أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى ويكون في ذلك إرشاد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يفوض العلم إلى الله ولو كان المعنى لا يعلم عدتهم أحد لكان مناقضاً لقوله (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فإن الآية تدل على أن قليلاً من الناس يعلمون عدتهم وعلى هذا فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم وهؤلاء السبعة فتية آمنوا بالله عز وجل إيماناً صادقاً فزادهم الله تعالى هدى لأن الله عز وجل إذا علم من عبده الإيمان والاهتداء زاده هدى كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تقواهم) هؤلاء الفتية كانوا مؤمنين بالله وزادهم الله تعالى هدى علماًَ وتوفيقاً وكانوا في بلد أهلها مشركون فأووا إلى كهف يحتمون به من أولئك المشركين وكان هذا الكهف وجهه إلى الناحية الشرقية الشمالية كما يدل على ذلك قوله تعالى (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) وهذه الوجهة أقرب ما يكون إلى السلامة من حر الشمس وإلى برودة الجو بقوا على ذلك ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً والله عز وجل يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال في نومهم هذا وقد ألقى الله الرعب على من أتى إليهم كما قال تعالى (لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) كل ذلك حماية لهم ثم إن هؤلاء القوم بعد هذه المدة الطويلة أيقظهم الله من رقادهم ولم يتغير منهم شيء لا في شعورهم ولا في أظفارهم ولا في أجسامهم بل الظاهر والله أعلم أنه حتى ما في أجوافهم من الطعام قد بقي على ما هو عليه لم يجوعوا ولم يعطشوا لأنهم لما بعثهم الله عز وجل تساءلوا بينهم (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وهذا يدل على أنه لم يتغير منهم شيء وأن ما ذكر من أن أظفارهم زادت وشعورهم طالت هو كذب لأنه لو كان الأمر هكذا لعرفوا أنهم قد بقوا مدة طويلة هؤلاء القوم في قصتهم عبرة عظيمة حيث حماهم الله عز وجل من تسلط أولئك المشركين عليهم وآواهم في ذلك الغار هذه المدة الطويلة من غير أن يتغير منهم شيء وجعل سبحانه وتعالى يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال لئلا تتأثر الجنوب التي يكون عليها النوم وحماهم الله عز وجل بكون من اطلع عليهم يولي فراراً ويملأ منهم رعباً والخلاصة التي تستخلص من هذه القصة هي أن كل من التجأ إلى الله عز وجل فإن الله تعالى يحميه بأسباب قد يدركها وقد لا يدركها وهو مصداق قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا) فإن مدافعة الله عن المؤمنين قد تكون بأسباب معلومة وقد تكون بأسباب مجهولة لهم فهذا يرشدنا إلى أن نحقق الإيمان بالله عز وجل والقيام بطاعته.
وأما أصحاب السبت فإن قصتهم أيضاً عجيبة وفيها عبر أصحاب السبت أهل مدينة من اليهود حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت وابتلاهم الله عز وجل حيث كانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعاً على ظهر الماء كثيرة وفي غير يوم السبت لا تأتي فضاق عليهم الأمر وقالوا كيف ندع هذه الحيتان لكنهم قالوا إن الله حرم علينا أن نصيدها في يوم السبت فلجؤوا إلى حيلة فوضعوا شباكاً في يوم الجمعة فإذا كان يوم السبت وجاءت الحيتان ودخلت في هذه الشباك انحبست بها فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها فقالوا إننا لم نأخذ الحيتان يوم السبت وإنما أخذناها يوم الأحد ظنوا أن هذا التحيل على محارم الله ينفعهم ولكنه بالعكس فإن الله تعالى جعلهم قردة خاسئين قال الله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ففي هذه القصة من العبر أن من تحيل على محارم الله فإن حيلته لا تنفعه وأن التحيل على المحارم من خصال اليهود وفيه أيضاًَ من العبر ما تدل عليه القصة في سورة الأعراف (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَوَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) فقد أنقسم أهل هذه القرية ثلاثة أقسام قسم اعتدوا وفعلوا ما حرم الله عليهم بهذه الحيلة وقسم نهوهم عن هذا الأمر وأنكروا عليهم وقسم سكتوا بل ثبطوا الناهين عن المنكر وقالوا (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأنه أخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون وسكت عن الطائفة الثالثة وفيه دليل على خطورة هذا الأمر أي على خطورة من كان ينهى الناهين عن السوء فيقولون مثلاً إن الناس لن يبالوا بكلامكم ولن يأتمروا بالمعروف ولن ينتهوا عن منكر وما أشبه ذلك من التثبيط عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أيضاً دليل على أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء ظن أنه ينفع أم لن ينفع معذرة إلى الله ولعل المنهي يتقي الله عز وجل.
عبده علي يقول ما تفسير قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تفسير هذه الآية الكريمة أن الله أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلو على الناس قصة هذا الرجل الذي آتاه الله آياته أي علمه أحكام شريعته وبينها له ولكنه والعياذ بالله انسلخ منها وتركها فتبعه الشيطان فأغواه قال الله عز وجل (وَلَوْ شيءنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) أي ولو شيءنا لرفعناه بآياتنا فجعلناه يعمل بها ويقوم بواجبها فإذا فعل ذلك رفعه الله تعالى بها ولكنه أي هذا الذي أتاه الله الآيات ليس أهلاً لأن يرفعه الله بها لأنه أخلد إلى الأرض ومال إليها وصار أكبر همه أن ينال حظوظه من الدنيا سواء كان يريد الجاه أو المال أو المرتبة أو غير ذلك واتبع هواه فيما أخلد إليه فمثله كمثل الكلب يلهث دائماً سواء حملت عليه أم لم تحمل فمن هذا الرجل الذي له هذا المثل قال الله تعالى (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فهذا هو الكافر الذي آتاه الله تعالى العلم وبين له الشرع على أيدي رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام ولكنه أبى إلا أن يتبع هواه ويخلد إلى الأرض فصار هذا مآله نسأل الله العافية.
السائل أبو عبد الله يقول في قصة آدم وحواء المذكورة في تفسير آية الأعراف قال بعض العلماء إنها قصة باطلة لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكرها في كتاب التوحيد فما رأيكم في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القصة غير صحيحة وقد بينا في كتابنا شرح كتاب التوحيد الأوجه الدالة على أنها غير صحيحة ولا ندري لماذا وضعها الشيخ رحمه الله في كتابه.
الأنفال
أم فيصل الشمري من الرياض تقول ما تفسير قوله تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ) الآية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بهذا الكفار كما قال عز وجل في آية أخرى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وقال الله تعالى عنهم (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) فهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع به بكم لا يتكلمون بالحق عمي لا يرون الحق فهؤلاء شر الدواب عند الله عز وجل وهم الكفار عموما حتى اليهود والنصارى بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم يدخلون في هذه الآية (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).
الأخت أم عبد الله تقول ما معنى قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه فيريد الإنسان شيئاً ويعزم عليه وإذا به ينتقض عزمه ويتغير اتجاهه فيكون الله تعالى حائلاً بين المرء وقلبه وفي هذا تحذيرٌ للعباد من أن يحول الله تعالى بين العبد وقلبه فيزل ويهلك فعلى المرء أن يراقب قلبه دائماً وينظر ما هو عليه حتى لا يزل ويهلك.
التوبة
ما حكم البسملة في أول سورة التوبة ولماذا لم تكتب فيها أفيدونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البسملة في أول سورة التوبة غير مشروعة لأن الصحابة رضي الله عنهم حين كتبوا المصحف لم يكتبوها وهذا يدل على أنها لم تنزل أعني البسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة ولهذا عدل الصحابة رضي الله عنهم عنها ولم يكتبوها.
صالح حمزة من السودان يقول في رسالته لماذا لم تفتتح سورة التوبة بالبسملة مثل جميع السور في القرآن الكريم وما تفسير قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم تفتتح هذه السورة بالبسملة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان محفوظاً وباقياً وقد ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أنه أشكل عليهم هل سورة براءة بقية سورة الأنفال أو أنها سورة مستقلة وذلك لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ورود البسملة بينها وبين الأنفال فلهذا جعلوا بينهما فاصلاً وسموا كل واحدة منهما باسمها الخاص ولم يجعلوا بينهما بسملة وكان هذا من الحكمة لأنهم لو كتبوا البسملة لكان ذلك واضحاً ولو تيقن الصحابة رضي الله عنهم أنهما سورة واحدة لما جعلوا بينهما فاصلاً وكأنهم رضي الله عنهم رأوا أن يجعلوا هذا الفاصل دون أن يضعوا بسم الله الرحمن الرحيم وأما قوله ما معنى قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) فالمعنى أن هؤلاء الذين جرى بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد معفون من قتالهم مبرؤون منه ولهذا قال (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وهذا إذا كان بين المسلمين والمشركين عهد دعت الحاجة إلى عقده فإنه يجب على المسلمين ألا يتعرضوا للكفار في هذا العهد الذي جرى بينهم.
أبو بكر حبيب الحاتمي من الصومال بينسور يقول لماذا لم تبتدأ سورة التوبة بالبسملة كغيرها من السور فإننا إذا أردنا قراءتها نقول قبل البدء فيها أعوذ بالله من النار ومن شر الكفار ومن غضب الجبار والعزة لله ولرسوله ثم نبدأ في السورة فهل هذا مشروع أم مخالف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء الذي ذكرت عند بداية سورة براءة هذا مبتدع لا أصل له ولا يجوز للإنسان أن يبتدئ به السورة وقد رأيت وأنا صغير هذا مكتوبا على هامش بعض المصاحف والواجب لمن اطلع عليه أن يطمسه وأن يزيله لأن هذا من البدع الذي لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام وأما بالنسبة لشق السؤال الأول وهو أنه لم تبتدأ هذه السورة بالبسملة فلأنها هكذا جاءت وأنه لو كانت البسملة منزلة فيها لكانت محفوظة ولكانت موجودة لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقد أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فيما يروى عن عثمان هل هي سورة مستقلة أم آخر سورة الأنفال فوضعوا بينهما فاصلاً بدون بسملة ووضع الفاصل هنا حكم بين حكمين لأنه لو ثبت أنه من بقية الأنفال لم يكن هناك فاصل ولا بسملة ولو ثبت أنها مستقلة لكان بالبسملة والفاصل فلما لم يثبت هذا ولا هذا جعلوا فاصلاً وكان هذا من الاجتهادات الموافقة للصواب فإني أعلم علم اليقين أن لو كانت البسملة نازلة أمام هذه السورة لكانت باقية بلا شك لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وعلى هذا فلا يشرع للإنسان إذا ابتدأ بسورة براءة أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم.
هاشم يوسف مصري يقول هل الأشهر الحرم ما زالت حرماً عند الله تعالى أم تم نسخها وما الدليل على ذلك
فأجاب رحمه الله تعالى: الأشهر الحرم أربعة كما قال الله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وهي ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفرد وهو رجب هذه الأشهر الحرم لها مزيد عناية في تجنب الظلم سواء كان ظلماً فيما بين الإنسان وبين ربه أو ظلماً فيما بينه وبين الخلق ولهذا قال الله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) واختلف العلماء رحمهم الله في القتال في هذه الأربعة الحرم هل هو باقٍ تحريمه أم منسوخ فجمهور أهل العلم على أنه منسوخ لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين كافة على سبيل العموم وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن التحريم أي تحريم القتال في هذه الأشهر باق وأنه لا يجوز لنا أن نبتدئ الكفار بالقتال فيها لكن يجوز لنا الاستمرار في القتال وإن دخلت الأشهر الحرم وكذلك يجوز لنا قتالهم إذا بدؤونا هم بالقتال في هذه الأشهر فالمسألة إذاً خلافية هل يجوز ابتداء القتال فيها أي في هذه الأشهر الأربعة الحرم أو لا يجوز والأمر في هذا موكول إلى ولاة الأمور الذين يدبرون أمور الحرب والجهاد
من الجزائر يقول ما هو النسيء في قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) النسيء هو أن الأربعة الأشهر الحرم يحرم فيها القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فكانوا في الجاهلية إذا أرادوا القتال في المحرم وهم يعتقدون أنه حرام قالوا نؤجل تحريم هذا الشهر أعني شهر المحرم إلى صفر فيؤجلونه ويقاتلون في المحرم ويقولون نحن حرمنا بدله صفر وهذا تأخيرٌ للتحريم من شهر محرم إلى شهر صفر وقد قال الله تعالى عنه زيادة في الكفر لأنه تغييرٌ لما حرم الله عز وجل ونقلٌ للتحريم من زمن إلى زمنٍ آخر ولهذا قال الله تعالى إنه (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) فيقولون نحن حرمنا القتال في أربعة أشهر من السنة (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) يعني يحلوا القتال في المحرم مثلاً.
من اليمن توفيق عبد الواسع ما معنى قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم النسيء بمعنى التأخير كانت العرب في جاهليتها لتلاعبها كانت أحيانا تجعل المحرم صفرا وصفرا محرما وشهر المحرم معروف أنه شهر لا يجوز فيه القتال فيكيفون هذا على رغبتهم إن كانت رغبتهم أن يقاتلوا في المحرم قاتلوا وأخروا تحريمه إلى صفر فأخروا التحريم إلى شهر آخر بعده يقول عز وجل إن هذا زيادة في الكفر (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) يعني يأتوا بشهر واحد محرم فيحلوا ما حرم الله وفي الآية الكريمة دليل على أن الكفر يزيد وينقص كالإيمان يزيد وينقص فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والكفر يزيد بالسيئات الزائدة على أصل الكفر ولهذا يعاقب الكافر عليها أي على السيئات الزائدة على الكفر كما قال الله تبارك وتعالى (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنْ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) يعني يقولون لهم ما أدخلكم في النار (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلىنَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) وهذا دليل على أن لتركهم الصلاة وإطعام المسكين أثرا في تعذيبهم في سقر.
عويض عميش العتيبي من الطائف يقول ما معنى قول الله تعالى في سورة التوبة (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) الآية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) النسيء معناه التأخير وكانوا في الجاهلية يعتقدون تحريم شهر المحرم لأنه أحد الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في قوله (إ نَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) وهي ثلاثة متوالية وشهر منفرد فالمتوالية هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والمنفرد هو شهر رجب فكانوا في الجاهلية يؤخرون شهر المحرم يحلونه ويجعلون التحريم في شهر صفر ويقولون نحن جعلنا أربعة أشهر في السنة محرمة فوافقنا ما حرم الله ولكنهم في الحقيقة أحلوا ما حرم الله تعالى وهو شهر المحرم وتأخيرهم له إلى صفر هذا ضلال منهم وزيادة في الكفر ولهذا قال الله عز وجل (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
سوداني معار بالجمهورية العربية اليمنية يقول في سؤاله الأول أخرجت زكاة مالي البقر وأعطيتها لزوجتي باعتبار أنها زكاة وعلى حسب ظني أنها تدخل في نطاق العاملين عليها بمعنى أنها تعينني في رعاية تلك الأبقار وتعد الطعام للعمال الذين يقومون برعاية وسقي تلك الأبقار فهل يصح ذلك وإذا كان غير صحيح فهل علي أن أخرج تلك الزكاة التي مر عليها أربع سنوات مرة أخرى وما معنى قوله تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن معنى قوله تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) أي على الزكاة والمراد بذلك الطائفة الذين تقيمهم الدولة لقبض الزكاة ممن تجب عليهم وصرفها في مستحقيها هؤلاء هم العاملون عليها وليس المراد بالعاملين عليها العاملين على المال الزكوي كما ظنه هذا السائل وعلى هذا فإخراج زكاته إلى زوجته بهذه النية لا يجزئه والواجب عليه أن يعيد ما أخرجه بمعنى أن يزكي ماله عن السنة التي أخرج الزكاة فيها إلى زوجته بهذه النية فإذا كان قد أعطاها بقرة أو بقرتين فإنه يخرج الآن بقرة أو بقرتين المهم أنه يضمن الزكاة أو يضمن ما دفعه لامرأته فيخرجه الآن وإني أنصح هذا الرجل وغيره وأقول إن الواجب على المسلم أن يعلم أحكام الله تعالى في عبادته قبل أن يفعلها ليعبد الله تعالى على بصيرة أما كونه يتعبد لله تعالى بالجهل فإن هذا نقص عظيم وربما يفعل شيئاً يحبط العمل وهو لا يدري وربما يترك شيئاً لا بد من وجوده في العمل وهو لا يدري فالواجب على المرء أن يتعلم من أحكام دينه ما تدعو الحاجة إليه والله المستعان.
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) وقوله تعالى (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) من هم الثلاثة الذين خلفوا وما سبب نزول هذه الآية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الآية الأولى وهي قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فإن هذه الآية يعد الله سبحانه وتعالى فيها أنه سيري هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيريهم آياته أي العلامات الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته والسين هنا للتنفيس والتحقيق وهو وقوع الشيء عن قرب وقوله (فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) الآفاق جمع أفق وهي النواحي سيريهم الله عز وجل الآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في الآفاق في فتحه للبلاد وإسلام أهلها وربما تكون الآفاق هنا أوسع من الفتوحات فيكون كل ما يظهر من الأمور الأفقية شاهداً لما جاء به القرآن فإنه يكون دليلاً على صدق رسالة النبي الله صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته وقوله (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) أي في أنفس هؤلاء المكذبين حيث تكون الدولة عليهم فيغلبون وتكون الغلبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: (حتى يتبين لهم أنه الحق) أي حتى يظهر ويبين أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق ثم قال تعالى (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يعني أو لم تكف شهادة الله تعالى على كل شيء عن كل آية فإن شهادة الله على الشيء أعظم من شهادة غيره وكفى بالله شهيدا وشهادة الله تعالى لرسوله بالحق نوعان شهادة قولية وشهادة فعلية.
أما الشهادة القولية فإن الله تعالى قال في القرآن الكريم (لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) فهذه شهادة قولية بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما الشهادة الفعلية فهي تمكين الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الأرض ونصره إياه وإدالته على أعدائه فإنه إن كان صلى الله عليه وسلم غير صادق فيما جاء به من الرسالة والنبوة ما مكن الله له لأن الله تعالى لا يمكن أن يمكن لظالم في أرضه كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) ولهذا كل من ادعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى لا يمكن له ولا ينصره بل يخذله ويبين كذبه حتى يظهر للناس أمره وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم وأما الآية الثانية وهي قول السائل من هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا الثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك التي قادها النبي عليه الصلاة والسلام وكانت في وقت حار والثمار قد طابت والظل محبوب للنفوس ولهذا بين النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة أنه سيذهب إلى كذا وكذا فبين للناس جهة قصده مع أنه كان من عادته إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها عليه الصلاة والسلام لكن لما كانت هذه الغزوة بعيدة المسافة وكان الذين يقابلون المسلمين بها جمع كثير من الروم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم وجهة قصده حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، تخلف هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم عن هذه الغزوة بدون عذر فأنزل الله تعالى فيهم (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وكان من قصتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة راجعاً من تبوك جاء إليه المنافقون يعتذرون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل فيستغفر لهم حين يقولون إن لنا عذراً بكذا وبكذا وبكذا فيستغفر لهم أما كعب بن مالك وصاحباه رضي الله عنهم فقد صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالخبر الصحيح بأنهم تخلفوا بلا عذر فأرجأ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم حتى يحكم الله فيهم وأمر الناس بهجرهم وعدم إيوائهم وعدم الكلام معهم حتى إن كعب بن مالك رضي الله عنه جاء إلى أبي قتادة وكان ابن عمه فتسور عليه حائطه وسلم عليه ولكنه لم يرد عليه السلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم وكان هو أي كعب يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه يقول فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا مع كمال حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولما بقوا أربعين ليلة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتزلوا نساءهم كل هذا مبالغة في هجرهم وتعزيراً عن تخلفهم حتى يقول الله تعالى في أمرهم ما يريد وكان في هذه القصة التي بلغت منهم هذا المبلغ العظيم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أي أيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه حتى إن كعب بن مالك يقول تنكرت لي الأرض فلم تكن الأرض التي أنا أعرفها وتنكر له الناس لا يؤوونه ولا يسلمون عليه ولكن بعد أن مضى خمسون ليلة أنزل الله تعالى الفرج بتوبته عليهم فلما صلى النبي عليه الصلاة والسلام الصبح أخبر الناس أن الله قد أنزل توبتهم فزال هذا الغم الشديد والكرب العظيم الذي أصابهم في هذه المحنة وكانت هذه المحنة محنة عظيمة في عاقبتها حيث صبروا على ما قضى به النبي صلى لله عليه وسلم من هجرهم وصبروا على هذه النكبة العظيمة مع أن كعب بن مالك رضي الله عنه أتاه كتاب من ملك غسان يقول فيه إنه قد بلغنا أن صاحبك قد هجرك أو قد قلاك يعني النبي صلى الله عليه وسلم فالحق بنا نواسك يعني ائت إلينا نواسك ونجعلك مثلنا ولكنه رضي الله عنه لقوة إيمانه لما أتاه هذا الكتاب عمد إلى التنور فسجره به وأحرقه وصبر وإلا فإن الفرصة مواتية له لو كان يريد الدنيا لكنه يريد الآخرة فكانت النتيجة هذه النتيجة العظيمة التي تعتبر من أعظم المفاخر أنزل الله فيهم كتاباً يتلى إلى يوم القيامة (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ومعنى قوله (الَّذِينَ خُلِّفُوا) يعني خلفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرجأ أمرهم فلم يقض فيهم بشيء سوى أن أمر بهجرهم وليس معنى (الَّذِينَ خُلِّفُوا) يعني تخلفوا عن الغزوة ولو كان هذا هو المراد لقال الله عز وجل وعلى الثلاثة الذين تخلفوا لكنه قال (الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي خلف النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم وأرجأه حتى يقضي الله فيه ما أراد وفي قوله سبحانه وتعالى (أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) دليل على كثرة توبة الله عز وجل على عباده لأن التواب صيغة مبالغة تعني الكثرة وعلى أنه عز وجل يحب التوبة على عباده وهذا ظاهر في النصوص من الكتاب والسنة كما قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته) وذكر صلى الله عليه وسلم (أن هذا الرجل أضاع راحلته في أرض فلاة وعليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت لأنه أيس من الحياة فاستيقظ وإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة فأخذ بخطامها وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) فإذا كان الله عز وجل يحب التوبة من عبده فهو كذلك يحب التوبة على عبده والعبد يتوب إلى الله والله عز وجل يتوب على العبد نسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعلى إخواننا المسلمين.