فتاوى نور على الدربصفحة 2

كتاب العلم - فضله - آدابه - مراحله - - كتب تعليم المرأة - منكراته

صفحة 2

بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ هذه رسالة وصلت من محمد الطيب من السودان بعث برسالة يقول فيها إذا غضب الوالد غير الملتزم بأمورٍ دينية من صلاةٍ وصيامٍ وزكاة من ابنه عندما ينصحه ويحاول معه بأن يلتزم بأمور الشرع هل يأثم الابن من هذا الغضب وهل يدخل في باب العقوق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحة الابن لأبيه أو لأمه أو لأقاربه ليست عقوقاً للوالدين ولا قطيعةً للأقارب بل هذا من بر الوالدين وصلة الأقارب فالواجب على الإنسان أن يبر بوالديه بنصيحتهما وأن يصل أقاربه بنصيحتهم كما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) وإذا غضب الوالدان أو الأقارب من هذه النصيحة فغضبهم عليهم وليس عليك منهم شيء ولا يعد إغضابهم بالنصيحة قطيعةً ولا عقوقاً ولكن يجب عليك أن تكون حكيماً في النصيحة بأن تتحرى الأحوال التي يكونون بها أقرب إلى الإجابة والقبول وأن لا تعنف وتسب وتشتم لأن هذا قد ينفر من توجه إليهم النصيحة فإذا أتيت بالتي هي أحسن مخلصاً لله عز وجل ممتثلاً لأمره ناصحاً لعباده كان في هذا خيرٌ كثير ولا يضرك غضب من غضب ألم تر إلى هذه القصة التي جرت بين إبراهيم الخليل وأبيه في سورة مريم حيث قال عليه الصلاة والسلام لأبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) فتأمل هذا التلطف في الخطاب يقول له (يَا أَبَتِ) وهو يعلم أنه مشرك (لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) ولم يقل يا أبتِ إني عالم وأنت جاهل بل قال إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فلم يشأ أن يصف أباه بالجهل مع أن أباه لا شك أنه جاهلٌ بما عند إبراهيم من علم (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) فماذا قال له الأب (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) فهل تجد غضباً أشد من هذا الغضب يقول لابنه (لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ) ويقول (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) طويلاً ماذا قال له (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) فاتخذ من هذه القصة عبرة فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء بعد محمد عليه الصلاة والسلام وهو الذي قال الله لنبيه (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) ومع هذا يخاطب أباه المشرك بهذا الخطاب وهذه المحاورة ثم يقول في الأخير (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً) المهم أن الواجب عليك أن تنصح والدك على ما هو عليه من المعاصي لعل الله أن يمن عليه بالتوبة والهداية ولو غضب فلا يهمنك غضبه فإنما غضبه على نفسه.


بارك الله فيكم هذا أخ مستمع يعمل في التسجيلات الإسلامية يقول فضيلة الشيخ محمد إني أحبك في الله ولي أخت شقيقة وأبي وليها ولا يزوجها إلا لموظف أو من لم يكن لديه زوجة فإذا أتيت له بشاب صالح له زوجة وكذبت عليه وقلت إنه رجل عزوبي فهل يجوز الكذب في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول للسائل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأحبك الله الذي أحببتنا فيه وأقول له إن أباك أخطأ في كونه لا يزوج ابنته إلا من عنده مال أو لا يزوج ابنته من معه زوجة فإن هذا ليس هو مناط الحكم والتزويج بل المدار كله على الدين والخلق كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة وفساد كبير أو قال عريض) ولا يحل لأبيك أن يمنع ابنته إذا رضيت بالكفء من أن يزوجه منها فإن فعل سقطت ولايته ولك أن تتولى أنت عقد نكاحها إذا أتاها من يُرضى في دينه وخلقه ورضيت به أما أن تكذب عليه إذا خطبها كفء له زوجة وتقول له إنه لا زوجة له فإن هذا لا يجوز لأن أباك سوف يعلم بذلك عن قريب أو بعيد فيقع بينك وبينه من المشاكل بل ربما يقع بينه وبين الزوج من المشاكل ما يكدر الصفو ويجعل العداوة بينكم وبينه فأنت أخبر بالصدق وأنصحه وأرشده أنه يجب عليه أن يزوجها إذا رضيت بهذا الكفء الذي خطبها.


أنا شاب في السادسة عشرة من عمري أبي يمنعني من أداء الصلاة في المسجد ويمنعني من أداء صلاة الجمعة وإنه لو استطاع لمنعني من الصلاة ولكنه يعرف الشرع في هذا المضمار لكنه في نفس الوقت يحاول أن يشدني من التيارالذي أنا فيه إلى تيار الفسق والفجور فهل أطيعه أفيدوني أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن طاعة الوالد واجبة والذي أوجب طاعة الوالد هو الله سبحانه وتعالى ولكنها لا تجب طاعة الوالد في كل شيء إنما تجب فيما لا يكون فيه معصيةٌ لله ورسوله أما إذا كانت في طاعته معصيةٌ لله ورسوله فإنه لا يجوز للولد طاعة والده في ذلك وعلى هذا فلا يجوز لك ترك الجماعة ولا الجمعة بسبب منع والدك وعليك أن تسعى إلى الجماعة وإلى الجمعة بكل طريقٍ ممكن ثم إن لأبيك عليك حقاً وهو أن تمنعه وأن ترشده وتهدي له من الكتب النافعة التي يقرؤها لعل الله أن يهديه ويرده إلى الاستقامة والثبات على الحق لأن هذا من أعظم البر بالوالد.


السائل يقول شاب يعمل ويعطي حصيلة عمله لوالده حيث إن والده يقوم بشتمه وسبه دائما ويتهمه بالتقصير بأنه يخبئ بعض الشيء من راتبه ويعطيه لزوجته فهل الراتب يعطى للأب بالكامل وجهونا حول هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الراتب ملك لمستحقه ففي هذا المثال يكون الراتب ملكا للابن ليس لأحد عليه سلطان إلا الأب فله أن يأخذ من مال ولده ما شاء ما لم يضره لكني أنصح الأب وأقول إذا لم يكن فيك حاجة فدع ابنك وماله يتوسع به على نفسه وعلى أهله لأن ذلك من صلة الرحم أما كونك تضيق عليه وتقول لابد أن تعطيني راتبك ثم تتصرف فيه أنت كما شيءت فهذا يوجب قطيعة الرحم ويوجب أن يبغضك الابن وألا يقوم ببرك فهنا نخاطب الابن ونخاطب الأب أما الابن فنخبره بأنه هو وماله لأبيه وأن لأبيه أن يأخذ من ماله ما شاء ما لم يضره وأما الأب فإننا ننصحه ألا يتعرض لمال ابنه إلا إذا كان محتاجا فإن على الابن أن يزيل حاجة أبيه سواء أخذ بنفسه أم أعطاه الابن.


هذه سائلة للبرنامج تذكر بأنها معلمة تحب فعل الخيرات وتحب مساعدة المحتاجين تقول وعندما أريد أن أتصدق من مالي على ذوي أرحامي وصديقاتي المحتاجات تقف والدتي ضد هذه الأعمال بحجة أنني أبدد مالي فيما لا يفيد وأنني بحاجة إلى أن أدخر هذا المال فيما ينفعني فيما بعد فهل لوالدتي الحق في التدخل في راتبي وهل يصح أن أتصدق وأعطي دون أن أخبرها بذلك أم ماذا أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الوالدة ينبغي لها أن تشجع أولادها من ذكور وإناث على الصدقة إذا كانت لا تضر بهم لأن الصدقة خير والمعونة عليها خير قال الله تبارك وتعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وإذا كانت الوالدة تغضب إذا تصدقت ابنتها بشيء من مالها أو أهدت إلى صديقاتها فلا حرج على البنت أن تتصدق وتهدي سراً لا تتطلع عليه الوالدة لأن المال مالها ولها أن تتصرف فيه كما شاءت في حدود ما أنزل الله عز وجل لكن لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بأكثر من ثلث المال لأن أبا لبابة لما أراد أن يتصدق بماله شكراً لله تعالى على توبته قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أمسك عليك بعض مالك) وأمره أن لا يتصدق بجميع ماله.


تقول السائلة بأنها فتاة لها صديقة لم ترها منذ سنوات وتريد أن تزور هذه الصديقة هل يجوز لها أن تذهب إليها دون علم والدها علماً بأن أمي تأذن لي في الذهاب والذي يذهب بي ويرجع هو أخي ولكن إذا علم أبي سوف يغضب هل من الأفضل أن استأذن الوالد أو أذهب بغير علمه أفتونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن تستأذن من أبيها لأن أباها أعلم بمصالحها ولولا أنه يرى أن ذهابها إلى هذه الصديقة فيه مضرة على ابنته ما غضب إذا ذهبت فلهذا أقول من بر الوالد أن لا تذهب هذه المرأة إلى صديقتها إلا بإذن والدها.


نحن ثلاثة أخوة نعمل بالمملكة وكل واحد منا له رزقه وظروفه وقد اتفقنا بين أنفسنا على أن نساهم في نفقات الحج لوالدتنا وذات يوم أرسلت أمي برسالة تطلب فيها أن نشتري لها جنيه ذهب فأرسلت إليها بالرد أنني أفضل شراء قطعة ذهب مكتوب عليها لفظ الجلالة سبحانه وتعالى بدلاً من الجنيه لأنه مرسوم عليه صورة جورج فأرسلت لي بأنها ترغب الجنيه الذهب وكذلك سلسلة ذهب فأرسلت إليها بأنه بدلاً من هذا وذاك سوف أدفع لك مبلغاً كي تؤدي فريضة الحج مساهمة مع أشقائي ورفضت مبدأ شراء الذهب علماًَ بأن قيمة تكلفة مساهمتي في الحج أكثر من شراء الذهب ولم يأت الرد منها ومضى على ذلك حوالي شهرين وأشعر الآن بضيق نفسي شديد لعدم إرسالها لي أي خطاب وسؤالي هل بتصرفي معها أصبحت عاقاً لأمي وماذا أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أن فعلك هذا فعل حسن وهو خير لأمك ولكن مع ذلك لو أنك اشتريت لها ذهباً ليس عليه رسم إنسان ولا كتب عليه اسم الله عز وجل لكان ذلك أحسن لأن الذهب الذي كتب عليه اسم الله قد يكون ممتهناً من لابسه وهذا أمر لا يليق بما كتب عليه اسم الله عز وجل والذي رسم عليه الصورة لا يحل لبسه لأن لبس ما فيه الصورة سواء كان حُلياً أم ثياباً محرم لا يجوز لما فيه من استصحاب الصورة التي قال فيها رسول الله صلى عليه وسلم إن الملائكة (لا تدخل بيتاً فيه صورة) وأنت لا تقلق على تأخر الجواب ولكن تابع المسألة واكتب إليها مرة أخرى وخذ رأيها بعد ذلك لكن إن اختارت شيئاً ممنوعاً فلا تطعها وأقنعها بأن هذا ممنوع وأن في المباح ما يغني عنه ويسلم به الفاعل من الإثم.


المستمع عبد الرحيم من المملكة المغربية يقول هل يجوز للأب أن يرغم ابنه الشاب على الجلوس في المنزل وعدم البحث عن عمل شريف يكسب منه حلالاَ وماذا يفعل الابن في هذه الحالة هل تلزمه طاعة أبيه أم يجوز له أن يخالف أمره فالإسلام يحث على العمل والاكتساب الحلال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الشاب بالغاً عاقلاً محسناً للتصرف فإنه لا يجوز لوالده أن يمنعه من الكسب الحلال وذلك لأنه في هذه الحال ليس عليه حجر وليس عليه منع من التكسب مادام يريد أن يكتسب اكتساباً حلالاً فإن الإنسان محتاج إلى أن يعف نفسه بالزواج وإلى أن يكف نفسه عن المسألة ولا طريق إلى ذلك إلا بالسعي في طلب الرزق الحلال ثم إنه لو فرض أن الأب عنده مال يستطيع به أن يكمل لهذا الشخص ما يحتاجه من نفقة وزواج فإن بقاء الإنسان بدون عمل قد يضره نفسياً وبدنياً لأن الإنسان كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (حارث وهمام كلكم حارث وهمام) لابد أن يكون له شيء يحرك همته وشيء يحرك بدنه حتى يكون قد فرج عن نفسه ما يكمن في داخلها وعلى هذا فالذي أشير به وأنصح به هذا الوالد ألا يحجر على ولده وأن يدعه يتكسب بما هو حلال مادام بالغاً عاقلاً رشيداً وأما الولد فإني أنصحه ألا يعصي والده معصية ظاهرة ويبادره بالعصيان وإن كان الوالد ليس له حق في أن يمنعه من التكسب ولكن يصانع والده ويداريه ويترجى منه بإلحاح أن يرخص له في طلب العمل لعل الله أن يهديه فإن لم يفعل والده فإن كان محتاجاً إلى هذا الكسب فليس عليه أن يطيع أباه بتركه وإن كان غير محتاج فإنه ينظر في هذا الأمر وأيهما أنفع وأصلح في أن يوافق والده أو يخالفه وهذا ما لم يكن الأب في ضرورة إلى بقاء ابنه في البيت فإن كان في ضرورة إلى بقائه في البيت بحيث يكون مريضاً أو به عاهة تمنعه من القيام بمصالح بيته ففي هذا الحال يجب على الابن أن يوافق أباه لأن ذلك من البر والبر واجب.


يقول السائل أفيدكم أنني شاب بلغت سن الرشد ولم أوفق في دارستي لظروفي الخاصة وطلبت من والدي مساعدتي بالزواج لي وأن أقوم بمساعدته حيث لديه مال ومزارع ومع ذلك فهو طاعن في السن ولكنه رفض ما طلبته ولم يسمح لي بالسفر للبحث عن العمل آمل من فضيلتكم التكرم بإرشادي إلى الطريقة التي أعمل بها لأنني لا أريد عصيان والدي أملي فيكم كبير بعد الله وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نوجه الكلام إلى والدك فوالدك يجب عليه أن يزوجك مادام قد أغناه الله وليس عندك ما يمكنك أن تتزوج به من المال فواجب عليه شرعاً وهو محاسب عليه أمام الله أن يزوجك وإذا لم يقم بهذا الواجب عليه فلا حرج عليك في أن تسافر لطلب الرزق والعفاف ولو منعك والدك من هذا لأنه منعك بغير حق وهو ظالم لك من وجهين الوجه الأول أنه لم يقم بما أوجب الله عليه لك من التزويج والأمر الثاني أنه منعك مما هو حق لك في طلب الرزق لتتوصل به إلى العفاف فإذا كان الأمر كما قلت بأنه لم يزوجك ومنعك من السفر فلا حرج عليك أن تسافر في طلب الرزق لتحصل على العفاف ولو كان في ذلك معصية له لأن هذه المعصية لا تضرك إذ أنه لا حق له في منعك.


هذه رسالة وردتنا من الجمهورية السودانية الديمقراطية بعث بها الأخ في الله الحسين فتح الرحمن محجوب يقول في رسالته رجل يحب والديه وأراد أن يتأسى بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وأعفى لحيته ووجد مضايقة من أبيه وأمه حتى غضبا عليه فما حكم الإسلام في ذلك هل يُغضب الوالدين ويعفي لحيته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن رضا الله عز وجل مقدمٌ على رضا غيره وطاعة الله سبحانه وتعالى مقدمةٌ على طاعة غيره ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولهذا قال الله تعالى في حق الوالدين مخاطباً الولد (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) ففي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز للمرء أن يطيع والديه في معصية الله سبحانه وتعالى فأنت حين هداك الله -وأسأل الله لي ولك التثبيت على هدايته- إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية ووجدت من والديك مضايقة فإني أنصحك أن تصبر وتحتسب على هذه المضايقة وتستمر في اتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ولو غضب لذلك والداك وإني أنصح والديك أمك وأباك بأن يتقيا الله عز وجل وأن يكونا عوناً لابنهما على طاعة الله لا أن يكونا منفرين له عن طاعة الله سبحانه وتعالى بهذه المضايقة وأقول لهما إن منة الله على ابنكما بالتزام الشريعة هو من حظكما ومن توفيقكما فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له) فنصيحتي لكما أيها الأبوان أن تتقيا الله عز وجل وأن تشجعا ابنكما وكذلك سائر أولادكما على طاعة الله عز وجل وأن تريا أن هذا من نعمة الله عليكما فتحمدا الله على هذه النعمة وتستمرا في تنشيط أولادكم على طاعة الله سبحانه وتعالى.


المستمع سعيد السيد محمد يقول لقد مضت فترة حوالي سنتين وأنا كنت أغلط على والدي ووالدتي وأتعدى عليهم لفظياً وذلك لحالات عصبية ولكن ليس من كل قلبي ولا أقصد ذلك ولكن مع ذلك أرجع وأحاسب ضميري وأندم على ما فعلت ولكنني لم أقصر على حاجات البيت فكل شيء موجود والحالة المادية بشكل عام كانت جيدة أما سبب عصبيتي فكانت بسبب زواجي من امرأة كانت تخلق المشاكل بينها وبين الوالدة والوالد وبسبب ذلك تؤثر على أعصابي وعصبيتي وغلطاتي الكبيرة تجاه والدي ووالدتي أما الآن فأنا أحس بالندم لما فعلت بالوالد والوالدة على حد سواء وقد عزمت على الطلاق وفعلاً طلقت وارتحت من مشاكلي مع الوالد والوالدة فهل أحمل ذنب ما فعلت سواء مع الوالد والوالدة أو مع الزوجة التي طلقتها علماً بأنها لم تنجب أطفالاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن تلفظ هذا السائل على أمه وأبيه بالألفاظ الدالة على التضجر والألفاظ النابية التي لا تليق من الولد بوالديه وقوع في الإثم وفيما نهى الله عنه فإن الله عز وجل يقول (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) فإذا كان الله سبحانه وتعالى نهى أن يقول الولد لوالديه أفٍ وهي كلمة تدل على التضجر في حال كبرهما التي تستدعي غالباً الإثقال على الولد والإشقاق عليه فما بالك بما سوى هذه الحال وما تشعر به من الندم على ما فعلت إذا كان مقروناً بالعزم على أن لا تعود إليه مع الإقلاع عما فعلت فإن هذه توبة والله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن تاب إلى الله توبة نصوحاً تاب الله عليه وأما ما فعلته مع الزوجة حيث طلقتها لأنها هي سبب المشاكل بينك وبين والديك فإنه لا إثم عليك ولا حرج لأن الطلاق والحمد لله مباح عند الحاجة إليه وهذه حاجة من أهم الحاجات وأشدها إلحاحاً لأن من يحاول أن يفرق بينك وبين والديك أو يفسد الود بينك وبينهما فإن الأولى البعد عنه وقد قال الله تعالى (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ) فعسى الله أن يوفقها لرجلٍ تعيش معه عيشة حميدة ويكون طلاقك لها تأديباً لها في المستقبل وعسى الله تعالى أن يوفقك لامرأة تعيش معها عيشة حميدة أنت ووالداك.


نبدأ هذه الحلقة برسالة وصلت من المستمع م. ج. ج. سامراء العراق يقول في هذا السؤال إنني منذ سنوات وبعد وفاة والدي أوذي أمي بكلامي أو بأسلوبي الغليظ ولكنني بعد فترة وجيزة أندم وأتألم على هذا وأعزم على أن أتوب إلى الله توبةً نصوحاً ولكنني بانفعالي وحالتي العصبية لا تجعلني أغير من معاملتي لأمي أرشدوني يا فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا يخفى على أحد عظم حق الوالدين وأنه يجب على الإنسان أن يبرهما بقوله وفعله وجاهه وماله وبكل ما أمكن من البر وقد جعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه وحق رسوله فقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وأوصى الله سبحانه وتعالى بالوالدين إحساناً فقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً) وأمر الله سبحانه وتعالى أن ندعو لهما فقال (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وأمرنا عز وجل أن نخفض لهما جناح الذل من الرحمة وأمرنا سبحانه وتعالى أن نقول لهما قولاً كريما والأحاديث الواردة في بر الوالدين كثيرة حتى جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة الثانية بعد الصلاة على وقتها ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم (أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قلت ثم أيٌ قال بر الوالدين قلت ثم أيٌ قال الجهاد في سبيل الله) وسأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل (أي الناس أحق بحسن صحبتي قال أمك قلت ثم من قال أمك قلت ثم من قال أمك وفي الرابعة قال ثم أبوك) فالواجب على المرء أن يبر والديه وأن يحسن صحبتهما سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين ولهذا قال الله تعالى (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وإنني أنصح هذا الأخ السائل أن يتقي الله عز وجل في أمه وأن يحسن صحبتها وإذا رأى من نفسه الغضب أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يضطجع إن كان قاعدا وأن يقعد إن كان قائماً يضطجع إن كان قاعداً كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان صادقاً في نيته محباً لبرها فإن الله سبحانه وتعالى يعينه على ذلك وعليه في تحقيق توبته أن يستحلها فيما صنع معها لأن هذا حق آدمي وحق الآدمي لا تتم التوبة منه إلا بالتحلل منه بإبراءٍ أو أداء وليعلم أن البر كما قال الناس أسلاف أي أنك إذا أسلفت بر والديك فإن أولادك سوف يبرون بك وإن كان الأمر بالعكس فانتظر عقوق أولادك.


بارك الله فيكم هذا سوداني يعمل بالخليج يقول والدي كثيرا ما يتلفظ بألفاظ الطلاق على والدتي ومتساهل في أداء الصلوات ووالدتي بعكسه امرأة مصلىة عابدة وهذا من فضل الله عليها وكثيرا ما نصحت والدي بعدم التساهل بألفاظ الطلاق فلم يبالي وأنا الآن على وشك العمل وأريد أن أرسل لوالدتي مصروف دون أبي مع أن حالته ضعيفة جدا جداً هل يجوز لي هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: (من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قيل ثم من قال أمك قيل ثم من قال أمك قيل ثم من قال ثم أبوك) وعلى هذا فإذا كانت الأم محتاجة وكان الأب محتاجا فالمقدم حاجة الأم فإذا كنت إذا أرسلت إلى أبيك شيئا استأثر به ولم يصل إلى أمك منه شيء فأرسل إلى أمك ولا حرج وإذا كان لديك سعة في المال فأرسل إليهما جميعا فإن ذلك من البر ولكن خيرا من ذلك أن ترسل إلى أبيك هدية النصيحة وتخويفه من الله عز وجل وأمره بتقوى الله سبحانه وتعالى لأن ذلك خير ما تهديه إلى أبيك وأبوك في الحقيقة على خطر في تهاونه بالصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي عمود الدين وإذا أخل بها الإنسان فقد أخل بعمود الدين وإذا أخل بها الإنسان لم يكن لديه ناه عن الفحشاء المنكر ثم إن تساهله بألفاظ الطلاق من المشاكل الكبرى لأنه إذا طلق بنية فإن امرأته تطلق إذا لم يوجد مانع من وقوع الطلاق وإذا طلقت مرتين فإنها في الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فعليك أن تكرر النصيحة عليه في هذه المسألة حتى لا يطأ فرجا حراما عليه وهو لا يدري وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.


هذا المستمع أ. ب. س. يقول بأنه شاب متغرب عن والده ويعمل في هذا البلد المبارك وقبل مجيئي هنا أسرفت على نفسي بل ارتكبت أكبر الكبائر ولكنني بعد فترة تبت إلى الله ولكني شكيت في توبتي لأني سمعت حديثاً يقول ثلاثة لا ينفع معهن العمل وعدّ منها عقوق الوالدين فهل لي مخرج وهل لي أن أحج قبل الرجوع إليهما مع أني لو سافرت هناك قبل أن أحج محال عليّ الرجوع إلى هنا لصعوبة الطريق علي وهل تقبل مني الأعمال الصالحة أرجو النصح والتوجيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن الأعمال الصالحة تقبل من هذا الرجل الذي تاب إلى الله سبحانه وتعالى من عقوق والديه ولكن نظراً إلى كون العقوق من حقوق الآدميين فإنه لا بد من استرضاء الوالدين واستسماحهما ولا حرج عليه لو حج قبل ذلك أو عمل عملاً صالحاً قبل ذلك لأن العقوق ليس ردة تبطل الأعمال ولكنها من كبائر الذنوب فمن تحقيق توبته إلى الله سبحانه وتعالى أن يسترضي والديه ويستسمحهما عما جرى منه من العقوق.


بارك الله فيكم يقول ع. ع. أ. مقيم بالرياض هل مناداة الوالدة باسمها يعد عقوقاً لها وإذا كنت متعوداً على ندائها باسمها وهي ترضى بذلك فهل هذا جائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان أن ينادي أبويه أو أحدهما باسمه لكنه ليس من الأدب أن يفعل ذلك بل يقول يا أمي يا والدي يا أبي وإذا أضاف الاسم إلى هذا لا بأس مثل أن يقول يا والدي فلان يا والدتي فلانة أما أن يذكر اسميهما بدون أن يذكر وصف الأبوة أو الأمومة فإن هذا يعتبر خلاف الأدب.
يافضيلة الشيخ: إذا قال يا أم فلان؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان كل الناس لا يعدون هذا مخالف للأدب فيجوز.
وهناك ملاحظة عما سبق وهو أن الجواب السابق عما إذا ناداهما باسمهما أي في النداء أما فيما لو أخبر عن أبيه وعن أمه فلا حرج أن يقول قال فلان كما وقع ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم فمثلاً إذا كان أبوه اسمه عبد الله قال عبد الله بن فلان كذا وكذا قالت فلانة كذا وكذا لكن النداء شيء والخبر شيء آخر فالنداء يعد الناس هذا من سوء الأدب أن يناديه باسمه العَلَم دون أن يقرنه وصف الأبوة أو الأمومة وأما الخبر فلا يعدون ذلك سوء أدب ولا بأس به.


بارك الله فيكم المستمع من جده له سؤال يقول شخص توفي والداه وهما غاضبان عليه لأنه كان عاقاً لهما فقيل له إن من عق والديه لا يجد رائحة الجنة وبذلك فقد فقد الأمل في دخول الجنة ولكي لا يصاب بيأس من رحمة الله قال له شخص آخر إنك تستطيع برهما بعد الموت وذلك بالدعاء لهما والاستغفار لهما والصدقة عنهما وإن الله سبحانه وتعالى سيجمع بينكم يوم القيامة ويخبر والديك بأنك فعلت كذا وكذا من أجلهما فإن رضيا عنك فإن الله سيعفو عنك والسؤال هو هل هناك أصل لما قاله هذا الشخص بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القضية عبرة لمن اعتبر تفيد أن الإنسان العاقل ينتهز الفرصة في القيام بما أوجب الله عليه لئلا تفوته الفرصة فبإمكان هذا السائل أن يكون باراً بوالديه قبل موتهما ولكنه سوّف وأهمل وفرّط حتى فات الأوان وانتقلا من الدنيا إلى الآخرة ولكني أقول له إن باب التوبة مفتوح فإذا علم الله من عبده أنه قد ندم على ما صنع واستغفر ربه فإن الله تعالى يغفر له ولا يترتب على فعله السابق شيء مما يكون في تركه وتضييعه فلا إثم عليه ولا عقوبة وأرجو من الأخ السائل أن يستمع إلى هذه الآية الكريمة (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهذه الجرائم العظيمة الشرك وهو أعظم الذنب وقتل النفس وهو أعظم العدوان على البدن والزنا وهو أعظم العدوان على العرض إذا تاب الإنسان منها وآمن وعمل عملاً صالحاً فإن الله يبدل سيئاته حسنات ويغفر له ومن المعلوم أن الشرك لا يغفره الله (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) ومع هذا إذا تاب الإنسان منه غفر الله له ورحمه وإذا اتصف بالأوصاف الثلاثة تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات فليبشر هذا السائل إذا كان قد تاب إلى الله وندم على ما جرى منه من تقصير في حق والديه فليبشر بمغفرة الله له وليسأل الله الثبات وليكثر مما أرشده إليه أخوه من الاستغفار لوالديه والدعاء لهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فإذا فعل ذلك عفا الله عنه وغفر له.


السائلة فتاة تقول إنني حينما أكون أشتغل أو يأتي وقت ضيق أو يأتي والدي لطلب شيء قد رفعته أو قد وضعته أرفع صوتي عليهم فهل هذا حرام مع أنني أكره هذا الفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا شك أن مثاره الغضب وضيق النفس والذي ينبغي للإنسان أن يملك نفسه عند الغضب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال أوصني قال (لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب) فالذي ينبغي للإنسان أن يملك نفسه عند الغضب ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا أحس به حتى يهدأ وإذا كانت تملك نفسها حينئذٍ عن رفع صوتها فإنه لا يجوز لها أن ترفع صوتها عليهم لقوله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) ومن المعلوم أن الوالدين إذا بلغا الكبر يحصل منهما دائماً ما يضيق به المرء ويحرج المرء وما يغضبه ومع هذا قال الله تعالى (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) فالواجب عليها أن تتأدب مع والديها وأن تملك نفسها عند الغضب وأن لا تفعل ما فيه زجرٌ ونهرٌ لهما


بارك الله فيكم السائل أبو بكر حميد من جدة يقول بأنه شاب ويحمد الله على ذلك ولكنني أشكو إلى الله أولاً ثم إليكم ذنباً كلما تبت منه رجعت إليه وهو عقوق الوالدين حيث أنني أرفع صوتي فوق صوتهما أحياناً وأفعل أشياء تؤذيهما فما حكم ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عقوق الوالدين من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ألا أنبأكم بأكبر الكبائر ثلاثاً قالوا بلى يا رسول قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وكان متكئاً فجلس عند ذكر شهادة الزور) ومازال يكررها قال أبو بكرة راوي الحديث حتى قلنا ليته سكت، فلا يحل لإنسان أن يعق والديه بل عليه أن يحسن إليهما وإذا علم الإنسان أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) يعني قاطع رحم فإنه في هذه الحال يخاف وينزجر عن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وليمرن نفسه على ذلك وإذا خاف أن يشتد القول مع والديه فليخرج من البيت حتى يبعد غضبه ويحاسب نفسه.


تقول السائلة عندي والدة حفظها الله كلما طلبت مني أمراً لبيت طلبها بسرعة ولا أتأفف أمامها ولا أظهر لها التضجر ولكن عندما أذهب إلى بعض أخواتي في الله أشكو لهن من والدتي بأن ما تطلبه والدتي كثير جداً فهل يعتبر هذا من عقوق الوالدين أفيدوني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن هذا من عقوق الوالدين لأنه غيبة للوالدة وإذا كانت هذه المرأة ترضي والدتها بما تطلب ابتغاء وجه الله فإنه لا يجوز أن تمن بذلك أو أن تؤذي أمها بذلك بسبها عند صاحباتها قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله عز وجل مما صنعت وأن تقلع عنه في المستقبل وأن ترجو بإرضاء والدتها بما تطلب منها وجه الله عز وجل وأن تسأل لها الهداية.


هذا السائل للبرنامج يقول بالنسبة من رفع صوته على والديه في حالة غضب هل يأثم في ذلك وهل يطلب رضاهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للولد أن يرفع صوته على أبويه لقول الله تبارك وتعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) والغالب أن الأبوين إذا بلغا الكبر حصل منهما إيذاء لأولادهما وإشقاق عليهم ومع ذلك نهى الله سبحانه وتعالى الولد أن يتضجر منهما أو ينهرهما وأمرهم أن يقول لهم قولا كريما فمن رفع صوته على أبيه أو أمه فليستغفر الله عز وجل وليتحلل من أبيه وأمه وليعلم أن البر أسلاف كما يقول العامة وقد جاء في الحديث (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم).


السائل جمال أحمد يقول ما حكم من يتشاجر مع والده كلما رآه ينتهك حدود الله أو يستهزئ بأمور الدين ولكنه بار به ويكفيه جميع ما يعنيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن كونه يعتب على أبيه ما يحصل منه من المعاصي التي ربما تؤدي إلى الكفر كسب الدين فإنه من بره بوالده لأنه أمر بمعروف ونهي عن منكر وأحق الناس أن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر هو أبوك وأمك لأنهم أقرب الناس إليك ولأنك بضعة منهم وقد كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يتكلمون مع آبائهم في ترك المنكر وفعل المعروف لكن ينبغي أن يكون بالأسلوب الحسن الذي لا ينجرح به قلب واحد منهم واستمع إلى المحاورة التي جرت بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وبين والده في سورة مريم حيث قال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً) (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) إلى آخر القصة تجد كلاما لينا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه فأنت بالنسبة لأبيك إذا أردت أن تنصحه عما كان عليه من المعاصي فليكن ذلك باحترام ورفق ولين لأن الأب يرى أن له حق عليك وأنه أكبر منك وهو فعلا أكبر منك وله حق عليك حتى إن الله تعالى قال (وَإِنْ جَاهَدَاكَ على أن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) يعني إن بذل جهداً على أن تشرك بالله (فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وقال تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) فأنت لا تلام إذا نصحت والدك لكن ليكن ذلك بالرفق واللين حتى يحصل المقصود وليس هذا من العقوق بل هذا من البر فإن أعظم هدية يهديها الإنسان إلى أبيه وأمه أن يأمرهما بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولكن بأدب واحترام.


هل الشخص الذي يرفع صوته على والديه في وقت الغضب الشديد ثم بعد الهدوء من ذلك الغضب يندم على ذلك الفعل أشد الندم هل يعتبر هذا من عقوق الوالدين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان لا يملك نفسه حال الغضب حتى رفع صوته على أبيه أو أمه فإنه لا يؤاخذ بهذا لكن عليه إذا زال الغضب أن يتحلل من والديه وعلى والديه أن يقدرا هذه الحال وأن يحللاه لا سيما إذا جاء معتذراً.
ولكني أنصح هذا وغيره من أولئك القوم العصبيين أن يتداووا بما وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو: أولاً أن لا يغضبوا يعني أن يحاولوا منع الغضب فيفرجوا على أنفسهم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء إليه رجل وقال له يا رسول الله أوصني قال (لا تغضب فردد مراراً فقال لا تغضب) لعلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذا الرجل كان غضوباً وإلا لأوصاه بتقوى الله عز وجل التي أوصى الله بها الأولين والآخرين هذا واحد فأولاً يمنع الغضب أصلاً يحاول أن لا يغضب وأن يكون بارد الطبع.
ثانياً وإن غضب فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً غاضباً فقال (إني لأعلم كلمةٌ لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وذلك لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان فتنتفخ أوداجه وتحمر عيناه ويفور.
ثالثاً إذا كان قائماً فليقعد وإذا كان قاعداً فليضطجع لأنه بتغيير حاله يبرد الغضب عنه.
رابعاً أن يتوضأ وضوءه للصلاة الوضوء المعتاد يعني يغسل وجهه ويتمضمض ويستنشق ويغسل يديه إلى المرفقين وما أشبه ذلك وبهذا يسلم من الغضب.


رسالة وصلت من المملكة العربية السعودية من المستمع ج ع ش ملخصها يقول بأنه شاب يبلغ من العمر الثالثة والعشرين متزوج على سنة الله ورسوله من فتاة وهي بنت عمه شقيق والده ويقول بعد فترة من الزواج ما يقارب من أربعة أشهر وكان يسكن هو وزوجته في بيت أبيه وفي ذات يوم حصل سوء تفاهم بين زوجته وبين أهله فذهبت زوجتي إلى بيت أبيها وبعد ذلك طلبت مني زوجتي أن استأجر شقة على قدر الحال لنسكن أنا وهي وحدنا ونبعد عن المشاكل أو أن نسكن في بيت أبيها بشرط أن لا تنقطع صلتي بأهلي أبداً وأن أكون سائلاً عنهم دوماً فوافقت على ذلك الأمر وعرضت ذلك على أهلي ولكنهم رفضوا ذلك وأصروا على أن أسكن عندهم هل علي ذنب يا فضيلة الشيخ إذا خالفتهم على إصرارهم وسكنت أنا وزوجتي في شقة أو في بيت أبيها أفيدونا أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذه المشكلة التي حكاها السائل تقع كثيراً بين أهل الرجل وزوجته والذي ينبغي في مثل هذه الحال أن يحاول الرجل الالتئام بين وزوجته وأهله والائتلاف بقدر الإمكان في هذا المجال بقدر الإمكان وأن يؤنب من كان منهم ظالماً معتدياً على حق الآخر على وجه لبق ولين حتى تحصل الإلفة والاجتماع فإن الاجتماع والإلفة كلها خير فإذا لم يمكن الإصلاح والالتئام فلا حرج عليه أن ينعزل في مسكن لوحده بل قد يكون ذلك أصلح وأنفع للجميع حتى يزول ما في قلوب بعضهم على بعض وفي هذه الحال لا يقاطع أهله بل يتصل بهم كل يوم ويحسن أن يكون البيت الذي ينفرد به هو وزوجته قريباً من بيت أهله حتى تسهل مراجعتهم ومواصلتهم فإذا قام بما يجب عليه نحو أهله ونحو زوجته مع انفراده مع زوجته في مسكن واحد حيث تعذر أن يسكن الجميع في محل واحد فإن هذا خير وأولى.


بارك الله فيكم المستمع أ. س. س. من الأردن بعث برسالة يقول فيها لقد اخترت فتاةً على خلقٍ ودين لتكون زوجةً لي ولكن عندما أخبرت والدي بذلك رفض وحاولت إقناعه ولكنه أصر فأردت أن أعرف السبب فقال ليس هناك من سبب وأنا حائر بين طاعته أو صرف النظر عن هذه الفتاة التي اخترتها رغم ما يسببه لي ولأسرتها من آلامٍ نفسية فأرجو النصيحة إلى الطريق الصحيح جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال يقتضي أن نوجه نصيحتين: النصيحة الأولى لوالدك حيث أصر على منعك من التزوج بهذه المرأة التي وصفتها بأنها ذات خلقٍ ودين فإن الواجب عليه أن يأذن لك في تزوجها إلا أن يكون لديه سببٌ شرعي يعلمه فليبينه حتى تقتنع أنت وتطمئن نفسك وعليه أن يقدر هذا الأمر في نفسه لو كان أبوه منعه من أن يتزوج امرأة أعجبته في دينها وخلقها أفلا يرى أن ذلك فيه شيء من الغضاضة عليه وكبت حريته فإذا كان هو لا يرضى أن يقع من والده عليه مثل هذا فكيف يرضى أن يقع منه على ولده مثل هذا وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فلا يحل لأبيك أن يمنعك من التزوج بهذه المرأة بدون سببٍ شرعي وإذا كان هناك سببٌ شرعي فليبينه لك حتى تكون على بصيرة أما النصيحة التي أوجهها إليك أيها السائل فأنا أقول إذا كان يمكنك أن تعدل عن هذه المرأة إلى امرأةٍ أخرى إرضاءً إلى أبيك وحرصاً على لمَّ الشعث وعدم الفرقة فافعل وإذا كان لا يمكنك بحيث يكون قلبك متعلقاً بها وتخشى أيضاً أنك إن خطبت امرأةً أخرى أن يمنعك أبوك عن الزواج بها أيضاً لأن بعض الناس قد يكون في قلبه غيرة أو حسد ولو لأبنائه فيمنعهم مما يريدون فإذا كنت تخشى هذا ولا تتمكن من الصبر عن هذا المرأة التي تعلق بها قلبك فلا حرج عليك أن تتزوجها ولو كره والدك ولعله بعد الزواج يقتنع بما حصل ويزول ما في قلبه ونسأل الله أن يقدر لك خير الأمرين.


بارك الله فيكم من مصر بعث المستمع توفيق محمد خليفة مصري الجنسية بهذه الرسالة يقول فيها إنني متزوج من بنت خالتي وبعد زواجي منها بسنة غادرت إلى العراق للكسب وعندما وصلت إلى العراق قام والدي ووالدتي بطرد زوجتي علماً بأنني أنجبت منها طفلة وأريد السفر من العراق إلى مصر حيث أنها موطني بعد غربة استمرت ثلاث سنوات وأنا في حيرة من أمري هل عند وصولي البلد أذهب أولاً إلى والدي ووالدتي أم أذهب إلى زوجتي وابنتي علماً بأن والدي ووالدتي يرغبون في طلاقها أرجو منكم الإفادة بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن كلاً من والديك وزوجتك وابنتك له حق عليك ولكن الأفضل أن تبدأ بوالديك فتذهب إليهما وتسلم عليهما وتجلس معهما ما شاء الله ثم تنصرف إلى زوجتك وابنتك ومعلوم أن إقامتك الأكثر سوف تكون عند زوجتك وابنتك وسوف تأتي إلى والديك على سبيل الزيارة.


يقول فضيلة الشيخ محمد لقد تركت والدي ووالدتي منذ زمن وذلك للأسباب التالية أولا وهو المهم لأن أخواني جميعهم شباب بالغين ولكنهم لا يصلون وكل أمور اللهو والفساد عندهم موجودة وقد نصحهم أبي وأمي ونصحت لهم أنا ولكن لا فائدة من ذلك ثانيا إنني أريد أن أتزوج إن شاء الله قريبا والبيت صغير جدا وكما تعلمون لا يجوز أن تكشف زوجتي لإخواني هل أنا آثم حين تركت والدي ووالدتي وإذا كنت آثماً ماذا علي أن أفعل جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أوجه نصيحة إلى إخوان السائل الذين وصفهم بأنهم لا يصلون وأن جميع آلات اللهو الفاسدة عندهم أقول لهم هداهم الله إنكم لم تخلقوا في هذه الدنيا عبثا تتمتعون كما تتمتع الأنعام وإنما خلقتم لعبادة الله سبحانه وتعالى وأجل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة الصلاة فإنها عمود الإسلام ومن أقامها وحفظها حفظ الله عليه دينه وكانت سببا في حفظه من الفحشاء والمنكر لقول الله تبارك وتعالى (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) وإضاعتها من أسباب الغي والهلاك والشقاء وإضاعتها كفر مخرج من الملة على القول الراجح من أقوال أهل العلم لدلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وإضاعتها سبب لضيق النفس وضيق الصدر وضيق الرزق ولهذا قال الله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) وإضاعتها سبب لإضاعة غيرها من العبادات لأن من أضاع صلاته مع أهميتها وخفتها وقلتها فهو لما سواها أضيع وإضاعتها بتركها بالكلية سبب لرد الأعمال الصالحة سواها وذلك أن الكافر لا يقبل له عمل صالح حتى يؤمن فلو قدر أن هذا الرجل التارك للصلاة صام أو تصدق أو حج أو اعتمر فإن صيامه وصدقته وحجه وعمرته لا تقبل منه لقول الله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) فأقول لهؤلاء الذين ذكر عنهم أخوهم ما ذكر اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في أمكم وأبيكم وأخيكم اتقوا الله في مجتمعكم لأن معاصيكم قد تكون شؤما على المجتمع كله لقول الله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ثم بعد ذلك أقول للسائل إذا كان لا يمكنك تغيير المنكر في البيت ولا التخلص منه بحيث يكون البيت صغيرا ولا يمكنك أن تنفرد بحجرة أو غرفة فإن الواجب عليك أن تخرج من البيت سواء تزوجت أم لم تتزوج وأما إذا كان بقاؤك في البيت يمكنك أن تتخلص من المنكر ويكون بقاؤك تخفيفا وتوسعة لصدر أبيك وأمك فابق في البيت وخفف المنكر ما استطعت وربما يكون في مداومة نصيحتك لإخوانك ما يزول به المنكر.


بارك الله فيكم يقول هذا السائل أعيش أنا ووالدي ووالدتي وامرأتي وإخوتي في بيت واحد أحيانا أحضر لزوجتي شيء من الأكل دون علم والدي ووالدتي ونأكل دون أن يرانا أحد فما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تخص زوجتك بشيء من الطعام بشرط أن تكون قائما بما يجب عليك نحو عائلتك أي نحو أبيك وأمك وأخواتك لكن في هذه الحال ينبغي أن يكون ذلك سرا لا يعلمون به لئلا يؤزهم الشيطان فيلقي بينك وبينهم العداوة.


رسالة طويلة وصلت من السائل حسين أ. من مكة المكرمة يقول في هذا السؤال أعرض عليكم فضيلة الشيخ مشكلتي مع زوجتي فقد تزوجت بعد وفاة الوالد رحمه الله بسنتين وترك الوالد أمانةً في عنقي وهم أمي وإخوتي الصغار القصر وأنا المعيل الوحيد بعد الله عز وجل لهم وتقدمت لخطبة زوجتي بشرط أن لا أستقل ببيتٍ مستقلٍ لها لظروفي الخاصة كما ذكرت ووافق أهل زوجتي على شرطي وتم الزواج وبعد ستة أشهر من الزواج بدأت زوجتي تخلق المشاكل لأجل بيتٍ مستقلٍ لها وهي تعلم جيداً أني لا أستطيع لظروفي ولدخلي المحدود حيث أنني أعمل براتب قدره ألف ريال شهرياً وخيرتني بين أمي وبينها وذهبت إلى بيت أهلها دون أي اعتبارٍ بمشاعري ورزقني الله منها بولد وحرموني من زيارته وأنا أحاول أن أعيدها إلى بيتي بشتى الطرق ولكن دون جدوى والآن أنا محتار يا فضيلة الشيخ هل أختار أمي التي ربتني أم هذه الزوجة أم ولدي أفيدوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما دام بينكما الشرط عند العقد أن لا تجعل لها بيتاً مستقلاً فأمركم إلى القاضي والقاضي هو الذي يحكم بينكما أسأل الله الهداية للجميع وينبغي لك أن تعرف ما هي المشاكل التي حصلت بين أمك وزوجتك وتحاول حلها بقدر الاستطاعة لأنها قد تكون مسألة سهلة يسيرة ولكن الشيطان ينزغ بين الناس فأرى قبل الوصول إلى التحاكم أرى أن تنظر في المشكلة إذا أمكن حلها فهذا أحسن وإذا لم يمكن فليس هناك إلا التحاكم إلى القاضي ونسأل الله للجميع التوفيق.


هذه الرسالة من أحد المستمعين يقول فيها أرجو أن ترشدوني إلي ما فيه الخير إني متزوج من خمسة أعوام ودائماً يحصل بين الأسرة مشاجرة ولي والدة وأخوان صغار ما معاهم سوى وجه الله وأنا الذي أعمل وأصرف عليهم ودائماً تحصل مشاجرة بين زوجتي ووالدتي نتيجة الإخوان فهم يأتون بالمشاكل ولم أدر ماذا أفعل ولي بيت يبعد ثلاثة أمتار من بيت إخواني بنيته بخمسين ألف ريال يمني ولا أدري هل أبقى مع والدتي وإخواني أم انتقل إلى هذا البيت المجاور لهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إنه إذا لم يمكن العيش بسلام بين الأسرة فإنه لا حرج عليك أن تنقل زوجتك إلى محل آخر تسكن معها وتستطيع أن ترضي والدتك بما تطيب بها نفسها وهذا أهون من بقاء الجميع في نكد لا يتمتعون بحياة سعيدة لا أنت ولا هم وكونك تنفرد بأهلك في مكان آخر ليس هذا من العقوق بل هذا من الإصلاح والله تبارك وتعالى لا يضيع أجر المصلحين فالذي نرى لك أن تنفرد وزوجتك في مكان وتكون مع أمك بقلبك وقالبك وتأتي إليها بين ساعة وأخرى.


المستمع رشدي من مصر يقول كيف يوفق المسلم بين إرضاء الوالدين الأم والأب وبين الزوجة حيث إن والديّ لا يرتاحان إلى زوجتي كثيراً وكذا زوجتي لا ترتاح لهم فأنا سعيد مع زوجتي وأبنائي فبماذا تنصحونني؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأن تحرص غاية الحرص على التوفيق بين زوجتك وبين أبيك وأمك فإن حصل التوفيق فهذا من نعمة الله على الجميع وإن لم يحصل فاستأذن والديك أن تخرج في بيت وحدك أنت وزوجتك وأولادك ويحسن أن يكون قريباً من بيت الوالدين حتى تسهل الزيارة لهما وأنت إذا انفردت عن والديك من أجل هذا الغرض فإن انفرادك صحيح وليس عليك فيه حرج لأن هذا خير من بقاء الحياة الزوجية في نكد وعيش والديك في نكد أو أن تفارق زوجتك وأولادك.


بارك الله فيكم هذا المستمع س. ع. و. من سكاكا الجوف بعث برسالة يقول فيها تزوجت من دولةٍ عربية مجاورة وزوجتي راضٍ عنها ديناً وخلقاً فهي محافظة على الصلوات والصيام ومطيعة إلى أبعد الحدود لكن المشكلة تكمن في أهلها فهم لا يصلون ولا يصومون ولا يقيمون وزناً للدين فهل يجوز أن نزورهم ونتصل بهم أم أن لي الحق في أن أمنع أهلي وأولادي من زيارتهم خوفاً من الفتنة خاصةً وأن أولادي سيرافقون زوجتي في هذه الزيارة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن الذي سيعاشر الزوج زوجته فقط فإذا كانت مستقيمةً في دينها وخلقها فإنه لا يضره أن يكون أهلها منحرفين عن دين الله عز وجل وله في هذه الحال أن يمنعها من الذهاب إليهم إذا خاف عليها من الفتنة في دينها أو خاف على أولاده من الفتنة في دينهم ولكن لو كان يرجو بالذهاب إليهم أن يستقيموا ويهديهم الله عز وجل وصار يذهب إليهم ليعرض عليهم الحق ويحذرهم من المخالفة فإن هذا من باب الدعوة إلى الله عز وجل ولا بأس به لكن إذا لم يجد تقبلاً ولم يجد إلا استهزاءً وسخرية فإن له الحق في أن يهجرهم ولا يذهب إليهم وأن يمنع زوجته وأولادها منهم إذا خاف عليهم الفتنة.


هذا المستمع عطية من جمهورية مصر العربية يقول فضيلة الشيخ هل يجوز لي أن أمنع زوجتي من زيارة والديها حيث إنهم يعملون أعمالاً تخل بالشريعة الإسلامية من طواف حول الأضرحة والاستغاثة بهم والتبرك بالأولياء وهذا خوفاً مني على زوجتي أن تقع بهذه الأمور الشركية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة زوجتك لأهلها ولا سيما إذا كان والداها من البر والصلة ولقد قال الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فأمر الله بمصاحبة الوالدين بالمعروف في الدنيا مع إنهما مشركان ويجاهدان ولدهما على الشرك فدل هذا على أن المعاصي لا توجب قطيعة الرحم ولا عقوق الوالدين بل صل رحمك وبر بوالديك وإذا احتجت إلى شيء من أمور الدنيا فلا حرج عليك أن تستنجد بهما لأنهما أبواك وينبغي لك إذا أذنت لزوجتك أن تزور أهلها وهم في هذه الحال أن تحثها على نصيحتهم وعلى بيان الحق لهم فإنه ربما تكون هدايتهم على يدك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب (انفذ على رسلك فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).


المستمع ح هـ ن من العراق يقول والدتي على قيد الحياة وقد تزوج والدي غيرها ولكنها سيئة المعاملة لنا ولوالدنا وقد أثارت الكثير من الفتن والمشاكل بيننا وبين والدنا حتى تسببت في الفرقة بيننا إلى أن انتقل هو وزوجته الأخرى وأبناؤه منها إلى منزل آخر وهجرونا من كل شيء حتى أنها تسب والدي وتشتمه وقد جعلتني أكرهها كثيرا وأدعو عليها وعلي بالموت فهل علي إثم في ذلك وهي ماذا عليها في فعلها ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن العدوان على المسلم ولا سيما من بينك وبينه صلة أنه محرم ولا يجوز لأحد أن يعتدي على أخيه المسلم بالأذى بقول أو فعل لقول الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) والواجب عليها وعليكم أيضاً التواد والتآلف وعدم النزاع والخصومة وأن تزيلوا ما في نفوسكم من الأحقاد والأضغان والكراهية وإن الإنسان ليأخذه العجب أن يقع هذا من والدة لأولادها ومن زوجة لزوجها ولكن الهداية بيد الله عز وجل وعليكم أن تبدؤا الحياة من جديد وأن تناصحوا أمكم بما فيه الخير والصلاح حتى لا تلجئ الوالد إلى الخروج بزوجته الجديدة وأبنائها وإذا أمكن إعادة الأمور إلى مجاريها وأن يرجع الوالد إلى بيته الأول وتسكنوا جميعاً عيشة واحدة وبيتا سعيداً فإن هذا هو الأولى وأما ما ذكرت من أنك تدعو على نفسك وعليها بالموت فهذا حرام ولا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) فعليك أن تصبر وأن تحتسب وأن تسأل الله الهداية لوالدتك والله سبحانه وتعالى مقلب القلوب إذا شاء واقتضت حكمته أن تعود الأم إلى ما يجب عليها فإن هذا ممكن وليس على الله بعزيز وعليك يا أخي بالصبر وكثرة الدعاء بأن الله سبحانه وتعالى يهدي والدتك بما فيه الخير والالتئام والائتلاف.


أم محمد المملكة العربية السعودية تقول في رسالتها لي ولد في الثانية والعشرين من عمره يقاطعني من عشرين سنة تقريباً وأنا قلبي دائماً يدعو له بالتوفيق والهداية ولم أعمل له أي عمل يجعله يقاطعني هذه المدة الطويلة عدا أنه حصل طلاق بيني وبين والده وحتى الآن لم يَلِنْ قلبه أو يأتي إلي ليعتذر فضيلة الشيخ هل يجب علي أن أدعو له أم لا لأن قلبي لا يتحمل أن أدعو عليه وما حكم عمله هذا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الولد الذي انفصل عنك مع أبيه منذ عشرين سنة وكان لا يهتم بك ولا يزورك ولا يصلك قد أتى أمراً عظمياً من المنكر وذلك لأنه أخل بالبر الذي أمر الله به في قوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فعلى هذا الولد أن يتوب إلى الله عز وجل من هذه القطعية ومن هذا العقوق وأن يرجع إلى رشده ويقوم بواجب الإحسان وواجب البر وإلا فإنه على خطر عظيم والعياذ بالله أما بالنسبة لك أنت فأنت مشكورة على ما تقومين به من الدعاء له وأنت على خير وأنت بهذا العمل تكونين قد وصلت الرحم وقد التزم الله عز وجل للرحم أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها فأنت استمري في الدعاء له ولعل الله أن يهديه بدعائك له أما نصيحتي لهذا الابن بأن يقلع عن عقوقه وقطيعته وأن يتجه إلى البر والإحسان إليك والشكر لك على ما قدمت له وإذا تاب تاب الله عليه.


المستمع ص. ي. ن. من الأردن بعث برسالة يقول فيها بأنه شاب يبلغ الخامسة والعشرين من العمر والدي ووالدتي في خصام مستمر طول أيامهما إن بررت الأول غضب ونفر الثاني وإن بررت الثاني غضب الأول واتهمني بالعقوق ماذا أفعل يا فضيلة الشيخ لكي أبرهما وهل أعتبر عاقاً بالنسبة لأمي بمجرد أنني بررت بأبي أو العكس نرجو من فضيلة الشيخ إجابة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على هذا أن نقول إن بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر لقول الله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله تعالى (أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، والأحاديث في هذا كثيرة جداً فالواجب على المرء أن يبر والديه كليهما الأم والأب يبرهما بالمال والبدن والجاه وبكل ما يستطيع من البر حتى إن الله تعالى قال في سورة لقمان (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فأمر بمصاحبة هذين الوالدين المشركين الذين يبذلان الجهد في أمر ولدهما بالشرك أمر ولدهما وهم أعداء الله أن يصاحبهما في الدنيا معروفا وإذا كان كذلك فالواجب عليك نحو والديك الذين ذكرت أنهما في خصام دائم وأن كل واحد منهما يغضب عليك إذا بررت الآخر أمران: الأمر الأول بالنسبة للخصام الواقع بينهما أن تحاول الإصلاح بينهما ما استطعت حتى يزول ما بينهما من الخصام والعداوة والبغضاء لأن كل واحد من الزوجين يجب عليه للآخر حقوق لابد أن يقوم بها ومن بر والديك أن تحاول إزالة هذه الخصومات حتى يبقى الجو صافياً وتكون الحياة سعيدة.
الأمر الثاني الواجب عليك نحوهما أن تقوم ببر كل واحد منهما وبإمكانك أن تتلافى غضب الآخر إذا بررت صاحبه بإخفاء البر عنه فتبر أمك بأمر لا يطلع عليه والدك وتبر والدك بأمر لا تطلع عليه أمك وبهذا يحصل المطلوب ويزول المرهوب، ولا ينبغي أن ترضى ببقاء والديك على هذا النزاع وهذه الخصومة ولا على هذا الغضب إذا بررت الآخر والواجب عليك أن تبين لكل واحد منهما أن بر صاحبه لا يعني قطيعة الآخر بل كل واحد منهما له من البر ما أمر الله به ورسوله.


بارك الله فيكم تقول السائلة بإني أريد أن أقوم بزيارة لوالدي وإخواني وأخواتي كل عام في اليمن برضى من زوجي فإذا وجد المحرم وتسهلت الظروف فهل أعتبر مبذرة لأموال زوجي بسبب هذه الزيارات كل عام علماً بأنني لا أكلفه إلا في حدود طاقته وأنا لا أستطيع أن أقطع الصلة عن والدتي وأهلي أكثر من عام فهل علي حرج في هذا السفر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك حرج في هذا السفر لأن هذا السفر سفر طاعة يقصد به بر الوالدين وزوجك جزاه الله خيراً على مساعدته إياك وهو مثاب ومأجور ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يخلف عليه ما أنفقه على هذا السفر ولا شك أن من أعان على خير فله مثل أجر فاعله.


السائلة التي رمزت لاسمها بـ هـ. م. ش كتبت هذا السؤال بأسلوبها الخاص تذكر بأنها فتاة تعاني من معاملة والدها القاسية ومن ظلمه وقهره وجبروته لدرجة أنها أحياناً تشك في أبوته مما أراه منه وأسمعه من كلامه الجارح ولا أخفي عليكم أنني أكرهه كثيراً ولكن في نفس الوقت أدعو له بالهداية دائماً وكثيراً ما أقع في سبه والكلام في غيبته وأتدارك فعلي هذا بالاستغفار له وبالدعاء له ولا أحب أن أواجهه بل أتهرب منه وهو أيضا لا يسأل عني ولا يهتم بأمري ولكنني أحاول بقدر الإمكان أن أقوم بطاعته إذا أمرني حاولت مرارا تقديم النصيحة له لكنني لم أجد الجرأة الكافية وهو أيضا لا يعطي لأحدنا فرصة لمواجهته ولا يستجيب لا لأهله ولا لغيرهم بل يفعل ما يمليه عليه رفقاء السوء دون أن يفكر هل ما يفعله صحيح أم خطأ دون النظر لعواقب الأمور وأفيدكم علما بأنه مثقف ودائما يردد بعض الأحاديث والعجيب إن تلك الأحاديث تناقض فعله وسؤالي يا فضيلة الشيخ محمد هل علي إثم في عدم محادثته والتهرب منه حيث أن ذلك رغم إرادتي وجهوني في ضوء ذلك وهل يعتبر ذلك من العقوق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن للوالدين حقا على أولادهم من ذكور وإناث وللأولاد حق على آبائهم وأمهاتهم ولكن حق الوالدين على الأولاد أعظم من حق الأولاد على الوالدين لهذا أنصحك أولا بالصبر على ما يحصل من أبيك من الأذية والجور والظلم وأرجو لك بالصبر والاحتساب الثواب من عند الله عز وجل ولا تقاطعيه إذا حصل منه هذا الشيء بل صلىه وبري به وأنت الرابحة أما بالنسبة للأب فإني أنصحه بأن يكون عوناً لأولاده من ذكور وإناث على بره وأن يتلطف إليهم وأن يكون رفيقا بهم وليعلم أن التعسف والجور والظلم على البنات من أعمال الجاهلية فإن أهل الجاهلية هم الذين يكرهون الإناث ويكرهون وجودهن حتى إن أحدهم إذا بشر بالأنثى (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) كانوا في الجاهلية من كراهتهم للنساء إذا ولد للإنسان مولودة ذهب يحفر لها ويدفنها وهي حية والعياذ بالله حتى ذكروا أن بعضهم كان يدع البنت إلى أن تميز أو تكون قريبة من التمييز ثم يخرج بها إلى البر ويحفر لها الحفرة فإذا أصاب لحيته شيء من التراب جعلت تنفض لحيته تنقيها من التراب وهو يحفر لها الحفرة ليدفنها والعياذ بالله ثم يدفنها وأنَّ بعضهم تستغيث به ابنته إذا رأته ألقاها في الحفرة تستغيث به يا أبتي يا أبتي ولكنه لا يرق لها بل يرمسها والعياذ بالله وهذه القلوب أقسى من قلوب الذئاب فكل إنسان يكره النساء ويعاملهن المعاملة السيئة ففيه شبه من أهل الجاهلية فنصيحتي لهذا الأب أن يتقي الله عز وجل فيما رزقه من الإناث وأن يعلم أنه إذا صبر عليهن وأدبهن كن له حجابا من النار كما جاءت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فليرفق بهن لعل الله أن يرفق به إذا لاقاه يوم القيامة.


بارك الله فيكم أمامي رسالة وصلت بالفاكس وهي طويلة من ثلاث ورقات من السائل ر. ش. الدمام يذكر في هذه الرسالة بأنه شاب يبلغ من العمر الخامسة والثلاثين ولديّ والدتي وهي كبيرة في السن وأعيش معها في البيت وكانت حياتي مع والدتي منذ الطفولة جميلة مملوءة بالسعادة حتى أتى عام 1401هـ تقريبا وبدأت معاملتها لي تختلف فأصبح الحب كراهية وصارت يا فضيلة الشيخ حياتي معها صعبة جدا وصارت تكثر علي الأسئلة عن ذهابي وإيابي فهذا العذاب الذي عشته مدة أربعة عشر سنة تقريبا لخصته لفضيلتكم آملا أن أجد الإجابة الشافية الواضحة التي هي مستمدة من شريعتنا السمحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن الواجب عليك أن تصبر على هذه الأسئلة التي توردها أمك عليك لأنه لا يضرك أن تقول لها ذهبت إلى كذا وذهبت إلى كذا وفي ظني أنها لا تسأل هذه الأسئلة إلا لما في قلبها من محبتها لحالك وكيف تقضي حياتك وهل يضرك شيئا إذا قلت فعلت كذا وفعلت كذا ولكن الشيطان يوحي إليك أنك إذا سألتك هذه الأسئلة كأنها نزلت من قيمتك وكأنها جعلتك في منزلة الصبي وهذا من وحي الشيطان ولو فكرت لرأيت أن سؤالها هذا يعني الشفقة الشديدة عليك.
يافضيلة الشيخ: في النقطة الثانية يذكر بأنها تغتابه عند الجيران والمعارف والأقارب؟ فأجاب رحمه الله تعالى: وأما النقطة الثانية وهي كونها تغتابه عند الجيران والمعارف والأقارب فإني أوجه إليها النصيحة وأقول لها إن اغتيابها لولدها من كبائر الذنوب ويزداد كبيرة إذا كانت الغيبة لولدها لأن ولدها من أقاربها بل هو أقرب الناس إليها وفي غيبته قطع للرحم وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) يعني قاطع رحم وقال الله تعالى في كتابه (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فنصيحتي لهذه الأم أن تكف عن غيبة ابنها أما بالنسبة للابن فعليه أن يصبر ويحتسب ويقابل ذلك بالعفو والسماح عن أمه حتى لا يأتي اليوم الذي يكون خصيما لها عند الله عز وجل.
يافضيلة الشيخ: يقول بعد إيضاحي للنقاط يقول إنها كثيرة التهديد إن تركتها في البيت لوحدها فستذهب للشرطة والمحاكم وتبلغ عني بحكم أني أنا من أعولها شرعاً؟ فأجاب رحمه الله تعالى: وهذا أيضا نقطة مهمة لأن كونك تجعلها في البيت وحدها ربما يضيق صدرها ويرد على قلبها تخيلات فاسدة وأوهام لا صحة لها فلا تصبر هي على ذلك وربما يكون غيبتها لك عند الأقارب والجيران سببه هذا أنك تضيق صدرها إذا خرجت عنها وتركتها في البيت وحدها وأنت تعرف أن الكبيرة ليست كالشابة فنصيحتي لك أن تتزوج وأن تجعل امرأتك عند أمك حتى تعيش في حياة سعيدة.
يافضيلة الشيخ: يقول بعد إيضاحي للنقاط أقول في هذا السؤال بعد ما رأيت منها منذ أربعة عشر سنة الماضية لا أريد أن أكون مسؤولا عنها مع أنني أنا من أعولها شرعا فهذا الإلزام الشرعي هل بالإمكان أن يعفيني منه الشرع؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعفيك الشرع من بر والدتك بل عليك أن تبر والدتك بكل ما تستطيع قال الله تبارك وتعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وتذكر أنه إن طال بك زمان فإنك سوف تكون على مثل ما كانت عليه من سوء التصرف وقصر النظر وربما يعاقبك الله في الدنيا قبل الآخرة فيقيض لك من الأولاد من لا يبر بك.
يافضيلة الشيخ: نقطة أخيرة في هذه الرسالة فضيلة الشيخ محمد يقول هل أكون آثما إذا استأجرت منزلا لوحدي بدلا من بقائي معها؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي أنك تكون آثماً بذلك لأنها إذا كانت في حال تأخرك عن المجيء إليها تضجر وتتألم وتتأذى فإنك لو استأجرت بيتا سيكون هذا أشد عليها وأثقل وبذلك تكون جررت على نفسك إثماً وبعدت عن أمك نسأل الله أن يهديك لها وأن يهديها لك وأن يعيننا وإياك على بر والدينا أحياء وأمواتاً.


هذه السائلة تقول فضيلة الشيخ من المسلم به بأن الحب هو شيء خارج عن إرادة الإنسان وليس بيده فهل يأثم الشخص إذا كان يحب أحد الوالدين دون الآخر وإذا كان أحدهما متوفى فهل هذا يوجب أنه يستحق الدعاء أكثر فوالدي رحمه الله وأسكنه الجنة كان له الفضل بعد الله في نجاحي في حياتي وهو الذي منحني الثقة التي كنت أفتقدها فما هي أعمال الخير التي يجب أنه أعملها تجاهه مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الأمر كما قالت السائلة أن الإنسان لا يملك الحب أو البغض فهو أمر يضعه الله تعالى في القلب لكن الإنسان يجب عليه ألا يتأثر بهذا الحب إلا بمقدار الحكم الشرعي فمثلا إذا كان الرجل يحب أحد أبنائه أكثر من الآخر وهذا أمر وارد فإنه لا يجوز أن يفضل هذا المحبوب على إخوانه بما لا يلزمه القيام به فمثلا لا يعطيه سيارة ولا يمنحه أرضا ولا يعطيه مالا دون إخوانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منح بشير بن سعد ابنه النعمان عطية فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهده على هذا قال له (ألك بنون قال نعم يا رسول الله قال هل نحلتهم مثل هذا يعني أعطيتهم مثل هذا قال لا فقال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ما قال أيهما أحب إليك ومن أحببت فانحله دون الآخرين فالمهم أن الحب بيد الله كما قالت السائلة ولا يمكن للإنسان دفعه ولا زيادته ولا نقصه لكن لا يجوز أن يكون لهذا الحب أثر في مخالفة أمر الله ورسوله أما ثناؤها على أبيها فأبوها غفر الله له وجزاه خيرا على ما صنع إليها من معروف وأحسن شيء تهدي إليه أن تدعو له لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فلتكثر من الاستغفار له والدعاء ولتكرم صديقه إذا كان له صديق ولتصل الرحم التي هو الصلة بينها وبينهم.


هذا السائل أحمد من القاهرة يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ أنا طالبٌ في السنة النهائية بكلية الطب البشري ولكنني لم أحضر الامتحانات لمدة عامين وذلك لأنني في الأصل التحقت بهذه الكلية بناءً على رغبة والديّ فهما يريدان مني أن أصبح طبيباً ولكنني لا أحب هذه المهنة وكنت أجد صعوبة بالغة في الدراسة والحفظ وكنت دائماً مكتئباً وحزيناً وأنا أرى المرضى والموتى ولكنني كنت أجاهد نفسي وأغصبها على الدراسة إرضاءً لوالدي وبراً بهما مستعيناً بالله عز وجل في ذلك إلى أن وصل الأمر إلى نهايته في السنة الخامسة فأصبت بحالة اكتئابٍ شديد ويأسٍ من الحياة ولم أعد أستطيع المواصلة ولم أعد قادراً على المذاكرة والنظر في الكتب والمذكرات ولكنني كنت أخفي على والديّ ذلك ولم أستطع دخول الامتحانات ولكنني لم أستطع كذلك أن أخبرهم بأنني لم أدخل الامتحانات وذلك خوفاً على صحتهما ولكي لا أكون سبباً في حزنهما اضطررت إلى الكذب عليهما وأخبرتهما بأنني دخلت الامتحانات ونجحت فيها وأنا الآن أقضي سنة التدريب السؤال يا فضيلة الشيخ أنا أعيش في حالة حزنٍ واكتئاب وغير راضٍ عن نفسي في هذا الكذب الذي أردت به أن أبر والدي وأدخل السرور عليهما فهل أخبرهم بالحقيقة مع ما يترتب عليه من ضررٍ لهما وحزن وفجيعة وهل من كلمة إلى أولياء الأمور بأن يتفهموا قدرات أبنائهم وأن لا يجبروهم على دراسةٍ بعينها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول بارك الله تعالى في هذا الولد وجعله باراً بوالديه وهو نيته طيبة لكن عمله سيئ أما نيته فإنه كذب على والديه درءاً لما قد يحصل لهما من المرض أو الاكتئاب أو نحو ذلك ولإدخال السرور عليهما وهذا حسن لكن كذبه سيئ بلا شك فعليه أن يتوب إلى الله تعالى من هذه الكذبة ولا يعود ولا حاجة لأن يخبر بوالديه بالواقع ما دام الأمر قد فات فليجعله على ما هو عليه وليحاول بقدر الاستطاعة أن يتم دراسته فلعل الله تعالى يجعل فيها بركة حيث قام بها إرضاءً لوالديه ومن فعل شيئاً لله أعانه الله عليه أما نصيحتي للأولياء فنصيحتي لهم أن يدعوا أبناءهم وبناتهم على ما يحبون أن يتجهوا إليه فالولد ذكراً كان أم أنثى أعلم بنفسه وأعلم بما يستريح له من العلوم إلا إذا اختار الولد ذكراً أو أنثى علوماً ضارة في دينه أو دنياه فحينئذٍ لا بأس أن يعارضوه وأن يشيروا عليه بتركه وأن يضغطوا عليه حتى يتركه لأن في ذلك نهياً عن المنكر ودرءاً للمفسدة.


جارٍ التحميل