محمد طيب منظور أحمد من الباكستان يقول لماذا سميت سورة قل هو الله أحد بسورة الإخلاص وما وجه دلالتها واشتمالها على أنواع التوحيد الثلاثة أرجو توضيح ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سورة الإخلاص هي قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) وسميت سورة الإخلاص لأمرين الأمر الأول أن الله أخلصها لنفسه فليس فيها إلا الكلام عن الله سبحانه وتعالى وصفاته والثاني أنها تخلص قائلها من الشرك إذا قرأها معتقدا ما دلت عليه ووجه كونها مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة وهي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات أما توحيد الألوهية ففي قوله (قل هو الله) (فهو الله) يعني هو الإله المعبود حقاً الذي لا يستحق أن يعبد أحد سواه فهذا هو توحيد الألوهية وأما توحيد الربوبية والأسماء والصفات ففي قوله (الله الصمد) فإن قوله (الله الصمد) معناه الكامل في صفاته الذي تصمد إليه جميع مخلوقاته فكماله في الصفات هو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات وافتقار مخلوقاته كلها إليه وصمودها إليه يدل على أنه هو الرب الذي يقصد لدفع الشدائد والمكروهات وحصول المطالب والحاجات وفي قوله (أحد) توحيد في الأمور الثلاثة لأنه وحده سبحانه وتعالى هو المتصف بذلك الألوهية وبالصمدية سبحانه وتعالى وفي قوله (لم يلد ولم يولد) رد على النصارى الذين قالوا إن المسيح ابن الله وعلى اليهود الذين قالوا إن عزير ابن الله وعلى المشركين الذين قالوا إن الملائكة بنات الله وهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإنما قال (لم يكن له كفوا أحد) لكمال صفاته لا أحد يكافئه أو يماثله أو يساويه.
فتاوى المصطلح والحديث
مصطلح الحديث
السؤال: ما هي شروط الحديث الصحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث الصحيح هو ما جمع خمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الناقل له عدلاً أي عدلاً في دينه ليس بفاسق.
الثاني: أن يكون ضابطاً ضبطاً تاماً بحيث لا يخطئ في التحمل ولا في الأداء والنادر لا حكم له يعني والخطأ النادر لا حكم له.
الشرط الثالث: أن يكون السند متصلاً بحيث يرويه التلميذ عن شيخه مباشرة.
الرابع: أن يكون الحديث غير معلل أي ليس فيه علة تقدح فيه لا في سنده ولا في متنه.
الخامس: أن لا يكون شاذاً لا في سنده ولا في متنه فإذا تمت هذه الشروط كان صحيحاً مقبولاً يعمل به وإذا اختل شرط منها نزل عن درجة الصحة وإذا نزل عن درجة الصحة فهو درجات منه الحسن لذاته والحسن لغيره والصحيح لغيره والضعيف والموضوع والمرسل والمنقطع والمعضل وهذا معروف في علم المصطلح والذي يهمنا أن نعرف شروط الصحيح وهي خمسة كما ذكرته آنفاً.
حامد بن إبراهيم من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول هل يأثم الإنسان إذا لم يعمل بالأحاديث التي انفرد بروايتها شخص واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا سؤال عائم في الحقيقة لأن الحديث الصحيح هو الذي رواه عدل بسند متصل غير معلل ولا شاذ فالحديث الصحيح إذا تمت فيه شروط الصحة ولو كان من طريق واحد فإنه يجب العمل بمقتضاه سواء في الأمور العملية أو في الأمور العلمية لا فرق بين هذا وهذا على ما مشى عليه أهل السنة والجماعة وكذلك الحديث الحسن يعمل به أيضاً لأن الحديث الحسن ليس بينه وبين الحديث الصحيح إلا فرق خفيف جداً وهو أن راويه لا يكون تام الضبط فيكون عنده ضبط لكنه ليس تاماً وهو من الأحاديث المقبولة التي يعمل بها وينبغي أن تعلم أن القاعدة العامة أن كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه معمول به سواء جاء عن طريق واحد أو من طريقين أو من ثلاثة أو أكثر.
الأحاديث الموقوفة هل يعمل بها وأيضاً الأحاديث المقطوعة هل تعتبر من الضعيفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأحاديث الموقوفة هي المنسوبة إلى الصحابي لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بها يتوقف على العمل بقول الصحابي فمن أهل العلم من قال إن أقوال الصحابة حجة يؤخذ بها ومنهم من قال إنها ليست بحجة وأن الحجة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ومن الناس من فصل وقال إذا كان الصحابي ممن عرف بالعلم والفقه فقوله حجة وإن لم يكن كذلك فقوله ليس بحجة وهذا أعدل الأقوال وأوسط الأقوال وأصح الأقوال وأما المقطوع فالمقطوع ما نسب إلى التابعي فمن بعده وليس بحجة حتى وإن صح سنده لأن قول التابعي ليس بحجة فإن التابعين كغيرهم من علماء هذه الأمة يؤخذ من أقوالهم ويترك.
ن س تقول من هو المدلس وما هي الأسباب التي تحمل المدلس على التدليس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المدلس هو الذي يظهر الشيء بمظهر مرغوب فيه وليس كذلك مثل أن يلمع سيارته لتبدو للمشتري وكأنها جديدة أو أن يشطب بيته لإزالة ما فيه من الشقوق والانهيار ليظهر للناس أنه جديد وما أشبه ذلك وهذا من الغش الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بل الذي تبرأ من فاعله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من غشنا فليس منا) وإن كانت السائلة تريد بالمدلس المدلس في علم الحديث فهو لا يخرج عن المعنى الذي ذكرناه وهو إظهار الشيء بصفة تستلزم قبوله فإن المدلس في الحديث هو الذي يروي عن شخص لم يتلق منه الحديث مباشرة بصيغة تحتمل اللقي مثل أن يقول عن فلان، وفلان لم يحدثه به لكن رواه عنه بواسطة فيظهر للناس أن هذا الإسناد متصل لأن صيغته الظاهرة تقتضي هكذا وهو لم يتصل وقد ذكر أهل العلم أن المعروفين بالتدليس لا تقبل منهم الأحاديث المعنعنة إلا إذا صرحوا بالتحديث أي إلا إذا قال هذا المدلس عمّن روى عنه حدثني فلان أو سمعت فلاناً أو ما أشبه ذلك ففي هذه الحال يقبل إذا كان ثقة أي إذا لم يكن سبب الرد فيه شيء سوى التدليس.
إذا قرأت في كتب السنة أجد فيها أحاديث صحيحة وضعيفة وموضوعة فهل يجوز الاستدلال بها والعمل بها أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السنة كما قال الأخ المنسوب إليها ينقسم ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف والرابع الموضوع أما الصحيح والحسن فإنه يستدل بهما ويؤخذ بهما أي بما دلا عليه من أحكام ويصدق ما فيهما من أخبار وأما الضعيف فإن جبر بكثرة طرقه والشواهد فإنه يكون حسناً لغيره فيلحق بالحسن ويعتد به وإن لم ينجبر بذلك فإنه ليس بحجة لكن قد استشهد به بعض العلماء في فضائل الأعمال أو في الزواجر عن النواهي بثلاثة شروط:
الأول أن يكون له أصلٌ صحيح يشهد له.
والثاني أن لا يكون الضعف شديداً.
والثالث أن لا يعتقد صحته عن النبي صلى الله عليه سلم أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله مثال ذلك لو ورد حديثٌ فيه فضلٌ لصلاة الجماعة وهو ضعيف لكنه تنطبق عليه الشروط الثلاثة التي ذكرنا فإن هذا يمكن الاستشهاد به لأن صلاة الجماعة واجبة وأصل الفضل فيها ثابت فإذا تمت الشروط الثلاثة فالأصل هنا موجود فإذا وجد الشرطان الآخران وهما أن لا يكون الضعف شديداً وأن لا يعتقد صحته عن النبي صلى الله عليه سلم جاز الاستشهاد به.
وأما الموضوع وهو القسم الرابع فإنه لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأي حالٍ من الأحوال بل ولا يجوز ذكره إلا مبيناً أو إلا مقروناً ببيان وضعه حتى لا يغتر الناس به وكذلك الضعيف الذي ذكرنا آنفاً لا يجوز ذكره إلا مقروناً ببيان ضعفه حتى وإن قلنا بأنه يجوز الاستشهاد به فلا بد من بيان ضعفه
ما حكم الاستدلال بالأحاديث الضعيفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة ولا يجوز سوقها على أنها حجة حتى ولو كان في فضائل الأعمال أو في العقاب على سيئ الأعمال إلا إذا ذكرها في الفضائل والترغيب في الخير أو في التحذير من الشر إذا ذكرها مبيناً ضعفها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (من حدث عني بحديثٍ كذب يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وقد رخص بعض أهل العلم بجواز رواية الحديث الضعيف لكن بشروطٍ ثلاثة:
الشرط الأول أن لا يكون الضعف شديداً.
والشرط الثاني أن يكون له أصلٌ ثابت.
والشرط الثالث أن لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاله فعلى هذا فيرويه بقول يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو يذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو ما أشبه ذلك وهذه الشروط محترزاتها أن نقول إذا كان الضعف شديداً فإنه لا تجوز روايته ولا ذكره وإذا لم يكن له أصل فإنه لا تجوز روايته ولا ذكره ومعنى أن يكون له أصل أن يأتي حديثٌ ضعيف في فضيلة صلاة الجماعة مثلاً وكثرة ثوابها وهذا له أصل وهو أن صلاة الجماعة مشروعة وواجبة فإذا وجد حديث فيه زيادة الترغيب وزيادة الأجر فهذا نستفيد منه أن نحرص على هذه الصلاة ونرجو الثواب الذي ذكر في هذا الحديث وهذا لا يؤثر على أعمالنا الصالحة لأن النفس ترجو بدون قطع أما إذا لم يكن له أصلٌ ثابت فإنه لا يجوز ذكره إطلاقاً ولا روايته وأما الشرط الثالث أن لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاله فلأنه ضعيف ولا يجوز أن يعتقد أن الرسول قاله وهو ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن ذلك نوعٌ من الكذب عليه وقد قال الله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً) لكن لو اشتهر حديثٌ ضعيف بين الناس فالواجب على الإنسان العالم بضعفه أن يذكره بين الناس ويبين أنه ضعيف لئلا يغتروا به.
ويوجد الآن أحياناً منشورات تتضمن أحاديث ضعيفة وقصصاً لا أصل لها ثم تنشر بين العامة وإني أقول لمن نشرها أو أعان على نشرها إنه آثمٌ بذلك حيث يضل عن سبيل الله يضل عباد الله بهذه الأحاديث المكذوبة الموضوعة أحياناً يكون الحديث موضوعاً ليس ضعيفاً فقط ثم تجد بعض الجهال يريدون الخير فيظنون أن نشر هذا من الأشياء التي تحذر الناس وتخوفهم مما جاء فيه من التحذير أو التخويف وهو لا يدري أن الأمر خطير وأن تخويف الناس بما لا أصل له حرام لأنه من الترويع بلا حق أو يكون فيه الترغيب في شيء وهو لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل هو موضوع هذا أيضاً محرم لأن الناس يعتقدون أن هذا ثابت فيحتسبونه على الله عز وجل وهو ليس كذلك فليحذر هؤلاء الذين ينشرون هذه المنشورات من أن يكونوا ممن افتروا على الله كذباً ليضلوا الناس بغير علم وليعلموا أن الله لا يهدي القوم الظالمين وأن هذا ظلمٌ منهم أن ينشروا لعباد الله ما لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يقول هل يستدل بالأحاديث الضعيفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأحاديث الضعيفة لا يستدل بها ولا يجوز أن تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على وجه يبين فيه أنها ضعيفة ومن حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فلا يجوز العمل بالحديث الضعيف لكن بعض أهل العلم رخص في ذكر الحديث الضعيف بشروط ثلاثة:
الشرط الأول ألا يكون ضعفه شديداً.
والشرط الثاني أن يكون له أصل.
والشرط الثالث أن لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فإن كان الضعف شديداً فإنه لا يجوز ذكر الضعيف أبداً إلا أذا كان الإنسان يريد أن يبين ضعفه وإذا كان ليس له أصل فإنه لا يجوز ذكره أيضاً مثال الذي له أصل أن يأتي حديث في فضل صلاة الجماعة مثلاً وهو ضعيف فلا حرج من ذكره هنا للترغيب في صلاة الجماعة لأنه يرغب في صلاة الجماعة ولا يضر لأنه إن كان صحيحاً فقد نال الثواب المرتب عليه وإن لم يكن صحيحاً فقد استعان به على طاعة الله لكن مع ذلك يأتي الشرط الثالث أن لا تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولكن ترجو أن يكون قاله من أجل ما ذكر فيه من الثواب على أن بعض أهل العلم قال إن الحديث الضعيف لا يجوز ذكره مطلقاً إلا مقروناً ببيان ضعفه وهذا القول لا شك أنه أحوط وأسلم للذمة ومسألة الترغيب والترهيب يكفي فيها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا كان هناك حديث ضعيف عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يجوز الأخذ به إذا لم يكن مخالفاً للقرآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز الأخذ بالحديث الضعيف لأنه إذا أخذ الإنسان بحديث ضعيف فمعنى ذلك أنه ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه وهذا على خطر عظيم لكن رخص بعض أهل العلم في رواية الحديث الضعيف إذا كان في فضائل الأعمال إلا أنهم اشترطوا لذلك ثلاثة شروط:
الشرط الأول ألا يكون الضعف شديداً.
والشرط الثاني أن يكون لهذا الحديث أصل.
والشرط الثالث ألا يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله ومعنى قولهم له أصل أن يكون هذا الحديث ورد في فضل صلاة الجماعة مثلاً فهذا له أصل فمشروعية صلاة الجماعة ثابتة فإذا جاء حديث ضعيف في فضلها والثناء على من فعلها فبعض العلماء يرخص في روايته ولكن بشرط ألا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله أما لو كان دليلا على إثبات حكم شرعي مستقل فإن هذا لا يجوز روايته ولا نشره.
من فهد السويف يقول كيف يمكن أن نفرق بين الحديث الصحيح المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير الصحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يمكن أن نفرق بينهما بما ذكره أهل العلم فإن أهل العلم رحمهم الله بينوا الصحيح من الضعيف ويمكن أن نقرأ في الكتب المعروفة بالصحة كصحيح البخاري ومسلم والجمع بين الصحيحين للحميدي وغيرها من الكتب المعروفة بالصحة ويمكن أيضاً أن نعرف ذلك بتتبع هذا الحديث ومعرفة رجاله وإسناده ومتنه فإذا كان عند الإنسان قدرة على هذا فيمكن أن يعرف الصحيح من الحديث الضعيف وإذا لم يكن له قدرة فيقلد في هذا أهل العلم في هذا الفن.
كيف يعرف الإنسان الأحاديث الصحيحة من الموضوعة وهل هناك كتب توضح الأحاديث الموضوعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الرجوع في هذا إلى أهل العلم المختصين الذين اعتنوا بالأحاديث وميزوا صحيحها من ضعيفها كما أننا نرجع في المرض إلى الطبيب المختص فمن كان مريضا في بطنه لا نعرضه على من كان طبيبا في الأعصاب والعظام بل على من كان طبيبا في البطون وما أشبه ذلك وقد بين العلماء والحمد لله ذلك وأبدوا فيه مجهودا كبيرا نسأل الله أن يثيبهم عليه وهناك كتب صنفت في الموضوعات فقط مثل الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني رحمه الله وغيرها مما لا أعلمه فليبحث عن ذلك.
عندنا إمام مسجد لا يستدل إلا بالأحاديث التي رواها الشيخان فقط فهل هذا صحيح يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حجة سواء كان من الصحيحين أو من غيرهما والصحيحان لم يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل هناك أحاديث صحيحة ليست في الصحيحين ولا في أحدهما وقد قبلها الناس وصححوها وعملوا بها واعتقدوا بمقتضاها فيقال لهذا الرجل لماذا كنت تحتج بما رواه الشيخان البخاري ومسلم دون غيرهما فإذا قال لأن كتابيهما أصح الكتب قلنا إذا المدار على الصحة فأي كتاب كان فيه حديث صحيح فإنه يجب عليك أن تقبله.
ما الكتاب الذي يحمل أحاديث كثيرة وتنصحونني به أو بامتلاكه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكتب في ذلك مختلفة متنوعة وكل منها يبحث في موضوع معين ولكن من خير ما نعلم لها ولأمثالها رياض الصالحين الذي ألفه النووي رحمه الله.
هل يجوز استخدام التجويد في غير القرآن كقراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر بعض المتأخرين في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَاب) ذكر بعض المتأخرين أن من ذلك أن يتلو الإنسان غير القرآن على صفة تلاوة القرآن مثل أن نقرأ الأحاديث أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كقراءة القرآن أويقرأ كلام أهل العلم كقراءة القرآن وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يترنم بكلامٍ غير القرآن على صفة ما يقرأ به القرآن لا سيما عند العامة الذين لا يفرقون بين القرآن وغيره إلا بالنغمات والتلاوة.
هل جائز أن تقول صدق الله العظيم على أقوال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه وحيٌ يوحى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن نقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا الكلام الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ليس كلام الله وإن كان وحياً يُوحى والسنة كما يُعلم من التتبع والاستقراء منها وحيٌ ومنها اجتهاد منها وحيٌ يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها اجتهادٌ يجتهد فيه ثم ينزل القرآن مقرراً له أو مبيناً للصواب ثم إن ختم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أو خَتم كلام الله تعالى بصدق الله العظيم هو من الأمور المحدثة التي لم تكن معروفةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد السلف الصالح نعم إذا وقع أمرٌ مصدقٌ لما أخبر الله به ورسوله فحينئذٍ تقول صدق الله مثل أن ترى تعلقك بأولادك أو يصيبك شيء منهم من الفتنة عن دين الله يلهونك عنه ويصدونك تقول صدق الله العظيم إنما أموالكم أولادكم فتنة أو ما أشبه ذلك مما ينزل مصداقاً لكلام الله فتقول صدق الله وكذلك ما يكون أو ما يقع مصداقاً لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فتقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان كذا وكذا وأما أن تقول صدق رسول الله أو صدق الله كلما ختمت كلام الله أو كلام رسوله فهذا ليس من السنة بل هو من الأمور المحدثة.
هل يجوز للإنسان المسلم المتفقه في دينه أن يلقي المواعظ، ولكن يقول الحديث مثلاً ليس بنصه، وهل يكون عليه إثم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي يذكره معناه أنه يريد أن يروي الحديث بالمعنى ورواية الحديث المعنى اختلف فيها علماء الحديث هل هي جائزة أم لا؟ فمنهم من يرى أنها جائزة بشرط أن يكون الإنسان المتحدث عارفاً بالمعنى، وأن ما نقله بمعناه لم يتغير شيء منه، وشرط آخر أن يستوعب من الحديث ما يجب استيعابه بحيث لا يحذف منه شيئاً يتعلق بما ذكره، فإذا كان عارف بالمعنى واستوعب الحديث على وجه لا خلل فيه فالصحيح أنه جائز، الصحيح أنه جائز لكن ينبغي أن يختمه بقوله أو كما قال صلى الله عليه وسلم حتى لا يحفظه أحداً بلفظه ظاناً أنه لفظ الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
هل يجب علينا أن نحفظ الأحاديث عن ظهر قلب وكيف ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب على الإنسان أن يحفظ الأحاديث عن ظهر قلب ولكن يجب على الإنسان أن يتعلم من العلم ما يحتاجه إليه في عباداته ومعاملاته سواء من القرآن أو من السنة أو مما كتبه أهل العلم مستنبطا من الكتاب والسنة.
شروح الأحاديث والحكم عليها
س. ع. س. سوداني مقيم بالمدينة المنورة يقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ولقد هاجرت إلى المملكة العربية السعودية طلباً للرزق والآن أكملت هنا مدة سنة فهل يصح لي أن أحج أو أنا من الذين ينطبق عليهم هذا الحديث إذا لم يكن كذلك فما معناه إذاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى الحديث (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) معناه أن المهاجر المسلم وهو الذي خرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لا يخلو من حالين إما أن يكون غرضه بذلك إقامة دينه على الوجه الذي يرضي الله ورسوله فهذا مهاجر إلى الله ورسوله وله ما نوى وإما أن يكون مهاجراً إلى أمور دنيوية كامرأة يتزوجها أو دار يسكنها أو مال يحصله أو ما أشبه ذلك فهذا هجرته إلى ما هاجر إليه وأما أنت فإنك لم تهاجر الهجرة الشرعية المرادة في هذا الحديث لأنك قدمت من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي وغاية ما هنالك أن يقال إنك سافرت لطلب الرزق والسفر لطلب الرزق لا يسمى هجرة قال الله تبارك وتعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فأنت من القسم الثاني في هذه الآية من الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وعلى هذا فليس عليك شيء فيما كسبت ويجوز لك أن تحج منه وأن تتصدق منه وأن تبني منه مساجد وتشتري به كتبا نافعة تنفع المسلمين بها.
من ليبيا مفتاح علي يقول هناك البعض من الناس يحتج بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل (إنما الأعمال بالنيات) في بعض الأمور ومنها سلام المرأة على الرجل أفيدونا أفادكم الله
فأجاب رحمه الله تعالى: استدلال الإنسان بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) على فعل الشيء المحرم استدلالٌ باطل لأن هذا الحديث ميزانٌ لأعمال القلوب أي لما في القلب وأما العمل الظاهر فميزانه حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردودٌ باطل فعلى هذا فإذا كان العمل حراماً فإنه حرام سواء أراد به الإنسان خيراً أم لم يرد به خيراً ومصافحة المرأة الأجنبية إذا قال المصافح أنا أصافحها من أجل تأليف القلوب ومحبة المؤمنين بعضهم ببعض وليس عندي نية في أن أقصد شيئاً آخر قلنا له لكن هذا العمل نفسه حرام لا يجوز لك مصافحة المرأة الأجنبية ولا بحسن نية كما أن الإنسان لو أراد أن يتعبد لله تعالى بصلاةٍ أو غيرها مما لم ترد به الشريعة وقال: أنا لا أريد مخالفة الشريعة ولا إحداث شيء في شريعة الله ولكني أريد أن يزداد إيمان قلبي وأن يزداد عملي نقول هذا أيضاً لا يجوز لأن الأعمال الظاهرة لها ميزانٌ آخر غير الأعمال الباطنة فحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) هذا باعتبار عمل القلب وهو أمرٌ باطن لا يعلمه إلا الله تعالى وقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا ميزانٌ للأعمال الظاهرة فإذا كان العمل الظاهر حراماً صار حراماً وإن نوى به الإنسان نيةً طيبة وعلى هذا لا يجوز للإنسان أن يصافح المرأة الأجنبية منه بأي حالٍ من الأحوال حتى لو صافحها من وراء حائل كالقفازين أو طرف الخمار أو ما أشبه ذلك فإنه لا يجوز له هذا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال) وقال صلى الله عليه وسلم في حديث معناه (إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وقد قرأت سير بعض الصحابة في الكتب المدرسية وتعلمت من زهدهم وورعهم رضي الله عنهم وأرضاهم وتقشفهم في المأكل والملبس مع غناهم وكثرة أموالهم حتى أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يلبس من الملابس التي تماثل ملابس صبيانه وغلمانه الذين يعملون عنده والسؤال هل في ذلك ما يعارض مفهوم الحديثين السابقين وهل على الغني الموسر أن يكون مظهره مناسباً لحالته المادية أم أن عليه أن يلبس ويسكن ويأكل ما شاء في حدود الشرع الإسلامي بدون سرف ولا مخيلة وما معنى الأمر بالتحدث بالنعم في قوله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث الأول (إن الله جميل يحب الجمال) قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما قال الناس إن الرجل يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال) أي يحب التجمل في اللباس في النعال في الثوب في الغترة في المشلح لأن هذا من إظهار آثار نعمة الله وهو يوافق الحديث الذي ذكره وهو أن الله إذا أنعم على العبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه وأثر النعمة بحسب النعمة فنعمة المال أثرها أن يكثر الإنسان من التصدق ومن نفع الخلق وكذلك أن يلبس ما يليق به من الثياب حتى أن بعض العلماء قال إن الرجل الغني إذا لبس لباس الفقراء فإنه يعد من لباس الشهرة ولكن قد تدعو الحاجة أو قد تكون المصلحة في أن يلبس الإنسان لباس الفقراء إذا كان عائشاً في وسط فقير وأحب أن يلبس مثلهم لئلا تنكسر قلوبهم فإنه في هذه الحال قد يثاب على هذه النية ويعطى الأجر على حسب نيته وأما قوله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) فالمراد أن الإنسان يتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه لإظهار فضل الله سبحانه وتعالى عليه وأن ما حصل من هذه النعمة ليس بحوله وبقوته ولكنه بنعمة الله ومنته والتحدث بالنعمة يكون بالقول وبالفعل يكون بالقول بأن يقول للناس مثلاً في المناسبة إن الله تعالى قد أعطاني المال بعد أن كنت فقيراً وقد أعطاني الأولاد بعد أن كنت وحيداً وما أشبه ذلك وقد هداني الله بعد أن كنت على غير هدى والتحدث بالفعل أن يفعل ما يدل على هذه النعمة إذا كان عالماً يعلم الناس إذا كان غنياً ينفع الناس بماله إذا كان قوياً ينفع الناس بدفعه عنهم ما يؤذيهم بحسب الحال وأما ما ذكره عن بعض الصحابة في تقشفهم فهذا على سبيل التواضع لئلا يكون من حولهم منكسر القلب يحسب أنه لا يستطيع أن يلبس مثل لباسهم أو أن يطعم مثل طعامهم والإنسان في هذه الأمور يراعي المصالح.
مامعنى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتاني ربي في أحسن صورة، قال أحسبه قال في المنام فقال يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى) الحديث هل هذا الحديث يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه وتعالى وهل هذا يتناقض مع قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه في المنام ولا ينافي قوله (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لأن المراد بالآية في حال اليقظة وأما هذا الحديث فإنه في حال المنام فحينئذ لا تناقض بينهما.
ورد في دعاء الاستخارة (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك إلى قوله اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي) السؤال لماذا وردت أداة الشرط في قوله اللهم إن كنت تعلم مع أن الله عز وجل يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الشرط المذكور في دعاء الاستخارة اللهم إن كنت تعلم قوبل بقوله وإن كنت تعلم أن هذا شر لي وهذا يقتضي أن الله تعالى عالم إما بهذا وإما بهذا يعلم أنه خير أو يعلم أنه شر أما الإنسان فإنه لا يعلم ولكنه فوض الأمر إلى الله عز وجل في هذا الدعاء إن كنت تعلم أنه خير وإن كنت تعلم أنه شر وحينئذ لا يكون هذا علما معلقا بشرط بل علم الله تعالى شامل لكل شيء حاضرا كان أو ماضيا أو مستقبلا كما قال موسى عليه الصلاة والسلام (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى).
يقول السائل حازم من جدة لقد قرأت هذه العبارة في أحد الأحاديث الصحيحة ولم أعرف معناها ولكن وقع في نفسي أن هذه العبارة هي دليلٌ على قرب انقضاء الدنيا وعلى سرعة أيامها وزوالها هذه العبارة هي (ألا إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) فهل ما وقع في نفسي صحيح وإذا لم يكن كذلك فما معنى ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما وقع في نفسك ليس بصحيح بل معنى الحديث أن الزمان استدار كهيئته لأن العرب كانوا يعملون بالنسيء أي بالتأخير فيجعلون شهراً بدل شهر لأن الأشهر منها حرم يحرم فيها القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ومنها ما ليس بحرم فكان العرب يتلاعبون ينقلون الشهر المحرم إلى شهرٍ مباح وينقلون الشهر المباح إلى شهر محرم فوافقت حجة النبي صلى الله عليه وسلم للوداع أن الشهر الذي كان العرب يجعلونه حراماً وافق هو الحرام في حج الرسول صلى الله عليه وسلم فاستدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض لكن الذي يدل على سرعة الزمان هو ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن الساعة لا تقوم حتى يكون كذا وكذا قال (ويتقارب الزمان) وبعض العلماء قال معنى (يتقارب الزمان) أي أن البلاد تكبر فتكبر المدن المتقاربة وإذا كبرت تقاربت فحملوا تقارب الزمان على تقارب المكان وقالوا إنه يلزم من تقارب المكان تقارب الزمان لأن الإنسان إذا كان يقطع المسافة بين البلدين في يومين فكبرت البلاد فإنه يقطعها في يومٍ واحد وقال بعضهم إن المراد به الاتصالات فمثلاً فيما مضى لا يمكن أن تتصل بإنسان في الرياض إلا بعد خمسة أيام ستة أيام وعشرة أيام فأكثربالإبل وبالسيارات قبل الخطوط في يومين أو يوم ونصف اليوم والآن في ثلاث ساعات ما بين القصيم والرياض زد على ذلك اتصالات أشد وهي الهاتف والفاكس في لحظة، قالوا هذا معنى تقارب الزمان وعندي أن تقارب الزمان هو السرعة في مرور الأيام والليالي والساعات الآن يمضي الأسبوع وكأنه يوم تأتي تصلى الجمعة اليوم وتقول ما أبعد الجمعة الثانية فإذا كأنها في آخر النهار وهذا شيء مشاهد يعني كل الناس يشكون من هذا يقولون سرعة الأيام كأنها ساعات أمس نحن في صلاة الجمعة وبكرة الجمعة وكأنها يومٌ واحد بينما هي ستة أيام بين الجمعة والأخرى هذا معنى تقارب الزمان والإنسان ينبغي له في هذه الأيام أن يسأل الله دائماً الثبات وأن يحرص على سلوك منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يتحقق له قول الله عز وجل (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).
جاء في الحديث الشريف قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لاوصية لوارث) وجاء في سورة البقرة قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) الآية نرجو التوفيق في هذه المسألة لبيان تفسير الحديث والآية والجمع بينهما؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث الذي أشار إليه السائل هو كالتوضيح لآيات الفرائض فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الفرائض قال في الآية الأولى منها (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) وقال في الآية الثانية (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) وهذا يدل على أن من كان من أهل المواريث فإنه لا يحلّ أن يوصي له الميت بشيء لأنه إذا أوصى له فقد أعطاه أكثر مما جعله الله له وهذا من تعدي الحدود وأما الآية التي في سورة البقرة فإن قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) يخص منها من كان وارثاً فإن من كان وارثاً فإنه لا يوصى له ويمكن أن يكون الوالد غير وارث فيما لو حصل اختلاف دينٍ بينه وبين ولده فإنه لا توارث بينهما فإذا حصل مانع من موانع الإرث أصبح الوالد أهلاً للوصية وأما الأقربون فكذلك نقول من كان منهم وارثاً فإنه لا وصية له ومن كان غير وارث فإنه يوصى له فتكون آية البقرة مخصوصة بآية المواريث.
جاسم علي هاشم الأسدي يقول ما معنى الحديث الشريف (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له) أفيدونا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معروف أن الإنسان إذا مات فإنه ينقطع عمله لأنه مات والعمل إنما يكون في الحياة إلا من هذه الأمور الثلاثة لأنه هو السبب فيها الصدقة الجارية وهي الخير المستمر مثل أن يوقف الرجل بستانه على الفقراء أو يوقف عقاره على الفقراء فإن الفقراء ما داموا ينتفعون بهذا العطاء أو ينتفعون بثمرة هذا البستان فإنه يكتب له وهو أجر حاصل بعد موته لكن هو السبب في إيجاده والثاني العلم الذي ينتفع به بأن يعلم الناس ويدلهم على الخير وعلى فعل المعروف فإذا علم الناس وانتفعوا بعلمه بعد موته فإن له أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء لأن الدال على الخير كفاعل الخير وهذا دليل على بركة العلم وفائدته في الدنيا والآخرة وأما الثالث وهو الولد الصالح الذي يدعو له بعد موته فلأن الولد من كسب الإنسان وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث (أو ولد صالح يدعو له) لأن غير الصالح لا يهتم بنفسه فلا يهتم بأبيه أو أمه وفيه إشارة إلى أنه من المهم جداً أن يربي الإنسان أولاده تربية صالحة حتى ينفعوه في حياته وبعد مماته وفي قوله صلى الله عليه وسلم (أو ولد صالح يدعو له) إشارة إلى أن الدعاء للأب أو لغيره من الأقارب أفضل من أن يقوم الإنسان بعبادة يتعبد لله بها ويجعل ثوابها لهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل أو ولد صالح يصلى له أو يصوم له أو يتصدق له مع أن سياق الحديث في العمل انقطع عمله إلا من ثلاث فلو كان عمل الإنسان لأبيه بعد موته مما يندب إليه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم وأيضاً يكون دعاء الإنسان لوالديه أفضل من أن يسبح أو يقرأ أو يصلى أو يتصدق ويجعل ثواب ذلك لهم والإنسان محتاج إلى العمل الصالح فليجعل العمل الصالح لنفسه وليدعُ لوالديه بما يحب ولا يعني قوله صلى الله عليه وسلم أو ولد صالح يدعو له أنه لو دعا له غير ولده لم ينتفع به بل دعاء أخيك المسلم نافع لك ولو كان ليس قريباً لك قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌٌ) فوصف الله هؤلاء الأخيار بأنهم يدعون لأنفسهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان وهذا يشمل إخوانهم الأحياء والأموات وقال النبي عليه الصلاة والسلام (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاًَ إلا شفعهم الله فيه) حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت ينتفع بدعاء المصلىن عليه ويكون قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث (أو ولد صالح يدعو له) مبنياً على أن الولد الصالح الذي هو بضعة منه كأنه هو نفسه ولهذا قال (انقطع عمله إلا من ثلاث) فجعل دعاء الولد لأبيه من عمل الأب وقد استدل بعض الناس بهذا الحديث على أنه لا يجوز إهداء القرب للأموات قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (انقطع عمله إلا من ثلاث) ولكن في الاستدلال هذا نظراً لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال (انقطع عمله) ولم يقل انقطع العمل له فلو أن أحداً من الناس غير الابن أهدى ثواب قربة إلى أحد من المسلمين فإن ذلك ينفعه لو أنك حججت عن شخص ليس من آبائك وأمهاتك نفعه ذلك وكذلك لو اعتمرت عنه أو تصدقت عنه فإنه ينفعه على القول الراجح.
من عنيزة ع. ع.ب يقول ما معنى هذا الحديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) وذكر منها (علم ينتفع به) وإذا لم ينتفع به بعد موته هل له أجر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أصل العلم إذا لم ينتفع به يكون ضاراً لأن العلم سلاح، إما لك أو عليك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (والقرآن حجة لك أو عليك)، فالعلم إذا لم ينتفع به المتعلم ولم ينفع غيره، لم يكن لمن علمه أجرٌ، ذلك لأن أجر المعلم الذي مات فرع عن عمل المتعلم الذي نفع بعلمه، فإذا لم ينفع بعلمه ولم ينتفع به فأين يكون الأجر، ولكن السؤال الآن هل يوزر الميت لأن علمه الذي علمه هذا الإنسان لم ينتفع به الإنسان بل تضرر به؟ نقول لا، الميت لا يوزر على هذا لأن الميت الذي علم أراد بعلمه نفع الخلق، فإذا لم ينتفع به فليس عليه وزره شيء فعلى كل حال الحديث يدل على أن الميت لا يؤجر إلا بعلم ينتفع به من بعده، فأما علم لا ينتفع به من بعده فلا ينتفع به، كما أن قوله (علم ينتفع به من بعده) قد يكون القول هنا لبيان الواقع لأن الرجل إذا علم وبقيت علومه بين الناس فلابد أن ينتفع به المنتفع، قد لا ينتفع به جميع من تعلمه ولكن ينتفع به البعض فيكون هذا القيد ليس قيداً مخرجاً من عداه وإنما هو قيد مبين للواقع.
السؤال: بارك الله فيكم المستمع م. ر من الرياض يقول فضيلة الشيخ نحن نعلم بأن الميت إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فما هي الصدقة الجارية والعلم النافع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصدقة الجارية مثل أن يبني مسجدا يصلى المسلمون فيه أو يبني بيتا للمساكين يسكنونه أو يطبع كتبا ينتفع المسلمين بها أو يوقف أرضا يكون مغلها للفقراء هذه الصدقة الجارية أما العلم النافع بأن يعلم الناس مما علمه الله سواء كان تعليما عاما كالذي يكون في المساجد على عامة الناس أو تعليما خاصا للطلبة فإن هذا العلم إذا انتفع الناس به بعد موته جرى له أجره بعد الموت وفي هذا الحديث الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أوعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) حث على نشر العلم حتى يتسع أجر الإنسان ويكثر أجر الإنسان وفيه حث على تربية الأولاد تربية صالحة لأنهم إذا كانوا صالحين بروا بآبائهم في الدنيا ودعوا لهم بعد الموت وفيه أيضا إشارة إلى أن الدعاء للميت أفضل من أن يهدي الإنسان له عبادة فلو قال شخص أيهما أفضل أن أدعو لأبي الميت أو أتصدق له قلنا الأفضل أن تدعو له لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أو ولد صالح يدعو له) قال ذلك وهو يتحدث عن الأعمال ولو كانت الأعمال الصالحة أفضل من الدعاء لأرشد إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به) هل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا كالفيزياء والكيمياء والرياضيات أم هو مقيد بالشرعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل علمٍ يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه وإذا أثيبوا عليه نال من علمهم بعد موته ما يستحق من الأجر وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلاً ثواب حتى نقول إنه يستمر فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها فإذا علمها أحداً من الناس أثيب هذا المتعلم فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه.
صالح أ. ع. من السودان الخرطوم يقول حصل اختلاف بيني وبين أحد الإخوان حول الحديث الوارد في وقوع العين من الحاسد والذي معناه (أن العين حق ولو أن شيئاً سابق القدر لكان العين) فهم يقولون إن هذا يتعارض مع بعض الآيات فما هو القول الحق في هذا الموضوع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القول الحق هو ما قاله عليه الصلاة والسلام وهو (أن العين حق) وهذا أمرٌ قد شهد له الواقع ولا أعلم آياتٍ تعارض هذا الحديث حتى يقول هؤلاء إنه يعارض القرآن بل إن الله تعالى جعل لكل شيء سبباً حتى إن بعض المفسرين قالوا في قوله تعالى (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر) قالوا إن المراد هنا العين ولكن على كل حال سواءٌ كان هذا هو المراد بالآية أم غيره فإن العين ثابتة وهي حقٌ ولا ريب فيها والواقع يشهد بذلك منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ولكن من أصيب بالعين فماذا يصنع؟ يعالج بالقراءة وإذا علم عائنه فإنه يطلب منه أن يتوضأ ويؤخذ ما يتساقط من ماء وضوئه ثم يعطى للعائن يصب على رأسه وظهره ويسقى منه وبهذا يشفى بإذن الله وقد جرت العادة عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يباشر جسمه من اللباس مثل الفنيلة والطاقية وما أشبه ذلك بالماء ثم يسقونها العائن ورأينا ذلك يفيده حسبما ما توارد عندنا من النقول.
فضيلة الشيخ: يسقونها من أصابته العين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم فإذا كان هذا هو الواقع فلا بأس باستعماله لأن السبب إذا ثبت كونه سبباً شرعاً أو حساً فإنه يعتبر صحيحاً أما ما ليس بسببٍ شرعي أو حسي فإنه لا يجوز اعتماده مثل أولئك الذين يعتمدون على التمائم ونحوها يعلقونها على أنفسهم ليدفعوا بها العين فإن ذلك لا أصل له سواءٌ كانت هذه من القرآن أو من غير القرآن.
يقول حديثٌ شريفٌ أسمعه دائماً ولكنني لا أدرك معناه وهو (تبلغ الحلية من الرجل حيث يبلغ الوضوء) فما معناه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) هذا لفظ الحديث والمعنى أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فإنهم يحلون فيها كما قال الله عز وجل (يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤاً) (وحلوا أساور من فضة) فهم يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة فالمؤمن يحلى في الجنة رجلاً كان أو امرأة بهذه الحلية إلى حيث يبلغ الوضوء فعلى هذا تبلغ الحلية إلى المرفقين لأن الوضوء يبلغ إلى المرفقين هذا معنى الحديث الذي أشار إليه.
فضيلة الشيخ: أليس فيه حثٌ على زيادة الوضوء على الأماكن المحددة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس فيه.
فضيلة الشيخ: لا يفهم منه
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يفهم منه لأن الوضوء يبلغ إلى مكانٍ معين قدره الله تعالى في القرآن في قوله تعالى (وأيديكم إلى المرافق)
أرجو تفسير هذا الحديث (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم يأتي بأخرين يذنبون ثم يستغفرون الله) نرجو تفسيره؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المعنى تفسير هذا الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام حث أمته على الاستغفار وبين أنه لابد من أن يقع الذنب والخطأ من بني آدم كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وأنها أعني المغفرة من صفات الله تبارك وتعالى التي هي صفات كمال وهو سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب التوبة على عباده ويحب المستغفرين ويحب المغفرة لهم فحكمة الله تعالى تقتضي أن يقع الذنب من بني آدم ثم يكون الاستغفار وتكون المغفرة بعد ذلك.
محمد عبد الغني محمد مسؤول بمصنع الاسمنت بالرياض يقول أرجو بيان حكم وشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (عمرةٍ في رمضان توازي حجة فيما سواه) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى ذلك أن الإنسان إذا اعتمر في شهر رمضان فإن هذه العمرة تعدل حجةً في الأجر لا في الإجزاء وقولنا لا في الإجزاء يعني أنها لا تجزئ عن الحج فلا تسقط بها الفريضة ولا يعتبر حاجاً حجاً متنفلاً وإنما يعتبر هذه العمرة من أجل وقوعها في هذا الشهر تعدل في الأجر حجةً فقط لا في الإجزاء ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفسٍ من ولد إسماعيل) وهذا بلا شك بالأجر وليس بالإجزاء ولهذا لو كان عليه أربع رقاب فقال هذا الذكر لم يجزئه ولا عن رقبةٍ واحدة فيجب أن نعرف الفرق بين الإجزاء وبين المعادلة في الأجر فالمعادلة في الأجر لا يلزم منها إجزاء وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام ((قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن).
ولو أن الإنسان قرأها ثلاث مراتٍ في ركعة ولم يقرأ الفاتحة ما أجزأته مع أنها عَدَلت القرآن كله حينما قرأها ثلاث مرات.
السائلة إلهام من مدينة الأحساء تسأل وتقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) وأنا أحب المداومة على الأعمال الصالحات كصيام النوافل وقيام الليل وصلاة الضحى ولكن صلاة الضحى لا أصلىها إلا يوم الخميس والجمعة وبقية الأيام أكون في المدرسة فكيف العمل بهذا الحديث جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الذي أشارت إليه السائلة هو طرف من حديث ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أنه (نهى أصحابه عن الكلفة في الأعمال إلا ما يطيقه العبد وقال: إن أحب العمل إلى الله أدومه) ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يكلف نفسه من الأعمال ما لا يطيق ولو في المستقبل بل يأتي بالأعمال الصالحة التي يقدر عليها بسهولة ولا سيما أنه يراعي حال كبره وحال مرضه وما أشبه ذلك وانظر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حيث (قال: لأقومن الليل كله ولأصومن الدهر كله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعاه وسأله أقلت هذا قال نعم قال إنك لا تطيق ذلك وأمره أن يصوم ويفطر وأن يقوم وينام ونازله في الصوم حتى وصل إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً قال إني أطيق أفضل من ذلك يقوله عبد الله بن عمرو بن العاص قال لا أفضل من ذلك ذاك صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وقال له في القيام إن داود عليه الصلاة والسلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) لكن لما كبر عبد الله بن عمرو بن العاص شق عليه أن يصوم يوماً ويفطر يوماً وقال ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم صار يصوم خمسة عشر يوماً سرداً ويفطر خمسة عشر يوما سرداً فالمهم أن الإنسان لا ينبغي أن يعتبر نفسه بنشاطه وقوته بل يتقيد بالشريعة وبما يعلم أنه يدركه عند الكبر وأما المرض فإن المرض إذا قصر الإنسان بالعمل فيه وكان من عادته أن يعمل العمل الصالح في صحته فليبشر أنه يكتب له ما كان يعمل في حال الصحة لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) ومن العجب أن بعض أهل الكسل قال إذا كان الأمر كذلك أنه إذا سافر العبد كتب له ما كان يعمل مقيماً فإنني لن أصلى تطوعاً لأنه يكتب لي ما كنت أعمله حال الإقامة وهذا غلط عظيم ولم يرد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك أن يدع المسافر التطوع والنوافل بدليل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى سنة الفجر وكان يصلى الوتر وكان يصلى الضحى وهو مسافر ولم يقل إنني مسافر ويكتب لي ما كنت أعمل في حال الإقامة ولو أننا أخذنا بعموم هذا الحديث (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) لقلنا أيضاً لا تصل الفرائض لأنه يكتب لك ما كنت تعمل في حال الإقامة لكن هذا الذي ذكرته من تسرع بعض الناس في فهم نصوص الكتاب والسنة وهذا خطر عظيم جداً وهو يقع أعني الفهم المخطيء يقع من كثير من المبتدئين في طلب العلم فيجب عليهم الحذر من التسرع ويجب على غيرهم الحذر مما شذوا به حتى يعرضه على من هو أكبر منه علماً ودراية وإنما معنى الحديث من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً أن الإنسان إذا شغله المرض أو شغله السفر عما كان يعمله من الأعمال الصالحة في حال إقامته وحال صحته فإنه يكتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً لأنه تركه لعذر الانشغال بالسفر أو بالمرض ولم يرد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدع المريض أو المسافر ما كان قادراً عليه من الأعمال الصالحة اتكالاً على ما كان يعمله في حال الصحة وحال الإقامة.
السؤال من أحد الإخوة السودانيين مقيم بالمملكة منطقة الباحة يقول يذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بأن مصير الموحدين إلى الجنة في نهاية المطاف وجاء في الحديث (أنه لا يدخل الجنة قاطع رحم) وأيضاً جاء (لا يدخل الجنة نمام) فهل الموحدون من هاتين الفئتين لا يدخلون الجنة كما هو ظاهر هذه النصوص أم كيف يكون الجمع بينها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه النصوص وأمثالها من أحاديث أو من نصوص الوعيد هي التي أوجبت بطائفة الخوارج والمعتزلة أن يقولوا بخلود أهل الكبائر في النار لأنهم أخذوا بهذه العمومات ونسوا عمومات أخرى تعارضها وهي ما ثبت في أدلة كثيرة من أن الموحدين أو من في قلبه إيمان ولو مثقال حبة من خردل فإنه لا يخلد في النار كما أن عمومات الأدلة الدالة على الرجاء وأن المؤمن يدخل الجنة حملت المرجئة على ألا يعتبروا بنصوص الوعيد وقالوا إن المؤمن ولو كان فاسقاً لا يدخل النار فهؤلاء أخذوا بعمومات هذه الأدلة وأولئك أخذوا بعمومات أدلة الوعيد فهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط الذي تجتمع فيه الأدلة وهو أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان وأنه مستحق للعقوبة ولكن قد يعفو الله عنه فلا يدخله النار وقد يدعى له فيعفى عن عقوبته وقد تكفر هذه العقوبة بأسباب أخرى وإذا قدر أنه لم يحصل شيء يكون سبباً لتكفيرها فإنه يعذب في النار على قدر عمله ثم يكون في الجنة هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وعلى هذا فأحاديث الوعيد المطلقة أو العامة كما في الحديثين اللذين أشار إليهما السائل (لا يدخل الجنة قاطع رحم) (لا يدخل الجنة نمام) تحمل على أن المعنى لا يدخلها دخولاً مطلقاً أي دخولاً كاملاً بدون تعذيب بل لابد أن يتقدم ذلك التعذيب إن لم يوجد ما يمحو ذلك الإثم من عفو الله أو غيره فيكون معنى لا يدخلون الجنة أي الدخول المطلق الكامل الذي لم يسبق بعذاب وبهذا تجتمع الأدلة.